في ذكرى المولد النبوي الشريف

في ذكرى المولد النبوي الشريف

أيها المسلمون: ليس هذا المولد النبوي الذي تحيون ذكراه في كل عام ميلاد رجل محدود الوجود بطرفي الحياة، ولو كان كذلك لكان محدود المعنى لأن وراء كل حياة موتًا، ولكان كبقية الموالد التي تتحكم فيها الأعراف فتغالي فيها أو تتوسّط، واحتفال رجل بعيد ميلاد ولده الوحيد العزيز لا ينقل شعور الفرح والابتهاج من الوالدين إلى الجيران إلّا على نمط من المجاملة والمقارضة العرفية.

ولكن ميلاد محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي جاء بالهدى ودين الحق، هو مولد لكل ما جاء به محمد من الهدى ودين الحق، فهو مولد للصلاح والإصلاح والهداية والرحمة والخير والعدل والإحسان والأخوة والمحبة والرفق، وهو مولد لجميع الشرائع السمحة التي غيّرت الكون، وطهّرت النفوس، وصحّحت الحدود بين الناس فوقف كل واحد منهم عند حدّه، ووضحت المعالم المطموسة بين الخلطاء فوقف كل خليط من خليط موقف المعاون، لا موقف المعاكس: فالمرأة والرجل، والأمير والمأمور، والحر والعبد، والكبير والصغير، والأب والابن، والجار وجاره، والعربي والأعجمي، والأجير والمستأجر، والغني والفقير، كل أولئك أصبح راضيًا بحاله، ناعمًا في عيشه، سعيدًا في حياته آمنًا من ظلم خليطه.

ومولد محمد هو الحد الفاصل بين حالتين للبشرية: حالة من الظلام جللها قرونًا متطاولة، وحالة من النور كانت تترقبها، وقد طلع فجرها مع فجر هذا اليوم، فميلاد محمد – صلى الله عليه وسلم – كان إيذانًا من الله بنقل البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الوثنية إلى التوحيد، ومن العبودية إلى الحرية، وبعبارة جامعة من الشر الذي لا خير فيه إلى الخير الذي لا شر معه.

مولد محمد – صلى الله عليه وسلم – هو مولد تلك التعاليم التي حرّرت العقل والفكر وسمت بالروح إلى الملإ الأعلى، بعدما تدنت بالمادة إلى الحيوانية، وبالشهوات إلى البهيمية، وبالمطامع إلى السبعية الجارحة.

ومولد محمد – صلى الله عليه وسلم – هو مولد الإسلام والقرآن وذلك الفيض العميم من المعاني التي أصلحت الأرض ووصلتها بالسماء وفتحت الطريق إلى الجنة.

فقولوا لمن جاء بعد محمد من زاعم يزعم الانتصار للحق، وزعيم يهتف بالحق وداع يدعو إلى الحرية، ودعيّ يكذب على الحرّية، وعاقل يبكي على العقل، ومفكّر يجهد في تحرير الفكر، وروحاني يعمل لسمو الروح، وأخلاقي يضع الموازين للمثل العليا، وحاكم يحاول إقامة العدل في الأرض، وحائر لا يدري من أين يبتدئ ولا أين ينتهي، قولوا لهم جميعًا: قد سبقكم محمد إلى هذا كله، وقد نصب لكم بقرآنه وسيرته أعلام الهداية في كل مصعد وكل منحدر، ولكنكم قوم لا تفقهون أو لا تصدقون، فارجعوا إليه إن كنتم صادقين تجدوه منكم قريبًا.

هذه هي المعاني التي يجب أن نستشعرها حينما نذكر المولد، وحينما نحتفل به، أما ما عدا ذلك مما نفعله ونقوله فزوائد لا قيمة لها في العقول ولا أثر لها في النفوس.

وهذه هي المعاني التي يجب أن نعدّ أنفسنا للتأثّر بها حتى نلين قيادها للخير وندمّث وعورتها لتلقيه وللعمل به، ولا يكون ذلك إلّا إذا مررنا بها على مواطن العبرة فيها، واستدرجناها لحسن الاقتداء بها وإتقان الاحتذاء لها.

لو فهمنا المولد المحمدي بهذه المعاني لكان إظلاله لنا في كل عام تجديدًا لهممنا، وإيقاظًا لشواعرنا، وصقلًا لأذهاننا، وجلاءً لأرواحنا، ولكانت آثار ذلك سموًّا في أرواحنا، وسدادًا في آرائنا، وتحوّلًا إلى الخير في أحوالنا، وجمعًا لكلمتنا على الحق، وتوحيدًا لصفوفنا في النوائب.

ولكننا فهمناه على قياس من عقولنا وهي جامدة، وعلى نحوٍ من هممنا وهي خامدة، وعلى نمط من عاداتنا وهي سخيفة، وقصرناه على هذه التوافه: لعب للصغار ليس فيها فائدة وخطب للكبار ليس فيها عائدة.

فعلنا بمولد محمد – صلى الله عليه وسلم – ما فعلناه بسيرته فاقتصرنا في كليهما على أضعف جانبيه، فنحن في مولده نلهو ونلعب، وقد نفرح ونطرب، ونعمر يومه وأسبوعه بحفلات تقليدية ليس فيها روح، كذلك نحن نتدارس سيرته التي هي التفسير العملي للإسلام فلا ندرس إلّا جانبها البشري من كيفية أكله ولباسه ونومه، لا جانبها الملكي من صبره وجهاده وتربيته لأُمّته، وبناء الدولة الإسلامية.

يختلف الفقهاء في هذه الحفلات المولدية وهل هي مشروعة أو غير مشروعة، ويطيلون الكلام في ذلك بما حاصله الفراغ والتلهي وقطع الوقت بما لا طائل فيه، والحق الذي تخطّاه الفريقان أنها ذكرى للغافلين وإنما لم يفعلها السلف الصالح لأنهم كانوا متذكرين بقوة دينهم وطبيعة قربهم، وعمارة أوقاتهم بالصالحات.

أما في هذه الأزمنة المتأخرة التي رانت فيها الغفلة على القلوب، واستولت عليها القسوة من طول الأمد واحتاج فيها المسلمون إلى المنبّهات، فمن الحكمة والسداد أن يرجع المسلمون إلى تاريخهم يستنيرون عبره، وإلى نبيّهم يدرسون سيره، وإلى قرآنهم يستجلون حقائقه، وإن من خير المنبّهات مولد محمد لو فهمناه بتلك المعاني الجليلة.

أيها المسلمون: قبل أن تقيموا حفلات المولد أقيموا معاني المولد، وتدرّجوا من المولد المحمدي الذي هو مولد رجل إلى البعثة المحمدية التي هي مولد دين نسخ الأديان لأنه أكمل الأديان، وهنالك تضعون أيديكم على الحقيقة التي تهديكم إليها هذه الذكرى.

حاسبوا أنفسكم في كل عام من أين انتقلتم وإلى أين وصلتم، أشيعوا بينكم في هذه الذكريات المحبة والأخوة والاتحاد على الحق. واذكروا أن صاحب هذه الرسالة بعث بالعزّة والكرامة والعلم والقوة، فكونوا أعزّة وكونوا أحرارًا وكونوا أقوياء، واعرفوا محمدًا بدينه وقرآنه وسيرته لا بمولده، وأقيموا دينه، ولا عليكم بعد ذلك أن تقيموا مولده أو لا تقيموه.

إن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – يطالبكم بإقامة الدين لا بإقامة المولد، وإن دينكم دين الحقائق والأعمال والنُظم فارجعوا إلى تلك الحقائق وانصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.

– 2 –

من الخير للمسلمين أن يسيروا إلى الأمام دائمًا بأبدانهم وعقولهم مع الأمم الزاحفة إلى الحياة، المتزاحمة على مواردها، أو أمام الأمم الزاحفة المتزاحمة، مندفعين بحداء القرآن إلى الحق الذي تؤيّده القوّة، وإلى القوّة التي يؤيّدها الحقّ، ليعمروا هذا الكون بالعدل والصلاح والإحسان والخير والمحبّة، ويتحقّق وعد الله إياهم بالاستخلاف في الأرض، وتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم فيها، وتبديل خوفهم أمنًا إذا آمنوا وعملوا الصالحات وعبدوا الله ولم يُشركوا به شيئًا.

من الخير العميم لهم أن يفعلوا ذلك في جميع العام، إلّا في ليلة واحدة منه وهي الليلة الموافقة لليلة ميلاد محمد – صلى الله عليه وسلم -، فالواجب عليهم أن يرجعوا فيها القهقرى، وأن يطووا فيها هذه المراحل الأربع عشرة التي نسمّيها قرونًا، وأن يمحوها من أذهانهم بخيرها وشرّها حتّى كأن لم تكن، ليتصّلوا في ليلة من العام بالآفاق التي انفجر منها ماؤه العذب الزلال، فأروى النفوس وغسل أكدارها، وطهّر الأرض وأحيا مواتها، والواجب أن يتبعوا السبب حتّى يبلغوا مطلع الحقيقة- حقيقة السعادة التي جلاها الله على هذا الكوكب الأرضي، كوكب الشقاء والشرّ والفساد والتناحر، والواجب أن يفعلوا هذا ليجتمعوا بمحمد في ليلة من كلّ عام، فيأخذوا عنه كيف كان يزكّي وكيف كان يعلّم، وكيف كان يجاهد الكفر قبل أن يجاهد الكفّار، ويحارب المعاني الفاجرة قبل أن يحارب الفجّار، وكيف كان يغرس الفضيلة ويتعهدها بالسقي والرعاية حتى تنمو وتورق وتُظلّ وتثمر، وكيف كان يقلع الوثنية ليزرع التوحيد، ويهدم الضلال ليبني الهدى، وكيف كان يهدي بالقرآن للتي هي أقوم، وكيف كان يمهّد للحقّ بالقوّة، ويضع القوّة في خدمة الحقّ، وكيف كان ينتصف للروح من الجسم حتّى إذا بلغ المعدلة أذن لسلطان الروح بالاستيلاء على العرش من غير أن يضار الجسد أو يضيمه، وكيف كان يؤلّف بين سنن الله في الدين وبين سننه في الكون ليربط الأسباب بالمسببات والدين بالدنيا، ويزاوج بين السعادتين فيهما.

هذه المعاني- وهي قطرة من بحر- هي التي يجب أن يذكرها المسلمون، وأن يتذاكروها كلّما أظلتهم هذه الليلة من كل عام، وأن يحتفلوا لذكرها باللسان وذكراها بالقلب وتحقيقها بالعمل، وأن يتواصوا بالتخلّق بها في أنفسهم ثم فيمن يليهم من أهل وجيران وأقارب، وأن يتنافسوا في البلوغ إلى غاياتها، وأن يعتبروا هذه الليلة حدًّا فاصلًا بين مرحلة مقطوعة ومرحلة مستأنفة، وموقف محاسبة على عام مضى، واستعداد لعام يأتي …

أما والله لو أننا نظرنا إلى هذه الليلة بهذه النظرة، ووزنّاها بهذا الميزان، وبنينا إقامة الحفلات فيها على هذه الحكمة، لما أُصبنا بهذا الوهن القاتل، ولما أُصيبت جدة الدين بيننا بالأخلاق، ولما تفرقنا شيعًا فيه ومذاهب، ولما تكدّرت مشاربنا منه بالضلال والابتداع، ولا تنوسيت تلك السنن العظيمة بالغفلة والإضاعة.
أيها الإخوان: إن نبيّنا منا لقريب لو جعلنا الصلة بيننا وبينه حبل الله القرآن، فقد تركه فينا ليكون النور الممتد بيننا وبينه، وقد كان خُلُقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه ويقف عند حدوده ويصنع أفعاله وتروكه من أوامره ونواهيه، وينحت من معدنه تلك الآداب التي ربّى بها نفسه وراض عليها أصحابه، ثم تركها كلمة باقية فينا وحجّة بالغة لنا أو علينا، وقد شرّفنا – صلى الله عليه وسلم – تشريفًا يبقى على الدهر، وشهد لنا شهادة نتيه بها على الغابرين إذ قال لأصحابه: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِيَ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي».

ولكننا تركنا هذا المرجع الإلهي المعصوم في اقتباس سيرة نبيّنا كما هجرناه في كل ما جاء به من عقائد وعبادات وأحكام وآداب، وأصبحنا نتلمّسها من كتب فيها الموضوع وفيها المصنوع وفيها الصحيح الذي لا يثير عبرة ولا يحصي نزعة من نزعات الخير فينا، ولا يحملنا على التأسّي بتلك السير التي هي كنوز معارف ومعادن فضائل وأعلام اقتداء، ومنازل نقلة بالفكر إلى المثل الأعلى، وبالروح إلى الملإ الأعلى …

ألستم ترون أن أكثر المؤلفين في السير يصرفون اهتمامهم إلى الجهات التي لا محلّ فيها للاقتداء الذي يزكّي النفس- أكثر مما يصرفونه إلى الجهات التي تزكي النفس وتطبعها على الخلال النبوية، يهتمّون بالمواطن السطحية البشرية مثل كيفية لبسه وأكله وشربه ونومه وملابسة أهله، ويغفلون المكامن الروحية الملكية مثل تعلّقه بالله ومراقبته له وتأديته الأمانة الشاقة وصبره وشجاعته وتربيته لأصحابه، وتدريبهم على جهاد أنفسهم حتّى تكمل وعلى السمع والطاعة للحق وفي الحق، وعلى التعاون والتناصح والتحابب والتآخي والاتحاد …

 

المصدر: آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: مسودة وجدت في أوراق الشيخ لكلمة ألقاها في الحفل الذي أُقيم بالقاهرة في شهر نوفمبر 195بمناسبة ذكرى المولد، بحضور الرئيس محمد نجيب رئيس جمهورية مصر.

 

 

آخر التغريدات: