شقيق العلامة العربي التبسي للشروق اليومي : الجنرال ديغول وعد ابن التبسي بكشف قبره وأخلف وعده

شقيق العلامة العربي التبسي للشروق اليومي : الجنرال ديغول وعد ابن التبسي بكشف قبره وأخلف وعده

قبل مواصلة الجزء الثاني من لقائنا بالسيد عبد المجيد فرحات أخ الشهيد العلامة العربي التبسي، ذكّرنا بشقيق آخر لم يرِد اسمه في الجزء الأول، وهو المرحوم سي بشير، وهو الآخر من المجاهدين، حيث شارك في مظاهرات 1945 وتوفي عام 1948، وأحرج حاكم منطقة تبسة، كان يجمع الناس ويخطب عليهم إلى أن حاولت السلطات الفرنسية توقيفه بالقوة، فكان يثور ويضرب الجميع بما فيهم حاكم المدينة، وترك هذا الأخ أثرا بليغا في حياة العربي التبسي.

في أي سنة أدى الشيخ التبسي فريضة الحج؟

تأخر موعد أداء الحج بالنسبة للشيخ إلى سنّ جاوز الخامسة والستين، أتذكر يوم سفره في عام 1955، رفض التوجه للبقاع المقدسة دون أن يترك رسالة إلى المجاهد المعروف لزهر شريط الذي كان يسمى أسد جبل الأسود، أحد أبطال الأوراس، كان حينها الشيخ التبسي المرشد والمفتي بالنسبة لمجاهدي المنطقة، قال له بشكل مباشر: ما أنت إلا رئيس بندقية، لا تتعدى على الشعب، لأن الثورة من الشعب، وقدّم ملاحظة هامة للمجاهد لزهر شريط، ثبت صحتها عام 1958 نصحه فيها بأن لا يذهب إلى تونس لأن الفتنة كانت قد اشتعلت هناك، وقال له: في تونس سيحاربونك بالقلم لأنك أميّ، وحدثت فعلا التصفيات فطعنوا لزهر شريط على مستوى عينه، ثم بدأت تصفية العقول المدربة وأبطال الجزائر الحقيقيين.

هناك صورة نادرة للشيخ في لقاء مع جمال عبد الناصر؟

الصورة تعود إلى عام 1955 بمعنى أن عبد الناصر كان رئيسا حينها لمصر في تلك الحقبة، والشيخ عرّج بعد أدائه فريضة الحج إلى الكويت، حيث التقى بطلبة جمعية العلماء المسلمين والشيخ البشير الإبراهيمي، وتوجّه رفقته إلى القاهرة، وكانا مصحوبين بابن الإبراهيمي الدكتور أحمد طالب وبالمرحوم الشيخ الورتلاني، ما أعلمه أن الوفد طلب معرفة رأي مصر في الثورة التحريرية، وقال العربي التبسي للرئيس المصري، أن انتصار فرنسا على الجزائر معناه أن فرنسا ستصل إلى كل البلدان العربية، وأن الأمة العربية ستخسر بلدا بحجم الجزائر، وكان جمال عبد الناصر في المستوى.

ثم عاد إلى الجزائر بعد أدائه فريضة الحج؟

هو يوم مشهود أذكره جيدا، كان منزل الشيخ في مدرسة البنين والبنات، ولم يكف عن استقبال الضيوف القادمين من تونس والمغرب ومن كل مناطق الجزائر، أذكر أننا فرشنا الحدائق والمساحات الشاغرة، تلقى التهاني وبعدها عاد إلى معهد بن باديس بقسنطينة، ثم اختار مدينة سيق موطنا له، حيث أعاد الزواج هناك.

حدثنا عن الشيخ في شهر رمضان؟

أعلم أنه كان يحب أكل الشربة القسنطينية الحمراء أو ما يعرف بالجاري بالفريك، ويتسحّر بالمسفوف، كانت سفرياته هي سبب جعله من دون طبق أوأكلة مفضلة، لا أعلم إن كان صلى بالناس التراويح في حياته رغم حفظه لكتاب الله، لكنه مداوم على صلاة التراويح، وإمامة الناس في بقية الصلوات، وبمجرد أن يحضر إلى تبسة حتى يصلي بالناس الجمعة خطيبا، وفي بقية الصلوات، ما يحضرني الآن أنه دعا الناس لصلاة الاستسقاء مرّة، وصلى بنا ولم نكد نُسلّم حتى تهاطل مطرا أضاف عليه الشيخ سجود الشكر.

هل كان يتقن اللغة الفرنسية؟

أبدا، هو مثل الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي كان له مترجم خاص، لم يتقن التبسي سوى اللغة العربية

وهل كان رياضيا؟

كان يمتلك راديو من النوع القديم، الذي يُسيّر بشمعات خاصة، يتابع عبره أخبار العالم العربي، بالنسبة للرياضة أذكر أنه انتقد لعبة كنا نمارسها في تبسة تدعى”البف”، وهي كرة صغيرة عبارة عن جورب مملوء بالقماش والإسفنج نتقاذفه في مباريات حامية، كان يقول عليكم أن تتجهوا إلى ما يجمع بينكم، لا أن تزرعوا الفتنة بين العشائر والجيران بلعبة، فالغلبة لا تكون في اللعب وإنما في الجد، أعلم أن مدرسة البنين والبنات التي كان يديرها كانت تقدم مسرحيات عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يقيم مسابقات في تلاوة القرآن الكريم ويقدم عبرها جوائز للفائزين.

دعنا نتوقف مطولا عند قضية إعدامه من طرف المستعمر، وقصة قبره غير المعلوم لحد الآن .

هو فعلا لغز عجزنا عن حله، رغم مرور أكثر من نصف قرن، بالتأكيد الجواب عند الفرنسيين، الشيخ اختطف من مسجد العقيبة بالجزائر العاصمة، بالضبط على الساعة منتصف الليل في الرابع من أفريل 1957 من طرف جنود الجنرال ماسي، وهذا الجنرال كان معروفا ببطشه، فقد عانى الشيخ منذ اندلاع الثورة من الاستجوابات والمتابعات، ولكن بمجرد قدوم هذا الجنرال صار يطالب بالحزم والإعدام المباشر مع كل رجالات الثورة، خاصة أن الجنرال ماسي شارك في حرب الهند الصينية وتورّط في أعمال دموية وإرهابية، قام المختطفون بإلباس أخي لباسا عسكريا فرنسيا وواقي الدماغ وألبسوه سروال ابنه لمين ووضعوه في سيارة عسكرية وسط أربعة جنود حتى لا يعرفه أحد، كان حينها قد جاوز سن السابعة والستين وكان مريضا أيضا، ومن ذلك اليوم اختفت أخباره نهائيا.

حتى طريقة قتله مجهولة؟

منذ ذلك الحين ونحن نبحث عن فك هاته الطلاسم، والروايات تزدحم ولا تتوقف، لقد قالوا في زمن الثورة إنهم رموه في البحر بالعاصمة، أو رموه من الطائرة كما فعل الطليان بعمر المختار، وقالوا إنهم دفنوه حيّا تحت الزفت الساخن، وقال بعض مساجين البرواڤية بولاية البليدة، إنه تعرض للتعذيب وشاهدوا دمه متناثرا من الخلية التي كان فيها، كما سمعنا أنه نقل إلى فرنسا في محاولة لجعله بيد الاستعمار، وعندما رفض أعدموه، ابنه الأكبر لمين سافر إلى باريس، وتمكن من مقابلة الجنرال ديغول قبل الاستقلال، وسأله عن مصير والده، وتلقى وعدا شفويا من الجنرال الفرنسي، بأن يقدّم له كل التفاصيل عن اختفاء الشيخ، ومات الجنرال ودفن معه لغز الشيخ العربي التبسي.

لكن الشائع حاليا أن جثمان الشيخ مدفون بولاية تيارت؟

هذه الرواية ألهبها صحافي الشروق اليومي بولاية تيارت الأستاذ سليمان بودالية الذي قدم خدمة تاريخية للجزائر عام 2001 عندما نقل شهادات مثيرة عن تواجد جثمان الشيخ في المنطقة، كنت حينها أمتلك سيارة قديمة فتنقلت إلى تيارت من أم البواقي، وبدأت أتقصى الحقائق بمساعدة الصحفي بودالية، سافرت إلى بلدية عين الذهب، ووجدت كل الدعم من أهل ومسؤولي المنطقة، والتقيت بالشيخ المرحوم خالد المغربي وهو رجل طاعن في السن، ويقال إنه العارف الوحيد بمصير الشيخ، هو من أصل مغربي ولكن أهل المنطقة بسبب علمه وتقواه، ولأنه كان يدرّسهم القرآن الكريم ملّكوه منزلا وزوّجوه منهم، فعاش بينهم مرجعا دينيا وتاريخيا، كان عمره حينها 86 سنة فقد الكثير من بصره ومن سمعه، قال لي إن الذاهبين إلى السوق وجدوا في طريق آفلو جثة الشيخ، فتم إكرامها بالدفن في مقبرة عين الذهب، قال لي إنهم لم يرموه بالرصاص ولم يطعنوه ربما قتلوه عطشا وجوعا، كان يرتدي حسب هذا الشيخ قميصا وسروالا في زمن البرد القارص في تلك المنطقة وفي بداية أفريل وفي جيبه قلم، ثم توجهت رفقته إلى مقبرة المدينة، وراح يعدّ القبور ثم توقف عند أحد القبور، وقال لي إنه متيقن بأنه قبره.

لكن التطوّر العلمي وفحص الحامض النووي صار كفيلا بتأكيد مكان قبره أو نسف هاته الرواية.

فعلا .. لكن العائلة لم تطلب بعد هذا الأمر رميا، من حقنا أن نعلم الآن مدفنه، على الأقل لنقرأ الفاتحة على روحه.. “يطأطئ رأسه ويحاول منع دمعة كانت تهرب من جفنه”.

تبدو من كلامك شبه مقتنعا برواية الشيخ خالد المغربي؟

الناس في ولاية تيارت يصدقون هذا الشيخ، ويعتبرونه مرجعا حقيقيا، فمنطقة آفلو كانت فعلا منفى للأبطال ومن بينهم الشيخ البشير الإبراهيمي، هي تشبه سيبيريا ببردها وخالية تماما من البنايات والأشجار، أخي كان مسنا ومريضا، ربما تركوه هناك فقضى نحبه، المكان يبعد عن بلدية عين الذهب بـ 7 كلم بطريق آفلو، ولا توجد في تلك المنطقة في أواخر خمسينات القرن الماضي أية قرية أو مجمع سكني، دفنوا الشيخ في مقبرة خاصة في عين الذهب تسمى جبانة الغربة، هي قبر المعذبين من طرف الفرنسيين في ذلك المنفى، الشيخ خالد المغربي، قال لي إن دفن الشيخ التبسي حدث بحضور أربعة من أهالي عين الذهب، وأحدهم من مثقفي منطقة ميزاب، طلب الإسراع في دفنه لأن المستعمر سيسرع لحرق جثته ليخفي جريمته، تأسف الشيخ للعائلة وقال إنه أخطأ لأنه لم يضع شاهدا على القبر، وقام بِعدّ 81 قبرا ثم أخطرني أن القبر رقم 82 لأخي الشهيد.

وهل كان الشيخ خالد يعرف العربي التبسي شخصيا؟

كان بصره ضعيفا، عندما التقيت به، وبمجرد أن أعطيته صورة الشيخ حتى قال لي هذا هو المرحوم العربي التبسي، اتجه مباشرة إلى القبر وراح يبكي ويدعو بحرقة “اللهم ألحقني به، اللهم ألحقني به”، أخبرني بعد ذلك أن الشيخ عندما كان يعيش في سيق بغرب البلاد كان يلقي دروسه في جامع سيدي عدّة بتيارت، وقال إنه كان من الذين يسارعون لحضور دروسه، ثم قال إنه يعرفه جيدا، ولا يمكنه أن يخطئ صورته، ما أعلمه الآن أنه توجد خمسة قبور في مقبرة عين الذهب، من المؤكد أن جثمان الشيخ مدفون في واحدة منها.

هذا يعني أن كشف القبر سهل المنال الآن مع التطور العلمي؟

فعلا .. ولكن من يقوم بذلك، إنه السؤال الواجب طرحه الآن

وهل كانت للشيخ وصية وكان يعلم بأنهم سيسجنوه أو يقتلوه؟

كان يقول لنا دائما.. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، أعلم أنه أوصى شقيقه الأكبر بأن يقوم بقسمة غنمه إلى قسمين، القسم الأول يقدمه بالكامل للثوار، والقسم الثاني يجعله لعائلته، وهو ما حصل فعلا فبقيت صدقته جارية، وهو القائل إن الشهادة في سبيل الوطن هي شهادة في سبيل الله، والصدقة في سبيل الوطن هي صدقة خالصة لله.

هل توجد الآن أشياء الشيخ لدى عائلته، صور ورسائل وحتى ألبسة؟

كما أخبرتك هو رحالة دائم، الشيء الوحيد الذي كان يلازمه باستمرار هو قلمه الذي دُفن معه حسب الشيخ خالد، وعصا من الخزرانة بها مسمار كبير وحاد، اختفت بعد استشهاده، نملك بعض الرسائل بخط يده وعددها قليل أما الصور فهي قليلة جدا، ولكنها توجد لدى عائلات الإبراهيمي وابن باديس والميلي والورتلاني بالتأكيد، فقد كان ملازما لهؤلاء العلماء في كل المناسبات الكبيرة.


آخر التغريدات: