الخبر تنقل جوانب خفية من حياة.. الشيخ شيبان بشهادة نجليه: خالد ونوفل ...عاشق الأرض والعلم

الخبر تنقل جوانب خفية من حياة.. الشيخ شيبان بشهادة نجليه: خالد ونوفل …عاشق الأرض والعلم

مرت في 12 رمضان 2013 سنتان على رحيل الشيخ العلامة عبد الرحمن شيبان، وكان العنوان الذي اختارته “الخبر” غداة رحيله وتشييعه إلى مثواه الأخير بالشرفة في البويرة: “شيخ مبارك رحل في يوم مبارك في شهر مبارك”. 

عدنا إلى الشيخ في هذا الشهر المبارك لنكشف بعض الجوانب الخفية في حياته وفي مواقفه باعتباره أحد أبرز الوجوه السياسية العلمية المخضرمة في الجزائر التي عاشت عدة مراحل على اختلاف توجهاتها وتناقض سياساتها، ومع ذلك حفظ لنفسه مكانا محترما في كل هذه المراحل والفترات، وعبّر عن مواقفه بصراحة، فمثلما رفض في بيانه عشية استقالة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد توقيف المسار الانتخابي، رفض في بيان صريح العنف وأصدر فتوى بعدم جواز بل وبطلان العمليات الانتحارية. والمواقف كثيرة ومتعددة والأعمال كبيرة ومتنوعة للرجل في شتى المجالات التربوية والعلمية والسياسية وغيرها التي حدثنا عنها نجلاه الطبيبان الأول: خالد، الذي أخذنا منه موعدا بمدينة الجلفة، حيث يزاول عمله كمدير للصحة والسكان، والتقينا به في دردشة دامت أكثر من ساعة، ومن خلاله تحدثنا مع الابن الثاني وهو أصغر أبنائه “نوفل” في ساعة أخرى من خلال الهاتف لنستحضر مسيرة عمر دامت ثلاثة وتسعين عاما بدأت بمحيط الشرفة بولاية البويرة وانتهت بالجزائر العاصمة.

بداية المشوار ودعوات والده أثمرت بالنجاح

ولد عبد الرحمن شيبان في الثالث والعشرين من شهر فيفري سنة 1918 بتجمع “تيڤزير دان” التابع لبلدية الشرفة بالبويرة وكان ثاني الأبناء لوالده محمد البشير شيبان وأمه فاطمة حمداش وسط أسرة تتكون من 13 فردا، وقد لعب والده محمد البشير دورا هاما في حياته العلمية، فالأب على الرغم من كونه فلاحا إلا أن حبه للعلم والعلماء لا يوصف، حيث كان ينفق كل ما لديه من أجل تعليم أبنائه وأبناء إخوانه ووصل ببعضهم على الدراسة خارج الجزائر

وكانت بداية الابن عبد الرحمن من المسجد العتيق بمشدالة، حيث حفظ القرآن وبعض علوم الفقه، كما درس الفرنسية في مدرستها لينتقل إلى الزاوية السحنونية في “بني وغليس” التابعة اليوم لولاية بجاية، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس سنة 1938 وبقي يدرس به على غاية 1947 أين حاز على شهادة التحصيل، ليعود إلى أرض الوطن ويبدأ رحلة العمل والنشاط التي أهلته إلى أن تمنحه جامعة الأوزاعي ببيروت في لبنان الدكتوراه الفخرية، كما منحه المفتي العام للجمهورية السورية إجازة أخرى تؤهله للفتوى، ولعل هذا النجاح والتفوق في العلم، كما تحدث لنا أولاده يعود إلى حرص والده محمد البشير ودعواته له الدائمة بالنجاح والتفوق علما وتعليما، حتى أنه ترجى وفدا من مدينته مكوّنا من 20 فردا كان ذاهبا إلى الحج سنة 1928 يقوده إمام الشرفة أن يدعو لابنه عبد الرحمن بأن ينجح في طلب العلم وينجح كل من يتعلم على يديه

ولعل من القصص الأخرى على حرص الوالد أن “الابن عبد الرحمن تعرض لإصابة بحمى التيفوئيد في بداية الأربعينيات وكان وقتها ما زال يزاول دراسته، ولما اشتد به المرض صارح والده بأنه على مشارف الموت فأجابه الوالد: لا تخشى شيئا فإنني دعوت لك الله بأن تكمل تعليمك وتنجح فيه وينجح كل من يدرس عندك ويتخرج على يديك أكبر الإطارات”، وهو ما حدث بالفعل، فقد نجح الابن وتخرج على يديه أكبر الإطارات من أمثال محمد خروبي وغزالي وزهور ونيسي وغيرهم كثيرون.

شيبان: الزواج والأبناء والعادات والطباع

بقدر ما كان والده حريصا على تعلمه ونجاحه كان أيضا حريصا على زواجه وتكوين أسرة له، فتزوج من الشرفة في الأربعينات وأنجب “زكية” و«عبد الحميد” تبركا بالشيخ عبد الحميد بن باديس، “غير أن مرض الزوجة وبقاءها طريحة الفراش ثم رحلته إلى قسنطينة كأستاذ بمعهد ابن باديس جعلته يتزوج مرة ثانية، رغم أنه أبقى على الزوجة الأولى في عصمته والتي توفيت بعد الاستقلال

أما زواجه الثاني فكان سنة 1952 من عائلة “ذمّق” التي عرفت في قسنطينة بالثقافة والتجارة ودعمها الدائم لجمعية العلماء المسلمين وكانت الزوجة “ياسمينة” التي عقد قرانه عليها الشيخ العربي التبسي، وكان له مع “ياسمينة” باقي الأبناء “شهرزاد ومنية وخالد ومحمد الأمين ونوفل”. 

يعشق “حب الملوك” ويحب كل ما هو تقليدي 

ويتحدث عنه أبناؤه أنه كان مثالا للأب الحنون فهو يفصل بين العمل والبيت، لا يحمل متاعب طرف إلى طرف، وكان يداعب أبناءه، ولأحفاده فيما بعد مداعبات لا يتصورها أحد، وبقدر ما كان ملتزما كان يعرف كيف يقدم النصح لأبنائه وأحفاد دون تعنيف أو نرفزة، وكانت زوجته تعينه حتى في كتابة بعض مقالاته أو توصياته في سنواته الأخيرة، فإن لم تكن الزوجة فهناك خالد أو نوفل الذي كتب الوصية الأخيرة لوالده. كان الشيخ محبا لفاكهة “الكرز” أو ما يعرف بـ«حب الملوك”، وأما المأكولات والمشروبات فيحب كل ما هو تقليدي في كل الولايات ويميل إلى البساطة لكنه يكره المبالغة في الملح أو الحار في كل الأكلات
كان قليل النوم في رمضان يحرص على صلاة التراويح والتهجد في شهر رمضان بمسجد “القدس” في حيدرة، ولعل ارتباطه بولاية الجلفة كان من خلال مصاهرة أحد أبناء عمه من إحدى قريبات العقيد أحمد بن شريف، ثم في عمل ابنته كطبيبة وعمل ابنه خالد كطبيب أولا ثم مديرا للصحة والسكان بها فيما بعد.
ولعل من أهم ما فيه أنه يقرأ كل الجرائد يوميا ويتابع الحصص الدينية والعلمية، وأهم ما يوصي أبناءه به صلة الرحم والاتحاد، وكان يتأثر إلى درجة كبيرة حين يتابع نشرة الأخبار ويسمع الصحفي أو الصحفية قد أخطأت نحوا أو صرفا أو لغة وتعبيرا، حينها يبيت مهموما لأن اللغة العربية عنده قد ضربت في الصميم من طرف أبنائها.

فرض اللغة العربية في اليونيسكو واستقدم الغزالي إلى الجزائر

لعل أول وظيفة مارسها الشيخ شيبان هي التعليم، فقد كان على اتصال مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ الثلاثينات من خلال الشيخ الطاهر بن عاشور الذي كان قد وضعه رئيس الطلبة الجزائريين بجامع الزيتونة في تونس، وكان الشرف الكبير حين جاء الشيخ البشير الإبراهيمي إلى مدينتهم، الشرفة، وقصد بيته ليستأذن والده في السماح لابنه بالتنقل إلى قسنطينة من أجل التدريس في معهد ابن باديس، فسمح له الوالد ولكن بشرط ألا يتقاضى أجرا على التدريس.

وفي قسنطينة كانت بداية أخرى مع النشاط العلمي والسياسي خاصة بعد أن أغتيل أحد أصدقائه، أحمد رضا حوحو، سنة 1956 واعتقل من طرف السلطات الفرنسية مع زوجته “ياسمينة” لتتصل به خلية جبهة التحرير الوطني بأن عليه الخروج من الجزائر، لأن فرنسا تسعى إلى اغتياله فكانت الرحلة مرة ثانية إلى تونس، وهناك ظل يمارس نشاطه السياسي والعلمي والتربوي إلى غاية الاستقلال، ليختار عضوا في المجلس الدستوري سنة 1963، وكان له الدور البارز في صياغة المادة الخاصة بـ«الإسلام دين الدولة”، حيث كان ينسق بين الرئيس الراحل بن بلة وأهل العلم في الجزائر، وانتصر بذلك على مجموعة من الفرنكفوليين الذين كانوا يسعون لصياغة المادة على نحو “الإسلام دين الشعب”، وحين اختير ممثلا للجزائر في منظمة اليونيسكو قام بفرض اللغة العربية بها بعد مفاوضات مع ممثلي إيران والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية ليربح المعركة بينه وبين بريطانيا وإسرائيل، وكان أول مفتش عام بوزارة التربية الوطنية له الفضل في وضع البرامج والمناهج التعليمية، وكان عضو المجلس الإسلامي الأعلى وعضو مؤسس لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، وعضو مجلس التقارب بين المذاهب وهو رئيس فرع منظمة الدفاع عن القدس ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لم تسقط عنه إلا بوفاته.
وكان الشيخ المنظم البارز لملتقيات الفكر الإسلامي واختير وزيرا للشؤون الدينية سنة 1980، وهو من استقدم الإمام الغزالي من قطر على الجزائر للتدريس في جامعة الأمير عبد القادر، هذا فضلا عن نشاطاته الصحفية، فقد كان يكتب المقالات في جرائد الجمعية خلال الخمسينات، وكان مدير تحرير جريدة “البصائر” ويقدم الدروس والتوصيات في المساجد وفي كل مدينة يحل بها. وقد كتبت عنه جريدة “أنديغو بيبليكاسيون” البريطانية مقالا مطولا تحت عنوان “حارس القيم الإسلامية”، وكان أعدى أعدائه اللائكيين، لكن هذه العداوة عداوة اتجاهات وأفكار مبقيا على الاحترام بينه وبينهم، ولعل النشاط الذي اتجه إليه في نهاية حياته وكان يمنحه كامل وقته “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، حيث يعمل طوال يومه في التنظيم والتكوين التأليف وإصدار البيانات، وكان أول من استنكر توقيف المسار الانتخابي في الجزائر بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، وفي الوقت نفسه أول من أدان العنف والعمليات الانتحارية التي أفتى بتحريمها.

الرجل الذي أوجد مكانا للغة العربية في منظمة اليونيسكو.. جنازة جمعت بين كل الأطياف ووصية تخص الجزائر والجمعية

كانت بعض الأمراض الخفيفة تلازم الشيخ وكانت تكبر معه مثل داء السكري وارتفاع ضغط الدم، ولكنه كان متغلبا عليها، غير أن تجاوزه التسعين من العمر وخلال سنة 2009 بدأت صحته تتراجع فأصبح يقوم بأعماله الخاصة بالجمعية داخل بيته يساعده فيها بالدرجة الأولى الزوجة والابن “نوفل”، الذي كان يلازمه في تنقلاته وقد سخر ثلاثة هواتف من أجل استمرار العمل مع الجمعية، وكانت بداية النهاية في فيفري 2011 حين اشتد به المرض وأصبح لا يقوى على الحركة ويصبح بيته محل زيارات شخصيات تطمئن على صحته من أمثال إمام القدس وبعض السفراء وغيرهم، ليكون له سقوط آخر في شهر جويلية من نفس السنة، حيث اختلطت عليه أزمة تنفسية قلبية وكان ابنه الطبيب خالد موجودا معه فحمله إلى المستشفى وحينها ظن الشيخ أنه مغادر الحياة، فبمجرد أن عادت له الأنفاس طلب ورقة وأملى على ابنه الوصية، ليعود إلى البيت وحينها راجع الوصية وأدخل عليها تعديلات وكانت تخص جانبا من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وجانبا للجزائر، أكد فيها على الوحدة، لتعاوده النوبة مع شهر أوت وحمل إلى المستشفى وكان رفيقه ابنه نوفل في آخر الأيام والدقائق كان فيها الشيخ حريصا على الصلاة بالإيماءة، فقد صلى العشاء والشفع والوتر ليوم الحادي عشر من شهر أوت وهو الحادي عشر من شهر رمضان، وفي فجر الثاني عشر من شهر رمضان اشتدت عليه الأزمة وكانت آخر كلماته “توحدوا توحدوا” موجهها لأبنائه وللجزائريين شابكا يديه في بعضهما تأكيدا على الوحدة، وكانت الجنازة بمقبرة الشيخ عمر الشريف بمدينة الشرفة.. هذا الشيخ الصالح الذي دفن إلى جانبه الشيخ عبد الرحمن شيبان في جنازة حضرها رؤساء الحكومات المتعاقبة ووزراء سابقون وحاضرون مثلما حضرها علماء وأئمة ودعاة وسياسيون مختلفون، ولم يمض على وفاته سوى سنتين حتى التحقت به زوجته “ياسمينة” نهاية شهر جوان المنصرم لتنام إلى جواره بعد رفقة وكفاح من أجل الجزائر ووحدة الجزائر في انتظار إصدار أبنائه لسيرته الذاتية التي كتبها الشيخ بنفسه وقد جمعت أيضا مقالاته في ستة أجزاء.


آخر التغريدات: