الداعية المصلح: الفضيل الورتيلاني

الداعية المصلح: الفضيل الورتيلاني

كتب الشيخ محمد الأگحل شرفاء يصف أستاذه الفضيل الورتيلاني فقال: «..إن نفس الورتيلاني العظيم من تلك الفئة الأولى الأصيلة: تلك التي تشبه المعدن الذهبي، ذلك الذي يصهر بالنار، ولكنه يخرج منها ألمع ما يكون بريقا، وأنقى ما يكون من الشوائب، وهذا نفس ما حدث للفضيل، فلقد مرت عليه كما تمر على الأفذاذ العباقرة، ظروف عابسة، حسبها الناس حجابا صفيقا بين ماضيه ومستقبله، ولكنها سرعان ما انقشعت كما تنقشع السحب الثقال عن وجه الشمس، فأشرف الورتيلاني من جديد على دنيا الاسلام والعروبة بالأضواء الكاشفة، فأنار طريق الكفاح من جديد، وفتح جبهة الجهاد من جديد، وتبوأ مركزه العظيم بين أساطين النهضة الاسلامية في العالم الاسلامي».

المرحوم الشيخ الفضيل الورتيلاني شخصية فريدة من نوعها، ونوعية متميزة في عالم الدعوة والإصلاح الديني في الجزائر وفي العالمين العربي والاسلامي. وهو من أهم الشخصيات الدعوية والاصلاحية والسياسية والدينية الجزائرية في العصر الحديث؛ إذ لم تعرف الجزائر بين الجمع الغفير من علمائها ودعاتها ومصلحيها نمطا دعويا يشابهه في حله وترحاله، وهو ظاهرة دعوية جديرة بالدراسة والتحليل، كما أنه ظاهرة إصلاحية جديرة بالتتبع والاقتفاء التحليلي والمنهجي([2]).

فقد عاش – يرحمه الله – نصف عمره في الجزائر متعلما ومعلما ومربيا وداعيا، كما قضى نصف عمره الآخر داعيا ومصلحا وخطيبا ومجاهدا متجولا في سبيل التعريف والدعاية والنصرة للقضية الجزائرية في جميع أنحاء المعمورة، الى أن توفي – يرحمه الله – في تركيا وحيدا غريبا عن وطنه، ووري التراب دون حضور الأهل والخلان، حتى تفطنت له الجزائر في عهد الرئيس السابق (الشاذلي بن جديد 1979 – 1991م) فنقلت رفاته سنة 1987م ، ودفن في قريته بني الورتيلان بالقرب من مدينة سطيف.

ولعل إلقاءنا بعض الأضواء على بيئته وظروف عصره السياسية والثقافية، التي ولد وعاش ونشأ وتعلم فيها. قبل أن يهاجر بقضية الجزائر الى سائر دول العالم ما يكشف لنا حقيقة المهمة الدعوية والاصلاحية الجسيمة التي اضطلع بها في حياته الجهادية الثرية.

الظروف العامة:

أما وضع الجزائر الثقافي والاجتماعي والتربوي واللغوي والديني.. فلم يكن أفضل حالا من وضعها السياسي، ولعل إلقاءنا الأضواء عليه يبين لنا حالة التردي التي كان يرسف فيها الجزائريون، ومنهم الشيخ الفضيل الورتيلاني يرحمه الله.

أما وضع الجزائر والشعب الجزائري الثقافي واللغوي والديني والتعليمي والتربوي والفني فقد وصفه الباحث الدكتور عثمان سعدي بقوله: «لقد كان مخطط الاستعمار طوال وجوده بالجزائر مبنيا على افراغ الشخصية الجزائرية من مضمونها القومي والوطني لإحلال مضمون الشخصية الفرنسية محلها، وكان يشرف على تطبيق هذا المخطط كبار أساتذة الاستعمار الفرنسي. وهم متخصصون في كل العلوم الانسانية وعارفون بالدقائق الخفية للتركيب النفسي والاجتماعي للفرد الجزائري، وكان هذا المخطط ذا حدين متوازيين متكاملين: الأول مباشر، وتمثل في غلق جميع الفرص أمام الجزائري، التي تمكنه من تعلم لغته الوطنية، وهذا يطبق في المدرسة على الخصوص.. والثاني غير مباشر تمثل في إفساد الذوق الفني الجزائري في الأغنية، والموسيقى، والمسرح، والأدب، وسهر على تطبيق هذه الخطة جهاز الإعلام الفرنسي المتطور..» ([3]).

ويضيف الدكتور عثمان سعدي مبينا مخطط الاستعمار الفرنسي مسخ وتشويه معالم الشخصية الجزائرية بقوله: «.. وكل المجهودات التي بذلتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر حيال الفرد والمجتمع الجزائري في النواحي التربوية والتعليمية والثقافية، إنما هدفت بالأساس للقضاء على اللغة العربية أولا المقوم الرئيس للثقافة العربية والدين الاسلامي، والى تحويل الفرد الجزائري من لغته وثقافته ودينه الى لغة المستعمر
وثقافته ودينه..»([4]).

وقد مرت في عمليتها التدجينية تلك، بواسطة مجموعة من الإجراءات والوسائل والأساليب. محولة الفرد الجزائري بالتدريج من فرد ناقم ومقاوم ومغالب للاستعمار، الى فرد راض بالتعايش مع الاستعمار. ثم الى فرد خاضع للاستعمار، ثم الى فرد متميز بخاصية القابلية للاستعمار والاستذلال، ثم الى درجة المسلّم المطلق بحتمية الاستعمار الفرنسي عليه، وقدره المحتوم عليه وذلك عبر جملة من الأساليب والوسائل والإجراءات القهرية التي من أهمها:

1 – محاربة اللغة العربية محاربة استئصالية شديدة، وتقسيمها الى ثلاث لغات: (عامية، قديمة، حديثة)، وذلك بغية محوها من عالم الشهود الحضاري المحلي والإقليمي والعالمي.

2- محاربة الدين الإسلامي الحنيف، كدين متكامل – حمى الجزائر عبر فتراتها التأريخية المتلاحقة – والتقليل من شأنه، وتشويهه بشتى أساليب التشويه والمسخ.

3- اعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في دارها وبين أهلها بموجب قانون الـ8/مارس/1938م.

4- فرنسة مراحل التعليم، وطبعها بالطابع الأوروبي المسيحي.

5- تشويه تأريخ الجزائر في ظل العروبة والاسلام، وضرب قيم الانتماء، ومقومات الهوية العربية الاسلامية للفرد وللمجتمع الجزائري.

6- عدم تدريس الجزائريين تأريخهم الوطني العريق العربي الاسلامي، وعدم تدريس جغرافية بلادهم والعالم العربي والإسلامي، والاستعاضة عنهما بتدريس تاريخ وجغرافية فرنسا وأوروبا والصليبية، والوثنية اليونانية والرومانية البائدة([5]).

7- تقديم الثقافة المسيحية القوية الناهضة بديلا عن الثقافة العربية الاسلامية الضعيفة المهزومة.

8- ضرب ستار حديدي مقيد وعازل للجزائر عن وسطها الطبيعي وامتدادها العربي الاسلامي، وذلك بهدف عزلها حضاريا.

9- تضييق الخناق، وضرب الحصار، بالنفي، والتشريد، والسجن، والغرامات، وقيود التراخيص وغيرها.. على كل رجال الفكر، والعلم، والفقه، والثقافة العربية الاسلامية الأصيلة.

10- فرنسة الإدارة، ووسائل الاعلام، وجميع مجالات الفكر، والأدب، والفن، والثقافة، ومطاردة الثقافة العربية الاسلامية في جميع المجالات.

11- تعطيل النوادي العربية الحرة التي كانت تقوم بنشر اللغة العربية، وتربية النشء على القيم العربية الاسلامية الأصيلة.

12- تعطيل العمل بالشريعة الاسلامية لكل المسلمين الجزائريين وفرض الاحتكام الى القوانين الوضعية الفرنسية، أو الى العرف والعادات بالنسبة لبلاد القبائل.

13- إخضاع جميع المؤسسات الدينية الى السلطة الاستعمارية المباشرة، ورفض العمل بقانون فصل الدين عن الدولة.

14- فتح الجزائر أمام البعثات التبشيرية المسيحية على اختلاف مذاهبها. وتمكين تلك البعثات من كل الأسباب المادية والمعنوية والبشرية والقانونية.

15- القضاء على كل مراكز الثقافة العربية الاسلامية، من : جوامع، ومساجد، ومدارس، وزوايا، وكتاتيب، ورباطات، ومكتبات..» ([6]).

16- تكوين جيل مشوّه وممسوخ من الجزائريين لا صلة له بأمته، وتأريخه ، ولغته، ودينه، ومجتمعه الجزائري، وذلك بدمجهم ضمن إطار الثقافة والقوانين الفرنسية ليصبحوا مسلمين فرنسيين مندمجين يشكلون جيوب تبعية للاستعمار الفرنسي في حالة وجوده ورحيله، وهو ما تم بالفعل بعيد استقلال الجزائر سنة 1962م.

وما كاد يمضي على الجزائر والجزائريين قرن وثلث القرن من الاستعمار حتى كانت نسبة الأمية تشكل في رجاله 95%، وفي نسائه 98%([7]).

هذه هي حضارة أوروبا المسيحية التي حملتها الى العالم العربي والإسلامي لتحضيره وتمدينه، والتي تربى في أحضانها الأجيال والناشئة من أمثال الشيخ المرحوم الفضيل.

ولد السيد حسنين الفضيل بن محمد السعيد بن فضيل الورتيلاني يوم 18/فبراير/ 1900م في قرية [أنو] ببلدية بني ورتيلان بولاية سطيف، وكان مسجلا في بلدية [بوقاعة – لافاييت سابقا] ([8]).

وقد عاش في عائلة كريمة محافظة ذات علم ومجد ومكانة وفضل، فقد كان جده الأعلى لأبيه الشيخ الحسين الورتيلاني من أكابر علماء عصره، وقد ترك بعد وفاته العديد من المؤلفات الدينية منها: [شوارق الأنوار في تحرير معاني الأذكار]. و[الكواكب العرفانية والشوارق الآنية في شرح الألفاظ القدسية]، وهي قصيدة في علم التصوف للشيخ العلامة المالكي (عبدالرحمن الأخضري) صاحب السلم المرونق في علم المنطق وغيره من المؤلفات والشروح والحواشي القيمة([9]).

وفي تلك العائلة الفاضلة تربى الفضيل، فحفظ القرآن الكريم والمبادئ الأولية للعلوم العربية والدينية، وتتلمذ على يد العالم الفاضل الشيخ محمد السعيد البهلولي([10]).

وقد وصفه حق الوصف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي فقال: «.. ومعرفة الأستاذ الورتيلاني لا تتم، إلاّ بمعرفة نشأته وتربيته الأولى، فقد نشأ على مقربة من الفطرة السليمة، وتربى تربية دينية يتعاهدها المربي مِنْ والدين ومعلمين بالمحاسبة على الصغيرة والكبيرة، والمناقشة في الجليلة والحقيرة. فأيفع وشب مرتاض الطبع على المحاسبة والمناقشة والاهتمام والجد، مع توهج الإحساس، وإشراف الروح وسمو الغاية، يعاون ذلك كله ذكاء متوقد، وبديهة مطاوعة في مجالات القول، ولسان كالسيف المأثور إذا لاقى الضريبة صمم، ومازالت تلوح على تفكيره ورأيه آثار من تلك التربية، يعرفها من يعرفها وينكرها من يجهلها»([11]).

وفي خريف من سنة 1928م سافر الى قسنطينة والتحق بحلقات ودروس الشيخ عبدالحميد بن باديس فتتلمذ على يديه، وبعد تخرجه تولى التدريس معه في مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة، فتخرج على يديه خلق كثير من التلاميذ، الذين اضطلعوا بالعمل الإصلاحي والثوري في الجزائر، وأعجب به الشيخ عبد الحميد بن باديس أيّما إعجاب، وصار يصطحبه معه أينما ذهب، ويتباهى به في كل مجلس، ويستخلفه في غيابه من بعده في شؤون التربية والتعليم والإدارة، كما كان يرسله ممثلا ونائبا عنه في الكثير من المناسبات التربوية والتعليمية والدينية والاجتماعية.. ([12]).

اجتمعت جملة من العوامل الفطرية والمكتسبة لتجعل من شخصية الشيخ الفضيل الورتيلاني شخصية نابغة ومتميزة في عصره، وأهم هذه العوامل هي:

1 – انتسابه لأسرة كريمة ومحافظة مشهورة بالعلم والأدب والفضل.

2- تلقيه تربية دينية وأخلاقية صالحة، وبقاؤه وفيا لفطرته السمحة التي فطر الله الناس عليها فلم يعرف عنه التبديل أو التغيير أو التحريف أو الانزلاق.

3- ذكاؤه وفطنته وشجاعته وجرأته في الحق، وثراء قدراته ومواهبه الفطرية المتعددة.

4- حفظه للقرآن الكريم في سن مبكرة، وحفظه للأحاديث والأخبار الصحاح، وتعلمه اللغة العربية.

5- تتلمذه على يد الشيخ المرحوم عبد الحميد بن باديس بالجامع الأخضر من سنة 1928 – 1932م.

6- تقريب الشيخ عبد الحميد له وتوليته بعض المهام التربوية والتعليمية والدينية والصحفية والدعوية.

7- هجرته الدعوية المبكرة الى فرنسا بتكليف من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لتولي شؤون الجالية الجزائرية الأمية المهاجرة من سنة 1936 – 1940م.

8- تلقيه تعليما جامعيا عاليا في الأزهر الشريف من سنة 1942 – 1949م، وحصوله على شهادة العالمية في الشريعة وأصول الدين.

9- إقامته الطويلة والمثمرة في المشرق العربي منذ سنة 1942م الى وفاته سنة 1959م.

10- علاقاته وصداقاته العديدة مع رجال الدعوة والإصلاح الديني أمثال الشيخ المرحوم الشهيد [حسن البنا] والشيخ [محمد محمد رمضان] وسائر رجال جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة الشبان المسلمين وجماعة عبّاد الرحمن.. ومع رجال الأدب والفكر والثقافة والفن.. ومع رجال السياسة ومن الرؤساء والقادة والزعماء، ومع رجال الإصلاح الإسلامي.

11- رحلاته الكثيرة في الشرق والغرب.

12-انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين وتبوؤه منصبا دعويا وقياديا وارشاديا فيها.

13- سرعة بديهته، وقوة حافظته، وبيان عارضته، وذرابة لسانه، وبلاغة خطبه وبيانه.

14- عظيم إخلاصه وتضحيته وتفانيه في سبيل خدمة أمته ودينه ولغته وتأريخه العربي الاسلامي.

15- نشاطاته السياسية المتعددة المحلية والإقليمية والعربية والعالمية وغشيانه النوادي والمجامع والمحافل خطيبا وداعيا.

وبعد أن أمضى سنوات يدرس على يد الشيخ عبدالحميد في قسنطينة، ألحقه بسلك المدرسين التابعين لمدارس جمعية التربية والتعليم، وعهد له الشيخ سنة 1923م بمتابعة ومراقبة وإخراج وتطوير مجلة (الشهاب)، وظل كذلك الى أن كلفته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمهمة الوعظ والإرشاد وهداية المهاجرين الجزائريين في فرنسا خاصة وأوروبا عامة، فهاجر منتدبا من قبل الجمعية الى فرنسا سنة 1936م، وظل بها أربع سنوات يدعو الى الإسلام واللغة العربية بين صفوف المهاجرين، ويستحث همتهم لطلب الاستقلال عن فرنسا، فخشيت الإدارة الاستعمارية من نشاطاته الدعوية والدينية فقررت الخلاص منه، ولكنه استغل أحداث الحرب العالمية الثانية وسقوط فرنسا بيد الألمان سنة 1940م فهرب الى مصر([13]).

وفي مصر كان له تاريخ حافل بالمآثر والأمجاد، كما كان سجله الدعوي والحركي والديني والعلمي عظيما في تلك الفترة، التي بدأها بمتابعة دراسته في جامع الأزهر، الى حصوله منه على شهادة العالمية الأزهرية، ثم رئيسا ممثلا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مصر الى غاية التحاق الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1952م، ثم عضوا فاعلا في جماعة الإخوان المسلمين، وكثيراً ما كان الشيخ [حسن البنا] ينيبه في الخطابة عنه في الكثير من المناسبات؛ ولاسيما دروسه ومحاضراته الإرشادية الأسبوعية، كما كانت له العديد من التدخلات والمشاركات النضالية السياسية والفكرية والأدبية والدينية في جماعة [الإخوان المسلمين]، و[جمعية الشبان المسلمين] بمصر وفي بعض الأقطار العربية الأخرى، وكذلك علاقته الإصلاحية والدعوية الوطيدة بجماعة [عباد الرحمن] ببيروت، التي اعترفت بجميله في خدمة الدعوة الاسلامية فطبعت مقالاته النارية الثائرة – التي كان يعرف فيها بعدالة القضية الجزائرية الرازحة تحت نير الاستعمار الفرنسي – سنة 1956 م، ثم أعادت طباعتها سنة 1963م. ثم شارك في ثورة اليمن ضد السلطان يحيى حميد الدين سنة 1948م، وحكم عليه بالإعدام مما اضطره للهرب الى سورية ولبنان([14]).

ومع حلول سنة 1949م قام الشيخ الفضيل بإنشاء مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة، وعمل به ممثلا للجمعية، وقد قام بعدها بالاتصال بقادة دول المشرق العربي والإسلامي. بهدف استقبال الطلبة الجزائريين للدراسة فيها، فلبت دعوته الكثير من الدول، التي توافد عليها طلاب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لإتمام دراستهم العليا فيها([15]).

ثم انضم الى صفوف الثورة التحريرية من أول يوم، وقدّم هو والشيخ البشير الإبراهيمي بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من مصر المؤيد والمناصر للثورة التحريرية، وقدم الكثير من أجل التعريف ونصرة القضية الجزائرية، كما أكثر من الترحال في سبيل الجزائر، الى أن انتقل الى تركيا ممثلا للثورة الجزائرية فيها، 
وقد استطاع أن يبدل الموقف الرسمي والشعبي التركي فيها ليصبح مؤيدا للقضية الجزائرية العادلة([16]).

وقد اشتهر بعذوبة لسانه وخطبه الرنانة ولاسيما خطبه السياسية منها، وكان عنيفا في خطبه ومقالاته وحواراته، وناريا في مهاجمة الطغاة والمستعمرين، وقاتلا في الإغارة على أعوانهم وخدمتهم وأذيالهم الكثيرين يومها في العالمين العربي والإسلامي وفي الجزائر خاصة، كما كان مندفعا فيما يدعو إليه، ومتحمسا فيما يعمل من أجله، وقد ترك لنا كتابه الشهير [الجزائر الثائرة] المطبوع في بيروت سنة 1956م والذي أعيد طبعه ثانية سنة 1963م، وقد ضم بعضا من مقالاته المنشورة في الصحف العربية والجزائرية([17]).

وعليه يمكن تقسيم مراحل نشاطه الدعوي والإصلاحي الى المراحل التالية:

1 – المرحلة الاولى: وهي المرحلة التي بدأت منذ إلتحاقه بالشيخ عبدالحميد بن باديس طالبا للعلم في حلقاته العلمية العامرة بالجامع الأخضر بقسنطينة وتنتهي بتكليف الشيخ له بالعناية والاهتمام بشؤون الجالية الجزائرية المهاجرة في فرنسا.

2 – المرحلة الثانية 1936 – 1942م:

وهي المرحلة التي تبدأ بانتقاله الى فرنسا ونشر الدعوة والتوعية في صفوف العمال المهاجرين فيها، وتنتهي أثناء الحرب العالمية الثانية وهربه الى تركيا ثم الى مصر.

3- المرحلة الثالثة 1942 – 1949م:

وهي المرحلة التي التحق فيها بالقاهرة وانضم الى الجامع الأزهر لمتابعة دروسه العلمية وتحصيله في نهاية المطاف على شهادة العالمية في الشريعة وأصول الدين سنة 1949م.

4- المرحلة الرابعة 1949 – 1959م:

وهي المرحلة التي تبدأ مع تأسيسه لمكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة سنة 1949م بتكليف من الجمعية، وانخراطه في العديد من الجمعيات والمنظمات السياسية والاجتماعية والدعوية، وقيامه بالعديد من الرحلات التبشيرية لمستقبل الجزائر وقضيتها العادلة الى حين وفاته.

اضطلع الشيخ الفضيل الورتيلاني بنشاط سياسي ملفت للانتباه. ولم تكد تمر مناسبة سياسية عربية وإسلامية، إلاّ وكان له توقيع المشاركة فيها، فعندما أمضت مصر اتفاقية الجلاء مع بريطانيا سنة 1954م سارع الى تأكيد موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منها، ومما جاء في البرقية المرسلة الى مكتب رئاسة الجمهورية المصرية بتوقيعه والشيخ البشير الإبراهيمي قوله: «إن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة، ليسره أن يبعث الى سيادتكم بالتهنئة الحارة، على إرسائكم الحجر الأساسي لتحرير مصر من المعتدين الغاصبين. وإن اعتقادنا في همتكم وعزيمتكم واتساع أفقكم، مع ما يتجدد في كل مناسبة من أقوالكم المتحدة، ذات الطابع العسكري البسيط، كل ذلك يجعلنا نأمل كل الأمل في أن يكون تحرير مصر على أيديكم وأيدي زملائكم الكرام، إنما هو بداية لتحرير جميع العرب وجميع المسلمين، وطريق معبد لجمع كلمتهم على الحق والخير، ليعيدوا تأريخ أسلافهم الأبرار . في إسعاد الإنسانية جمعاء.

وان خير ما نذكركم به هو ما ذكرتم به نفسكم والناس، ذلك في كلمتكم الرزينة للمواطنين حين قلتم: «إن مرحلة من كفاحنا قد انتهت، ومرحلة جديدة على وشك أن تبتدئ هاتوا أيديكم وخذوا أيدينا، وتعالوا نبني وطننا من جديد، بالحب والتسامح والفهم المتبادل».

وإن خير ما ندعو لكم به في هذه المناسبة هو نفس ما دعوتم به أنتم «أللهم أعطنا المعرفة الحقة، كي لا يستخفنا النصر وتدور رؤوسنا غرورا مع نشوته». الى آخر ذلك الدعاء الحي الملألئ، نسأل الله أن يستجيب لكم، وأن يسدد خطاكم، وأن يديم توفيقكم في خدمة العروبة والإسلام، والسلام.

عن مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة: [محمد البشير الإبراهيمي، الفضيل الورتيلاني] ([18]).

كما أصدر بالقاهرة رفقة الشيخ محمد البشير الابراهيمي بيان الجمعية التأريخي المندد بسياسة وموقف فرنسا الاستعمارية، والمؤيد للثورة التحريرية منذ انطلاقتها الأولى.

وعندما حل الزلزال الكبير بمدينة الأصنام [الشف حاليا] الجزائرية شهر سبتمبر سنة 1954م سارع الى إرسال برقية الى الرئيس جمال عبدالناصر يستعطفه فيها للتبرع لمنكوبي الجزائر، ومذكرا إياه بحالة التعليم السيئة في الجزائر، فبادر الرئيس جمال عبدالناصر بالرد عليه، وبتخصيص مبلغ عشرة آلاف جنيه لمساعدة منكوبي الأصنام([19]).

كما كانت له علاقات وطيدة مع زعماء العالم وأحراره، فقد قابل مرة الزعيم الهندي جواهر لالنهرو، والزعيم الباكستاني محمد علي جناح، والزعيم الأندونيسي أحمد سوكارنو، وزعيم الجماعة الاسلامية السيد أبو الأعلى المودودي، ومع زعيم مسلمي الهند الشيخ أبو الحسن الرابع الندوي[1]، وغيرهم من الزعماء السياسيين والدينيين.

تنوعت أساليب الشيخ الفضيل الورتيلاني الدعوية والإصلاحية والتربوية والتغييرية، بحيث لم يترك وسيلة ناجعة يستطيع أن يوصل بها رسائله التوعوية إلاّ واستثمرها أيّما استثمار، ويمكن حصر وسائله وأساليبه الدعوية والإصلاحية في الوسائل التالية:

1 – التربية والتعليم والتدريس في المدارس.

2- الخطب والدروس الدينية والمواعظ المسجدية.

3- الانخراط وتأسيس الجمعيات الوطنية والمحلية والعربية والإسلامية العالمية.

4- الكتابة في الصحف والمجلات العربية والإسلامية والجزائرية.

5- حضور المؤتمرات والندوات والتجمعات الخاصة والعامة.

6- ربط الصلة بالمشرق العربي لغة وروحا وانتماء.

7- إحياء قيم وماضي وتاريخ وأمجاد الجزائر في نفوس الشعب الجزائري.

8- محاربة الطرقية والبدعية، وكل أشكال الخرافة.

9- مقابلة الملوك والقادة والرؤساء العرب والمسلمين وزعماء أحرار العالم.

10- الرحلات الإصلاحية الكثيفة في شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه.

وبهذه الوسائل والأساليب والطرق المتنوعة استطاع الشيخ الفضيل الورتيلاني – يرحمه الله – أن يدعو لقضية الجزائر العادلة، ويبشر لمستقبل الجزائر المشرق.. ولعلنا نلقي بعض الأضواء على أهم وسائله الإصلاحية وهي:

1 – العمل السياسي:

وقد تجلت نشاطاته السياسية في انضمامه لجماعة الإخوان المسلمين، وجمعية الشبان المسلمين بمصر، وجماعة عباد الرحمن ببيروت، وفي رئاسته لمكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة من سنة 1949 – 1952م قبل إلتحاق الشيخ البشير الإبراهيمي بها. وفي عضويته الدائمة بمكتب المغرب العربي برفقة الشيخ [علال الفاسي] والمجاهد المغربي الكبير الشيخ [عبدالكريم الخطابي ت 1973م] والشيخ [الشاذلي المكي التبسي الجزائري ت 1988م] وفي عضويته للجنة العليا للدفاع عن الجزائر التي تأسست بالقاهرة سنة 1942 م، وعضويته في جمعية الجالية الجزائرية، وجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا التي أنشئت بمصر سنة 1944م، وفي جبهة تحرير الجزائر التي أنشئت بلبنان في الفاتح من نوفمبر سنة 1954م، الى أن أصبح ممثلا لمكتب جبهة التحرير الوطني بتركيا سنة 1958م([20]).

وكان الشيخ الفضيل الورتيلاني قد أتهم بمشاركته في ثورة اليمن التي قتل فيها الإمام يحيى حميد الدين، ولكن تأكدت براءته من المشاركة في الثورة، وتبين أن الشيخ الفضيل تواجد في اليمن ساعة قيام الثورة فعفى عنه ابنه بقرار ملكي([21]).

2- الصحافة:

كتب الشيخ الفضيل الورتيلاني المئات من المقالات والرسائل والبرقيات والخواطر الثائرة. في سبيل نصرة القضية الجزائرية العادلة الرازحة تحت نير الاستعمار والعبودية، في الصحف الجزائرية والعربية والاسلامية، ولم تشغله قضية وطنه المغتصب فحسب، بل كتب في كل شؤون الوطن العربي والاسلامي الكبير الكثير من المقالات، وقد احتلت قضية فلسطين مساحة بارزة في كتاباته، ولعل تسليطنا الضوء على مقال له سنة 1954م، جاء في صيغة نداء وندبة وتحسر تحت عنوان [هل يعرف العرب هذه الحقائق عن فلسطين – أنقذوا الممكن منها قبل نزول الغضب]. يبين لنا مكانتها لديه، وقد كتبه بعد أن كلفه المؤتمر الاسلامي العام بزيارة الأماكن المقدسة ومعايشة الفلسطينيين عن كثب لمدة ثلاثة شهور.

والمحلل لهذا المقال يتبين منه الكثير من الرؤى السياسية الاستراتيجية الصائبة في فكر الشيخ الفضيل يرحمه الله. من أهمها. تنبيهه الى أهمية اضطلاع الفلسطينيين بعبء العمل الجهادي، وتنبيهه الى أهمية الحفاظ على الجزء المتبقي من الأراضي العربية في فلسطين. وأهمية مقاومة العدو الصهيوني من الداخل.

3- الرحلات:

قام الشيخ برحلات عديدة شملت العديد من الدول، بدأها من أوروبا سنة 1936م، ثم زار كلا من سورية وتركيا ولبنان واليونان وإيطاليا وسويسرا ولكسمبورغ وبلجيكا وهولندا وانكلترا وايرلندا وإسبانيا والبرتغال والمغرب. ثم عاد الى بيروت واستأنف رحلاته باتجاه الشرق فزار كلا من الكويت والسعودية وإيران والبحرين وباكستان والهند وبورما والملايو وسنغافورة وإندونيسيا، وفي إندونيسيا حضر العديد من المؤتمرات واللقاءات السياسية والدينية([22]).

ولعلنا نقدم تغطية جريدة البصائر رحلتيه الشهيرتين اللتين قام بهما الى الهند وإندونيسيا. وما جاء في تلك التغطية الصحفية تحت عنوان: [بريد الشرق] المراسلة التالية: «تلقينا من الأستاذ خليل أبو الخدود مدير مكتب وكالة إندونيسيا في بيروت هذه الأخبار الهامة الثلاثة، فنشرناها شاكرين رغم تأخر ورودها إلينا:

ـ دلهي ـ لمراسل وكالة أنباء إندونيسيا للنشر العربي.

وصل الى عاصمة الهند الرحالة الاسلامي الكبير الأستاذ الفضيل الورتيلاني الزعيم المغربي الشهير، وفي يوم وصوله الى دلهي قابل نائب رئيس الوزراء، لأن المستر نهرو كان متغيبا في رحلة داخلية، وقابل وزير المعارف مولانا أبو الكلام أذاد، وقد دار الحديث حول قضية شمال أفريقيا عموما والقضية التونسية والمغربية خصوصا وتعهد المسؤولون الهنديون بالوقوف في صف القضية العربية العادلة، ثم عقد ندوة صحفية مع مراسلي وكالات الأنباء العالمية والمحلية، ثم استمر في رحلته فزار كلكتا، ومنها اتجه الى باكستان الشرقية».

كما أورد مراسل وكالة أنباء إندونيسيا خبر وصول الزعيم المغربي الرحالة الشيخ الفضيل الورتيلاتي في جاكرتا، ومما جاء فيها : «.. وصل الى اندونيسيا الزعيم الاسلامي الكبير الاستاذ الفضيل الورتيلاني مندوبا عن مؤتمر العالم الاسلامي وعن مؤتمر علماء المسلمين المنعقدين في كراتشي عاصمة باكستان موفدا من قبل الهيئات السياسية في المغرب العربي، وألقى فور وصوله الى جاكرتا محاضرة قيمة نقلت بالإذاعة، ثم توالت عليه الدعوات فسافر الى جزيرة سومطرة لحضور مؤتمر نهضة العلماء، وخطب فيه ثلاثة أيام متوالية، كان لخطبه في المؤتمر دوي عظيم، واستطاع بلباقته وقوة منطقه وصادق إخلاصه أن يقرب وجهات النظر بين أركان حزب ماشومي الكبير الذي شاع سوء التفاهم بين صفوفه في الأيام الأخيرة، ثم دعي الى أنحاء إندونيسيا فقام بجولة بربوعها كان لها أعظم الأثر، وكانت الإذاعات والصحف تنقل دائما أخباره، وقد اجتمع برئيس الجمهورية أكثر من مرة، وبرئيس الوزراء والوزراء، وكان محل حفاوتهم وإكرامهم جميعا»([23]).

لم يترك الشيخ الفضيل الورتيلاني بعد وفاته المؤلفات والمصنفات بسبب انشغاله بالعمل الدعوي والإصلاحي وتأليف قلوب الرجال، بالرغم من ثراء تجربته، وما ترك سوى مقالاته، التي تطوعت جماعة عباد الرحمن بنشرها سنة 1956م، ثم أعادت طباعتها سنة 1963م ببيروت، وقد حدثنا الشيخ البشير الإبراهيمي عن مكانته العلمية والأدبية واللغوية والفنية والفكرية والثقافية لو أراد التأليف والكتابة والتصنيف، ولكن عرض علينا مشاريعه المستقبلية في التأليف، وكان رحمه الله ينتظر فرصة سانحة يستريح فيها ليدون فيها الكثير، ولكن المنية عاجلته فمات دون ان يدون شيئا، ومما جاء من كلام الشيخ البشير قوله: «ولكن الآفة التي أضاعت على الجمهور القارئ الاستفادة من آرائه وأحكامه أنه لم يدونها خصوصا في هذه الحقبة التي اختل فيها استقراره وامتحن بها بما يمتحن به الأحرار، وقد وقفت بحكم العلاقات الوثيقة بيني وبينه على عدة آراء له مدونة في قضايا العرب الخاصة وقضايا المسلمين العامة، أصاب في معظمها، وقرطس وربط المعلولات بعللها، وكشف عن خبايا لا يتأتى الكشف عنها، إلاّ للأقل من القليل من رجالنا. فألححت عليه أن ينشر ها على الناس، مع توسع في بعضها بالشرح والتحليل مادام للتأريخ عند كل مفكر ذمام، وقد وعد بنشر ما تسمح به الظروف العامة بنشره ويسمح له وقته الخاص بإعادة النظر فيه، وتقويم كل أسلوبه، أما مذكراته في الأحداث العربية فهو يتربص بها ساحل الأمان واعتدال الزمان»([24]).

والظاهرة التي تميز علماء القطر الجزائري عن غيرهم من علماء الأقطار الاسلامية عموما والمغاربية خصوصا قلة التصنيف والكتابة والتأليف، وتفضيلهم العمل الميداني الإحيائي في البيئة والواقع الاجتماعي، على العكس من غيرهم من العلماء الذين يكثرون من التصانيف كل حسب قدرته وطاقته وعمره وفنه.

ويعود سبب تواضع إنتاجهم النظري لعامل دعوي مهم انطلقوا منه بوعي واصرار متميز ولا سيما خلال الفترة الاستعمارية البغيضة للجزائر 1245 – 1384هـ / 1830-1962م، حيث غلبت على بيئتهم وفردهم ومجتمعهم عوامل التخلف والأمية والجهل والضياع، بسبب سياسة الاستعمار الهمجية التي سلطها عليهم، لمحو شخصيتهم، واغتيال هويتهم ووجودهم وحاضرهم ومستقبلهم من الخارطة العالمية، الأمر الذي استدعى حضورهم الدؤوب في الأنفس والواقع والوجود، وليعيدوا بذلك الحضور الشهودي في المساجد والمدارس والنوادي والأماكن الخاصة والعامة الى الشعب الجزائري الضائع قسماته وخصائصه الدارسة، وبسبب القيود القمعية والقانونية التي كانت الإدارة الاستعمارية تفرضها على الحرف العربي المطبوع والمكتوب، ولولا حضورهم المستمر في المساجد وتلاوة القرآن بشكل دوري كل يوم بعد الصلوات وبشكل جماعي وفردي، وتدريسهم لعامة الناس، وعبر الحلقات العلمية المتخصصة لانتهى الإسلام من الجزائر بعد قرن من الاحتلال.

وانطلاقا من هذا التشخيص الواقعي لأمراض أمتهم تحتم عليهم التركيز على محاربة مظاهر وأسباب التخلف والجهل والأمية والضياع، وذلك بفتح الكتاتيب القرآنية، والمدارس العربية الحرة، والنوادي الثقافية والأدبية والفنية والرياضية والكشفية، والمعاهد المتوسطة والعالية، وبناء المساجد الحرة، وتقديم الدروس التوعوية العامة فيها للكبار، والدروس والحلقات العلمية المتخصصة للناشئة الصغار.

ولم يكونوا يكتبون إلاّ في الصحف والمجلات الخاصة بهم، أو التي تنتشر في العالم العربي والاسلامي، كصحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين [الشريعة، السنة، الصراط، الشهاب، البصائر]، أو بعض الصحف المستقلة كـ[النجاح الجزائرية] الصادرة بقسطينة سنة 1919م والتي توقفت عن الصدور سنة 1956م، و[الشعلة 1947 – 1949م]، و[المغرب العربي 1947- 1948م]، أو بعض الصحف والمجلات العربية والإسلامية.

فيعالجون في هذه الصحف قضايا وأمراض أمتهم، ويجيبون على فتاوى عامة، وينيرون درب السالكين، ويردون على المستعمرين، ويصححون أخطاءهم على الدرب، ويتجهون بالنصح والتوجيه لمن يتنكب الطريق.

لقد كان بالفعل مريضا برسالته، ومتفانيا في الاهتمام بها، وهي رسالة ضخمة تنوء بالعصبة أولي القوة، تبتدئ بوطنه الصغير الجزائر، والمغرب العربي، ثم ترتقي الى العرب والى المسلمين، ثم الى الإنسانية كافة، وهو في الاستجابة لطلباتها التي لا تنتهي، والتي لا يرحم نفسه منها، فقد يشتغل الليل موصولا بالنهار.. الى أن هانت حيويته، وخارت قواه، وتراجعت فتوته، وأصيب بالعديد من الأمراض فاعتلت صحته ، فلقد أصابه مرضا الربو وضيق التنفس والسكري. نتيجة الإرهاق، وتوجب عليه العلاج والسفر الى اوروبا لإجراء عملية جراحية، ولكن اندلاع ثورة الجزائر أنساه كل شيء فظل في حركة دائبة حتى أسلم روحه لبارئها.

ولما استحكمت العلل فيه والأمراض نصحه بعض الإخوان بالسفر الى أوروبا أو الى تركيا للاستطباب فيها، وبحكم كونه كان ممثلا لجبهة التحرير الوطني الجزائرية بتركيا فقد اتجه إليها مباشرة أواخر سنة 1958 م، ولكنه لم يكد يبدأ العلاج فيها حتى حمل الى المستشفى الكبير بأنقرة وفيها توفي يوم 12/ مارس/ 1959م من ثقل الأمراض المزمنة التي استشرت في جسده المجاهد والتي كان يعاني منها، وبها دفن، ثم نقلت رفاته الى الجزائر يوم 12/مارس/ 1987م([25]).

وصف الأستاذ المرحوم محمد المنصوري الغسيري نشاطات الشيخ الفضيل في مصر عندما زارها، وعدد تأثيراته الإصلاحية بقوله: «جاء الأستاذ الرئيس الى الشرق العربي الإسلامي فجال جولات موفقة واتصل بولاة أمور البلاد فوجه وأرشد ولفتهم الى وجوب تقديم المساعدة لأبناء عمومتهم في الجزائر عن طريق التربية والتعليم، فاستجابوا حفظهم الله وجزاهم عن الاسلام والعربية خيرا..»([26]).

وقد كتب عن مجهوداته وتأثيراته تلميذه الشيخ محمد الأكحل شرفاء يصفها ويعددها. فقال: «.. إن نفس الورتيلاني العظيم من تلك الفئة الأولى الأصيلة: تلك التي تشبه المعدن الذهبي، ذلك الذي يصهر بالنار، ولكنه يخرج منها ألمع ما يكون بريقا، وأنقى ما يكون من الشوائب، وهذا نفس ما حدث للفضيل، فلقد مرت عليه كما تمر على الأفذاذ العباقرة، ظروف عابسة، حسبها الناس حجبا صفيقا بين ماضيه ومستقبله، ولكنها سرعان ما إنقشعت كما تنقشع السحب الثقال عن وجه الشمس، فأشرف الورتيلاني من جديد على دنيا الإسلام والعروبة بالأضواء الكاشفة، فأنار طريق الكفاح من جديد، وفتح جبهة الجهاد من جديد، وتبوأ مركزه العظيم بين أساطين النهضة الإسلامية في العالم الإسلامي»([27]).

الهوامش:

 * – وقد التقى العالم المغربي الورتيلاني في بيروت بآية الله الكاشاني قائدالنهضة الاسلامية الايرانية “حينذاك” بعد الهجرة الجبرية من بلادهما الى بلاد الشام،وقد تكررت هذه اللقاءات التقريبية الداعية الى البحث عن سبل التقريب بين المذاهب الاسلامية وتقوية المناهج الوحدوية في الوسط الاسلامي.

ان الحوارات كانت في غاية الاهمية وقد تمخض عنها ولادة اقامة مؤتمر وحدوي اسلامي،يقام هذا المؤتمر اما في لبنان واما في طهران،ويتطرق فيه الى مواضيع تهم العالم الاسلامي وتؤدي الى الوحدة والمحبة والاخوة الاسلامية وتقدم الدعوة الى كبار العلماء والمثقفين المسلمين لمناقشة العناوين المشار اليها.

وبعد عودة الكاشاني الى ايران ومتابعاته الدؤوبة لتحقيق الهدف المنشود،الا انه واجه معارضة الحكومة الايرانية «حينذاك» والذي ادى الى عدم تحقق اقامة المؤتمر.

وقد كان المرحوم اية الله الكاشاني يشير الى العلامة الورتيلاني بالفضل ويذكر صفاته الطيبة، ويرى انه من ابرز الشخصيات الاسلامية.

“الاستاذ المحقق هادي خسروشاهي”

 

[1] – نقلاً عن مجلة – آفاق الثقافة والتراث (العدد 64) الصادرة من مركز جمعة الماجد بدبي – الامارات العربية المتحدة.

[2]– محمد الأكحل شرفاء، من أبطال الدعوة، جريدة البصائر، عدد 358، 16/ مارس/ 1956م.

[3] – عثمان سعدي، عروبة الجزائر عبر التاريخ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الأولى، 1981م، ص 92.

[4] – المرجع نفسه، ص 93 و 94.

[5] – تركي رابح، التعليم القومي والشخصية الوطنية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، الطبعة الأولى، 1986م، ص 107 و 108.

[6] – المرجع نفسه، ص 94،96،196،115،119،311.

[7] – تركي رابح، التعليم القومي، ص 95.

[8] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ فضيل الورتيلاني، جريدة النصر الجزائرية، الثلاثاء 13/مارس/ 1990م، ص 5. من علماء الجزائر الأفذاذ الشيخ الفضيل الورتيلاني، جريدة الشرق الأوسط السعودية، عدد 4321، الخميس 27/09/1991م ص 8.

[9] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ فضيل الورتيلاني، جريدة النصر الجزائرية، الثلاثاء 13 مارس/ 1990م، ص 5. ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، جريدة النهار الجزائرية، الجمعة 15/مارس/1991م، ص 8.

[10] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ الورتيلاني، ص 5. ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8.

[11] – محمد البشير الإبراهيمي، الدستور الإسلامي المنشود – رسالة الأستاذ الورتيلاني فيه – ، جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة السابعة، الجمعة 28/ذو الحجة/ 1373هـ الموافق 27/ أوت/ 1954م، ص1.

[12] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ الورتيلاني، ص 5. ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8 .

[13] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ الورتيلاني، ص 5. ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8 .

[14] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ الورتيلاني، ص 5. ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8.

[15] – محمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان ص 8 .

[16] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ الورتيلاني، ص 5. ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8 .

[17] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ الورتيلاني، ص 5. ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8 وعادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، ص 340 و341.

[18] – مكتب جمعية العلماء بالقاهرة، جريدة البصائر، السنة السابعة، السلسلة الثانية، الجمعة 9/ربيع الأول/ 1374هـ ، 15/ نوفمبر/ 1954م، ص 4. وانظر: البيان التاريخي الصادر عن مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة من توقيع الشيخ البشير الإبراهيمي والفضيل الورتيلاني، نقلا عن: الفضيل الورتيلاني، الجزائر الثائرة، دار الهدى، قسنطينة، الطبعة الأولى، 1992م، 154، 156 .

[19] – حول زلزال الأصنام، من جمعية العلماء الجزائريين الى الرئيس جمال عبدالناصر، جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة السابعة، عدد 288، الجمعة 11صفر/ 1374م الموافق 8/ اكتوبر/ 1954م، ص 1.

[20] – محمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8.

[21] – جريدة البصائر عدد 174، سنة 1951م، نقلا عن عيون البصائر للشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الثانية، 1978م، ج 2، ص 687، وانظر أيضا براءة الزعيم الورتيلاني، جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة الثالثة، عدد 119، الاثنين 28/ رجب/ 1396هـ ، 15/ماي/ 1950م، ص 7 .

[22] – محمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8 .

[23] – بريد الشرق، الأستاذ الفضيل الورتيلاني في اندونيسيا وسومطرة، جريدة البصائر، السنة الخامسة، السنة الثانية، عدد 195، الإثنين 15/شوال/ 1371هـ الموافق 7/جوليه / 1952م، ص 3.

[24] – محمد البشير الإبراهيمي الدستور الاسلامي المنشود – رسالة الأستاذ الورتيلاني فيه – ، جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة السابعة، عدد 282، الجمعة 28/ ذو الحجة/ 1373هـ الموافق 27/ أوت/ 1954م، ص 1 .

[25] – وكالة الأنباء الجزائرية، في ذكرى رحيل الشيخ الورتيلاني، ص 5، ومحمد مصباح، الشيخ العلامة الورتيلاني ملحمة كفاح مازالت تقاوم النسيان، ص 8، في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد نقلت رفاته وبأمر منه بعد أن قبل مشورة أحد المستشارين الطيبين، الذي أشار عليه بضرورة إعادة رفاته المهاجرة، نظرا لما فيه من سمعة ومكانة للجزائر، ففعل يرحمه الله مشكورا.

[26] – محمد المنصوري الغسيري، مصر الشقيقة تحتفل بالكشافة الاسلامية الجزائرية، جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة السادسة، عدد 240، الجمعة 2/محرم/ 1373هـ الموافق 11/سبتمبر/ 1953م، ص 8 .

[27] – محمد الأكحل شرفاء، من أبطال الدعوة، جريدة البصائر، عدد 358، 16/ مارس/ 1956م، نقلا عن الجزائر الثائرة، ص 461.

مصدر : رسالة التقریب العدد 75

 

آخر التغريدات: