جمعية العلماء ومشروع النهضة الشامل

جمعية العلماء ومشروع النهضة الشامل

نهج رائد النهضة الجزائرية الأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس نهجا قويما في بناء وتحقيق مشروعه الإصلاحي الشامل الذي آتى أكله بعد سنوات من العمل الدؤوب المسلح بالإرادة القوية والصبر والمصابرة . وكانت جهود الأستاذ الإمام متواصلة على درب المنهج التغييري، الذي رسمه بعد أن درس كل مواطن الخلل، وعرف كل الأسباب والمسببات التي جعلت الشعب الجزائري يعيش مأساة الجهل والتخلف والانحطاط، التي فرضها عليه الواقع الاستدماري البئيس . 

وقد أدرك الأستاذ الإمام أن مستقبل الأمة الجزائرية كالليل المظلم؛ وأن القادم من الأيام سيكون أسوأ من الماضي، بعد أن أحكم المحتل قبضته واستكمل بقوانينه الجائرة إهانة وإذلال كل الجزائريين، وأصبحوا ( أهالي ) ـ أنديجينا ـ في وطنهم؛ وبسط هيمنته الطاغية وجبروته على الجميع، وراح يستعد للاحتفال بمائوية احتلاله واغتصابه للأرض، وما صاحب ذلك الاحتلال الآثم من مظالم وبطش ونفي وتشريد ومجابهات ومقاومة، افتقرت إلى الكثير من الوسائل المجدية والخطط السليمة التي تنقض كيد الاستدمار وتسقط مشاريعه، وتجعله يتراجع ولا ينتصر، ويخسر في كل المواقع والمواطن، ولا يحقق ما حققه على الأرض بمكره وخداعه .

مقاومة الاحتلال بإستراتيجية مناسبة

 وأمام ذلك الواقع الذي كان مفتوحا على كل أنواع الصراع التي لن تجدي معها المواجهة المباشرة؛ عَلِمَ ابن باديس بحنكته أن معضلة الاحتلال ليست مسألة معركة فاصلة تتطلب إعدادًا وتخطيطًا وإستراتيجية مناسبة، بقدر ما هي ـ في تقديره ومن منظوره ـ مسألة تقويم وتقييم، وإعادة قراءة جديدة لتاريخنا مع المحتل، وتعليل ما يحتاج إلى تعليل؛ بَلْهَ الإفادة من كل السلبيات والإيجابيات وما صاحب ذلك من أخطاء وتوفيق على حد سواء؛ لاستئصال مسار الهزائم ودراسة ما تتضمنه طوايا الخط البياني ـ لأيامنا مع العدو ـ من منعرجات يتخللها الانكسار والانتصار .

ولا شك أن الشيخ الرئيس حين استعرض تاريخنا، وقرأ قراءة فاحصة سجل الذاكرة الوطنية وتتبع بموضوعيته المنصفة واقع أسلافنا وما قدموه من ملاحم ومفاداة في سبيل الأرض والعرض؛ ووقف على الداء العضال، وعرف مكامن الضعف، ومن ثمة راح يبحث عن العلاج المناسب وما يتطلبه من جهود مضنية تحتاج إلى عقود طويلة وكفاح شاق، ومعركة مسلحة بقوة العزيمة والتحدي، والوعي بفداحة الخطب وتقدير حجم المأساة التي تعرضت لها القضية الوطنية .

وبعد تأمل وتفكير اقتنع ابن باديس أن الواقع الاستدماري ليس حتمية دائمة يستحيل تغييرها والتخلص منها، وَحَسَمَ الأمر على أن زوال ذلك الواقع البغيض لا يتحقق إلا بالمسارعة إلى تنفيذ مشروع نهضة شاملة؛ تبدأ بمحاربة الأمية المتفشية في أوساط الشعب، ونشر التعليم وإيقاظ الضمائر المتطوحة في أودية الجهالة، وتعميق الوعي بالشخصية الإسلامية، والتعريف بأبعاد الهوية الوطنية الجزائرية وما كان لها من سيادة وأمجاد ومساهمات حضارية قبل النكسة التي فرضها ورسخها الاحتلال . وسرعان ما تبلورت فكرة النهضة الشاملة وتجلت خطوطها العريضة في ذهن الأستاذ الإمام . وبعزيمة العلماء العاملين تحول التفكير الصائب إلى واقع ملموس وعمل مؤسس، وبدأت الخطوات الأولى تتتابع على طريق الهداية لتنتشل أمة من مهواها السحيق، وتعيدها إلى فعالية الحياة وما تموج به من مناشط ومجابهات وصراعات مريرة لا تكاد تتوقف بفعل سيطرة الباطل بمظالمه المتواصلة.

وتصدت الجمعية للسياسة الاستدمارية وأذنابها من مطايا الاندماج، وقاومت أفكار طائفة من المستلبين من النخبة؛ الذين فتحوا الأحضان لمشروع ( موريس فيوليت ) لسنة 1933، الذي كان يتقاطع مع ميولاتهم المتطلعة للتجنس بالجنسية الفرنسية !!! وتحفظت الجمعية على مشروع ( بلوم ـ فيوليت ) لسنة 1936، على الرغم من موافقتها عليه من حيث المبدأ، لأن هذا المشروع كان يتجاهل مطالب الجمعية التي تنادي بفصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية، والحق في تعليم اللغة العربية، واستقلال القضاء الإسلامي . وكان ابن باديس هو صاحب فكرة ( المؤتمر الإسلامي ). وفي غمرة نشاطاتها العلمية والحضارية أسست جمعية العلماء ( دار الحديث ) بتلمسان سنة 1937، وحضر حفل التدشين الأستاذ الإمام الرئيس عبد الحميد بن باديس إلى جانب العلامة الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي . وكان رأس مال الجمعية هو مشروع نهضتها الشامل الذي ركز على إعطاء الأولوية للتعليم الذي تقوم عليه أية نهضة، ويستقيم به الإصلاح الذي ليس له من غاية سوى التغيير الذي تحتاجه الأمة الجزائرية التي فقدت حريتها، وَحُرِمَتْ من حقها السياسي والسيادي؛ وأصبحت مسلوبة الإرادة ومهضومة الحقوق التي تتمتع بها بقية الأمم والشعوب.

ومارست جمعية العلماء المسلمين السياسة على الرغم من التزامها بعدم ممارسة السياسة أو الاقتراب منها؛ وكانت يوميات جمعية العلماء حافلة بالمناشط السياسية سواء بالطرائق المباشرة أو غير المباشرة، وكان تأسيس جمعية العلماء في حد ذاته من صميم السياسة لأنه كان رَدًّا على مظاهر الاحتفال ومضامينه المحتفية بمائوية الاغتصاب والغزو . وكان مقتضى الحال الذي يمليه الواقع الاستدماري هو سيد الموقف الذي يفرض نفسه ، ويصنع رَدَّ الفعل أو يحدد الاتجاه ، وفي أحايين كثيرة يقع التصادم وتجد القوانين الظالمة فرصتها للانتقام وتصفية الحسابات بالتعطيل وسحب الرخصة والمتابعات القضائية . وقد تفاعلت الجمعية مع كل تلك الإبتلاءات بما يناسب وجهة نظرها ومبادئها ومصلحة الأمة، وقدمت الدفوع والدعاوى من أجل حماية الدين الإسلامي والتشبث بالوطن الجزائري والذود عن اللغة العربية؛ ولم تتسامح ـ الجمعية ـ في حق الرموز الثلاثة ـ ( الإسلام ديننا، الجزائر وطننا، العربية لغتنا ) ـ التي كانت تمثل الهوية الحقيقية للأمة الجزائرية، وكانت بمثابة المقدس المجمع عليه، وكان ذلك المقدس محل نضالات الجمعية وموضوع جهادها ورسالتها .

التغيير في ظروف سياسية متقلبة

 وفي أقل من عقد من الزمن ( 1931 ـ 1940 ) ـ بعد تأسيس جمعية العلماء ـ سار رائد النهضة الإصلاحية إلى عفو ربه، وترك مشروعه الحضاري التغييري بين أيدي صحبه ومريديه في ظروف سياسية متقلبة تحيط بها نذر حرب كونية غامضة، لم تسفر بعد عن ملامح  وجهها الحقيقي، ولا عن مآلاتها وما تنطوي عليه من أحداث وتفاعلات تنام في أرحام الغيب المستور .

وبالموازاة مع تطورات الحرب الكونية الثانية  شقت جمعية العلماء الفتية طريقها، ولم تتوقف أو تقدم على حل نفسها، وتكيفت مع الواقع الجديد، ثم دخلت في العمل السري؛ وواصلت رسالتها التي وضعها الإمام الراحل، وعرفت كيف تتكيف مع مسارات الحرب وانشغال الظالمين بالظالمين. وعلى الرغم من نفي الإمام الإبراهيمي إلى آفلو، وتشتيت العديد من ( كوادرها ) الذين طالهم النفي والمتابعات البوليسية والسجون، إلا أن الجمعية ظلت قائمة وظل وضعها القانوني سليما يسمح لها بممارسة مناشطها حتى وإن تراجعت بسبب سطوة التضييق التي أملتها الحالة العامة للحرب؛ وما أن توقفت هذه الأخيرة وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى عادت جمعية العلماء إلى سابق عهدها، وضاعفت من أداءاتها ورسمت ( أجندة ) خاصة بفتح المدارس وإنشائها وتمويلها ؛ وأعاد الأستاذ الرئيس محمد البشير الإبراهيمي إصدار جريدة (( البصائر )) التي ظهرت في سلسلتها الثانية ، وكانت رافدًا قويًّا للمناخ الثقافي العام ، وصوتا آخر يصل مداه ومضامين رسالته الإعلامية إلى خارج حدود الوطن . وتحسبا للمستقبل الآتي استطاع الإبراهيمي أن يواجه شتى التحديات ، ويؤسس معهد عبد الحميد بن باديس إلى جانب تلك المدارس التي عمت أرجاء الوطن ، بَلْهَ تفعيل شُعَبِ الجمعية ونواديها . وبذلك اكتمل صرح النهضة الفكرية الجزائرية ، ولم تمض سوى سنوات قلائل حتى آتى معهد عبد الحميد بن باديس أكله ، وأثمر بنجاحاته الباهرة ، وجاءت نتائجه إيجابية ومُشَرِّفَة للجزائر المتطلعة للحرية والانعتاق . وتخرجت من أقسامه نخبة من المتفوقين أرسلتهم الجمعية إلى تونس ليلتحقوا بالزيتونة، ومنهم من أُرْسِلَ إلى القاهرة لمواصلة دراستهم بدار العلوم، والبعض الآخر توجه إلى بغداد ودمشق . وتعهدت الجمعية تلك البعوث بالرعاية والمتابعة حتى استوت على سوقها. وظل معهد عبد الحميد بن باديس بديلا وحيدا للتعليم الإعدادي والثانوي الذي كان مُحَرَّمًا على الجزائريين في القوانين الفرنسية . وما أن لاحت إرهاصات الثورة التحريرية في الأفق، ولم تلبث أن تفجرت ببشائرها في خريف 1954 ، حتى كانت تلك الأفواج من معهد عبد الحميد بن باديس في مقدمة من عاد مسرعا إلى الوطن ملبيا نداء الواجب منضما بشكل إرادي و طوعي إلى صفوف جبهة وجيش التحرير الوطنيين ؛ وامتثالا لأوامر الثورة هناك من بقي بالخارج لمواصلة دراساته العليا ، تطبيقا لإستراتيجية مستقبلية راهنت عليها جبهة التحرير الوطني.

خزان في ساعة العسر

وخلال الأشهر الأولى للثورة قدم المعهد لثورة الأمة خيرة طلبته الذين كانوا بمثابة الخزان والمدد المناسب في ساعة العسرة . أما مشايخ الجمعية وقيادييها فقد قام كل واحد منهم بدوره أحسن قيام ، ولم يتخلف منهم أحد، ووجدوا أنفسهم في خندق واحد مع ثورة الشعب. وعلى الرغم من السجون التي فتحت لهم والاتهامات التي طالتهم واعتبرتهم من عناصر الثورة ، فدفعوا الثمن غاليا في المحتشدات التي أقامتها سلطات الاستدمار .

ومن مشايخ الجمعية من التحق بالخارج تمثيلا لمصالح جبهة التحرير، ونذكر منهم الأستاذ المجاهد عمر دردور الذي التحق بالقاهرة في وقت مبكر من اندلاع الثورة، وكان سفره بأمر من قيادة الثورة على إثر محاكمة مهندس الثورة وقائدها الفذ الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد طيب الله بالرحمات ثراه وسلام عليه في الصالحين في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ ومن مشايخ الجمعية أيضا الأستاذ محمد الغسيري الذي التحق بدمشق، وكان من بين كبراء الدبلوماسيين في تلك الأيام، وقام بواجبه الوطني وافيا غير منقوص. ومن رجالات الجمعية الذين كانت لهم صولات وجولات لن ينساها التاريخ الأستاذ البطل الفضيل الورتلاني الذي قضى نحبه مجاهدا بعيدا عن الديار، ومن رموز الجمعية وإطاراتها الذين اعتمدتهم الثورة في الخارج الأستاذ الشيخ العباس الحسين، والأستاذ العلامة المجاهد محمد خير الدين الذي أصبح بحنكته وقدرته على التسيير من الرواد المشهورين في حل المعضلات ومواجهة النوازل، واقترحته القيادة العليا لجيش وجبهة التحرير الوطنيين ليكون عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية.

وعلى الرغم من كل ما قدمته الجمعية من مساهمات وأعمال خالدة، لا يزال المغرضون من أشباه الساسة التقليديين ومن يتبنى طروحاتهم العقيمة يتهمون جمعية العلماء بأنها تخلفت عن ركب الثورة، وعدم الالتحاق بها مبكرا إلى آخر صيغ الطروحات التي لا جدوى منها إلا الاتهام والنكاية في جمعية العلماء، والغاية من كل ذلك إخراجها من دائرة الثورة وإلصاق الخيانة بها.

 

 

آخر التغريدات: