جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريين: التأسيس والمبادئ

جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريين: التأسيس والمبادئ

 انطلقت جمعيَّة العلماء من نداء عام أطلقه الشيخ عبد الحميد بن باديس عام 1924 عبر «مجلَّة الشهاب» يدعو فيه العلماء في سائر أنحاء القطر الجزائري لتقديم اقتراحات تفيد تأسيس حركة إصلاحيَّة، حين أضحت المشكلة الأساس في استعمار فرنسا للجزائر لا تستهدف وطنهم فحسب بل وكذلك إيمانهم وعقيدتهم في نشأة الجيل. وهكذا أطلق النداء التالي: «أيها العلماء المصلحون المنتشرون بالقطر الجزائري إنَّ التعارف أساس التآلف والاتحاد شرط النجاح فهلموا إلى تحقيق هذا الهدف بتأسيس حزب ديني محض غايته تطهير الدِّين ممَّا ألصق به الجاهلون من الخرافات والأوهام والرجوع إلى أصلي الكتاب والسنة».

 وقد دعا إلى مكاتبته إلى عنوان «جريدة الشهاب» فجاءته الردود المؤيِّدة وكان بعضها يحمل اقتراحات عمليِّة وآراء واضحة وجديدة لتحسين فكرة الحزب في الواقع وكانت أهم الردود ما بعث به المولود بن الصديق الحافظي ويتلخص في النقاط التالية:

تأليف الهيئات الإداريَّة من سائر العناصر الوطنيَّة وعلى رأسهم الأباضيون.

وضع قانون أساس يطبقه الجميع ويحترمه.

تمويل ميزانيَّة الحزب ممَّا يُجمع من أموال الزكاة.

إنشاء مدارس ابتدائيَّة وكتاتيب قرآنيَّة لتعليم الأطفال.

تأسيس فروع للحزب في المدن والقرى.

نشر الدعوة الإصلاحيَّة الدِّينيَّة بين طبقات الأمَّة بطبع الكتب ونشر المجلات العلميَّة وبالمحاضرات والخطب والدروس المسجديَّة.

إبعاد الحزب عن المسائل السياسيَّة.

الاعتراف لهذه الحركة الإصلاحيَّة الإسلاميَّة بجميع الحقوق التي تتمتَّع بها الحركات الدِّينيَّة الأخرى واليهوديَّة.

على ضوء هذه المبادئ تألَّفت هيئة من العلماء بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس وبدأت المباشرة عبر الصحافة ومجلَّة  «الشهاب» القيام بحملة لتعليم القرآن الكريم واللَّغة العربيَّة في المساجد، وكان الأهالي يُلزمون أطفالهم حضور هذه الدروس في الصَّباح الباكر قبل ذهابهم إلى المدرسة كما روى الأستاذ مالك في الجزء الأول من كتاب «شاهد القرن» تحت عنوان «الطفل»، وقد استطاعت الحركة بأسلوب التعبئة الروحيَّة والاجتماعيَّة أن تحقِّق نتائج في تفعيل القيمة الروحيَّة والاجتماعيَّة في مبادرات في إطار مدينة تبسة ما لفت أنظار الإدارة الاستعمار وذلك قبل الإعلان رسميًّا عن نشوء جمعيَّة العلماء في عام 1931.

في الإعلان عن تأسيس جمعيَّة العلماء رسميًّا

ورد في المحضر الأول عام 1931 لتأسيس الجمعيَّة ما ملخصه:

في يوم الثلاثاء في السابع عشر من ذي الحجَّة عام 1349 الموافق 5 أيار 1931، اجتمع في نادي «الترقي» بالجزائر العاصمة اثنان وسبعون من علماء القطر الجزائري بالإضافة إلى مجموعة من الأعيان والطلبة بدعوة وجهتها اللَّجنة التأسيسيَّة التي ترأسها السيِّد عمر إسماعيل أحد أعيان مدينة الجزائر واتفقوا بالإجماع صبيحة ذلك اليوم على تأسيس « جمعية العلماء المسلمين» وذلك بتوجيه من الشيخ ابن باديس الذي غاب عن الاجتماع وأوصى السيِّد عمر إسماعيل أن يختار جماعة من الذين لا يثير ذكر أسمائهم شكوك الحكومة أو مخاوف أصحاب الزوايا (الطرق الصوفيَّة)، وكانت البلاد في تلك الفترة عام 1930 تحتفل بمرور قرن على استعمار الجزائر 1830 – 1930، وقد وضع نظام لهذه الجمعيَّة نقتطف منه المبادئ التالية:

المادَّة الرابعة: إنَّ القصد من هذه الجمعيَّة هو محاربة الآفات الاجتماعيَّة كالخمر والميسر والبطالة والفجور وكل ما يحرِّمه الشرع وينكره العقل وتحجره القوانين الجاري بها العمل.

المادَّة الخامسة: تتذرع الجمعيَّة للوصول إلى غايتها بكل ما تراه صالحاً نافعاً لها غير مخالف للقوانين المعمول بها وهي تقوم بجولات في القطر في الأوقات المناسبة.

المادَّة السادسة: للجمعيَّة أن تؤسِّس لشعبها في القطر نوادي ومكاتب حرَّة للتعليم الابتدائي.

والمهم في هذا الاجتماع التأسيسي الذي حضره جمع من المؤسسين في نادي الترقي في مدينة الجزائر، هو غياب الشيخ بن باديس بقرار منه سببه عدم إثارة مخاوف الإدارة من نشاط هذه الجمعيَّة مما يعني أنَّ هذه الخطوة بدأت تدخل في حصار الإدارة السياسيَّة واستدراجها إلى أبعد من مقاصدها كما رأى بن نبي.

بكل حال فقد مثلت المواد 4، 5، 6 من نظام الجمعيَّة المعيار الأساس الذي بنيت عليه فكرة الإصلاح عبر التعبئة في معناها التربوي والاجتماعي والسياسي.

1) ففي الجانب السلوكي، حدَّد نظام الجمعيَّة المعيار الأولي هو الشرع والعقيدة في تحديد معاني الآفات الاجتماعيَّة الناشئة عن الخمر والبطالة وكل ما يحرِّمه الشرع.

2) وفي جانب التعبئة الاجتماعيَّة أنشأ النِّظام شبكة علاقات اجتماعيَّة من خلال جولات في بلاد الجزائر تهدف إلى تفعيل طاقة إنتاج تربوي وإرادي معيارها الواجب في حدود القوانين.

3) وفي الجانب السياسي ربط المبدأين السابقين بإنشاء نوادٍ للتواصل ومناقشة المشكلات الراهنة في عمل تطوعي خارج وطبقة السلطة الاستعمار.

هذه المبادئ المتقدِّمة على سائر الأفكار الجارية التي في مرحلة العشرينات ترتبط بالتزام منهجي يبطل السياسة الاستعماريَّة التي تضع الجزائري في إطار ينقص من قيمته ودوره، ومن هنا كان الأمر يتطلَّب وعياً للمعاني الأساسيَّة التي اشتملت عليها هذه المبادئ، لكن قوَّة هذه التعبئة في مستوى الأمَّة بدأت تتراجع مع أول إعلان تأسس الجمعيَّة في مستوى حدود نظام الجمعيَّات في ظل سلطة الإدارة الاستعماريَّة اعتباراً من عام 1931.

 
* أ.عمر كامل مسقاوي: مفكر لبناني.


آخر التغريدات: