تحية إباء… إلى جمعية العلماء

تحية إباء… إلى جمعية العلماء

تأبى جمعية العلماء، وهي الحقيقة التاريخية الناطقة -في الجزائر- بحب الله وبحبّ الوطن، تأبى إلا أن تبطل معادلة، وتثبيت معادلة أخرى، أما الأولى، فهي أربعة عقود من الزمن في عمر الإنسان والمكان، هي أعراض شيخوخة وترهل. أما المعادلة المثبتة فهي على العكس من ذلك، حيث أنّ الثمانين سنة في عمر الشعوب، والمنظمات الحية، هي علامة ازدهار، وانتصار، وافتخار.

لقد حققت جمعية العلماء –إذن- بعد أربعة عقود من الزمن من ولادتها على أنّها لا تزال في عنفوان قوتها، وقمّة عطائها، لم توهنها السنون، ولم تضعفها الظنون، ولم تزدها الشجون إلا ثباتا.

فقد راهن البعض على انهيار الجمعية بحكم التقادم الزمني، والتصادم الوطني، ولكن أبت الجمعية إلا أن تثبت لهؤلاء، وأولئك، خيبة ظنهم وبطلان حسابهم.

نقول هذا، ونقدِّم الدليل من الواقع المعيش المتجدد. ففي مؤتمرها الاستثنائي عام 2011م وضع البعض أيديهم على قلوبهم، بعد رحيل شيخنا الجليل عبد الرحمن شيبان، وحسبوا أنّ الجزائريين سيزهدون فيها، فخيبت الجمعية، بحسن تنظيم مؤتمرها الاستثنائي، وتأمين الانتقال في المسؤولية، وتقديم انتخابات شفافة ونزيهة، قدمت الجمعية –على العكس- مما ظنّ البعض صورة مثلى لكلّ الأحزاب والهيآت في حسن انتقال المسؤولية بالطريقة السلمية النموذجية.

وكان ذلك حافزًا للجمعية على إثبات وجودها، ومواصلة سيرها للإسهام في عملية التشييد والبناء، وفاء للمجاهدين الخالدين من شيوخنا العلماء. فكان الحضور المكثف للجمعية إعلاميا، وثقافيا، جزائريًا وإسلاميًا، محليا ودوليًا، فلفتت بهذا الحضور انتباه الجميع، وأثبتت للجميع أنّها عامل حاسم في المعادلة الوطنية الكبرى، والمعادلة الإسلامية العظمى.

وفي يومي الخامس والسادس من محرم 1435هـ الموافق ليومي 8 و9 نوفمبر 2013م، نظمت جمعية العلماء مؤتمرها الرابع العادي، بتعاضدية البناء بزرالدة الضاحية الجزائرية الجميلة، فكان عرسًا ثقافيًا وسياسيًا، ميزته مجموعة من العوامل البارزة، لعلّ أهمّها:

1- التمثيل الوطني لكلّ الشعَب، من بجاية إلى تلمسان، ومن تيندوف إلى تمنراست، فكان التنوّع الجغرافي الذي يجسّد العمق التاريخي بأبعاده الجزائرية، والإسلامية، والحضارية.

2- استقطاب رموز الفاعلين في الساحة السياسية الجزائرية، وجمعهم تحت قبة جمعية العلماء، المؤتلف منهم والمختلف، العلماني، والإسلامي في انسجام كامل يطبعه أدب الاختلاف وعمق الانتماء الوطني.

3- اتسام أشغال المؤتمر بالحرية المسؤولة في الطرح، والشجاعة في إبداء الرأي، وحسن التأدّب في الرّد على المخالف، فكان مشهدًا رائعًا لسير العمل، والخروج بالنتائج النبيلة.

4- وضع الخطوط العامة للمستقبل برسم فلسفة واضحة المنهج، سليمة المقدمات، منطقية المقاصد.

5- الواقعية في الاختيار، بتحقيق الإجماع عندما يتم الاقتناع، بنبل الهدف وقدسية وحدة الصف، وهذا ما تمّ تحقيق الإجماع حوله بتزكية رئيس الجمعية، وهي الصورة التي قدَّمها المؤتمرون للإعلام، وللمحضر القانوني الذي كان يرصد كلّ صغيرة وكبيرة، حماية للقانون.

إنّ هذه النماذج الحيّة، وغيرها رسمها المؤتمرون لمستقبل الجمعية إلى مستقبل الجزائر، فدللوا بها على المستقبل الذي يصنعه الشباب، والقائم على العلم، لن يكون إلا بناء مضادا للزلازل والزعازع، وإنّ في هذا لرسائل صريحة، وفصيحة يقدمها المثقفون الملتزمون بثوابت الأمة إلى كلّ المسؤولين. إنّ كلّ معادلة وطنية لا يمكن أن تحقق نتائجها الصحيحة ما لم تُبنَ على العلم القويم، والإسلام بالفهم السليم، والشباب الناشئ على الخلق العظيم.

إنّ الحدث الأكبر الذي صنعته جمعية العلماء هذه الأيام، ليمثل تحوّلا هامًا في خارطة الوطن الجزائري، وما دام هذا الحدث الذي هو المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، قد اتخذ شعارًا له “إعلاء البناء، وتعميق الوفاء” فإنّ في هذا يكمن كلّ السّر، ويقضي على كلّ منابع الشرّ.

ومهما ضعفت موارد الجمعية، ومهما قلصت إمكاناتها، فإنّ العبرة بالجوهر لا بالمظهر

وإذا رأيت من الهلال نموه *** أيقنت أن سيصير بدرًا كاملا

وكما قال الشهيد العربي التبسي: “لقد كانت جمعية العلماء أو ابن باديس هما الجزائر، فلتحرص الجزائر على أن تكون هي جمعية العلماء وابن باديس.


آخر التغريدات: