الشيخ العربي التبسي والقضية الوطنية

الشيخ العربي التبسي والقضية الوطنية

قال تعالى : ” مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ”  . سورة الأحزاب الآية 23. ما إن عاد الشيخ العربي التبسي إلى أرض الوطن، من رحلة طلب العلم بالقاهرة، حتى وجد الجزائر تعاني من عدوين وهو ما يوضحه بقوله: ” إن ما ابتليت به هذه الأمة في عهدها الحاضر أن سلّط عليها عدوين يعملان لإبادتها ومحوها، عدو منها، وعدو من غير جنسها، فهي تقف في واجهتين، تدافع عن كيانها، ولا سلاح لها غير إيمانها، ولكن أكبر بلائها أن يكون أبناؤها من أعدائها، أمّا العدو الخارجي، فلا سبيل له عليها ما اتحدت وتضامنت، وكانت جبهة واحدة، والمتآمران على الكيد للجزائر هما الاستعمار والطرقية “.

جــــهــــاده:

شرع الشيخ العربي التبسي يخوض المعارك دفاعًا عن الإسلام والوطن بكل جرأة وشجاعة، ويمكن أن يفسر هذا الحماس الثوري لدى الشيخ العربي التبسي بما يلي: تشبعه بمبادئ الإسلام الذي يدعو إلى الجهاد ، ومقارعة الأعداء، وتحرير الأوطان، وعدم الرضوخ والاستسلام، وفي هذا يقول : ” إن موقف فرنسا من الإسلام في الجزائر شاذ، والإسلام يدعو إلى بغض الاستعمار وحمل بغضه في الصدور، وفي الحياة ، وفي القبور “.

تتبعه لمنهج إخوانه من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذين بذلوا الكثير من التضحيات للمحافظة على الجزائر، أرضًا وشعبًا ودينًا، وفي مقدمتهم قدوتهم والشيخ عبد الحميد بن باديس الذي يروى عنه أنه عندما اشتدّ وطيس الحرب العالمية الثانية، اجتمع بثلة من أنصار حركته ومؤيديه فقال: “عاهدوني، فلما أعطي العهد، قال: ” إني سأعلن الثورة على فرنسا عندما تشهر عليها ايطاليا الحرب“.

كونه كان اشد النّاس عداوة للاستعمار، حيث يروي عنه قوله : ” من عاش فليعش بعداوته لفرنسا، ومن مات فليحمل معه هذه العداوة إلى القبور”.

استعداده لنيل الشهادة دفاعًا عن الإسلام و الوطن، و في هذا يقول عبد الله عثامنية : ” إن عبان رمضان طلب من الشيخ العربي التبسي الخروج من الجزائر “؛ فرد عليه الشيخ قائلاً : ” إذا خرجنا كلنا من الجزائر فمن يبقى مع الشعب “.

ويقول صالح بن القبي : ” إن بن يوسف بن خدة، سلمه جواز سفر، و أمره أن يذهب إلى العربي التبسي الذي كان يسكن بالقصبة من أجل أن يغادر البلاد، نظرًا للخطر الذي يحدق به، فرفض الشيخ العربي التبسي استلام الجواز، فأرجعته إلى بن خدة”. وكان يستشهد في كتاباته بهذا البيت .

و لست أبالي حين أقتل مسلمًا           على أيِّ جنْبٍ كان في الله مصرعي

وســائـــل الــمـقـاومــة :

 تنوعت وتعددت وسائل المقاومة لدى الشهيد العربي التبسي منها:

أ‌.  تثقيف الشعب، و توعيته، و غرس قيم المقاومة في نفوس الناشئة.

ب‌. مقالاته الصحفية، ومحاضراته الجهادية الوطنية.

ت‌. رفض الاستجابة لإغراءات المستعمر، و عدم الخوف من تهديداته.

أ‌.  تــثــقـيـف الــشـعـب و تــوعـيـتـه:

 كان قادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريينيدركون أن الشعب الجاهل لا يمكنه الحصول على استقلاله من أعدائه، كما أنه عاجز عمليًا عن المحافظة عليه بعد تحقيقه، لأنه لا يستطيع أن يقدر الاستقلال حق قدره لهذا اتخذوا من المدرسة أداة رئيسية لمحاربة الاستعمار.

” وقد كان ابن باديس ورفقاؤه يرون أن التعليم أهم سلاح للوقوف في وجه المستعمر لهذا نجد الشيخ العربي التبسي كرّس كلّ وقته منذ عاد إلى ارض الوطن سنة 1927 في تربية وتكوين الناشئة، فكان ينظم دروسًا للعامة، ودروسًا وحلقات للخاصة، وحلقات مغلقة للمدرسين والمعلمين والمريدين، فأنشأ مدرسة التهذيب بتبسة، واعتنى بها، ثم اتجه إلى مدينة ” سيق ” بالغرب الجزائري، حيث لقي حفاوة كبيرة من أهلها، ومكث بينهم لمدة سنتين فأسس أعيان تبسة لجنة خاصة أرسلوها إليه لإقناعه بالرجوع، إلاّ أنه رفض طلبهم إلا بموافقة أهل سيق وبإلحاح من اللجنة وافق أهل سيق على رجوعه إلى مدينة تبسة.

ب‌.   مـقـالاتـه الصحـفـيـة، و مـحـاضـراتـه:

كتب الكثير من المقالات في الصحف، خاصة صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، العديد منها حماسية منها:

–       هذه جزائركم تحتضر أيها الجزائريون فأنقذوها .

–      ألا أيـــهــا الــنــوام هـبُّــوا.

–      الجـزائـر تصنع بـك أيـها الجـزائـري أيـنما كنت.

–      دعــوة إلى تـحريـر الـوطـن ونبذ الاستعــمار.

وكمثال على ذلك نورد ما يلي:

سنة 1954 رحل إلى البقاع المقدسة رفقة صديقه الشهيد أحمد بوشمال العضو الإداري في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبعد العودة عُقِدَ اجتماع أعيد فيه انتخاب الهيئة الإدارية لجمعية العلماء يوم 23 جمادى الأول 1375 هـ الموافق لـ 7 جانفي 1956 م وألقي فيه الشيخ التبسي خطابًا هامًا، و صدر بلاغ رسمي جاء فيه ما يلي: ” … ويعلن بكل صراحة أنّ النظام الاستعماري المفروض بقوة السلاح على القطر الجزائري منذ 1830 هو المسؤول الوحيد عن كل المآسي و المصائب والويلات التي وقعت في القطر الجزائري، وذلك بما أحدثه فيه من ميز عنصري مخضل، وما سلكه فيه من سياسة التفقير والتجهيل والحرمان من كل نعم الحياة بالنسبة للعنصر الإسلامي، وما حارب به الدين الإسلامي في أقدس مقدساته، وما أجهز على التعليم العربي القرآني في كل جهة من جهاته … وما تعمّده من محق جنسية الأمة الجزائرية، ومحاولة ابتلاعها، ومحو كلّ مظهر من مظاهر سيادتها.” ويترحم على الشهداء الأبرار الذين ذهبوا ضحية القمع الأعمى الفظيع، ويدعو الأمة للقيام بواجبها نحو أبنائهم وعائلاتهم، وكفالتهم كفالة يوجبها الإسلام، وتفرضها المروءة والشرف .”

رفض الاستجابة لإغراءات المستعمر، و عدم الخوف من تهديداته.

حاول المستعمر الفرنسي جلب الشيخ التبسي لصفه، أو على الأقل جعله يتخلّى عن مهاجمته، وتحريض الجزائريين ضده، فاستخدم معه أسلوبي التهديد والإغراء.

أســلـــوب الــتــهــديــد:

تمثل أسلوب التهديد في اعتقال الشيخ العربي التبسي أكثر من مرة ففي سنة 1943 اتهمته السلطات الفرنسية بالاتصال بالألمان بتونس وتلقيه السلاح منهم من اجل إثارة الجزائريين ضد فرنسا، فقضى ستة أشهر في السجن بين تازولت وقسنطينة.

وخلال مجازر 8 ماي 1945 عادت السلطات الاستعمارية إلى اعتقاله من جديد وهو في مدينة قسنطينة، كما القي القبض على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس الجمعية وعدد من أعضائها، لإدراكها أنّ هؤلاء شموع الجزائر وكلمتهم مسموعة، وبإمكانهم إثارة الشعب عليها.

فظلّ الشيخ التبسي في السجن لعدة أشهر بالجنوب الغربي للجزائر في الصحراء حتى يكون بعيدًا عن الأهل و الأتباع والأنصار، ولم يطلق سراحه إلاّ سنة 1946،ولم تكتف السلطات الفرنسية بسجنه، بل أنها فرضت عليه الإقامة الجبرية بعد انتهاء مدة عقوبة في مدينة المدية، وعندما اندلعت الثورة أعلن صراحة عن دعمه المطلق لها، وكان يحثّ الناس على الانخراط فيها إذ يقول :” إنه لا يحق لأنه مسلم، دون عذر، أن يتخلف عن الجهاد”بل أنه قال ” لو كنت في صحتي و شبابي ما زدت يوما واحدا في المدينة أسرع إلى الجبال فأحمل السلاح، فأقاتل مع المجاهدين.”

 وفي افتتاحية في عدد البصائر رقم 330 قال ” القضية أيها السادة، قضية انقلاب كامل لا قضية إصلاحات جزئية، قضية شعب يريد دولة وحكومة ديمقراطية صحيحة ودستورا يحقق سيادة الأمة، كل الأمة، لا يريد لقمة خبز تلقى لإسكات الجياع، وحفنة من الرماد تذر في العيون.”

أســـلـــوب الإغــراء:

أدرك الفرنسيون مكانة الشيخ العربي التبسي لدى غالبية الشعب الجزائري خاصة انه أصبح الرئيس الفعلي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد رحيل الشيخ الإبراهيمي واستقراره في المشرق العربي، فحاول بعض رجال الحكومة الكبار استدراجه لمقابلتهم والتفاهم معه لعلهم يستطيعون الحصول منه على كلمة أو تنازل ما أو استعداد للتفاوض معهم حول حلّ معين للقضية الجزائرية، فيتخذون ذلك ذريعة للطعن في شرعية جبهة التحرير الوطني وتمثيلها للشعب الجزائري كله.

لكنه كان مدركا لدسائس العدو وأساليبه ، فكان يرفض رفضا قاطعا أي اتصال أو حوار مع العدو الفرنسي، من ذلك أنهم أرسلوا إليه في شهر نوفمبر1956 مفاوضهم “م . كومان” كاتب الحزب الاشتراكي المتولي الحكم فلم يفز منه بطائل, وابلغه أن المفاوض الوحيد هو جبهة وجيش التحرير الوطني , أو من يعينونه لكم، ثـم أرسـلوا إلـيه في شهـر جانفي 1957 مبعوث جريدة لومند ليحاول أخذ حديث معه، ينشرونه من بعد ثم يعلقون عليه كما يريدون فاعتذر ورفض مقابلته.

وحين اصطدموا بصلابة موقفه، وتأكدوا من عدم استعداده للتنازل عن مبادئه، وموقفه المساند لجبهة وجيش التحرير الوطني قرروا الانتقام منه بإهانته ثم تصفيته جسديا.

وقد حاولت السلطات الفرنسية التنصل من هذه الجريمة الشنعاء، فزعمت أن الدين اختطفوه هم ” الإرهابيون ” أي رجال جيش التحرير كما تسميهم ألاّ إن جمعية العلماء كذبت هذا التضليل، وأعلنت للرأي العام العالمي أن فرنسا هي التي قامت بهذا الفعل الشنيع.

وظل مصيره مجهولاً، وقبره غير معروف إلى أن اتضح مؤخرًا من بعض الشهادات التي قد تكون صحيحة أنه مدفون في عين ذهب بولاية تيارت.

وبعد الاستقلال، قامت الدولة الجزائرية بتكريم هذا العالم الشهيد، فحملت المساجد والمدارس والمؤسسات التربوية وغيرها من المعالم الوطنية اسم “العربي التبسي”.


د بشير سعدوني : جامعة الجزائر 2


آخر التغريدات: