العبْقريُّ الفَذّ، «فخرُ علماء الجزائر»: العلاَّمة محمّد البشير الإبراهيمي

العبْقريُّ الفَذّ، «فخرُ علماء الجزائر»: العلاَّمة محمّد البشير الإبراهيمي

«لم يكن الشّيخ محمّد البشير الإبراهيميّ رحمه الله شخصيةً عاديةً، وإنّما كان مجموعةً من المواهب والعبقريات.كان آيةً في علمه الواسع وأَدبه الرّفيع وخُلقه النّبيل ودينه المتين وإخلاصه وسَعَةِ أُفق تفكيره وبُعد نظره، وإنكاره لذاته وتَفانيه في خدمة أمّته».. كان يعيش من أجل الدّفاع عن الإسلام الحقّ والنّهوض باللّغة العربيّة في هذا الوطن العزيز، لقد كان مصلحًا دينيًّا واجتماعيًّا موفَّقًا، ومفكِّرًا حُرًّا جريئًا، وإمامًا في السّلفيّة، ناشِرًا لها ومُثَبِّتًا لمبادئها، ونجمًا مِن نُجوم الهداية، صدَّاعًا بالحقّ، قوَّالاً به، وحاملاً لراية الكفاح والنّضال، لم يعرف الفشل والخَوَر، ولا الاستسلام والتّقهقر، كانت حياته مشرقةً مملوءةً بجلائل الأعمال، تَجَلَّتْ فيها عبقريته، وبزغ من خلالها نجمه، وظهر نبوغه، وصدقت نظراته، وتحقَّقَتْ فراسته.

 ونحن نعرضُ في هذه السّطور الوجيزة لأبرز الشّواهد على ذلك، ونقف مع بعض مجهوداته وجهاده في سبيل الإصلاح الدّينيّ، وشيءٍ من الأعباء الّتي تحمَّلَها، والتّضحيات الّتي بذلها، كلّ ذلك بإخلاصٍ وعزمٍ متين، ونفسٍموقنةٍ مطمئنة.

مولده:

«وُجِدَ بخط جدِّهِ العالم ناصر السّنّة، وقامع البدعة، الشّيخ عمر الإبراهيمي في كتاب أرَّخَ فيه لموالد الأسرة ووَفَيَاتهم ما نصّه : «أنعم اللهُ على ولدنا محمّد السّعدي بمولود ذكر بعد ثلاث بنات متواليات عند طلوع الشّمس ليوم الخميس الرّابع عشر من شهر شوال عام ستة وثلاثمائة وألف، ولاستبشارنا بطلعته سمّيناه محمّد البشير، أحياه الله، وجعله من رجال العلم النّافع، والعمل الصّالح وجعله قاطعًا للضّلال، آمين»»[1].

نشأته وتعلّمه:

«وُلِدَ ونشأ بدائرة «سطيف» في قبيلة ريغة الشهيرة بأولاد ابراهم ، قرب بلدة «رأس الوادي»»،  وهو موطن من مواطن بني هلال، فأخذ العلم في بيت أسرته عن عمّه : الشّيخ محمّد المكّي – وكان علاَّمةً جليلا-. وقد رزقه الله قوّة الحافظة، فما بلغ التّاسعة من عمره حتّى حفظ القرآن الكريم وآلافًا من أشعار العرب، وعددًا من المتون العلمية المشهورة للتّدريس إذ ذاك: كالتلخيص، وجمع الجوامع، وألفية ابن مالك، وألفيتي العراقي في السِّير وعلوم الأثر، ورقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب، والشّاطبيّتين في القراءات والرّسم، وتحفة ابن عاصم الأندلسي. كما حفظ بعد التّاسعة موطأ الإمام مالك ومقدّمة صحيح مسلم، والمعلّقات، والمفضّليّات. وكانت لعمِّه في تربيته طريقة تُوافق استعداده، وهو أنّه كان معه في  دراسة مستمرّة لا تقطعها عنه إلاّ ساعات النّوم، فكان يُلَقِّنُهُ، ويُملي عليه ويشرح له، ماشيًا وقاعدًا، وفي جميع الأحوال إلى أن يأخذه النّوم، كلّ ذلك مجاراة  لحفظه، وذكائه، واستعداده الفطري، فقد رأى منه استعدادًا خارقًا وحافظة ملتهِمة وذاكرةً لا تُفْلِتُ شيئًا، فكان منه ما كان. وقد كان عمره يوم مات عمُّه أربعة عشر عامًا، وختم عليه وهو في مرض الموت الفصول الأخيرة من ألفية ابن مالك بشرح المرادي، وقد أجازه عمُّه بتدريس العلوم التّي علم أنّه أتقنها عليه، فانتصب للتّدريس وهو ابن خمسة عشر عامًا، واستفاد منه النّاس الّذين حضروا دروسه وكانوا أكبر منه سنًّا[2].

الهجرة الأولى للاستزادة من العلم:

كان والده قد سبقه بالهجرة إلى البلاد المقدّسة هاربًا من ظلم فرنسا، واختار الاستقرار في المدينة. كتب إلى ولده يحثّه على اللّحاق به، فلحقه بعد سنتين أو ثلاث قضاها في التَّحَيُّلِعلى الخروج من قبضة فرنسا، فقد ضيّقت عليه الخناق بعد هجرة أبيه، فكان وصوله المدينة بعد مروره (بمصر) وبقائه فيها ثلاثة أشهر في أوائل عام 1330هـ، ولما وصل إلى المدينة فتح دروسًا في العلوم الّتي يُتقنها.

ولازم حلقة الشّيخ محمّد العزيز الوزير التونسي، خمس سنوات كوامل درس عليه جانبًا عظيمًا من الموطأ دراسة تحقيق، وجانبًا من مختصر خليل، وقامت ثورة الشّريف حسين على الأتراك في السّنة الثّانية من سنوات الحرب، وتداعت أحوال المدينة من اليُسر إلى العُسر، ومن السّعة إلى الضّيق، حتّى أُخرج أهلها كلّهم إلى الشّام، فخرج إليها مع والده، واستقرّ في (دمشق)، في أواخر عام 1916م، ودرّس فيها ببعض المدارس الحرّة، واحتفى به جماعةٌ من علمائها وأفاضلها الّذين عرفوه في المدينة، ثمّ شاع ذِكْرُهُ في المحافل العلمية والأدبية، ودهش الملتفّون حوله من ذاكرته، وحفظه للّغة والآداب، والحديث.

ألقى دروسًا جامعةً بالجامع الأموي،  ودرّس بالمدرسة السلطانية[3].

«وفي سنة 1921م عاد إلى الجزائر مقتنعًا بما اقتنع به عبد الحميد مِن قبلُ مِن أنّ العمل المنتظَر منه إنّما ميدانُه الجزائر، واتّصل فور رجوعه برائد النّهضة ابن باديس»[4] .

تأثّره بالسّلفية:

«ورث الشّيخُ النَّزعةَ السّلفيّةَ مِن أسلافه، فقد كان بيتُه بيت علم منذ ثلاثة قرون، ونبغ من هذا البيت عدّة علماء ممتازين في الحقبة المذكورة وكانوا مرجعًا في الفتوى والأحكام والتّعليم للقبائل المتجاورة…وجرى علماء البيت كلُّهم على حرب البدع والتّشدّد في الإنكار على أهلها وإقامة السُّنن الثّابتة في خاصّتهم وفي أتباعهم ولهم مواقف مشهورة في إقامة النَّكير على ضلالات العقائد وعلى أَوْهَامِ مشايخ الطُّرق، ولجدِّهِ الأدنى –الشّيخ عمر الإبراهيمي- أُرجوزة متداولة في التّشنيع على هذه الطُّرُق ومشايخها والمنتسبين إليهم.

[ المالكيّة السّلفيُّون:]

 وإن كان علماءُ هذا البيت يرجعون في الفُروع إلى مذهب مالك السّائد في الشّمال الإفريقي وكانوا قائمين عليه متبحِّرين في الفرعيَّات، ومذهبُ مالك مبنيٌّ على الأثر وعمل أهل المدينة –كما هو معلوم- ولذلك فهو يَزرع في مقلِّديه حبَّ الأثر والرّجوع إليه كما يظهر ذلك جليًّا في سيرة أئمّةٍ من فقهاء الأندلس والقيروان والحجاز والعراق، فالعلماء أجدادُ الشّيخ كانوا على هذا المشرب وإن لم يكن لهم توسّع في علوم الحديث وروايته، لكنّهم كانوا متأثّرين بالسّنن العمليّة عاملين بها واقفين عند حدودها مُنكرين على مخالفيها. هذا هو السّبب الأصيل في تأثّر الشّيخ بالسّلفيّة.

[عنايتُهُ بكتب السُّنَّة والحديث؛ روايةً ودرايةً:]

ثمّ رزقه الله من الصّغر بما يقرِّبه من الحديث ويصله به، وهو الحافظة، فقد وجّهه عمّه ومربّيه إلى حفظ الأنفع قبل النّافع، فحفظ في صباه كثيرًا من متون الأحاديث وأسانيدها وطرائقها وطبقات المحدّثين فكان ذلك كلّه جاذبًا له إلى السّنّة وسيرة السّلف، وكان في صِباه متعطّشًا إلى  الاطّلاع على أمّهات السّنّة وإلى كتب فقه السّنّة الّتي تمرّ به أسماؤها في أثناء مطالعاته في الكتب والتّراجم، حتّى هاجر إلى المدينة –كما أسلفنا- فوجد ما يروي ظمأه في مكتباتها الزّاخرة بتلك الأمّهات فاستوعبها مطالعةً وحفظًا لعلومها، وبحث مِن أوّل يومٍ عن كتب أئمّة الإصلاح وأنصار السّنّة وكبار فقهائها كالقاضي أبي بكر بن العربي والقاضي أبي الوليد الباجي، والحافظ ابن عبد البر، والحافظ أبي محمّد ابن حزم وخاتمتهم بالأندلس أبي إسحاق الشاطبي.

[عنايتُهُ بكتب شيخَي الإسلام؛ ابن تيميّة وابن القيّم:]

واستوعب لأوّل قُدومه كتب شيخَي الإسلام ابن تيميّة وابن القيّم، واطّلع على تاريخ الحروب الّتي شنّها علماء ذلك العصر المتأثّرون بالمذاهب على أئمّة السّنّة ودعاة الإصلاح، فزاده ذلك كلّه قوّة ورسوخًا في النَّزعة السّلفيّة وصلابةً في الدّعوة إليها والذَّوْذِ عنها.

[ اطّلاعُهُ على مؤلّفات شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب، وتاريخ دعوته:]

كما اطّلع في ذلك على مؤلّفات شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهاب وتاريخ دعوته وما صاحَبها من إنكار المنكِرين، واستخلص الحقَّ لنفسه من ذلك كلّه.

[حالةُ الحجاز في العهد العثماني:]

وإن كان ذلك العصرُ وأهله وحكومته العثمانية يَنظرون إلى هذه الدّعوة وأصحابها نظرهم إلى المارِقين، ولم يكن بالمدينة إذ ذاك عالمٌ واحدٌ يَجهر بكلمة الحقّ حتّى المحدِّثُونَ منهم[5]، ولكن الشّيخ كان بلَباقته وهدوئه واقتداره على نقل الحديث من الدّين إلى الأدب والمُلَح أو إلى التّاريخ كان بذلك يبثّ الدّعوة بين طائفةٍ من الشّباب الأذكياء من زملائه، ودام ذلك خافتًا إلى أن انتقل إلى الشّام في أثناء الحرب الأولى-كما ذكرنا-.

[الهجرة إلى الشّام:]

فاتّصل فور قدومه بصَفِيِّهِ وصديقه [العالم السّلفيّ] الأستاذ محمّد بهجت البيطار وجماعة قليلة من تلامذة عالمَي الشّام الجليلين الشّيخ عبد الرّزّاق البيطار، والشّيخ جمال الدّين القاسميّ، فاتّصل حبلُهم بحبله واشتدّ عضدهم به ووجد فيهم الرّفقة الصّالحة، ولكن صوت الدّعوة كان خافتًا بالشّام لقوّة سلطان العلماء المنابِذين لها، ومِن ورائهم سلطة الحكومة وسلطان العامّة، ويؤيّد ذلك كلّه الشّلل العامّ الّذي يصحب الحروب.

فكان هؤلاء الجماعة-على قلّتهم- يجتمعون ويفترقون على ذِكر السّلفيّة وعلى كتب ابن حزم، وابن تيميّة، وابن القيّم، والشّوكانيّ، وعلى الآراء الّتي انتشرت في العالم الإسلامي عنالشّيخ محمّد عبده، وتلميذه الشّيخ محمّد رشيد رضا، وكانوا يُديرون الخِطط للدّعوة السّلفيّة متى خفّت العراقيل القائمة في طريقها وكذلك كان[6].

ماذا وقع بعد رجوعه إلى الجزائر؟:

كان ابنُ باديس تعاهد مع الإبراهيمي بالمدينة المنورة (سنة 1331هـ)(1912م) على نشر دعوة الحقّ والعلم بالجزائر إذا رجعا إليها، فرجع ابن باديس  مِن سنته تلك بعد أداء الفريضة وشرع في التعليم بمدينة «قسنطينة»، فاجتمع مئاتٌ من الطّلاّب في السّنة الأولى ورتّب منهاجًا للدّروس…

ولما رجع الإبراهيمي إلى الجزائر، وجد رفيقه الشّيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- قد سار في التّعليم الحرّ أشواطًا بعيدةً وتخرّج على يده مئاتٌ من الشّبّان يحملون فِكْرًا صحيحًا ، وعقيدة سليمة، وهممًا كبيرة، قد هيّأهم للدّعوة، فتسلَّحوا بقدرٍ كافٍ من العلم مع ألسنةٍ تخطُب، وأقلامٍ تكتُب.

ولما سمع ابن باديس بقُدوم رفيقه وأخيه الإبراهيمي سارع إلى لقائه بتونس، معبّرًا بذلك عن حُبوره بعودته وسروره برجوعه[7].

فتعاهدا من جديدٍ على ما اتّفقا عليه بالمدينة المنوّرة من قبل ثمان سنوات. ومن يومئذٍ بدأ التّعاون وبدأت الدّعوة بحركةٍ بطيئةٍ، وبدأت الإرهاصات تظهر متلاحقة، ثمّ تعزّزت الحركةُ برجوع طائفةٍ كانوا في الشّرق من أبناء الجزائر وفي مقدّمتهم الشّيخ الطّيّب العقبي[8].

وأسّس ابن باديس جريدة «المنتقد» لتكون أداةً لنشر الدّعوة، فالتقت عليها أقلامُ الكتّاب والشّعراء، فكانت تَقذف الحِمَم على الطّرقيّة وعلى الاستعمار الّذي يؤيّدها، وضاقت بها الحكومة ذرعًا فعطَّلتها، فأنشأ ابنُ باديس جريدة«الشّهاب».

وحلَّ الإبراهيمي ببلدِهِ «سطيف»، وبدأ من أوّلِ يومٍ في العمل الّذي يُؤازر عمل أخيه ابن باديس.

وتخصّص الإبراهيميُّ بنَشْرِ الدّعوة في أوساط الجماهير؛ لأنّه كان أَقْدَرَ على إقناعهم، وكانوا أكثرَ اتّصالاً به، لأسبابٍ اجتماعيّة خاصة، وهو أَقْدَرُ النّاس على هذا الميدان. دام الحال على هذا في التّهيئة والإعداد، دروسًا عامّة ومحاضرات واغتنام الفرص في كلّ اجتماع لبثّ الدّعوة، والتّشنيع على الضّالّين بجميع الوسائل، والفصل بينهم وبين الطّرقيّة الّتي غَشيهم ظلامُها وضلالها قرونًا، وكان الشيخ الإبراهيمي أَوْثَقُ الجماعة صلةً بالجماهير الّذين هم موضوعُ الدّعوة، وكان يتعاطى سببًا يقوم بضروريّات أسرته، كالتجارة والفلاحة، ويُنفق كلّ وقته في التّنقّل إلى المراكز المختلفة[في المدن العامرة والقرى] محاضرًا داعيًا مُذَكِّرًا، مِن غيرِ أن يَقطع الدّروس المنظّمة في بلده للشّبّان والكهول والشّيوخ[9].

وكانت أعمالُه هذه في التّعليم فاترةً أحياناً لخوفه من مكائد الحكومة الاستعمارية، الّتي كانت تُراقب تحركاته، ولا تطمئنّ لها، مع أنّه كان يتغطَّى لها بأنواعٍ من المخادعة، فقد تظاهر لها عدّة سنين بتعاطي التّجارة وغشيان الأسواق.

ـ وهذه شهادةٌ: من نائب صحيفة«المنتقِد»[10] «الشّيخ الأديب: محّمد بن العابد الجلالي»، يقولُ(صيف سنة:1925م): «…سطيف: وهناك قابلتُ نِبراس العلوم مُبِيد ظلمات الجهل مُحطِّم قيود التّقليد الفاسد الأستاذ الشّيخ البشير الإبراهيمي، فأَرَاني كيف لا يُؤثّر النّقصان الجسميّ[11] في نقصان الهِمَم والقُعود عن الواجبات، فهو في سائر حالاته سواء كان ماشيًا أو جالسًا في المدرسة أو في القهاوي الفرنجيّة يُفيدك مِن الدُّروس الممتِعة والنّكات اللّطيفة ما لا تستفيدُه مِن غيرِه في دهر، وإنّي لأرى أهالي سطيف في غفلةٍ كبيرةٍ، حيثُ لم يأخذوا حظَّهم مِن بحره الزّاخر، وهُم في ظمإٍ لِسَلْسَبِيلِهِ مع ما نعرفه من شهامتهم وشدّة ذكائهم، ولعلّهم يلتفتون إلى نصيحتي فيتداركون ما فاتهم..»اهـ.

وفي هذه الفترة ما بين سنتي (1920م) و(1930م) كانت الصّلةُ قويّةً بينه وبين ابن باديس، وكانا يتلاقيان في كلّ أسبوعين أو كلّ شهر على الأكثر، يزوره في بلده «سطيف» أو يزوره هو في «قسنطينة»، يَزِنَانِ أعمالهما وآثارَ ما يخطّطان له في الشّعب، حتّى يُمكنهما المواصلة، والمضيّ في خطواتٍ أخرى، كانا قد اتّفقا عليها، ووَضَعَا برامجَ مفصّلةً لها[12].

«كان ابن باديس قد أدرك قيمةَ الإبراهيمي العلميّة وتجاربَه الصّحيحة [وعقلَه الوافر، وذكاءَه الوقَّاد،] وإخلاصَه الصّادق، فاتّخذه مُستشارًا ووَزيرًا، لا يَصْدُرُ  عن أمرٍ إلاَّ بإِشارته»[13].

وفي هذه الفترة لم يظهر له أثرٌ في الكتابة في الجرائد الّتي أنشأها ابن باديس: «المنتقِد» و«الشّهاب»، كما ظهر لغيره من العلماء والأُدباء، وقد ذهبَ بعضُهُمْ إلى أنّ ذلك «لأسبابٍ غامضة»[14].

 ولكن الّذي يظهر أنّ الإبراهيمي تخصَّصَ في هذه الفترة بالذّات للاِحتكاك بفئات الشّعب المختلفة، يُراقب الأوضاع ببصيرةٍ نَفَّاذَة، ويَتَحَسَّسُ درجةَ الوعي والتّفكير في الأمّة، ويَدرس نفسيّةَ النّاس دراسةً مُتأنّيةً عن مقربةٍ.

دورُهُ في مشروع ابن باديس /أو: «جمعيّة الإِخاء العلمي»!:

ولقد كانت «فِكرةُ جمعيّة العلماء» تُراوِد الإبراهيميَّ وابنَ باديس، وكانت من الأهداف الّتي كانا يعملان لأجلها، فكان ذاتَ يومٍ أن زاره أخوه ابن باديس بمدينة «سطيف» زيارةً مستعجلة في سنة 1924م، وأخبره أنّه عَقَدَ العزم على تأسيس جمعيةٍ باسم «الإخاء العلمي»، تجمع شمل العلماء والطلبة  وتُوَحِّدُ جهودهم في مقاطعة قسنطينة، وتَحَمَّسَ لها ابن باديس جدًّا، وجعل يُعدّد من فوائدها ومنافعها، لكنّ الإبراهيمي [المتخصِّص في دراسة  النّفسيّات، العارف أكثرَ مِن غيرِهِ بحال الأمّة] استَبْعد هذا المشروع الآن عملاً وواقعًا!، لكنّه لم يَشَأْ أن يُكاشف أخاه خشيةَ أن يُثَبِّطَهُ، فسايره في الفكرة، وعهد إليه ابن باديس بأن يَضع قانونها الأساسي، فوضعهُ في ليلةٍ، وقرأه عليه في صباحها، فاغتبط به ابن باديس أيّما اغتباط. وما لبث ابن باديس بعد أن رجع إلى قسنطينة يخطو خطواتٍ في العمل حتّى تعطّل المشروع لأسبابٍ، فلم يستغْرِبْ الإبراهيميُّ ذلك، لعِلمه بأنّ الأمّة لم تنضج بعدُ للنّهوض بمثلِ هذا العمل العظيم[15].

وعن هذه العراقيل الّتي اعترضت طريق المصلحين، يقول: بسببِ أنّ الاستعمار كان قد بلغ غايته في صَرْفِ الأمّة عن التّفكير في كلّ نافعٍ، والشّعوب إذا بلغت هذه الدّرجةَ من الغفلة وموت الشّعور، فإنّ أصوات الحقّ والخير لا تجد منافذها إلى النّفوس،  ويصعب على الدّعاة أن  يؤدُّوا  واجبهم في الدّعوة، وأيسر ما يقع في مثل هذه الحالة أن يختلط صوت الحقِّ وهو ضعيفٌ خافِتٌ بأصواتِ الباطل وهي جهيرةٌ عالية، ولا يتميّزُ صوتٌ من صوتٍ إلاّ بصبرٍ من الدُّعاة واستعدادٍ من المدعوِّين[16].

مشاريعُهُ العلمية الدعويّة  في«سطيف»:

سعى الإبراهيميُّ – زيادةً على صيحاته في الجماهير؛ يدعوهم إلى العلم- إلى إِحداث نهضةٍ تعليميّةٍ بمدينة سطيف، فتمكَّن(سنة:1924م) من تأسيس مدرسةٍ صغيرة لتكوينِ الطلبة وتسليحهم بالعلم، وبعد بضعِ سنين أسَّسَمسجدًا ببلدة «رأس الوادي»، وشهد افتتاحَه ابنُ باديس، الّذي ذكر أنَّ الإبراهيميَّ أَلقى فيه خطابًا عظيمًا[17]، ثمّ ليُؤسِّس (سنة1931م) مسجدًا كبيرًا بمدينة سطيف[18].

تأسيسهُ لجمعية خيرية علميَّة!:

ومن «إنجازاته» غير ما ذكر، وهو في بلدة «سطيف»، ما وقفتُ عليه في صحيفة «النّجاح» القسنطينيّة([19])؛ تحت عنوان: «ضيفٌ معتبر»: «في الأسبوع الفارط حلَّ بالمدينة النّابغةُ المحقِّقُ العلاّمة الأكملُ صديقنا الشّيخ البشير الإبراهيمي نزيل رأس الواد، وقد نزل بالمدينة ضيفًا محترمًا بين رجال العلم وذوي الهيآت، لما للشّيخِ من المكانة العلميّة والنّزاهة العالية الّتي لا يُبَارِيه فيهما مباري بهذه الدّيار، ولم يكن مُكثه لدينا إلاّ يومًا واحدًا، ثمّ ودَّعنا بكلّ أسفٍ تاركًا مِن بعده ذِكرًا جميلاً وسُمعة حسنة. وقد كان السّببُ لزيارة الشّيخ هذه البلاد مشروعٌ قد عزم على إقامته برأس الواد، وهو إقامةُ جمعيَّةٍ خيريّةٍ إِسعافيّة للفقراء والمساكين، وذلك بمناسبة قدوم الوطنيّ الأمثل نائب الأمّة: السّيّد السماتي عبد القادر، الّذي قدم إلى العمل بالمجلس العمالي الّذي انعقد أخيرًا، والمقصودُ مِن ذلك الحصول على رخصة من الحكومة للجمعيّة المذكورة، وبالفِعل قد وقع الإحراز عليها. مِن أهمّ فصول هذا الجمعية المباركة نشرُ التّعليم وتغذية الفقير أيضًا بالعلوم، إلى غيرِ ذلك من الفوائد العاجلة والآجلة. فنُرحّب بحضرة الشّيخ البشير، راجين له نجاحَ مشروعه، بل مشروع الأمّة الّذي يجبُ على كلّ غيور مدّ يده إليه بقدر الاستطاعة»اهـ.

قلتُ: نشرَت جريدة «النّجاح» أخبارًا عن هذا المشروع-فيما بعدُ-، لكنْ : لا ذِكْرَ للشّيخ الإبراهيمي فيهِ؟! ويبدو أنّ هذه الجمعيّة وجهود أعضائها الظّاهرين والمختفين! أَسْفَرَت عن تأسيس المسجد والجامع المذكورَين آنفًا، اللّذين تظاهرت شهاداتُ أهل العلم والفضل في المنطقة على الإِشادة بعزم الشّيخ الإبراهيمي ودورِه في إبرازهما.

في ميدانِ الكتابة!:

ثمّ يظهر أخيرًا اسمُ الإبراهيميّ ضمن كُتَّاب «الشّهاب»، فكان أن ألقى محاضرةً في نادي التّرقّي بالعاصمة (سنة 1929م)، عنوانها «التّعاون الاجتماعي»؛ نُشرت في ثلاثةِ أجزاء ، علَّق عليها صاحب «الشّهاب»(ابن باديس)بقوله: «الأستاذ الإبراهيميُّ صاحب هذه المحاضرة نَعُدُّهُ-بحقٍّ- من أعيان الطّبقة الأولى من كتّاب الجزائر وخُطبائها وأدبائها ومفكّريها ورجالها العاملين على نهضتها. وهو اليوم يُباشر الأعمال المالية في ناحيته بعلمٍ وأمانة ونشاط، ويُعلّم النّاس هذه الصّفات الثلاث في التّجارة تعليمًا عمليًّا، كما يدعوهم دائمًا إليها بقوله. مضت مُدّةٌ على هذا الأستاذ كنزًا دفينًا لم تَجْنِ الأمّة ثمرات يَرَاعه، وطالما وجَّهْنا إليه عَتْبَ الصّديق على صديقه فيعتذر ويعتذر، إلى أن ألقى مُحاضرته هاته بنادي التّرقّي العظيم بالعاصمة، وجاءنا بها مِن عنده أحدُ خلّص أصدقائه. نقدّم شكرنا وشكر قُرّائنا للأستاذ ونَستزيده مِن هذه الدُّرَر الغوالي لنبُثّها بين أبناءِ دينه ووطنه، دام لهما»[20].

دورُهُ في تأسيس «جمعية العُلماء المسلمين الجزائريِّين»:

لمّا دبَّ في الأمّة الجزائريّة دبيبُ الحياة وقوِي فيها الشُّعور بسُوء الحالة الّتي هي عليها، وتجلّى هذا الشّعور بالعمل في عدّة نواح، من أعظمها الإقبالُ على القراءة والتّعلّم.. البَذْلُ على العلم والتّغرّب في سبيله… تَشييد المساجد في القرى والإنفاق عليها مِن مال الأمّة الخالص، كما تجلّى في النّاحية النّفسيّة بالتّفكير الجدّيّ المستقيم[21].

 ولمّا وُجد الاستعداد في الأمّة ظهر هذا المشروع العظيم «جمعيّة العلماء»، وأعلن تأسيسها في شهر ماي سنة 1931م، وقد صاغ لها الإبراهيمي: قانونًا أساسيًّا مختصرًا، وكان مِن بصيرته، وهو العارِف بأحوال الأمّة، والحرب قد شبَّت بين المصلحين والطّرقيِّين، أنْ لم يصرِّح بغايات الجمعيّة ومقاصدها! بل أَجْمَلَ القول واقتصر على ما تألَفُه أذهان الخاصّة والعامّة مِن ذلك، [وَإِلاَّ] لما كان اجتماعٌ ولا كانت جمعيّة. قدّم القانون الأساسيّ للحكومة ليَأخذ صِبغته القانونيّة وهُو مُجمَلٌ قاصِر على أنّ وظيفة الجمعيّة هي محاربة الآفات الاجتماعيّة كالخمر والميسر، فقبِلت الحكومة مِن غير تردّد؛ لأنّه غير مُثير للمخاوف الاستعمارية، وأصبح وُجودُ هذه الجمعية قانونيًّا[22].

 وكان فيها من الموظّفين الحكوميّين، ومن الطّرقيِّين، ممّن تتسلَّى بوُجودهم الحكومة، وترضى عنهم.

وانقضت السّنة الأولى في وَضع اللّوائح وتخطيط الأعمال والمناهج البعيدة المدى، وكان الّذي تولّى ذلك كلّه الأستاذ الإبراهيمي؛ لاختصاصه في هذا النّوع من النّظم المبنيّة على روح المجتمع، فشَكَرَ له إخوانه ذلك، ووَكَلُوا إليه هذه الأعمال، وهي رُوحُ الجمعيّة وزِمامها[23].

وضع الإبراهيميُّ للجمعيّة لائحةً داخليّةً تَشرح أعمالها، كما هي في ذِهنه وذهن أخيه ابن باديس، وهُما أوّلُ مَن فكَّرَ في هذا المشروع  وأعدَّ له، لا كما كانت تتصوّرُه الحكومةُ وأعوانها المضلِّلون ممّن كان في الجمعيّة.

انتبذَ الإبراهيميُّ ناحيةً، ووصل طرفَيْ ليلةٍ في سَبْكِهَا وترتيبها، فجاءت في 147 مادة، وتلاها على المجلس الإداريّ لمناقشتها في ثماني جلسات مِن أربعة أيام، وكان يحضر الجلسات طائفةٌ كبيرةٌ من المحامين والصّحافيّين العرب المثقّفين بالفرنسيّة، فأعلنوا في نهاية عرض اللّائحة إيمانهم بأنّ العربيّة أوسع اللّغات، وأنّها أصلحُ لغةٍ لصَوْغِ القوانين ومُرافعات المحامين، وكأنّما دخلوا في الإسلام من ذلك اليوم!

وخطب ابنُ باديس -رئيس الجمعيّة- عند تمام مناقشة اللّائحة وإقرارها بالإجماع خطبةً مؤثّرة، أَطْرَى فيها الإبراهيميَّ، وكان ممّا قال: «عجِبتُ لشعبٍ أَنْجَبَ مثلَ فلان أن يَضِلَّ في دينٍ أو يَخْزَى في دنيا، أو يَذِلّ لاستعمار»، ثمّ خاطبه بقوله: «وَرِيَ بك زِنَادُ هذه الجمعيّة»[24].

ولقد وُجد في أوراق الإبراهيميّ كرّاسةٌ مرقّمةٌ من ورقة10 إلى ورقة 55، هي مسوَّدةُ القانون الدّاخلي للجمعية، مؤرخّة بسطيف سنة1931، ويبدو أنّ الأوراق التّسع الأولى المفقودة كانت تمثّل القانون الأساسي، الّذي ليس فيه تصريحٌ بغايات الجمعيّة، وبرنامجها التّفصيلي، والّذي قال عنه الإبراهيميُّ إنَّهُ مُجْمَلٌ وقاصِرٌ!

وقد كان في المجلس الإداري أُولُو بقيّةٍ ممّن يخضعون للزّوايا وأصحابها، فما كان من الإبراهيميّ وابن باديس إلاَّ أن «صرَّحُوا من أوّلِ يومٍ بأنّهم سائرون بهذه الجمعيّة على المبدإ  الّذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنهُ محاربةُ البدع والخرافات والأباطيل والضّلالات ومقاومة الشّرّ مِن أيّ ناحيةٍ جاء»[25].

 فأَسَرُّوا لها الكيد في الباطن، ودبَّروا لها مكيدةً في الخفاء في انتخاب المجلس الإداري، ليُبعِدوا عنها العلماء الكبار وأصحاب العقول المدبّرة، مثل ابن باديس، والإبراهيمي. وقف المصلحون لتلك الهجمة وقفةً حازمةً أَنقذت الجمعيّة من السّقوط، ومحَّصَتْها مِن هؤلاء الرهط، وتألَّفَ المجلسُ الإداري مِن زُعماء الإصلاح،  فاستقلُّوا بتسيِيرِ الجمعيّة، وأَجمعوا على رئاسةِ ابن باديس ونائِبِهِ الإبراهيمي.

وفي فصل«مقاصد الجمعية وغاياتها»، ذَكَرَ الإبراهيمي أنّ الجمعيّةَ تَجري في عملها الدِّينيّ «على الرُّجوع إلى صريح الكتاب وصحيح السّنّة ، ثمّ الرّجوع إلى الإجماع الثّابت والقياس الجليّ فيما لا نصّ فيه، ثمّ التّرجيح فيما اختلفت فيه الأنظارُ والاِجتهادات»، وبعد أن ذَكَرَ جملةً مِن الوسائل الّتي تستخدمها الجمعية، قال: «بهذه الوسائل نفسها تتوسَّلُ الجمعيّةُ لإِماتة البدع

والخرافات المخالفةِ للدِّين، ولإِحياء السُّنن الصّحيحة الثّابتة…»، وعن علاج أدْوَاء المجتمع الجزائري، وخاصّةً مِن الجهة الدّينيّة، أعطى نموذجًا لإصلاح العقيدة، فقال: «والعقيدةُ الحَقَّة لها ميزانٌ دقيقٌ وهو الكتاب والسّنّة، فإذا عرضنا أكثرَ عقائد النّاس على ذلك الميزان وجدناها طائشة، فأيّ سبيلٍ نسلكه لتقويمها، إن اقتصرنا على بيانِ العقيدةِ الصّحيحة واجتهدنا في إقامة الأدلّة، فإنّ التّأثير يكون قليلاً، لأنّ النّفوس قد اصطبغت بعوائد وتقاليد مستحْكَمَة، والفِطَرُ قد فسدت بما لابسها من خرافات وأوهام، فالواجبُ إِذَنْ أن نبدأ بمحاربةِ تلك البدع والخرافات بطرقٍ حكيمةٍ تقرب مِن أذواق النّاس، فإذا ماتت البدع والخرافات وصَفَتِ الفِطَر من ذلك الشَّوْب سَهُلَ تلقين العقيدة الصّحيحة وتَلقَّتْهَا النّفوس بالقبول»[26].

وهذا مثالٌ مِن حكمة الإبراهيمي، وتفهُّمِهِ لنفسيّة الأمّة، الّتي هو بصدد علاج أمراضها، وقيادتها إلى الخير.

«وقد تمكَّن الإبراهيميُّ بعبقريته الفَذَّة أن يَفهم المشاكل الجزائريّة فهمًا عميقًا، وكانت آراؤُه في مجلس جمعيّة العلماء محلَّ تقدير إخوانه، حتّى إنّ الأستاذ الرّئيسَ ابنَ باديس كان يَنزلُ عند رأيِهِ»[27].

مَضَت الجمعية في أعمالها، «وكان الاعتمادُ في تسييرِ الجمعية وفي سَبْكِ القرارات والبلاغات والاِحتجاجات على الإبراهيميّ»[28].

في مُواجهة الطّرقيّة والفساد الدينيّ: «وقد وجّهت الجمعيّةُ في السّنوات الأولى كلّ جهودها إلى حرب الطّرقيّة- بتدبيرٍ واتّفاقٍ بين الإبراهيميّ وابن باديس-، لأنّها منبع الضّلال في العقائد والعبادات»، وعملوا على القضاء على نفوذها في الأمّة؛ لأنّها هي الدّعامة الكبرى للاِستعمار، وهي تلتقي معه في الغاية الّتي هي الاِستغلال، والإِلْهَاء والتّخدير[29].

فنظَّمت الجمعيّةُ «حملةً جارِفةً على البدع والخرافات والضّلال في الدّين، بواسطة الخُطب والمحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد في المساجد والأندية والأماكن العامّة والخاصّة»، وبواسطة الجرائد الخاصّة الّتي أنشأَتْهَا لخدمة الدّعوة الإصلاحيّة[30].

وكان سلاحُ الجمعيّة في حرب الطّرقيّة وفَتْحِ العيون على مخازيها هو دُروس التّذكير بالقرآن، وبيان السّنّة المحمّديّة الصّحيحة، وتكوين المسلمين الأوَّلِين على طابع الكتاب والسّنّة، فأَقبلت الجماهيرُ على تلك الدروس، وبدأت سُحُب الظّلام تنقشع عن أذهانهم، وزالت العقائد السّخيفة في مشائخِ الطُّرُق مِن نفوسهم، فانْفَضُّوا مِن حولهم وأصبحوا يُجاهِرون بالنّكير[31].

وحَقد الطّرقيُّون على الجمعيّة، ورَمَوْهَا بأنّها تَعمل لنشرِ الوهّابيّة، وجعلوا مِن هذا الاِسم سُبَّةً لها، للتّنفير عنها، كما رَمَوْهَا بالكفر .. والإلحاد.. والإفساد…

وكشَّر الاستعمارُ عن أنيابه وتنكَّر لها، فعمل على إصدارِ القرارات الجائرة، الّتي تمنعُ العلماء مِن إلقاء الدروس في المساجد الواقعةِ في قبضته، وكان ذلك بوحْيٍ ووشاياتٍ متكرّرةٍ مِن رؤوس الطّرقيّة وشيوخ الزوّايا، وقد فرحوا لقرارِ المنع، وإِغلاق المساجدِ في وجوه العلماء.

فِكْرةُ الإنتقال إلى«تلمسان»:

وفي السّنة الثّانية «قسّمت الجمعيّة المقاطعات الثّلاث الّتي تنقسم إليها الجزائر ليقوم في كلّ مقاطعةٍ عالمٌ كُفْءٌ بإدارةِ هذه الحرب مع الطّرقيّة، [بَقِيَ ابن باديس في قسنطينة للإِشراف على الدّعوة في جميع المقاطعة الشّرقية، وخُصَّ الطّيّب العقبيّ بالجزائر ومقاطعتها(الوسط)]، وكانت المقاطعةُ الغربيّة [المجاورةُ للمغرب الأقصى] وهي «عمالة وهران» أَبْعَدَ المقاطعات عن العِلم وأشدّها رُسُوخًا في ضلال الطّرقيّة والتّمسّك بها والتّشدُّد في إقامة عوائدها الباطلة وعقائدها الزّائفة، يضحُّون في سبيلها بكلّ ما يملكون، ويَرون أنّها هي الدِّين لا دين غيره»[32].

كان ابنُ باديس قد زار تلمسان سنة 1932، وألقى بها درسًا، و«رَغِبَ بعضُ مصلحِي تلمسان من ابن باديس أن ينتقل إليهم، فقال لهم: أُشير عليكم بمَنْ هُوَ أَقْدَرُ منِّي وأَجْدَرُ»، أو قال : «سأُرْسِلُ إليكم مَن هُوَ أَعْلَمُ منِّي»[33].

كان هدف الشّيخين ابن باديس والإبراهيمي نشر دعوة الجمعيّة في غرب الوطن، وهذه النّظريّة كانت تجسيدًا لحديثٍ دار بين أعضاء المجلس الإداري في نادي التّرقّي، عندما قال الإبراهيميُّ للجماعة: «إنّ الطّريقة المعشّشة في غرب البلاد تحتاجُ منّا الاِهتمام أكثر»، وقد قال الشّيخ مبارك الميلي للإبراهيميِّ مازحًا: «إنّ أفاعي الزّوايا تحتاجُ لحَامٍ مثلِك»، وضحك الجميع[34].

أَلْزَمَت الجمعيّةُ الأستاذَ الإبراهيمي بأن ينتقل إلى هذه المقاطعة المظلِمة، ورَأَتْ أنّهُ أَكْفَأُ من يشُنُّ الغارة على الباطل الرّاسخ العميق، كما أنّه أَكْفَأُ مَن يَدعو إلى الله على بصيرة، وأَعْرَفُ بمداخل النُّفوس، فانتقل من وطنه الأصليّ الّذي هو مقاطعة «قسنطينة» واستقر بمدينة «تلمسان»، ولَبِثَ فيها خمسَ عشرةَ سنةً، ظهرت فيها أعمالُهُ الجليلة وآثارُه العظيمة.

الأستاذ الإبراهيميّ ينتقل من سطيف إلى تلمسان:

هذا عنوانُ «مكاتبةٍ» لأحد الأدباء المصلحين -هو: محمّد العابد الجلالي-؛ أرسلها من«العلمة»-قرب«سطيف»-، نشرتها صحيفةُ «النّجاح»[35]، وبعد أن ذكر «كاتبُها» وقوع حكم السّعادة والشّقاء على الأمكنة كما يقع على البشر! قال: «ولعلّ أقرب حادثٍ إلينا يُوضّح لنا هذه الحقيقة في جلاء هو حادث انتقالِ الأستاذ الشيخ البشير الإبراهيمي من سطيف إلى تلمسان بعدما قضى في سطيف نحو العشر سنوات بين ثُلّةٍ من مُريديه وعارفي قدره، الّذين نهلوا من فيض علومه واقتبسوا من أنوار معارفه ما صاروا به زينة سطيف وحِلية جمالها، وها هو الأستاذ يَطلع على تلمسان طلوع هلال العيد بين مظاهر الابتهاج والسّرور، وها هي تلمسان تفتح صدرها لتضمّ إليها نابغةَ العلم وحامل لوائه، وها هم أبناؤها الكرام يُقيمون البرهان السّاطع على كمال استعدادهم لاسترجاع تراثهم الجليل ومجدهم الأثيل، بما قاموا به مِن مظاهر الحباوة والتّكريم لجناب الأستاذ؛ فقد بلغنا من طرق عدّة، أنّ الاِحتفال به كان بالغًا حدّ  الإعجاز في الوصف، وأنّ ذِكره  قد طبق الحواضر والبوادي في مدّة أسابيع، وليس بعجبٍ أن تظهر تلمسان بهذا المظهر الجليل وهي الدّرّة اللاّمعة في تاج الجزائر، كما أنّ ذلك منها لا يعدّ مبالغةً في جانب الأستاذ الحكيم: فالأستاذ إذا تكلّمتَ عليه من ناحيةِ ذاتيّته لا تقولُ عنه أكثر من أنّه رجلٌ عاديّ متوسّط القامة. إنّما إذا تكلّمنا عليه من ناحية معنويّته لا نجدُ عبارةً تُؤدّي لنا هذا المعنى من قريب أخصر مِن قولنا: إنّه مثال مجسّم مِن الفضيلة والحبّ؛ وأنّه ثاني اثنين في الشّمال الإفريقيّ في غزارة العلم وحِدّة الذّهن وقوةّ الحافظة[36] وشهامة القلب وعزّة النّفس وطِيب الضّمير….»، ثمّ ذكر عن أهل تلمسان حِرصهم:«على تناول قطوف العلم الّتي سيجدونها هانيةً وافرةً في دَوْحَةِ معارفه…»، ولمّا تكلّم عن حال الأمّة التّلمسانيّة وما أحدثته فيهم الانتخابات!؛ من فرقةٍ!، قال: «والأستاذُ ممّن يمقتون السِّياسة بسائر فروعها، فلا يوجد لها أثرٌ في جميع دروسه ومحاضراته وخُطبه؛ ومِن رأيه الخاصّ أنّها مرضٌ اجتماعيٌّ يَجِبُ على طالب السّلامةِ أن يَتوقّاهُ ما استطاع وأن يُعالِجَ عقله منه..»اهـ.

جاءها بداية من سنة 1933، وكانت «منبتًا للجهل والضّلال والتّخريف

ومنبعًا للطّرقيّة المضلّة»، قد وجد فيها «الطّرقيّة طاغية»[37].

فبدأ في العمل من أوّل يوم، وأعاد  للمدينة ماضي مجدها – فقد كانت عاصمةً من عواصم العلم في العهد الغابر-.

ونظَّم دروسًا للتّلامذة الوافدين على حسب درجاتهم، ومنها التّفسير، والحديث، بالإِضافة إلى المحاضرات في النّوادي، وهكذا حقّق الإبراهيمي آمالَ الجمعيّة في «تلمسان»، وأَحْيَا بها رُسومَ العلمِ بعد أن اندثرت.

ولم يكن عملُ الإبراهيميُّ قاصرًا على «تلمسان» وإنّما جعلها مقرًّا للدّعوة، أمّا أعماله فكانت تشملُ «عمالة وهران» كلّها، فقد كان يخرج في العُطلة الصّيفيّة حين يختم دروسه للجولان في الإقليم الوهراني مدينةً مدينةً وقريةً قرية، فيُلقي في كلّ مدينةٍ درسًا أو درسين في الوعظ والإرشاد،[يدعو إلى الدّين الحقّ، ويفصل بين النّاس وبين الطّرقيّة، كما كان يحثّهم على البَذْلِ والنّهوض لتأسيسِ المساجد الحرّة، وبناء دُور التعليم،] ويتفقّد سَيرَ الدّعوة، وشُعَبَ الجمعيّة الّتي كوَّنتها لتنفيذِ مقاصدها، وكانت الجماهيرُ في كلّ قريةٍ أو مدينة تلتفّ حوله، بل تخرج لاستقباله، «وقد كانت جولاته هذه  في النّاحية الغربيّة – الّتي كانت بُؤرة البدع-مُوفَّقة، فأُحيِيت السّنّة، وكُوّنت الجمعيّات، وتَأسّست المدارس والنّوادي»، وكان في هذا إزعاجًا للاِستعمار وإغاظةً له، بما بَثَّ في النّاس من وعيٍ دينيٍّ ووطنيّ[38].

الإدارة الاستعماريّةُ تعترضُ طريقَ الإبراهيمي!:

من الحوادث الّتي اعترضت طريق الشّيخ الإبراهيمي: أنّ الإدارة الاِستعماريّة مَنَعَتْهُ من التّدريس في الجامع الأعظم، كما مَنعت غيره من العلماء المصلحين في بعض جهات «عمالة وهران» وغيرها.

نشرت«النّجاح»[وعنها: جريدة«النور»، العدد: (69)،21فيفري1931م] الخبرَ التالي: «أَمُؤَامرةٌ ضدّ التّعليم»«جاءنا من تلمسان أنّ الأستاذ الشّيخ الإبراهيمي قد مُنع من إلقاء الدُّروس الدّينيّة في الجامع الأعظم، فكان لذلك سُوءُ أثرٍ على الرّأي العام، والشّيخ يُلقي دروسه على كلّ حال ببعضِ المساجد الأخرى (الحكومية)…»اهـ.

محاربةُ الطّرقيّة في عُقْرِ دارها!:   

 أزعج الإبراهيميُّ الطّرقيِّين بدعوته، وحاربهم ولم يسالمهم، لاِعتقاده أنّ الطُّرق هي «علّة العِلل في الإفساد ومنبع الشرور، وأنّ كلّ ما هو متفشٍّ في الأمّة من ابتداعٍ في الدّين، وضلالٍ في العقيدة، وجهلٍ بكلّ شيء، وغفلةٍ عن الحياة، وإلحادٍ في النّاشئة، فمنشؤُهُ من الطُّرُق، ومَرجعها إليها»[39].

فوقف لها وقفةَ المنكِر المشتدّ، وشنَّ الغارة عليهم بكلّ جراءة، وزعزع بنيانهم، ووقعَ الاصطدامُ العنيف بينه و بينهم، فقامت قيامتهم، وتصايحوا وتنادَوْا بالويل والثُّبور، حتَّى إنّهم طلبوا المَدَدَ من خارج تلمسان، واستنجدوا ببعض فقهائهم؛ فاستقدمُوهُ إليها، ليُحامِيَ عنهم.

استقدمت «الطّائفة العليويّة» إلى زاويتها بتلمسان هذا، ليقفَ في وجه دعوة الإبراهيمي، فوجَّهَ إليه دعوةً للمناظرة، وألَفَ كتابَهُ «إماطة اللِّثام عمّا نشأ في الحاضرة التّلمسانيّة من الشّكوك والأوهام والشّقاق والخصام»، استهلَّها بوصف الإبراهيمي بـ: «الأعرج»[40]، «الفيلسوف داعية الضّلال والاعتزال بتلمسان»، وأنّ «فتاويه المغرضة الشّيطانيّة.. أثارت فتنةً عمياء صمّاء في الحاضرة التّلمسانيّة، تلك الفتنة الّتي أشابت الصّغير وأَفْنت الكبير وفرّقت بين الأحباب والأنساب وصيّرت الابنَ عدوًّا لأبيه ومحاربًا لشريعته وقادحًا في السّلف الصّالح من أُمّته..»، ولمّا لم يتنزّل لمناظرتهم وَصَمُوهُ بـ«الأنانية والعظمة الفرعونية»، ونسب إليه : دعوى «الاجتهاد المطلق»، وتأويل الآيات القرآنية على حسب ما يظهر له ، وأنّه يقدح في المفسِّرين المتقدِّمين، وبعد أن نسبوا أنفسهم إلى السّنّة والجماعة، نسبوه إلى البدعة والضّلالة. وفي قائمة الأسئلة الّتي وجّهوها إليه، نسبوا إليه أنه يُضلِّل أصحابَ المذاهب الأربعة، ويُنكِر كرامات الأولياء، ويُكَفِّرُ مَن يزور القبور، ويُنكِر مشروعية الدّعاء…في قائمةٍ من المغالطات والاِفتراءات[41].

وتجدُ الرّدّ مفصَّلاً على هذه الاعتراضات، مبثوتًا في التّصدير الّذي كتبه الإبراهيمي لـ«سجل المؤتمر…» سنة 1935، الّذي حمل فيه حملةً شعواءَ عليهم، وفنَّدَ أباطيلهم، وأجْرَى القلم في بيان تهافتِ ما هم عليه.

وتوالت الرُّدُود بعدها عليه، في صحيفتهم «لسان الدِّين» – الدِّين الطّرقيّ العَلِيوِيّ-[كما كان يَنعتُها الإبراهيميُّ نفسُهُ!]، فقد نشرت ردًّا على ما كتبه الإبراهيمي في «السّجلّ» عن مساوئ الطّرق ومخازيهم، تحت عنوان: «ويلٌ للأمّة التّلمسانيّة من الأَعْرَج وفِكْرِهِ الأَعْوَج»، مُلئت سبابًا وشتمًا، ممّا جاء فيه : «من شرّ الأفراد الّذين ابتلي بهم الإسلام والمسلمون في قطرنا الجزائريّ هو داعية الضّلال بتلمسان ذلك الأفّاك  الأثيم..»، ويقول عن دعوته السّلفيّة: «فرّق بها جمع المسلمين وشتّت شمل المؤمنين وأثار بينهم العداوة والبغضاء، ومن أقبح ما جاء به هذا الدّجّال من العقائد الزّائفة الضّالة هو اعتقاده أنّ جميع ما عليه المسلمون من العقائد والعبادات والمعاملات كلّه ضلال وخسران…»، «ولقد اختار كما جرت به عادة المشكّكين من الملحدين – التّستّر بالإسلام والرّجوع إلى الدّين الصّحيح وإلى الكتاب والسّنّة ليغرّ بذلك بُسطاء العامّة الجاهلين وليَستهوي أفئدة طلبة العلم النّاقص، حتّى وقع في شبكته مَن جعله الله من المطرودين المحرومين…»، ثمّ يقول: «ولكن، لمّا أراد الله فضيحته ويبيّن للنّاس ما كان يكنّه ضميره من الكيد للأمّة والإسلام، قام هذا المفترِي الأشِر إلى جمعِ أفكارٍ ضالّة وآراء سخيفة في سجلّ خاصّ سمّاه بسجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين…»[42].

 هذه صورةٌ من المقاومة الّتي اعترضت دعوة الإبراهيمي، وبيانٌ لما حاربه به هؤلاء، لينفِّروا عنه، وقد بلغ جُنونهم مداه، وتغيّظهم أقصاه، وناله من السِّباب وفُحش الكلام الشّيء الكثير، وهو ماضٍ في دعوته لا يلتفت إليهم، ولا يأبهُ  لصراخهم  وعويلهم،لم يَرهبهم، ولم يُؤثّر فيه وعيدهم وتهديدهم. ولقد سعوا عند الإدارة لإخراجه من تلمسان.

 «ولقي الإبراهيمي مِن مكائدهم وعَنَتِهِمْ ما تهِنُ أمامه أقوى العزائم فلم يزدد إلاّ صلابةً وقوّةً وثباتًا»[43].

وزيرُ صدق، وركنٌ شديد!:

ولقد كان ابنُ باديس لا يفترُ عن زيارة أخيه الإبراهيمي في تلمسان، فكان يأتيه مرّاتٍ متواليات، على بُعد المسافة، وازدحام الأعمال، «فكَمْ له من رحلات وهو منهمكٌ في دروسه مابين قسنطينة وتلمسان لأجل الاتِّصال به واستشارته في المهمّات»[44].

«كان يأتيه كلّ أسبوع، ويركب القطار إلى تلمسان، «لإعدادِ العدّة ولإحكام الخطّة، مع رجلٍ عظيم، وحيدٍ في عظمته فَذٍّ في جيلِهِ وعصره، حكيمٍ في إخوانه وزملائه…وكان ابن باديس يَعلم كلّ السّرّ في عظمة هذا الرّجل، ويعلم مع هذا أنّه لا يمكنه الاستفادة منه للإِفادة به إلاّ بهذا السّفر الدّائم المرهِق، نحو هذا الرّجل العظيم في تلمسان»[45].

 وعاد ابن باديس مرة من إحدى زياراته لتلمسان، فقال للشّيخ الطّيّب العقبي: «إذا كنتَ أَنْتَ في العاصمة تُحارِبُ الصَّخر، فالإبراهيميُّ في تلمسان يُحارِبُ الإنس والجنّ-بالاِبتسام»[46].

كما كانت الإدارة الاستعماريّة وأعوانها تَرقب الإبراهيميَّ وأعماله، فقالت إحدى أكبر الجرائد الاستعمارية سنة 1936: «إنّ تلمسان (هي) مركز التّعصّب الدّينيّ القويّ»، وقال بعض المتتبِّعين لتطوّر الأحداث من المؤرِّخين الفرنسيِّين، إنّ الإبراهيمي «صار يُسيطر من تلمسان على جهةِ وهران ببصيرةٍ وهُدُوء»[47].

 تأسيسُ مدرسة«دار الحديث»؛ بين فرحة الانتصار، وكيد الاستعمار!:

وأثمرت جهود الإبراهيميّ تأسيسَ مدرسة «دار الحديث» (سنة 1937م)، بما بثَّ من علم ووعيٍ ، وبما حثَّالأمّة على البذل للعلم، فتبارى كرامُ  التّلمسانيِّين لتشييد هذا الصَّرح العظيم، الّذي يتكوّن من ثلاث طبقات، ويحتوي على مسجد وقاعة محاضرات، وأقسام لطلبة العلم، واختار لها نخبة من المعلّمين الممتازين للصّغار، وتولّى بنفسه تعليم الطّلبة الكبار من الوافدين ومن أهل البلد؛ يُلقي في اليوم أكثرَ  من عشرة دروس.

وسمّيت «دار الحديث» «على دار الحديث الأشرفيّة الّتي أسّست منذ قرون في دمشق الشّام، تلك المدرسة التّاريخيّة الّتي تخرّج منها أئمّة في العلم وفحول في الأدب، والّتي كان من مدرّسيها الإمام الحافظ محي الدّين النّووي، والإمام النّظّار تقيّ الدّين السّبكي»[48]، «وكان الإبراهيميُّ هو الذي فكّر في تأسيسها، وشارك في تخطيطها وقام بتشييدها، حتّى إنّه كان يشرِف على العمل بنفسه، فجاءت» على نسقٍ فنّيٍ أندلسيٍّ جميل[49].

وكان افتتاحها في 27 سبتمبر 1937، في حفلٍ بهيج و«مهرجانٍ» عظيم، تجمهر حوله النّاس من كلّ حدب وصوب، وحضره [ عشرون ألفا]، وشهده أخوه ابن باديس، وكان هو الّذي فتحها.

 وما لبثت الإدارة الغاشمة الّتي ارتاعت لهذا الحدث، وأحسّت بالخطر، فأصدر الوالي الفرنسيّ قرار غلقها يوم31 ديسمبر 1937[50]، ليُواصل الإبراهيميّ في التّعليم بعد غلقها، لم ينقطع عنه. «فكان يُلقي دروسًا يوميّةً متواصلةً  -أي دون راحة أسبوعية-، وكان ربّما ألقى في اليوم الواحد 12 درسًا، أوّلها قبيل صلاة الصّبح وآخرها بعد صلاة العشاء ، واستمرّ على هذا الحال، يعلّم، ويُحاضر، ويخطب ويوجّه ويُرشد ويُؤسّس… »[51]. «وفي هذه المدرسة خَتم «صحيح مسلم» درايةً، وأتمَّ النّصف من تفسير القرآن الكريم على طريقته السّلفيّة وبأسلوبه المعروف»[52].

كما زار ابنُ باديس تلمسان عدّة مرّات بعد إغلاق مدرستها، يَتشاور مع أخيه، ويتدارسان الأحداث والتّطوّرات، ويضعان الخطوات للمراحل القادمة.

ويَتمّ تجديد المجلس الإداري لجمعية العلماء سنة 1938، فيَنشر ابنُ باديس كلمةً في «البصائر» عن هذه المناسبة، ويَكتب تراجمَ لأعضاء المجلس، فأتى على رفيقه وأخيه، فقال:

«الشّيخ البشير الإبراهيمي الكاتب النّابغ، والمحاضِر العبقريّ، والدّاهية الهادِئ، مُحْيِي تلمسان ومُؤسّس دار الحديث بها، ونائبُ رئيس الجمعيّة»[53].

بهذه الكلمات يكون ابنُ باديس  قد أتى بمنتهى الوصف وأدقِّهِ وأصدقِهِ، لمن عرفه وعاشره وصَحِبه، وهو الّذي شهد له الإبراهيميُّ – نفسُه – بدقّته في اختيارِ الكلمات والألفاظ، ولعلّك تجدُ لكلّ كلمةٍ في هذه الجملة التّعريفيّة، ما يدلّ عليها ويشهد لها  مِن سيرة هذا الرّجل، الّتي بَثَثْنَا أجزاءً مِن دُرَرِها في هذه المقالة.

الإبراهيمي؛ عزّةٌ وإِباء:

ثمّ اندلعت الحرب العالميّة الثّانية، فعمد الاستعمار إليه، يُساومه ويُراوده على دينه وشرفه، يُغْرِيه بالمناصب والِمَنح، وتَعرّض للضّغط الشّديد، فقد كانوا يريدون منه المشاركة في تحرير صحفٍ أنشؤوها، وفي كتابةِ محاضرات تُسجَّل للإذاعة، فخيِّب ظنّهم ورفض كلَّ تعاونٍ معهم. فقرّرُوا اعتقاله ونَفْيَهُ إلى الجنوب، وفي معتقلِ «آفلو» الرّهيب بقي تحت الضّغط والإرهاق ما يزيد على ثلاث سنوات. وفي أوائل أيّامِ المنفى تُوفِّي ابن باديس، فانتخبَهُ إخوانُه لخلافته ثقةً فيه وتَحدِّيًا للمستعمر، فاضطلع بمهمّته وقام بها خير قيام[54]، وجعل يُراسل إخوانه، غيرَ آبِهٍ بالرّقابة؛ يُدير الجمعيّة ويوجّهها من المنفى.

وبعد إطلاق سراحه (1943م)كانت فاتحةُ أعماله تنشيط المدارس، كما واصل دروسه العلميّة للطّلبة والعامّة.

 ثمّ كانت حوادث (8ماي1945م)، ودبّرت فرنسا للجزائر ثورةً مفتعَلةً فقَتلت من الشّعب الجزائري المسلم 60 ألفًا، واعتقلت 70 ألفًا معظمهم مِن أتباع جمعية العلماء، واعتبرت الإبراهيميَّ بصفته رئيسًا للجمعيّة أحدَ المسؤولين الأساسيِّين على الثّورة المسلّحة، وزُجَّ به في السّجن العسكريّ بتهمةٍ تُؤدّي به إلى الإعدام، وعذِّب في سجنه ممّا أورثهُ أمراضًا مُزْمنةً بقيت معه إلى آخر حياته.

عهدٌ جديدٌ للعمل والنِّضَال:

وبعد خروجه من السّجن استأنف عمله بكلِّ جدّ ونشاط، فأَمَرَ بفتحِ المدارس الّتي كانت مُغلقةً، وأخذ يقوم بجولاتٍ في سائر أنحاء الوطن، يؤسِّس المدارس والنّوادي والمساجد

«وفي هذا العهد اتّسعت أعمالُ الجمعيّة بقيادةِ الرّئيس الثّاني الأستاذ محمّد البشير الإبراهيمي، وكثر عدد المدارس الحرّة، وتنوّعت مشاريعها، ونظِّمت لجانها، ووُضع للتعليم برنامجٌ قارّ، وعيِّنت له لجنةٌ ومفتِّشون، وحدّدت ساعات التّعليم والعُطَل، ووُضِع للمعلِّمين بالمدارس درجات… ويُمكننا أن نقول إنَّهُ الدّور الهامّ في نشاط الجمعية وتأدية رسالتها واتّساع نطاق أعمالها، بفضل الوَعْيِ العامّ وحِكمة إدارتها ونشاطِ رئيسها[الإبراهيمي]»[55].

عنايتُهُ بالنّاحية الغربيّة من الوطن:

«واستيقظت الحركةُ الإصلاحيّة بمقاطعة وهران، وهبَّ الكثير من بلدانها لتأسيس المدارس الحرّة بها، على إثِر الجولة  الّتي قام بها الرّئيس الثّاني لجمعية العلماء الأستاذ الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي…و[قد]استنْجَدَ بجمعيّة العلماء ليُمِدُّوهُ بمعلمين أكْفَاء لإدارةِ هذه المدارس وتسييرها، ولم يكن بدٌّ من تحوُّل الجهود إلى هذه النّاحية من الوطن…»، وذلك أنّ «هذه المقاطعة كانت لذلك العهد في تأخُّرٍ وجمودٍ بالنّسبة إلى مقاطعَتَي قسنطينة والجزائر…»، ولا تزال الكثير من مُدُنِهَا «تَرْزَحُ تحت أعباء الطّرقيّة المخرِّفة»، ولا زالت بها الكثيرُ من آثار ومخلَّفات الغزو الإسبانيولي، «فقد كان من الأوّلين عاملٌ على إفسادِ عقائدهم وتخريب أفكارهم وسقوطهم في هوّة الشّرك والوثنيّة، ومن الآخِرين عاملٌ على إذلالهم وانحطاط أخلاقهم، ومع هذا فلا تزال بعضُ الخصال المحمودة يحتفظون بها: كالكَرَم والذّكاء..».

فاستجابت الجمعيّةُ وأَمَدَّتْهُ بمعلِّمين ممتازين من العمالة القسنطينيّة[56].

ثمّ وجّه الإبراهيميُّ عنايته للتّعليم الثّانويّ، فكوَّن معهدًا بقسنطينة «معهد عبد الحميد بن باديس»، ليُتابع فيه تلاميذ المدارس الابتدائية دراستهم، «وهو قنطرةٌ إلى التّعليم الثّانويّ»، ومنه يُمكن أن يلتحقوا بالمعاهد العليا في الشّرق لمواصلة تعلّمهم، أو يقوموا بالتّعليم في المدارس الحرّة الّتي تُشرف عليها جمعيّة العلماء.

وفي هذا العهد أيضًا تولَّى مسؤوليَّةَ جريدة «البصائر»، فأَبْرَزَها كأقوى صحف العالم العربيّ في مبدئها وتحريرها ومواقفها الوطنيّة الرّائعة في القضايا العربية والإسلامية[57].

ثمّ اتَّجَهَ نظرُ الإبراهيميِّ بعيدًا إلى الشّرق العربيّ، فكوَّن البعثات، ثمّ خَطَا خطواتٍ أخرى، فالتحقَ بنفسِهِ لتَثْبِيتِهَا وتكثيرها، وشَرْحِ قضيّةِ الجزائر في جميع الأقطار الإسلاميّة[58].

ولقد بلغ عددُ المدارس قبل سفره للشّرق(1951) حوالي مائة وخمسين مدرسةً عربيّةً حرّةً.

الإبراهيميُّ في المشرق العربي:

رحل الإبراهيميُّ إلى الشّرق بتكليفٍ من الجمعيّة في (سنة 1952م)، ودوافعُ الرِّحلة ترجع إلى أمور، هي:

– العمل على إرسال بعثاتِ علميّة من الشّباب الجزائري إلى الشّرق العربي بغرض الدّراسة في مختلف مدارسه، ومعاهده، وجامعاته.

– طلب المساعدة المادّيّة لجمعيّة العلماء من الأشقّاء العرب والمسلمين، كي تستطيع مواصلة رسالتها في ميدان نشر التّعليم العربيّ والمحافظة على الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة للشّعب الجزائريّ، الّتي تُواجِهُ محاولاتٍ كبيرة لهدمها من طرف الاِستعمار الفرنسيّ الصّليبيّ.

– الدِّعاية للقضيّة الجزائريّة، وشرح ظروف الكفاح الجزائريّ إلى قادة الحكومات العربيّة والإسلاميّة الّتي زارها، وتعريف الرّأي العامّ العربيّ

والإسلاميّ بمختلف جوانب كفاح الشّعب الجزائري ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، وما يُقاسيه من عُدوانٍ صارخٍ على مقدّساته الإسلاميّة ولغته العربيّة. فقد كان النّاسُ هناك في الشّرق، خاصّتهم وعامّتهم، الأساتذة  والمتعلّمون في الجامعات و غيرهم، لا يَعرفون إلاّ أقلّ القليل عن الجزائر، ومنهم مَن اقتنع – بسببِ الدِّعاية الاِستعماريّة الخبيثة- أنّ الجزائر انتهت وأصبحت فرنسيّةً. وقد شهد على هذا بعضُ أبناء البعثات الجزائريّة، في مصر، وفي العراق.

اتّخذ الإبراهيميُّ القاهرة مركزًا له، وجَالَ في كلِّ أقطار الشّرق العربيّ والإسلاميّ، حيثُ كان يَلقى كلّ حفاوةٍ وتقديرٍ من حكوماتها وشعوبها.

 وبعد اتِّصاله بمختلف الهيئات والمنظّمات والشّخصيّات العربيّة والإسلامية في القاهرة، وبغداد، ودمشق، والكويت، والحجاز.. تَبَدَّلَ الوضعُ كثيرًا، ونجحَ الإبراهيميُّ في مهمّته نجاحًا كبيرًا، بفضل نشاطه –على شيخوخته- في عقد المؤتمرات الصّحفيّة، وإلقاء المحاضرات العامّة عن الجزائر وقضيّتها وكفاحها، وتَسجيل الأحاديث الإذاعيّة في مصر «صوت العرب»، وفي الإذاعة العراقيّة، ولم تمضِ سنوات حتّى كانت «الجزائر العربيّة المسلمة» على كلِّ لسانٍ في الأوساط العلميّة والأدبيّة، والقياديّة، وصارت محلّ عنايتهم.

 كما أثمرت جهودُه الّتي بذلها في تكوين البعثات العلميّة لجمعية العلماء الّتي عمل بكلّ جهوده على فتحِ أبوابِ معاهدِ العلم في وجهها في مختلف البلدان العربيّة، ورَعَاها ووجَّهَهَا.

تمكّن من الحصول على مِنَحٍ في كلٍّ من مصر، العراق، سوريا، الكويت، ثمّ المملكة السّعودية.

 وكان بين وقتٍ وآخر يقوم بزياراتٍ للعراق وسوريا والكويت، كي يتفقّد بنفسه أحوال أعضاء البعثات، ويتّصل بالمسؤولين عن التّعليم في البلدان الّتي يزورها بقصد الحصول على مِنَحٍ جديدةٍ للطّلبةِ الجزائريِّين، ويَغتنم زياراته لتفقّد البعثات، فيُلقي على أعضائها المحاضرات التّوجيهيّة، والإرشادات العلميّة، ويلتفّ حوله العلماء والأدباء والشّعراء، يتذاكرُ معهم ماضي وحاضر ومستقبل الأمّة العربيّة والإسلاميّة في جميع الشُّؤون،كما كانوا يَطلبون منه إلقاء محاضراتٍ في مراكز العلم والثّقافة، فيُلبِّي طلبهم ويُلقي محاضرات تَلقى تجاوبًا واستحسانًا كبيرًا ممّن يحضرها، وتُنَوِّهُ بها أجهزة الإعلام ولا سيَّما الصّحافة المكتوبة.

ولم يمضِ وقتٌ طويل حتّى أصبح يحتلُّ مكانةً رفيعةً في المجتمع، وصار لا يُقام مؤتمر أو مهرجان أو اجتماع ذُو أهمّيّة إلاّ ويُدعى إليه، إمّا كمحاضر أو خطيب، وإمّا  للاِسترشاد برأيه فيما يَعرض من مسائل وموضوعات.

وكان كثيرًا ما تُهدى إليه الكتب مِن معارفه الكثيرين في القاهرة وأنحاء العالم العربي الأخرى[59].

صدى الإبراهيمي في العراق:

وفي العراق احتَفَوا به احتفاءً عظيمًا، وخرج المئات لاِستقباله، وأقامُوا لهُ حفلات وولائم التّكريم، كان يرتجل فيها الخطابات العظيمة الّتي بهرتهم، وجعلتهم يستعظمون أمره، ويقرّون له بالإمامة في العربيّة والخطابة، وكانت تترك أثرها بعد مغادرته، ولم يكن للنّاس في بغداد «حديثٌ سوى الإشادة

والتّنويه بذِكر الأثر الكبير الّذي تركته زيارة الشّيخ، فقد كانت لأحاديثه مع كبار القوم وخطبه المتوالية في الحفلات الخاصّة والعامّة وفي الإذاعة العراقية، تأثير السِّحر، فالنّاس هنا –العراق- مفتونون بالبلاغة ونصاعة الحجّة وسموّ المعنى وسرعة البديهة»، وقد وجدوا الإبراهيميَّ قد جمع هذه الخصال الحميدة وغيرَها.

وتناولت الصّحافة العراقية أخبارَ الشّيخ، وأَجمعت على عظمته، وسلّمت لإمامته، فمِن الصّحف مَن قالت- وهي تصف إحدى خطبه-: «ثمّ وقف سُحْبَانُ العرب اليوم فارتجل خطابًا بليغًا… أَعَادَ  إلى أذهان السّامعين ذِكرى الجاحظ والتّوحيديّ وابن المقفّع وابن العميد وأمثالهم مِن أُمراء البيان العربي…»، ومِن واصفٍ لهُ بـ: «نابغة المغرب العربي»، وكَتَبَ صاحبُ جريدة «السّجلّ»العراقية: «مرحبًا بالإبراهيميّ،  مرحبًا بجاحظ  العصر

وأمير البيان! مرحبًا بالشّيخوخة الصّالحة الّتي لا تعرف معنًى للرّاحة حتِّّى تؤدي ما عليها من واجب الجهاد في سبيل العروبة والإسلام…. مرحبًا بالإمام الأكبر والمجاهد الأوّل والخطيب الأوّل والكاتب الأوحد في الشّمال الإفريقي العربي..»، تقول «البصائر»: «وأمّا أُدباء العراق وصحافيُّوها فمِن عناوينهم في وصفه محاضرًا وخطيبًا: «قسُّ بن ساعدة يتكلّم». وكفى بهذا فخرًا للجزائر»[60].

في الحجاز:

وتناولت صحفُ الحجاز زيارة  الإبراهيمي، وعرَّفت به ونوَّهت بجهاده، وكان من المُضِيفين له صديقُهُ القديم: الشّيخ محمّد نصيف[61] – في جدّة الحجاز-، الّذي أكرم جمعيّةَ العلماء في شخصِ الإبراهيميّ، «وكان سماحتُهُ طيلةَ مُكْثِهِ بهذه البلاد موضعَ حفاوةٍ وتقديرٍ من الجميع، لعبقريَّتِهِ الفذّة في العلوم، ولأنّه عالمٌ دينيُّ تقدُّميٌّ يَنشد الإصلاح ويسعى له، ولدَمَاثَةِ خُلقه وسُموِّ أدبه البحثيّ والنّفسيّ معًا..»[62].

وكان يزور الإبراهيميَّ أثناء إقامته بمكّة مِن أدباء الحجاز وأشرافِ مكّة وأعيانها: الكثيرون، وفي طليعتهم: إمامُ الحرم المكّيّ.

ومِن الشّخصيّات البارزة الّتي اجتمع بها: الشّيخ عماّر بن الأزعر القماري السُّوفيّ الجزائري[63]،[من مدرِّسي المسجد النّبوي، ومدارس الحجاز]..[64] .

وقد حصل الإبراهيميُّ على منحةٍ للطّلبة الجزائريِّين من المملكة السُّعودية، بعد قيام الثّورة الجزائريّة (سنة 1954م).

ثورةُ الجزائر:

ولمَّا اندلعت الثّورة الجزائريّة، أخذ من القاهرة يَنشر ويُذيع البيانات، ويدعو الشّعب الجزائري إلى مؤازرتها والاِلتفاف حولها، ويدعو الشّعوب والدّول العربيّة إلى تأييدها ومدِّها بالمال والسّلاح، ثمّ انْتَدَبَتْهُ الثّورة للقيام بمهمّات لدى الدّول العربيّة والإسلاميّة، فقام بها أحسن قيام.

ولقد كان لرحلة الإبراهيمي المشرقيّة أثرًا في تحمّس العالم العربي والإسلامي لثورة الجزائر، وإنّها لتُعتبر مرحلةً تمهيديّةً لها، فما كادت أوّلُ رصاصةٍ تُطلق حتّى هبّ الوطن العربي والعالم الإسلامي يُساندها ويُؤيّدها، مُتأكّدًا مِن استمرارها وانتصارها بفضل ما عُرف عن الجزائر [والجزائريِّين] مِن صمودٍ وتصميم، وقد تولَّى بيان ذلك وتوضيحَه إمامُهم الإبراهيميّ؛ الّذي كان بحقٍّ يُعِدُّ للثّورة، ويُمَهِّدُ و يُهَيِّئُ لها الأسباب، وقد بنى المبادئَ الوطنيّة على قاعدةِ الإصلاحِ السّلفيّ، وغرسها في النّفوس، بعد أن خلَّصها من عقائد الشّرك والخرافة، ومِن تلكم الأسباب: المدارس الّتي دعا إلى تأسيسها، وحثَّ الأمّة على بذل الأموال لأجلها، «وكان يقول: «إنّ هذه المؤسّسات ستحتاجُ إليها الأمّةُ في يومٍ من الأيّام  لمهمّاتٍ فوق ما نتصوّره الآن»، وفعلاً عندما قامت الثّورة قامت هذه المؤسّسات بدورٍ هامّ…»[65].

وأمّا الجزائريُّون الّذين كانوا في المشرق، فقد كانوا مهتمّين بما يجري في وطنهم، وقد هبُّوا لخدمته وأداء واجبهم على بُعدهم، وقد كان للإِبراهيمي دورٌ كبيرٌ في حثّهم على العمل؛ يدعوهم للإِكثار من الدِّعاية لقضيّة بلادهم، وكان محرِّضًا لهم على الجهاد بالمال في تحريرِ الوطن، يَبذل لهم النّصح، ويوجّههم التّوجيه الصّحيح، وهو ذو الرّأي الأصيل والتّوجيه السّديد. وقد كان يعملُ مع بعض كبار الشّخصيّات الجزائريّة السّاكنة في المشرق على توحيد الجهود، والعمل بجدِّيّة، وعلى جمع كلّ القوى، وقد كان لجمعيّة العلماء مندوبون في عدّة جهات وفي أوربا، كما كان على اتّصالٍ دائمٍ برجال الجمعيّة في الجزائر.

وعلى بُعْد الإبراهيمي وشيخوخته ومرضه، فإنَّهُ أدَّى ما عليه، وعمل على التَّوجيه الحسن، وقد قال: «وقد فعلتُما أَوْجَبَهُ اللهُ عليَّ، على عجزي وبُعْدي، وَوَاللهِ لو كنتُ أستطيعُ حَمْلَ السِّلاحِ لما بقيتُ هنا لحظةً، ومنذُ قامت الثّورةُ وأنا أتقلَّى على الجمر، وأبذلُ كلّ جُهدي من طرقٍ خاصّةٍ في إِعطاء الرّأي وتحريض المؤمنين على القتال»[66].

وكان الواسطة بينه وبين الجزائريِّين في الحجاز، «العلاَّمة السَّلَفيّ» الشّيخ عمّار بن الأزعر، المهاجر إلى المدينة- إذْكان له دورٌ كبيرٌ في تحريكهم-، وغيرُه من أفاضل الجزائريِّين، وكان يأمرُهم باستشارةِ الشّيخ نصيف.

وقد كانت له سفراتٌ عديدة، يُجري فيها اتّصالات لمصلحة الثّورة، في القاهرة، وفي بغداد حيثُ قضى فيها قريبًا من شهر، ثمّ سافر إلى باكستان، وعقد جولةً في  دواخلها، حيثً زار نحوً خمس عشرة مدينة، «وألقى أكثر من خمسين محاضرةً وحديثًا في الدِّعاية للجزائر والتّعريف بها، وبثورتها، وكان لها تأثيرٌ عظيم، وكان الحاضرون في الاِجتماعات يصلون أحيانًا إلى ثلاثين ألف! مَقْضِيًّا بها نحو الشّهرين(أواخر 1956م»[67].

وإثر استقلال الجزائر، عاد إليها بعد غيبةٍ دامت عشر سنوات.

وفاتُهُ:

وكانت وفاته في 20 محرّم 1385هـ، الموافق لـ:20 ماي 1965م، رحمهُ الله رحمةً واسعةً.

شهادةُ المعاصرين له:

– العالم السَّلَفِيُّ، علاَّمة الشّام: الشّيخ محمّد بهجة البيطار: قال في رسالته الموجّهة إلى الإبراهيميّ:

«إلى إمام النّهضة الثّاني، العالم الرّبّاني، الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي أدام المولى فضله، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما ذكرتُك مرّة في نفسي أو في ملإٍ من قومي، إلاّ وذكرتُ معك الدِّين الخالص، والعلم النّافع، والعمل الصّالح، والأدب الجمّ والرّعاية التّامّة للإخوان…»، ثمّ يَذكر تلك الأيّام في الشّام، أين كان يجلس إليه، ويُقبل عليه، يقول: «وكنّا نَشعر أنّنا أمام دائرةِ معارف حَوَتْ من كلِّ شيءٍ أحلاه وأغلاه»، «حَسْبُ الجزائر مجدًا وفخارًا أن يكون منهم الإمام الأوّل للنّهضة الإصلاحيّة الجزائريّة الشّيخ عبد الحميد بن باديس تغمّده المولى برضوانه، والإمام الثّاني لهذه النّهضة المباركة الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي الّذي يحقّ للشّام أن تُفاخِرَ به كما تُفاخر بأبنائها المخلِصين…»، «أكان للنّاس عجبًا أن يَروا جمعيّة العلماء الأبطال، يتقدّمون صفوف الرّجال الأحرار، مجاهدين في سبيل استرداد الحقّ المغصوب، ورفع شأن الوطن المحبوب… دمشق في11[جمادى]1 سنة 1368، محمّد بهجة البيطار  من أعضاء المجمع العلميّ ومدرّس التّفسير والحديث في كلّية الآداب من «الجامعة السّورية» »[68].

– العالم الأديبُ الموحِّد: محمّد بهجت الأثري -تلميذُ علاَّمة العراق محمود شكري الألوسي، وناشرُ تراثه-: قال في استهلال محاضرته في إحدى المدن الجزائريّة، وهو يشكر القائمين على الملتقى على دعوتهم، ويَذكر تعلُّقه بالشّعب الجزائريّ: «الّذي تعلَّقْتُ به ناشئًا وكهلاً، وقد جذبتني إليه مزايا مَن عرفتُ من نُبغائه ومفكِّريه، أمثال باعث نهضة الشّام العلاَّمة الشّيخ «طاهر الجزائري»، وقائدي جمعيّة علماء الجزائر الّذين مهَّدوا للثّورة

وعبَّؤُوا لها طاقات الأمّة، الشّيخين العظيمين «عبد الحميد بن باديس» و«البشير الإبراهيمي»، أعلى الله مقامهما في جنانه…»[69].  

وفي محاضرةٍ له أخرى، استهلَّهَا أيضًا بذِكر مفاخر هذا الشّعب؛ فقال:«… شعب مجدِّدِي شباب الإسلام، وباعِثي نهضة الجزائر: «عبد الحميد بن باديس»، و«محمّد البشير الإبراهيمي»…»[70].

– العالم السّلفيّ: محمّد نصيف: بمناسبة زيارة الإبراهيميّ للحجاز، بعث برسالةٍ إلى جريدة «أمّ القرى» تحت عنوان « الزّعيم الجزائريّ»، جاء فيها: «… وفضيلة الأستاذ مِن العلماء المصلحين…»[71].

– العلاّمة السَّلَفِيّ الجوَّال: الدّكتور محمّد تقيّ الدّين الهلاليّ المغربي: ألقى خطابًا في أحَدِ الاِجتماعات الّتي أُقيمت على شرف الإبراهيميّ في بغداد، وصفه فيه بأنّه: «مثالُ النُّبْل والعلم والبلاغة»[72].

 

الهوامش:

[1] – «السِّيرة الذّاتيّة للشّيخ الإبراهيميّ»، مِن إملائه على تلميذه: الأستاذ بشير كاشة الفرحي- ط.دار الآفاق-الجزائر.

[2] –  «السِّيرة الذّاتيّة من إملاء الإبراهيمي»، و«آثار الإبراهيمي»(5/273-274).

[3] – المصدر السّابق.

[4] – «مذكرات الشّيخ خير الدين»(1/ 414).

[5] –  لقد أحسن الدكتور(صالح الخرفي)-رحمه الله-، وهو يذكرُ أمر«الوهابيَّة»-وهي مجرَّدُ وَهْمٍ؛ لا حقيقة لهُ ولا وجود!-، في ردِّ ما توهّمه بعضُهُمْ -أيضًا- من أنّ المصلحين في الجزائر، قد تبنَّوا مذهب«الوهّابية»! وأتوا بها من«الحجاز»!! قال في كتابه: «الشعر الجزائري»(ص:69-70): «وربّما التبس الأمر على الكثيرين ممّن سمّوا الحركة الإصلاحيّة في الجزائر(بالوهّابيّة) وربّما ظنّها البعض الآخر امتدادًا لها. وقد يجدون مبّررًا لذلك في أنّ أغلب زعماء الحركة في الجزائر قد أَمْضَوا فترات ليست بالقصيرة في الحجاز، غير أنّ(البشير الإبراهيمي) يَنفي هذا الوهم ويُبدّد هذا اللّبس، حين يقول: «وإنّ هذه الفئة الّتي رجعت من الحجاز بالهَدْي المحمّديّ الكامل، قد تأثّرت بالإصلاح تأثّرًا مباشرًا، مستمدًّا قوّته وحرارته من كلام الله وسنّة رسوله مباشرةً، ولم تكن قطّ متأثّرةً بحالٍ غالبة في الحجاز، فلم يكن للإصلاح في ذلك الوقت شأنٌ يٌذكر في الحجاز إلاّ في مجالس محدودةٍ، وعند علماء معدودين» [«السجل»(ص:42)]»، وقال (د.الخرفي) في هامش(ص:70): «…ويمكن أن نضيف بأن الحركة الوهّابيّة كانت محصورةً في «نجد» إبّانَ  وجود الجزائريِّين في الحجاز، ويوم دخل عبد العزيز مكّة كان هؤلاء قد انتقلوا إلى الجزائر»اهـ. وأضيفُ: إنّ الإبراهيميَّ –نفسَهُ- قد اعترف بأنّ أشياخه في الحجاز، كانوا: «متهوِّرين في الضّلالة»! انظر: مقالي في«ترجمة الشّيخ محمد نصيف»، في مجلّة «الإصلاح»، العدد(5).

[6] –  فصل «تأثّره بالسّلفيّة» وما تحته من فروع ، مأخوذٌ من «السِّيرة الذّاتيّة الّتي أملاها الإبراهيمّي على تلميذه بشيركاشة الفرحي».

[7] – «السِّيرة الذّاتيّة..»، و«آثار الشّيخ الإبراهيمي»(1/26).

[8] –  انظر: ترجمته –بقلمي- في مجلّة «الإصلاح»[الّتي تُصدرها دار الفضيلة-الجزائر]، العدد(3)، بعنوان: «الشّيخ الطّيّب العقبي: خطيب السّلفيِّين وشاعرهم».

[9] –  «السِّيرة الذّاتيّة…» – بتصرف-.

[10] –  جريدة: «المنتقِد»، العدد(6)، 16محرم1344هـ/6أوت1925م.

[11] –  يشيرُ إلى عاهة الشّيخ؛ وهي العرَجُ!

[12] – «آثار الشيخ الإبراهيمي»(5/280).

[13] –  كتاب «الإمام الرّائد …» للطاهر فضلاء.

[14] – «مذكرات الشّيخ محمّد الصّالح ابن عتيق».

[15] – «سجلّ مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين..» (ص:53).

[16] – «السِّيرة الذّاتيّة..»- بتصرف-.

[17] –  انظر: «السِّياق التّاريخي»؛ بين يدي: «آثار الشّيخ الإبراهيمي»(1/29).

[18] – «آثار الشّيخ الإبراهيمي»(1/27-29).

[19] –  «النّجاح»، العدد(247)، 30ربيع الثاني1344هـ/17نفامبر1925م، (ص:2).

[20] – «آثار الشيخ الإبراهيمي»(1/58).

[21] –  «سجل المؤتمر..»(ص:57).

[22] – «السِّيرة الذّاتيّة ..».

[23] – المصدر السّابق.

[24] – «آثار الشّيخ الإبراهيمي»(5/281).

[25] – «سجلّ المؤتمر..»(ص:58-59).

[26] –  «الآثار»(1/84-86).

[27] – كتاب«الإمام الرائد..» للأستاذ: طاهر فضلاء.

[28] – «السِّيرة الذاتية..».

[29] – المصدر السّابق.

[30] – «الآثار»(5/282).

[31] – «السّيرة الذّاتيّة..».

[32] –  المصدر السّابق.

[33] – «الآثار»(1/31)،  وكتاب «في الذّكرى الخمسين سنة لافتتاح دار الحديث-تلمسان»(ص:46).

[34] – كتاب «الذّكرى الخمسين لافتتاح دار الحديث»(ص:3).

[35] – «النّجاح»،  العدد: (1411)،5فيفري1933م.

[36] – يغلبُ على الظّنّ!، أنَّهُ يُريدُ بالثاني: الشيخَ: أبا شعيب الدكالي المغربي؛ فإنه كان مضرب المثل في الحفظ والاستحضار، وقد لقّبوه بـ«الحافظ»، وصفه الشّيخ ابن باديس بقوله: «الإمام المصلح، العلاّمة الحافظ الوزير الكبير، مولانا أبو شعيب الدكالي، فخر الأفارقة والمغرب الأقصى…». انظر: «آثار الشّيخ ابن باديس»(5/ 349).

[37] – المصدر السابق.

[38] – «السِّيرة الذّاتيّة..»، و«الآثار»(5/283-284)، و«مذكرات الشّيخ  ابن عتيق».

[39] – «سجلّ المؤتمر»(ص:61).

[40] – كان الإمام الإبراهيمي «أعرج»، فكان الطّرقيّون لاِنحطاط أخلاقهم! يُعيّرونه بِعَرَجِ رجله.

[41] – «مذكرات الأستاذ عبد الرحمن العقون»(1/225-228).

[42] – «مذكرات الأستاذ عبد الرحمن بن العقون»(1/289-293).

[43] – «مذكرات الشيخ خير الدين»(1/415).

[44] – كتاب «الإمام الرائد..» للأستاذ :طاهر فضلاء.

[45] – المصدر السابق.

[46] – كتاب «الذكرى الخمسين لافتتاح دار الحديث».

[47] – «الآثار»(1/38).

[48] – «الآثار»(1/306).

[49] – «البصائر»، السلسلة الثانية، (العدد93)، (ص:1).

[50] -«الآثار»(1/36).

 [51] -«مذكرات الشيخ ابن عتيق».

[52] – «البصائر»، السلسلة الثانية، (العدد93)، (ص:1).

[53] -«مذكرات الشيخ خير الدين»(1/353).

[54] -«مذكرات الشيخ خير الدين»(1/416).

 [55] -«مذكرات الشيخ ابن عتيق».

[56] – المصدر السابق.

[57] – «مذكرات الشيخ خير الدين»(1/416-417).

[58] – كتاب «الإمام الرائد… »، جمع: الطاهر فضلاء.

[59] -«…فارس البيان..» لبشير كاشة  الفرحي، ومقال «الإبراهيمي في المشرق» لتركي رابح، مجلّة «الأصالة»، العدد (8) السنة 2 ، (ص:255-264).

[60] -«البصائر»، الأعداد: 195 و196و199و262، من السلسلة الثانية.

[61] –  انظر: ترجمته –بقلمي- في مجلّة «الإصلاح»[الّتي تُصدرها دار الفضيلة-الجزائر]، العدد(5)، بعنوان: «ناصر الإصلاح والمصلحين في الجزائر: الشّيخ محمّد نصيف».

[62] –  عبد القدوس الأنصاري: «سماحة الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي في ربوع المملكة»، «البصائر»، السلسلة الثانية، العدد (209)، (ص:2-3).

[63] –  انظر: ترجمته – بقلمي- في مجلّة «الإصلاح»، العدد(7).

[64] -«البصائر»، العدد( 266)، السلسلة الثانية.

 [65] -مقال الشّيخ حمزة بوكوشة (رحمه الله): ضمن كتاب «الإمام الرّائد.. »، جمع: الطاهر فضلاء.

[66] -كتاب «..فارس البيان..» للأستاذ :بشير كاشة الفرحي.

[67] – المصدر السابق.

[68] – «قيمة «البصائر» في الشّرق: رسالة عالم الشّام الأستاذ محمّد بهجة البيطار»، «البصائر»: العدد (91)، السلسلة الثانية، (ص:2)، وكتاب«كلمات وأحاديث»، بقلم الشيخ بهجة البيطار، (ص:126-129).

[69] – مجلّة «القبس»، السنة 3، العدد(2) ، رمضان 1388، نوفمبر 1968، (ص: 69).

[70] –  مجلّة «القبس»، العدد (3 و4)، ذو القعدة ذو الحجة 1388، يناير ،فبراير 1969، (ص:27).

[71] – «البصائر»، العدد: (204)، السّلسلة الثانية، (ص:8).

[72] – «البصائر»، العدد: (195)، السّلسلة الثانية، (ص:1).


آخر التغريدات: