جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صوت الإسلام في فرنسا

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صوت الإسلام في فرنسا

اهتم المؤرخون بدراسة تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لكن دون إلمام كبير بأعمالها خارج القطر الجزائري. وتركيز العلماء جهودهم في الداخل لم يمنعهم من الاهتمام أيضا بالجزائريين المغتربين في فرنسا والذي يزداد عددهم من عام إلى آخر. والالتفات إلى المهاجرين دلالة واضحة على إدراك جمعية العلماء للوزن السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يمكن أن يمثله هؤلاء في المستقبل.

 ولكن وجود العلماء في فرنسا يفسره أكثر خوفهم من انسلاخ المهاجرين وذوبانهم في الثقافة والحضارة الغربية التي يعيشون في وسطها. فالعلماء شعروا بضرورة توجيه المغتربين ودعوتهم إلى الحفاظ على أصالتهم و قيمهم و حثهم على ممارسة شعائرهم الدينية. ما هي ردود فعل الأحزاب الجزائرية ذات التوجه العلماني من نشاط العلماء؟ ما هو موقف السلطات الفرنسية تجاه النوادي الإصلاحية؟

زيارة الإمام عبد الحميد بن باديس إلى فرنسا

في يوليو 1936 و صل وفد المؤتمر الإسلامي الجزائر إلى باريس لتقديم طلبات الجزائريين مباشرة إلى الحكومة الفرنسية بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة مع سلطات الاحتلال في الجزائر. يضم هذا الوفد مجموعة من السياسيين مثل الدكتور محمد بن جلول وفرحات عباس والعربي تاهرات و العلماء عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي والطيب العقبي ومحمد الأمين العمودي.

دامت هذه الزيارة من 17 إلى 29 يوليو. استقبل الوفد من طرف رئيس الحكومة ليون بلوم وبعض وزرائه والنواب والأحزاب السياسية اليسارية والصحافة الفرنسية. واغتنم أنصار الإصلاحيين في فرنسا كمالك بن نبي وحمودة بن الساعي وعلي بن محمد هذه الزيارة للقاء مع العلماء. وكذلك فعل مصالي الحاج رئيس الحزب الوطني “نجم شمال إفريقيا” الذي عبر للوفد عن اعتراضاته على مشروع بلوم-فيوليت ومطالب المؤتمر الجزائري خاصة البند الثاني المتعلق باعتراف بالسيادة الفرنسية على الجزائر والبند الخاص بالتمثيل الجزائري في البرلمان الفرنسي. فهذه المطالب تتناقض مع سياسة حزب نجم شمال إفريقيا الذي يسعى للاستقلال السياسي ويعتبر الوجود الفرنسي احتلالا استعماريا ودخول البرلمان الفرنسي ربط صريح للجزائر بفرنسا.

كيف نفسر مساهمة جمعية العلماء في المؤتمر الإسلامي الجزائري ومساندتها لمشروع بلوم فيوليت الذي منح الجنسية الفرنسية للنخبة الجزائرية وقدامى المحاربين؟ يتفق كثير من المؤرخين على اعتبار موقف جمعية العلماء تحايل سياسي ووسيلة لتحقيق مشاريعها التربوية والإصلاحية دون صدام مع السلطة الاستعمارية التي حاربت العلماء وأصدرت في عام 1934 و1935 قرارات تعسفية لحجم نشاطهم.

في نهاية يوليو عاد إبن باديس ورفقاؤه إلى الجزائر ولم يبق من العلماء إلا الشيخ الأمين العمودي الذي مثل جمعيته في التجمع الجماهيري الذي أقيم في 30 يوليو في قاعة متيالتي. وقد شعر ابن باديس خلال زيارته لفرنسا بضرورة الاهتمام بالجزائريين المقيمين في فرنسا وأدرك مدى حاجتهم إلى تعلم دينهم. وتبلورت في ذهنه فكرة إرسال إلى فرنسا أحد تلاميذه المخلصين والمتميزين بالنشاط والقدرة على التنظيم والإقناع. فكلف الفضيل الورتلاني بهذه المهمة.

نشاط النوادي الإصلاحية

أسس الفضيل الورتلاني عشرات النوادي التهذيبية في باريس وضواحيها وأخرى في المدن الكبرى. وصار على رأس كل نادي عالم جزائري: سعيد صالحي، محمد صالح بن عتيق ،محمد الزاهي، سعيد البيباني والهادي السنوسي وإسماعيل العربي في باريس، حمزة بوكوشة في ليون، فرحات الدراجي في مرسيليا ومحمد واعلي في سان تتيان.

تتوفر نوادي التهذيب على قاعة للصلاة ومدرسة لتعليم الدين وتدريس العربية والتاريخ الإسلامي، الجغرافيا، الأناشيد الدينية، المسرح والرياضة. وتقدم النوادي الوجبات الشرقية من شاي وحلوى بأثمان زهيدة وكان الغرض من هذا جذب المسلمين وإبعادهم عن المقاهي وأماكن اللهو والترفيه المنتشرة في المدن الفرنسية الكبرى.

كانت هذه النوادي مركزا للاتقاء العمال الجزائريين والطلبة العرب الوافدين إلى فرنسا للدراسة و قد ساهم بعضهم في نشاطاتها التربوية والثقافية وفي إحياء المواسم الدينية بتلاوة القرآن وإلقاء المحاضرات و تنشيط الحفلات. نذكر منهم على سبيل المثال  الشيخ محمد عبد الله دراز، العالم الأزهري المعروف، الشيخ عبد الرحمان تاج، عبد الحليم محمود، محمود قاسم، مالك بن نبي، محمد المبارك…الخ.

يقول هذا الأخير الذي جاء من دمشق إلى باريس لتحضير شهادة الدكتوراه في الحقوق بجامعة السوريون: “حضرت كثيرا من اجتماعاتها (النوادي) في باريس حينما كنت طالبا في جامعتها ما بين 1935 و 1938 وكان عدد هذه النوادي التي يتسع كل منها لآلاف من المستمعين، ثمانية وكان الخطباء يتمتعون بحرية الكلام ومهاجمة الاستعمار وبث روح الاستقلال لا يتمتعون بمثلها في الجزائر وكان من قادة هذه الحركة في باريس يومئذ الشيخ الفضيل الورتلاني رحمه الله والشيخ سعيد صالحي…وبلغت قوة الحركة أن البائعين المتجولين في باريس من الجزائريين والعمال الأميين كانوا يحدثوننا بحماسة عن حركة الإصلاح هذه.”وهذه شهادة أخرى لأحد رواد النوادي تقدم لنا أيضا صورة واضحة عن نشاط العلماء الجزائريين في فرنسا وصدى دعوتهم في أوساط  الجالية العربية المغتربة: “كانت هذه الأندية مثابة لكل شرقي ينزل في هذه البلاد، ومازلت أذكر تلك الاجتماعات التي كان يخطب فيها على الآلاف المؤلفة من المسلمين نخبة من رجال الإسلام على اختلاف أوطانهم.”

صراع النوادي الإصلاحية و حزب نجم شمال إفريقيا

تأسست حركة نجم شمال إفريقيا في باريس في عام 1926 للدفاع عن حقوق العمال المغاربة. ولكن سرعان ما تحولت إلى حزب سياسي بقيادة مصالي الحاج الذي يطالب باستقلال الجزائر. ركز الحزب نشاطه في فرنسا ولم يتأصل في الجزائر إلا بعد عام 1936.

رحب الحزب بالعلماء واستدعى زعماؤه خاصة راجف بلقاسم وسي جيلاني الشيخ الفضيل الورتلاني لإلقاء الدروس والمحاضرات في خلايا الحزب وفي المقاهي المعروفة بميولها الوطنية. وساهم سي جيلاني في تأسيس النوادي والإشراف عليها. أحس بعض زعماء الحزب و خاصة مصالي الحاج بخطورة نشاط النوادي وتحولها إلى مراكز سياسية منافسة خاصة بعد حل حزب نجم شمال إفريقيا في يناير 1937، فتسرب بعض زعماء النجم إلى مراكز القيادة في النوادي مثل آيت علي، عكنون سعيد، بلغول رابح، بوشافة صالح. واضطر حزب الشعب الجزائري الذي أسسه مصالي للاهتمام بالمسألة الدينية ومنافسة نوادي التهذيب فقرر إنشاء “مجمعا روحيا لترسيخ القنا عات الدينية للمغاربة المقيمين في فرنسا.”

تحول الصراع بين زعماء النوادي الإصلاحية وحزب نجم شمال إفريقيا/ حزب الشعب الجزائري إلى مواجهة بين أنصارهم. في 28 نوفمبر 1936، نظم حزب نجم شمال إفريقيا تجمعا جماهيريا تحدث فيه مصالي الحاج عن جولته عبر الجزائر وانتقد جمعية العلماء فحاول الورتلاني أن يرد عليه ولكن لم يسمح له بالتدخل فقام تدافع بين أنصار الزعيمين.

ظل الصراع  حادا بين هذه الأطراف ولم يهدأ إلا في الفترة القصيرة التي صادفت زيارة الأمير شكيب أرسلان لباريس الذي صالح بين الفضيل الورتلاني ومصالي الحاج. ومن علامات الصلح، اشتراك كل من الزعيمين مع شكيب أرسلان في الحفل الذي أقامه نادي طلبة شمال إفريقيا بمناسبة عيد الأضحى. ولكن التنافس على تأطير الجالية الجزائرية ظل قائما بين النوادي والحزب المصالي حتى بعد هروب الورتلاني إلى مصر في نهاية عام 1938.

لابد أن نشير هنا إلى بعض الاختلافات الجوهرية  بين الحركتين. حزب نجم شمال إفريقية أو حزب الشعب الجزائري فيما بعد علماني التوجه كباقي الأحزاب القومية العربية الحديثة لا يرى في الدين إلا محركا و حافزا لتعبئة الجماهير وليس مشروعا يصلح لتسيير شؤون الدولة المنشودة. وفي اتجاه معاكس، تركز نوادي التهذيب على الجانب الأخلاقي والمحافظة على الممارسات الدينية التي بدونها يفقد المسلم شخصيته ويكون بالتالي شبيها بالأوروبي الذي يزعم أنه مختلف عنه و يسعى للتحرر من سيطرته.

والنقطة الثانية والتي قد تكون ربما هي أساس الصراع تتمثل في إلحاح الحزب الوطني الجزائري على الاستقلال الكامل عن الدولة الفرنسية في الوقت الذي يركز العلماء الجزائريون على التربية والتكوين كمرحلة ضرورية قبل المطالبة بالاستقلال السياسي. ففي تجمع كبير نظمه نادي التهذيب في باريس في 31 يوليو 1936، صرح الفضيل الورتلاني “قبل الحديث عن الاستقلال السياسي، لا بد أن نبدأ  بالاستقلال الأخلاقي والعقائدي وذلك بالسماح للجزائريين بتعليم دينهم  بكل حرية.” فخلاصة القول أن العلماء يعتبرون المناضلين السياسيين متسرعين ومتهورين في حين يتهم هؤلاء الإصلاحيين بالتثبيط واحتكار الدين وابتزاز أموال العمال الجزائريين وصرفها في نشاطات تافهة.

تضرر أصحاب النفوذ الاقتصادي من ممارسة المغتربين للتعاليم الدينية التي تحرم عليهم الخمور والقمار فقدم أصحاب المقاهي العربية شكاوى إلى الإدارة الفرنسية واتفقوا مع مناضلي حزب نجم شمال إفريقية على محاربة الورتلاني وأنصاره.

السلطة الاستعمارية في مواجهة نوادي التهذيب

في العام الأول من تأسيس النوادي الإصلاحية كانت  السلطة الاستعمارية تراقب من بعيد  نشاط العلماء  و لكن سرعان ما بدأت  تضع العراقيل وتستغل الخلافات الفكرية  بين الإصلاحيين والسياسيين الجزائريين لإضعاف الحركة الوطنية الجزائرية. ففي ديسمبر 1937 أصدر محافظ باريس قرارا يمنع العلماء الجزائريين من إحياء ذكرى المولد النبوي المقرر في غابة فانسان الشهيرة. فقام أنصار الحركة الإصلاحية بمظاهرة كبيرة تضم أكثر من 1000 مشارك تنديدا بهذا القرار التعسفي. وفي 9 أيريل 1938 نظمت نوادي التهذيب  الباريسية اجتماعا عاما في مقرها الرئيسي الواقع في حي بيسون للتعبير عن استيائها من السياسة الاستعمارية المتغطرسة التي تنتهجها فرنسا مع الجزائريين.

دافعت هذه المؤامرات  التي تحاك ضده من طرف السلطة الاستعمارية التي رأت في نشاطه خطرا يهدد مصالحها في عقر دارها والمضايفات التي مارسها عليه الحزب الجزائري  نجم شمال إفريقيا وتهديدات  أصحاب النفوذ الاقتصادية غادر الفضيل الورتلاني فرنسا سرا في نهاية عام 1938 دخل إلى إيطاليا بمساعدة الأمير شكيب أرسلان الذي وفر له جواز سفر مزور ومنها انتقل إلى مصر.

لم تقتصر جمعية العلماء في مشروعها الإصلاحي على الجزائر فقط بل اهتمت بالجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا نظرا لتزايد عدد المهاجرين وقلة أماكن التوجيه و التعليم في ديار الغربة. لكن اهتمامات الإصلاحيين بالجانب السياسي خاصة في الفترة التي أشرف الورتلاني على النوادي أثارت غضب السلطات الاستعمارية والحزب الوطني نجم شمال إفريقيا. فإذا كانت الأولى ترى في نشاط النوادي خطرا على سياستها ومصالحها في الجزائر، فإن زعماء الحزب يرون في أعمال النوادي منافسا سياسيا لهم.

لقد استطاع العلماء من خلال نشاطهم في فرنسا إيصال الأفكار الإصلاحية إلى المهاجرين الجزائريين وتوجيههم توجيها  دينيا وقوميا وتعريف النخبة العربية المقيمة في فرنسا بكفاح الشعب الجزائري من أجل التحرر من سلطة الاحتلال وبتاريخ الجزائر الذي كان مجهولا في المشرق العربي بسبب سياسة المراقبة والتعتيم والتشويه التي روجتها فرنسا في العالم العربي.


*هذا المقال نشر في خريف 2000 في مجلة “المجتمع” الكويتية، ونعيد نشر جزء منه هنا لتعميم الفائدة.

 

 

آخر التغريدات: