الدكتور أبو مدين الشافعي عالم النفس الجزائري المغمور

الدكتور أبو مدين الشافعي عالم النفس الجزائري المغمور

ولد أبو مدين الشافعي بتلمسان في عام 1921 في أسرة كريمة معروفة بحبها للعلم والعلماء. تابع الدروس الدينية في تفسير القرآن وشرح الحديث النبوي في مجلس الشيخ أحمد بوعروق بمسجد سيدي الجبار. كما درس النحو والصرف في جامع سيدي اليدون، وحفظ جزءا من القرآن في جامع الشرفاء على الشيخ سيدي الداودي.

خطوات وبصمات

لما بلغ سن التمدرس، التحق بالمدرسة الفرنسية بسيدي بوجمعة ثم انتقل إلى مدرسة أخرى تسمى مدرسة ديسبو في منطقة العرعار. وواصل دراسته حتى نال شهادة الباكالوريا.

ولما افتتحت دار الحديث بتلمسان في عام 1937 انتسب إليها لدراسة العلوم الإسلامية على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي أثر فيه كثيرا، وكان يصفه بـ ” الأب العطوف، والوجه الحكيم”.  وكان الشيخ الإبراهيمي يعتبره أقرب طلبته المغاربة إليه، كما كان يعتبر الدكتور جميل صليبا، الفيلسوف السوري المعروف، أعز طلبته المشارقة.

وكتب محمد الإبراهيمي نجل الشيخ وزميل الشافعي في مدرسة دار الحديث يصف نبوغ هذا الأخير وتميّزه: “نشهد أن أخانا أبا مدين كان أذكى تلامذة قسمه في دار الحديث وأكثرهم دؤوبا على العمل، وانكبابا على المطالعة، وتنظيما لأوقاته.”

ولما أقدمت السلطة الفرنسية على غلق هذه المدرسة، دافع عنها أبو مدين وكشف هذه المؤامرة التي تستهدف الحرف العربي في الجزائر، ويبدو أنه تلقى تهديدات من هذه السلطة الاستعمارية بسبب هذا الموقف، ففضل الهجرة إلى مصر ليعيش حرا ويزداد علما. لكنه بقي وفيا لهذه المدرسة التي افتتحت أبوابها من جديد فيما بعد، وكان يراسلها من حين إلى آخر، منوّها بفضلها في تكوينه العلمي ونجاحه في الحياة.

نشاطه في القاهرة

سافر أبو مدين إلى مصر في عام 1938 لمواصلة دراساته العليا بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة. ولم يجد الشاب الجزائري صعوبات كثيرة في الانضمام إلى الجامعة المصرية بفضل انتسابه إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي يترأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس. قال في هذا الشأن: ” إني أينما ذهبت وذكرت اسم الشيخ ابن باديس كانت الثغور تبتسم، والوجوه تنشرح، والآذان تصغي، والأمور تُقضى. وهكذا سهل علي اسم الأستاذ الرئيس كل صعب، ووصلت إلى مصر بفضل انتسابي إلى جمعية العلماء ذات السمعة العالية في الشرق العربي الإسلامي.”

ولم تدم إقامته في القاهرة إلا مدة قصيرة حتى راسل جريدة البصائر ليخبر من خلالها أساتذته وأصدقاءه عن وصوله إلى مصر وإقدامه على التحصيل العلمي. ودعا جمعية العلماء إلى إرسال بعثات علمية إلى مصر للدراسة في المعاهد المصرية خاصة وأن هذه الجمعية تتمتع بسمعة عالية في المشرق العربي واستعداده لاستقبال الطلبة الجزائريين الخريجين من مدارسها التي لا تختلف برامجها عن المقررات في المدارس المشرقية.

درس أبو مدين في كلية الآداب بجامعة القاهرة وتخصص في علم النفس. فنال شهادة الماجستير ثم الدكتوراه في عام 1947 بعد أن ناقش رسالة علمية حول ” التنبه الإرادي” بملاحظة جيد جدا. عمل بعد تخرجه مدرسا لعلم النفس بجامعة القاهرة. كما فتح عيادة للعلاج النفسي في القاهرة وأخرى في بيروت.

وكانت له صلة قوية بوفد جبهة التحرير الوطني والطلبة الجزائريين الذين كان يستقبلهم باستمرار في عيادته ومنزله. وحرص هؤلاء على استضافته في ناديهم الأدبي لإلقاء المحاضرات. فقد ألقى يوم 22 نوفمبر 1957 محاضرة في نادي الطلبة المغربي عنوانها: ” الكفاح النفسي” حضرها عدد كبير من النخبة الجزائرية منهم محمد العربي دماغ العتروس، الشيخ عمر دردور، ومن الطلبة بلقاسم سعد الله،…الخ.

عطاؤه الفكري

ساهم أبو مدين مبكرا بمقالات في الأدب والتربية في جريدة البصائر ومجلة الشهاب وهو مازال طالبا بدار الحديث. وكان أول مقال نشره في جريدة البصائر في عام 1936 ، وهو عبارة عن رسالة وجهها إلى الأستاذ مصطفى بن حلوش معقبا على مقاله الذي اتهم فيها الشباب الجزائري بالخمول، مؤكدا أن جهود جمعية العلماء حركت الشباب في القطر حتى أصبح من كوادرها.

وكتب مقالات في الأدب المقارن. فقارن بين الشاعرة الخنساء والبطلة الفرنسية جان دارك وبين أوجه الشبه والاختلاف بين المرأتين الخالدتين، الأولى خلدها ديوانها الشعري المعبر عن ذروة عالية في الصبر والشجاعة والزعامة حينما فرحت باستشهاد أبنائها الأربعة في وقعة القادسية، والثانية خلدتها التماثيل التي أقامها لها النحات في فرنسا للاعتراف بتضحيتها في سبيل وطنها والدفاع عنه حتى الموت.

وفي مجال المقارنة نشر أيضا مقالا في مجلة الشهاب درس فيه مسألة الإيمان بين روسو وفولتير. وقد أهدى هذا المقال إلى أستاذه بدار الحديث الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. وأبرز الطالب أبو مدين الفرق بين إيمان الرجلين، ” فإيمان فولتير ناشئ عن التأمل في نقص الإنسان، وإيمان روسو استخرج من كمال الله وقدرته”.

وكتب سلسلة طويلة في الأدب وفوائده مستشهدا بنماذج راقية مستوحاة من التراث العربي والتراث الأوروبي أذكر منهم: الجاحظ، الأصفهاني، جوته، فولتير، مونتسكيو، لامارتين، رابلي، وألكسندر دوما…الخ.

وانتهى إلى قوله الحكيم: ” إن كل نهضة أوروبية كانت على يد الأدباء، فإذا أردنا أن تكون للجزائر نهضة حقيقية فما على الجزائر إلا أن يكون لها أدباء بأتم معنى الكلمة”.

وخصص الشافعي مقالا آخر درس فيه جوانب الإبداع في شعر المتنبي. وأبدع في مقالين، تناول في الأول موضوع التمثيل في القرآن ، شرح فيه استغناء الأدب العربي عن التمثيل على عكس الأدب الأوروبي الذي أبدع أدباؤه في هذا المجال وكان أشهرهم: موليير، كورنيل وراسين. وبيّن الشافعي احتواء القرآن الكريم على نماذج كثيرة في التصوير الفني.

وتطرق في المقال الثاني إلى العلاقة بين الشعر والنفس، مبرزا ريادة الشاعر العربي في التعبير عن إحساسه والتصوير لخياله قبل ظهور الشاعر لامارتين الذي تفتخر به الحضارة الغربية بوصفه رائد هذا النوع الشعري.

وفي المجال الانتروبولوجي درس ظاهرة الوأد عند العرب التي أسيئ فهمها. فتناول أبو مدين بالدراسة والتحليل نفسية العربي، مبرزا الدافع الرئيس إلى إقدامه على فعله الشنيع والمتمثل -في نظره- في الجهل وليس في التجرد من الحنان الأبوي وفقدان العطف الإنساني.

وفي مجال علم النفس التربوي نشر في البصائر مقالات موجهة إلى المعلمين يحثهم على تجنب التوتر، ويدعوهم إلى ضرورة الاعتناء بالطرق السليمة لجذب اهتمام التلاميذ للدرس.

ولابد أن أشير هنا إلى دعم الشيخ مبارك الميلي رئيس تحرير البصائر للشاب أبي مدين وتشجيعه على الكتابة، ذلك أنه يعتبره  من ألمع الأقلام المتألقة في الجزائر. وقد كتب عنه مرة فقال: “هو أحد أبناء الجزائر البررة وأعضاء الجمعية المخلصين الشاب النجيب السيد أبو مدين الشافعي من تلامذة الأستاذ الشيخ البشير الإبراهيمي نائب رئيس جمعية العلماء ومؤسس دار الحديث بتلمسان. وقراء البصائر يعرفون هذا الشاب بفصوله الأدبية الناطقة بما له من روح ابتكار المواضع وولوعه بإذاعة مجد العرب التالد.”

كما كتب مقالا في مجلة العبقرية لصاحبها الأستاذ عبد الوهاب بن منصور، العضو البارز في جمعية العلماء ومدير مدرسة ندرومة. وقد تناول فيه ذكرياته في تلمسان قبل رحلته إلى مصر. ونشر كذلك دراسات أكاديمية في مجال علم النفس في مجلات متخصصة في مصر ولبنان.

وفي مجال التأليف الأكاديمي، ترك الدكتور أبو مدين الشافعي مجموعة كتب في تخصصه العلمي وهو علم النفس، وهذه هي عناوينها: الانتباه الإرادي، الاطمئنان النفسي، القلق، النوم، الأرق، الراحة النفسية، التنويم المغناطيسي، الفعل الإرادي، الوهم، النوم والأرق، الصراع النفسي، التعب، نفسية الطفل، الحب والأمراض النفسية. وأصبحت كتبه مقررة في المعاهد والمدارس في مصر والشام والعراق.

وأريد أن أنقل هنا شهادة باحث ليبي هو الأستاذ مصطفى علي المصراتي الذي عرفه في القاهرة واحتك به ودرس عليه، يلخص القيمة العلمية لكتابات الدكتور الشافعي: ” ولقد حمل العالم الجزائري نبراس علمه، وملأ به أدراج الدراسات، واكتشف جوانب فسلط أضواء المعرفة على واحات كانت مجهولة، وأمد المكتبة العربية برسائل ودراسات علمية ذات صبغة استقرائية وروح تجريبية”.

جنازة رسمية في القاهرة

قتل الدكتور أبو مدين في يوم 25 فبراير 1958 في عيادته الخاصة الواقعة في حي قاردن سيتي. واختلفت الروايات عن هوية القاتل. فالرواية الأولى تشير إلى أن الجاني يهودي. لقد نصح الحكيم النفساني الجزائري زوجة اليهودي المريضة بالابتعاد عن زوجها لفترة زمنية قصد الشفاء من علتها. وقد استجابت المرأة لتوصية الطبيب وسافرت وحدها إلى أهلها في باريس. وغضب اليهودي على ذلك فقتل أبا مدين باعتباره سببا في هروب زوجته منه. بينما الرواية الثانية تؤكد أن المجرم كان من أحد المرضى الذين كانوا يقصدونه للعلاج.

ونزل خبر اغتياله كالصاعقة على الجزائريين الذين أحبوه لأخلاقه العالية وجهوده في خدمتهم والنضال في سبيل الوطن. وأدركوا خسارته للعلم الذي أبدع فيه، وخسارة للقضية الجزائرية التي وجد فيه أبناؤها سندا قويا لها في المهجر الذي كسب فيه ثقة أهلها وتقديرهم.

ودفن في مقبرة القرافة بحي الحسين بالقاهرة. حضر مراسيم الدفن وفد من جبهة التحرير برئاسة فرحات عباس والعقيد أوعمران. كما أقيمت بهذه المناسبة الأليمة حفلة مأتم مساء يوم 26 فبراير لاستقبال العزاء حضرها الشخصيات الجزائرية المعروفة كالشيخ محمد البشير الإبراهيمي، أحمد توفيق المدني محمد الأمين دباغين…وغيرهم.

غير أن هذا العالم الذي جمعت جنازته كل النخبة الجزائرية في مصر بجميع اتجاهاتها الفكرية والسياسية لم ينل حقه من الاهتمام بعد أن أصبح بلده حرا مستقلا. وقد حان الوقت لإعادة الاعتبار لهذا العالم الذي يعد من أحد رواد علم النفس في العالم العربي في العصر الحديث، ليس بإطلاق اسمه على جامعة من جامعاتنا فقط، وإنما أيضا بطبع أعماله الكاملة وترسيمها كمقرارات في برامج علم النفس ليستفيد منها الباحثون والطلبة الجزائريون كما استفاد منها غيرهم من قبل في الجامعات العربية والإسلامية.


آخر التغريدات: