المتاجرة بابن باديس

المتاجرة بابن باديس

جمعتني الأقدار ـ في إطار التجمعات التي كان الشيخ العباس يعقدها للجالية المسلمة في فرنسا ـ بالحاخام اليهودي في مرسيليا، ومما قاله هذا الحاخام: “إن السياسة هي بنت الكذب والخيانة، وقد رأى الشعب الجزائري في هذه “الهملة الانتحابية” من الكذب ما لو وُزِع على العالم كله لفاضمن هذا الكذب “الملوّن” الذي سمعته ما تفوّه به أحد الحالبين في إناء غيره، الحاطبين في غير حبله في قسنطينة من إشادة بالإمام ابن باديس، وتقدير كبير لأعماله، وما كان ذلك الكائن إلا بائع هواءٍ، وحارث ماءٍ.

لو كان كلام ذلك الشخص عن الإمام ابن باديس صحيحا، وأنه مقتنع بما قاله لظهر ذلك في تصرفه نحو فكر الإمام ابن باديس الحيّ، الذي أحيا به الجزائريين، وأعادهم سيرتهم الأولى، حيث كان يعمل خمس عشرة ساعة يوميا في التعليم فقط، كما شهد تلميذه مبارك الميلي، لأن شعاره كان (حركة دايمة ولا بركة نايمة).

لقد قضى ابن باديس سواده، وعاهد الله والشعب أن يقضي بياضه في محاربة الخرافات والبدع، التي أعيدت بقوة في هذه السنوات، لتخدير هذا الشعب، واستغفاله، ليسهُل امتطاء ظهره، ومص ضرعه، ومُنح أصحاب هذه البدع من الأموال ما لا يعلمه إلا الكبير المُتعال، وقد قال أحدهم حتى للأخ سلال ـ كما اعترف بنفسه ـ: “إذا راح بوتفليقة شكون لينا”، وقد طمأنه الأخ سلال بلغته المتميزة”: “بوتفليقة مايروحش، تروح ناناك” (أي جدتك).

وقد قضى ابن باديس سواده وعاهد الله والشعب على أن يقضي بياضه في سبيل اللغة العربية، فإذا هي في ـ عهد العزة والكرامة ـ في أسوإ أحوالها، وتُهان في المحافل الدولية، حيث تُفضل عليها لغة العدوّ الفرنسي.

وقد قضى ابن باديس حياته مُوحدًا للجزائريين أمازيغهم وعربهم جاعلا شعاره: “ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان”، فإذا بنا نسمعُ من يلعن الجزائريين الذين لا يحبون المتملقين، ونسمع من يسخرُ من طائفة أصيلة منهم.

إن ما سمعناه وما قرأناه في اللافتات عن ابن باديس هو من باب الريح في الشباك” كما يقول الجواجلة، والدليل على ذلك هو أن “مؤسسة الإمام ابن باديس” في قسنطينة توجد في “جُحْرٍ” لا يسع بعض من لهم شِربٌ و للقسنطينيين شِربٌ، ولو كان لابن باديس قيمة عند”القوم” لمنحت مؤسسته بناية محترمة، ولتكن la médersa، التي هي رمزٌ للاستشراق الفرنسي الصليبي.

ولو لم يكن ما سمعناه وما قرأناه عن ابن باديس من “الكذب الملوّنلما بقي مسجده في وهران أكثر من عشريتين عبارة عن “كركاسة”، بعدما غُيّر مكانه من جبهة البحر، حيث يُرى من جزر الباليار، إلى داخل المدينة، حيث لا يراه إلا من يمر أمامه.

ولو لم يكن ما قيل عن ابن باديس من باب “الكذب الملوّن” لما كان مقر جمعيته ـ جمعية العلماء ـ حيث هو الآن، بينما تُمنح الفيلات الفخمة والبنايات الضخمة لجمعيات

وأختم هذه الكلمة بما كتبه أستاذي أبو القاسم سعد الله ـ رحمه الله ـ في رسالة بعثها لي من الأردن وقد استكتبته عن ابن باديس، وهو “أرجوك أن تترك الرجل وشأنه الآن… وإن الأمة التي تأكل أبناءها غير جديرة بأن تكتب عن ابن باديس حتى تتوب توبة نصوحا، وسيأتي اليوم الذي يخرج فيه ابن باديس من القبر كالمهدي المنتظر ليقول كلمته في الانحراف الذي تعرفه الأمة، وقد يرفع فأسه ويهوي به على الجذوع النخرة“.

 

 

آخر التغريدات: