الدبلوماسي العربي دماغ العتروس : لو عاش الإمام بن باديس لكان من روّاد الثورة التحريرية

الدبلوماسي العربي دماغ العتروس : لو عاش الإمام بن باديس لكان من روّاد الثورة التحريرية

يروي المجاهد والدبلوماسي العربي دماغ العتروس بحسرة أزمة الميصاليين والمركزيين، ورغم تحفظه عن الخوض في موضوع التصفيات الجسدية، إلا أنه لا يزال مؤمنا بأن ميصالي هو أبو الوطنية بدون منازع، ويتوقف عند محطة لقائه بمحمد بوضياف الذي قصده وطلب منه أن يكون واجهة لمجموعة الـ22، يكشف عن تحذيرات بعض القادة لعبان رمضان قبل توجهه إلى المغرب أين اغتيل. ويؤكد أن نيهرو حاول عرقلة العمل الدبلوماسي الجزائري خلال الثورة بشتى الطرق، ليعود ويعترف في الوقت بدل الضائع في رسالة قرأها الحاج يعلى.

 حدثنا عن علاقتكم كمناضلين في حزب الشعب بجمعية العلماء المسلمين؟ 

 كان التطرف موجود عندنا وعندهم أيضا، وهو ما افشل مساعي التنسيق بين التنظيمين. أذكر أنه عقد اجتماع جمع ميصالي الحاج والشيخ الإبراهيمي وكان الموضوع هو كيفية تقسيم النضال بينهما، أي أن تتكفل الجمعية بمهمة التعليم والتوعية ويقوم الحزب بالعمل السياسي،للأسف فشل اللقاء كما قلت لك بسبب التطرف،  أظن أن الفرق كان كبيرا بين الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي لو لم يتوف لكان من أبطال ورواد الثورة التحريرية وبين الشيخ البشير الإبراهيمي. هذا رأيي، ولعل من عرف الإمامين يشاطرني هذه الفكرة، فشل اللقاء وتبخر مشروع التنسيق والتعاون بينهما، إلا أن هذا لا يلغي دور جمعية العلماء المسلمين في التعليم والتوعية والمحافظة على اللغة العربية والإسلام .

 هناك من يقول أن الثعالبي هو من ادخل الشهيد زيغود يوسف الى حزب الشعب، وهناك من يؤكد انك من فعل ذلك؟

عرفت زيغود يوسف شخصيا عندما أصبحت نائبا، كنت أكثر الناس تجوالا في الجزائر وفي فرنسا، حيث التقيت بالعمال الجزائريين في ثلث أرباع فرنسا.

عرفته يوم عينت مترجما في محكمة السمندو وكان حدادا، كان ابعد الناس عن السياسة. وكنت قد التقيت الطيب الثعالبي ابن إمام المسجد وكان أبوه رجلا مثقفا وفاضلا ومقدما لطريقة صوفية، ومن أبنائه الطيب وعبد الحفيظ درسا عند الشيخ عبد الحميد بن باديس، وكان الطيب أول مناضل في السمندو أدخلته إلى حزب الشعب. وهو من عرفني بجماعة السمندو التي انضمت فيما بعد الى الحزب وعلى رأسهم زيغود يوسف. الذي تغير في سيرته وفي طباعه عندما أصبح مناضلا. أصبح صاحب شكيمة قوية خاصة وانه صاحب ذكاء فطري وإنسان شجاع لا يخاف.

دخل إلى الحزب سنة 1943 بعد الإعلان عن البيان. وكنت قد رقنت البيان بعد أن تسلمته من بوقادوم. وهناك تعارفنا وكان من المناضلين الذين اقسموا على القرآن لخدمة الجزائر. عرفت فيما بعد عائلته التي انضمت إلى النضال بدورها، وأصبحت السمندو في أغلبها وطنية. 

كيف عايشت أزمة حزب الشعب والانشقاق بين الميصاليين والمركزيين؟ وهل تعرضت وقتها إلى محاولات تصفية أو عنف؟ 

في سنة 1951، كان ميصالي الحاج مع ان نشارك في انتخابات مجلس الشيوخ الفرنسي، واعتقل وقتها حوالي 6000 مناضل على الأقل حيث القي القبض على كل من ترشح في كل الولايات. وكانت حركة الانتصار في أسوأ حالاتها، إلى درجة أن بعض المناضلين صاروا ينسحبون من الحزب بسبب الضغوطات التي مارستها فرنسا مثل المراقبة والفصل من العمل والسجن ومضايقات العائلة. كان الحزب في الدرك الأسفل من حياته حيث وقعت بلبلة تركت أثرها السلبي ميدانيا. وفي سنة 1952 وصلتنا معلومات مؤكدة عن نية الاستعمار في إلقاء القبض على ميصالي الحاج، فنصحناه بألاّ يشترك في مهرجان خطابي في الشلف. أصرّ ميصالي على الحضور فألقي عليه القبض ونفي ونقل في طائرة إلى فرنسا.

ثم تدهورت الأمور أكثر سنتي 1952 و1953 فقرر ميصالي أن يكتب رسالة إلى المناضلين من منفاه في فرنسا ويطلب من القيادة لحول حسين وشرشالي إصلاح الحزب وإعادة هيكلته. وعليه طلب منحه صلاحيات مطلقة وأن يعين رئيسا مدى الحياة. وهو الأمر الذي رفضته الأغلبية الساحقة وكنت من الرافضين لأني كنت ضد الاستبداد والدكتاتورية ولا أزال.

واجمع المناضلون على تعليق واحد “أنت رجل مبجل ومقدر ورفعناك أعلى عليين ولكن القرار يعود لما ستسفر عنه اللجنة المركزية”. 

لا يمكن أن تكون هذه صفات رجال حزب ثوري ثم كيف تسلم الصلاحيات لرئيس في المنفى. عندما رفض الحزب وكان وقتها لحول الحسين أمينا عاما، اقترح عقد مؤتمر وهذا المؤتمر هو من يقرر البرنامج الجديد ويوزع المناصب والمسؤوليات .

فقرر ميصالي عقد اجتماع في بلجيكا واللجنة المركزية عقدت بعدها مباشرة اجتماعا موازيا في الجزائر. لم توفق “اللجنة الثورية للوحدة والعمل” في هيكلة الحزب فقرر بعض المناضلين التنسيق مع جماعة القاهرة وإعلان العمل الثوري، وعليه بعث الحزب محمد يزيد – رحمه الله – إلى القاهرة، فلم يرجع وكذلك حسين لحول لم يرجع. لأن الثورة كانت قد اندلعت في أول نوفمبر 1954 .

يقول المجاهد محمد مشاطي أن الأمير خالد هو أبو الحركة الوطنية الحقيقي وليس ميصالي الحاج.. ما تعليقك؟

ميصالي الحاج هو صاحب فكرة الاستقلال وهو أبو الوطنية فعلا ويجب أن يذكر بكل خير. ولكنه أيضا بشر، تتغير قراراته لان طول مدة النفي والمحيط أثرا في عقلية وأفكار ميصالي، خاصة أن محامين فرنسيين من التروتسكيين والشيوعيين اثروا فيه.

بدأنا نقتتل في أوائل نوفمبر بعد فشل مساعي أصحاب الوحدة والعمل لان ميصالي ومن معه أرادوا أن يكون هؤلاء مجرد تابعين لهم أو يقاتلوهم وهو ما حدث، كانت محنة كبيرة وأزمة مؤلمة. أنا كنت ضد الاستبداد كما قلت لك وفي ذلك الوقت ما بين “الوحدة والعمل” والقاهرة القي علينا القبض من ديسمبر حتى يوليو.

ورغم كل الصراعات يجب أن ننظر إلى الجانب المشرق من الأحداث فمن فجّر الثورة التحريرية كانوا أبناء حزب الشعب ولا يمكن أن ننسى دور”المنظمة العسكرية السرية” التي أسست في مؤتمر زدين سنة 1947التي كانت تتكون من أشجع المناضلين وكانت تعليماتها صارمة جدا.

هل كنت على تواصل مع مجموعة الـ22 خلال عملية التحضير لتفجير الثورة التحريرية؟ 

كانت هناك حساسيات شخصية بين المناضلين، فمثلا اتفقوا بالتنسيق مع القاهرة أن يكون نوفمبر تاريخ اندلاع الثورة، أما نحن فكنا نرى انه تصرف متسرع وأننا كنا بحاجة لشهرين أو ثلاثة لتنظيم أنفسنا ثم إعلان الثورة. إلا أنهم بدؤوا قيما ما يشبه حربا نفسية ويغيظوننا بالتوانسة كما اتهمونا بتعطيل الخطوة.

هذه الجماعة قررت الثورة وكانوا يبحثون عن واجهة لإعلانها أي شخصية ثورية مثل الجنرال نجيب مع جمال عبد الناصر. فاختاروا ثلاثة، هم الدكتور لمين دباغين الذي رفض استقبال بوضياف أصلا. ثم عبد الحميد مهري الذي استقبله وتحدث إليه مطولا ولكنه طلب التفكير. ورفض بطريقة دبلوماسية لأنه كان مترددا من وعود جمال عبد الناصر. والثالث كان أنا تحدثت معه مطولا في المقهى وبدأ بوضياف في مدحي والثناء على مساري النضالي في الحزب لإقناعي بأن أكون الشخصية القائدة .. فقلت له “ذهبت إلى الاوراس والتقيت مصطفى بن بولعيد واعرف مجاهدين بدؤوا في 1952 ولكننا لا نملك شيئا مقارنة بدولة تملك كل شيء وبيني وبينك يا السي الطيب وعود عبد الناصر السلاح والمال ولا أثق في هذه الوعود ولا يمكن أن نغامر بناء على وعود”. فحاول إقناعي وفي النهاية قلت له “دماغ العتروس يضحي بنفسه وعائلته ودواره ولكن لا يضحي بشعبه” فغضب بوضياف وقال لي “اعتبروها عملية انتحارية ونحن مطرطقينها مطرطقينها بلا جدّكم” وافترقنا على هذه العبارة.

 ولكنها لم تكن عملية انتحارية… كما أن عبد الناصر وفى بوعوده؟

توجهت إلى فرنسا أسبوعين بعد أحداث أوت 1955 في الشمال القسنطيني. قتل ابن عمي يومها وكنت أنا مع جماعة الأمانة العامة بن يوسف بن خدة وسعد دحلب، كانت الثورة قد اندلعت فانضممنا فرادى وبذلنا أقصى الجهود لإنجاحها. وبعد 1955 حاولت جماعة ميصالي الاستحواذ على الثورة واسترجاعها بعد أن تخلفوا عنها، فقالوا كذبا أنهم من قام بالثورة وكان جزاؤهم ضربا واهانة. 

توجهت إلى فرنسا بعد أن أفرج عنا إفراجا مؤقتا ،وهناك اجتمعنا وأسسنا لجنة . حيث كنت في لجنة صياغة وثائق للأمم المتحدة. واروي لك قصة واقعية، حيث حضرنا وثيقة للأمم المتحدة في دورتها الخريفية في 1955 وكان معنا مصطفى الاشرف وشوقي مصطفاي وبلعيد عبد السلام. أول من حررها بالفرنسية كمسودة هو “أستاذ اللغة العربية الذي لا يحسن الحديث عنها إلا باللغة الفرنسية”. مصطفى الأشرف وافقنا عليها وقررنا إعطاءها للقنصل التونسي بلخوجة الذي أصبح فيما بعد وزيرا في عهد بورقيبة. لطباعتها على الراقنة ولكن الكاتبة الفرنسية كانت قد استولت عليها وسلمتها لفرنسا، فانكشفت العملية. من حسن الحظ أن مندوب باكستان في الأمم المتحدة دافع عن الثورة الجزائرية دفاعا مستميتا.

هل كان موقف نيهرو من الثورة الجزائرية في باندونغ متوقعا؟ 

نيهرو كان ضد الثورة وهو هندوسي وعدو للمسلمين، كان حليفا للإنجليز وأمريكا. الفرنسيون عقدوا معه صفقة تجارية لشراء 70 قاطرة اعترافا بجميل وقوفه ضدنا في مؤتمر باندونغ. ولولا جمال عبد الناصر وسوكارنو وتيتو لفشل آيت احمد ويزيد في مهمة إدراج الجزائر في القرارات. بعد الاستقلال السيد نيهرو يرسل لنا برقية يهنئونا بالاستقلال ويقول اعتبروا هذه الرسالة اعترافا بأثر رجعي من يوم رفضي الاعتراف بقضيتكم. قال أنا لا اعترف بالحكومة المؤقتة ولكن اسمح بفتح مكتب في دلهي وعلى ذلك الأساس تم فتح المكتب في 1958 . وبعد الاستقلال من كان ضدنا أصبح معنا. الفيتنام الجنوبية مثلا عندما استرجعنا السيادة بعثت رسالة شكر وتهنئة وعبرت عن استعدادها للمساعدة في مجالات عديدة، ولكننا كنا مع شمال فيتنام “هوشي منه” ورفضنا التعامل معهم.

ثم التحقت بجماعة القاهرة وبدأ العمل الدبلوماسي؟ 

نعم وصلت إلى القاهرة عن طريق سويسرا وكانت التعليمات أن نتجه إلى السفارة التونسية في روما حيث كان يعمل فيها جزائري سلمنا رخصة سفر. قبل أن التحق بالحكومة المؤقتة كنا في 1957 في الشؤون الخارجية مع الحواس بوقادوم الذي كان هو الأمين العام في وزارة الخارجية مع الدكتور لمين دباغين. ثم عينت كممثل الجزائر في منظمة التضامن الآسياوي، وعلى هذا الأساس شاركت في عدة لقاءات منها مؤتمر الكتاب لبلدان آسيا وإفريقيا في طشقند، وكنت رفقة الحاج يعلى في اللجنة التحضيرية.

وأثناء مؤتمر طشقند في أوزبكستان والذي تزامن مع إعدام زبانة – رحمه الله – في سركاجي. جاءت قصيدة نظمها مفدي زكريا عندما شبهه بالمسيح، فسألتنا الصحافة والإذاعات عن القصيدة التي أحدثت ضجة ونشرتها مجلة “اغانيوك” أي “القبس” وهي الأشهر في موسكو بعد ان ترجمتها إلى الروسية مع نبذة عن تاريخ كفاح الجزائر وتضحياتها.

كنت ضمن أعضاء الحكومة المؤقتة، إلا أن صورتك غير موجودة في الصورة التذكارية التاريخية؟

سعد دحلب كان مقيما في القاهرة قبل إعلان الحكومة المؤقتة في سبتمبر 1958 “وعلى فكرة عندما أعلنت الحكومة المؤقتة كنت في الاتحاد السوفياتي ولذلك لا تجدون صورتي ضمن أعضائها في الصورة التذكارية”.

ومن أهم الذكريات أني التقيت عبان رمضان في نوفمبر 1957 وكان في ذلك الوقت مؤتمر غرفة التجارة العربية الذي ألقيت فيه كلمة وفد الجزائر. وكان قد عاد من تشيكوسلوفاكيا في مهمة لجلب الأسلحة ثم مر على سوريا وروى لي انه التقى شخصا يقول انه حفيد الأمير عبد القادر وانه أراد استرجاع إمارته وكان عبان رمضان صريحا فقال له “أمثالك لا تحتاجهم الجزائر في الوقت الحاضر”. تحدثنا مطولا وودعني على أساس انه مسافر وانه سيلتقيني بعد عودته، ومنذ ذلك اليوم لم أره. وعرفت فيما بعد من دباغين وبوقادوم أنهما نصحاه برفض مهمة المغرب من اجل صفقة اسبانيا للسلاح. ولكنه لم يأخذ نصيحتهما بعين الاعتبار وتم اغتياله رحمه الله.


آخر التغريدات: