الشيخ العربي التبسي والثورة التحريرية

الشيخ العربي التبسي والثورة التحريرية

كان الشيخ التبسي- مثل زملائه في جمعية العلماء – يؤمن بأنّ التغيير الحقيقي للمجتمع الجزائري آنذاك إنّما يتم بالتربية والتعليم والتوعية الثقافية، لأنّ الأمة المتعلمة هي الجديرة بالحرية والحياة الكريمة. ولكن في ذات الوقت كان يؤمن بأنّ الاستعمار لا يفهم إلاّ لغة السلاح، لذلك قبل حمل السلاح لابد من إعداد جيل مسلح بعقيدة صحيحة، وفكر نيّر، ومستعد لحمل السلاح وتقديم التضحيات في سبيل حريته وكرامته، فكان وهو يعمل في ميدان الإصلاح، يفكر في الثورة المسلّحة، ويُعدّ الشعب لها نفسيا وفكريا وروحيا، وقد تواترت الروايات في هذا الموضوع.

ولأنّ التبسي كان ثائرا بطبعه، فقد أيّد الثورة منذ بدايتها، بماله وفكره ومساعيه المختلفة، وقد أفتى بأنّه “لا يجوز لأيّ مسلم بدون عذر أن يتخلف عن الجهاد”.

ومنذ البداية اضطلع بأدوار سرية عظيمة في خدمة الثورة، كربط الاتصال بين قادة الثورة، وجمع الأموال للثورة، وكان كثير من الناس لا يتبرعون بالمال للثورة إلا على يده لثقتهم فيه.

وحاول المحاضر أن يجيب عن سبب تأخر إعلان قيادة جمعية العلماء في الداخل تأييدها للثورة إلى مطلع سنة 1956م، رغم أنّها عمليا كانت مع الثورة قبل هذا التاريخ، وفي هذه النقطة خلص المحاضر إلى أنّ الإعلان عن تأييد الثورة منذ البداية سوف لن يكون لا في صالح الثورة ولا الجمعية، وأن قيادة الثورة كانت تطلب من الجمعية المساندة، لا حل نفسها، فهي غير مطالبة بحل نفسها مثل الأحزاب الأخرى.

وعلى كل فإنّ الشيخ التبسي قد ضع نفسه في خدمة الثورة من البداية، وقد استمر على موقفه هذا رغم خطورة الظروف آنذاك (معركة الجزائر)، وقد نصحه زملاؤه بمغادرة البلاد، واقترحت عليه قيادة الثورة مرارا أن يلتحق بمصر أو ليبيا، ويتجنب الأخطار التي تهدّده، فأبى قائلا: « إنّ خروجي اليوم والوطن في حرب، يعدّ فرارًا من الزحف الذّي هو أكبر الكبائر، أنا لو كنت خارج الوطن ووقع هذا فيه، لدخلت فورا.. وإذا خرجت أنا وأمثالي في هذه الظروف، فمن يشجع الأمّة ويحثّها على مساندة الثورة؟ إنّ الحالة خطيرة حقًّا، وإنّ الأعداء ليهدّدوننا في حياتنا في كلّ لحظة،  فماذا نصنع؟ أنترك الميدان لهم؟ كلاّ وألف كلاّ! سأمكث هنا في الجزائر، وليكن ما يكون! »، وكان يردد المثل الشعبي “هنا يموت قاسي“.

بل إنّه كان يتأسّف لأنّ سِنُّه وصحته لا يسمحان له بحمل السلاح، فكان يقول: « لو كنت في صحتي وشبابي، ما زدت يوما واحدا في المدينة، أُسرِع إلى الجبل، أحمل السّلاح وأقاتل مع المجاهدين! ».

لاحظت السلطات الاستعمارية مدى النفوذ المعنوي الذي يتمتع به الشّيخ التبسي في أوساط الشّعب، فحاولت التأثير عليه بشتّى الطرق لعزله عن حركة الثورة، فأرسلت إليه مندوبين عنها محاولين دفعه إلى التفاوض وإنهاء الحرب، فكان ردّه عليهم حازمًا: « إذا أرادت فرنسا إيقاف الحرب فلتفاوض جبهة التّحرير، أمّا العربي التبسي وغيره، فليس لهم أن يتكلّموا باسم الشّعب وثورته، ولا يستطيعون إيقاف ثورة الأمّة كلّها ».

 وكان موقفه الوطني هذا دافعا لخطفه من داره ببلكور، واغتياله، وإخفاء جثّه، إذ لم يُعرف له قبر حتى الآن.


* أ. سعيد بورنان: جامعة تيزي وزو


آخر التغريدات: