ابن باديس الرمز الحاضر والفكر الغائب

ابن باديس الرمز الحاضر والفكر الغائب

لا يوجد عالم أو مفكر جزائري، حظي بالمدح والتقدير والحب كما حظي العلامة عبد الحميد بن باديس، فهو الرمز الحاضر دائماً، فيما نكتبه وندونه عن الثقافة الجزائرية، ولعل مرد هذه الرمزية إلى مكانة الشيخ في نفوس الشعب الجزائري الذي كان قريب عهد بالشيخ وبجهوده الرائدة في التربية والتعليم، ومن ورائه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كانت في عهد الشيخ موئل كل أبناء الجزائر، وقد توارث الشعب الجزائري هذا الحب والتقدير لهذا الرجل الأمة الذي لا نجد وصفاً يليق به، وبمكانته أفضل مما وصفه به صديقه العلامة الشيخ العربي التبسي عندما توفي ابن باديس قائلاً: “أيتها الأمة الجزائرية لقد كان الشيخ ابن باديس هو الجزائر، فلتجتهد الجزائر الآن أن تكون هي الشيخ باديس، نعم لقد الشيخ ابن باديس هو الجزائر، هو ضميرها الحي، وهو قلبها الواسع المحب، وهو فكرها المسير القائد، هكذا هو ابن باديس فينا، فكيف نحن أمام هذا الرمز الشامخ المتعالي؟.

إذا ابن باديس هو الجزائر، وهو لعمري كذلك، فهل استطعنا أن نكون ابن باديس؟، هل استطعنا أن نتمثله في تربيتنا وتعليمنا، وفي سلوكياتنا الاجتماعية، وفي ممارستنا السياسية، وفي أحوالنا كلها؟ أين ابن باديس اليوم في مناهجنا التربوية؟ أين ابن باديس اليوم فيما نحمله من أفكار حول الدين والمجتمع والسياسة والقانون، وقد كان في كل هذا رائداً ومتفرداً، نعم لم يكن ابن باديس عالم اجتماع، ولا قائداً سياسياً، ولا رجل قانون، ولكنه كان منظومة متفردة، اتسقت فيها كل هذه الجوانب، فأبدعت فكراً رائداً وعملاً خالداً، نهض بالشعب الجزائري الذي كان يغط في نوم عميق، ما كان له أن يرى نور الحياة لولا ظهور رجل بحجم ابن باديس.

أين نحن من ابن باديس الذي أراد لنا أن نحي بالإسلام، وان نقيم المجتمع الإسلامي المتكامل، وان الطريق إلى ذلك لا يكون إلا بالقرآن ألم نقرأ كلماته وهو يخاطبنا بقوله: ” وإن القرآن الذي كون رجال السلف لا يكثر عليه أن يكون رجالاً في الخلف، لو أحسن فهمه وتدبره وحملت الأنفس على منهاجه”، ألم نسمعه وهو يردد على أسماعنا كلماته الخالدة، عندما وقف ذات يوم من أيام حياته القصيرة وألقى كلمته البليغة المؤثرة: لمن أعيش؟ أعيش للإسلام والجزائر قائلاً: “قد يقول قائل أن هذا ضيق في النظر، وتعصب للنفس وقصور في العمل، وتقصير في النفع؛ فليس الإسلام وحده ديناً للبشرية، ولا الجزائر وحدها وطناً للإنسان… ونحن لما نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية في جميع أجناسها فيقول: {ولقد كرمنا بني آدم} ويقرر التساوي والأخوة بين جميع تلك الأجناس ويبين أنهم كانوا أجناساً للتمييز لا للتفضيل وأن التفاضل بالأعمال الصالحة فقط فيقول: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ويدعو تلك الأجناس كلها إلى التعاطف والتراحم بما يجمعها من وحدة الأصل ووشائج القرابة القريبة والبعيدة فيقول: { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}. ويقرر التضامن الإنساني العام بأن الإحسان إلى واحد إحسان إلى الجميع، والإساءة إلى واحد إساءة إلى الجميع فيقول: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. ويتعرف بالأديان الأخرى ويحترمها ويسلم أمر التصرف فيها لأهلها فيقول: {لكم دينكم ولي دين}. ويقرر شرائع الأمم ويهون عليها شأن الاختلاف ويدعوها كلها إلى التسابق في الخيرات فيقول: {لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون}. ويأمر بالعدل العام مع العدو والصديق فيقول: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا}. ويحرم الاعتداء تحريما عاما على البغيض والحبيب فيقول: ولا يجرمنّكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا}. ويأمر بالإحسان العام فيقول: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}. ويأمر التخاطب العام فيقول: {وقولوا للناس حسناً}.

فلما عرفنا هذا وأكثر من هذا في الإسلام – وهو الدين الذي فطرنا عليه الله بفضله – علمنا أن دين الإنسانية لا نجاة لها ولا سعادة إلا به، وأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله، وأن إيصال النفع إليها لا يكن إلا من طريقه، فعاهدنا الله على أن نقف حياتنا على خدمته ونشر هدايته، وخدمة كل ما هو بسبيله ومن ناحيته. فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية لخيرها وسعادتها، في جميع أجناسها وأوطانها وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها، وما كنا لنكون هكذا إلا بالإسلام الذي ندين به ونعيش له ونعمل من أجله“.

لقد عاش ابن باديس للإسلام الذي أراده للشعب الجزائري ديناً، وملاذاً وانتماءً، فهل التزمنا الإسلام  ومناهجه في التشريع وبناء الدولة، وفي الحياة جميعاً، كما أراد الشيخ؟ أين الإسلام من حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ؟ إذا ابن باديس اختار أن يعيش لخدمة الإسلام والجزائر، وهو العالم الرباني المستوعب لعلوم هذا الدين، فهل ابن ابن باديس اليوم يشكل مرجعية فكرية وشرعية للشعب الجزائري؟ وهل الشعب الجزائري يسلم اليوم بمرجعية ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مسائل الدين والحياة، ونحن نرى فوضى الالتزام بالمرجعيات الوافدة شرقاً وغرباً؟.

نجيب ببساطة واضحة، أن ابن باديس فينا ليس سوى رمزاً نستحضره للافتخار وإبراز الذات، أما فكره ومشروعه الإصلاحي الرائد، فهو – لعمري- غائب تماماً عن هذا الجيل، وأخوف ما نخاف أننا نفشل في المحافظة على مشروع ابن باديس، فلا يصل إلى الأجيال القادمة، التي ستواجه أخطر أدوات التغريب والعلمنة في ظلّ التسويق المفرط واللامحدود لقيم العولمة المفروضة والمتوحشة. كان الله في عوننا وفي عون الأجيال القادمة، والله المستعان.


آخر التغريدات: