جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نموذج فكري يدعو إلى التعايش بين الأديان

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نموذج فكري يدعو إلى التعايش بين الأديان

ماذا تبقى من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هذا المنبر الديني، وما طبيعة الخطاب الثقافي والديني والأدبي المنصوص عليه ضمن ديباجة الجمعية منذ تأسيسها عام 1931 ، وهل استطاعت بعد مرور أكثر من 82 سنة على تجديد خطاباتها، وتكييفها مع مستجدات الوقت الراهن، وما أوجه المقارنة بينها وبين الخطابات التي تمخضت عن القرن الواحد والعشرين؟ أسئلة حملتها جريدة ” الحوار” إلى المختصين في الشأن الثقافي بالجزائر، منهم من يرى أن هذه الجمعية  أنتجت حوارا ثقافيا بما يتوافق مع الحراك الاجتماعي المتواصل عبر الزمن، ومنهم من يرى أن كل خطاب يولد في ظروف معينة، ويجيب على أسئلة محددة.

الدكتور عبد الرزاق قسوم : نسعى إلى تجديد الخطاب الديني  وفق معطيات العصر

 

في هذا الإطار أكد الدكتور عب الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن التجديد سيمة كل عصر وسنة من سنن الحياة، وقانون الإنسان يسير في المكان والزمان، تبعا لحركة الكون وتعاقب الأزمنة والتغيرات المصاحبة له الناتجة عن النشاط الإنساني وممارسته للحياة في شكلها العام، وعليه يقول قسوم فإن خطاب جمعية العلماء المسلمين من حيث الشكل والمضمون يختلف من الناحية الإيديولوجية عما كان عليه إبان الوجود الفرنسي بالجزائر، وأن ملامح التجديد الخطاب الإسلامي الذي يميز هذه الجمعية في وقتنا الراهن يضيف  ذات المتحدث يتخذ مدلولات متعددة وفي مقدمتها أنه يتسم بالعلم والتكنولوجيا، وواقعي بحيث يتماشى ومتطلبات الأفراد، ويتميز باستقلالية خاصة ويستند إلى مبدأ السيادية، ويظل هذا الخطاب الجديد بالرغم من كل هذا وفيا للثوابت الأمة الجزائري، وللمنطق الخطاب القديم، وعلى الإنسان الجزائري المعاصر أن يكون ملما بثقافة العصر، ومفتوح نحو الأخر ويؤمن بتعدد الديانات، والتصدي إلى الغزو الثقافي المحدق بنا كل هذا يحتم علينا ضرورة تجديد الخطاب الإصلاحي وفق معطيات العصر.  

الدكتور أمين الزاوي: جمعية العلماء المسلمين أنتجت خطابا إسلاميا يدعو إلى التعايش وتقبل الآخر

وعلى صعيد متصل قال الدكتور أمين الزاوي أعتقد أن الخطاب الثقافي والإصلاحي الخاص بجمعية العلماء المسلمين يظل متقدما على الأطروحات الدينية التي أفرزها واقعنا اليوم، ويتميز بالتسامح والتعايش والتنوير والتنور، وبالحداثة ومعاصر الحياة وتطورها عبر التاريخ ، ومقارنة بالخطابات الدينية التي أتت بها الجمعيات التي تنشط في هذا المجال، يقول الزاوي نستنبط ذلك الفارق العظيم كون المنطق أو الخطاب الديني الحالي يتسم بالظلامية والكراهية ورفض الآخر، وأضاف ” نحن بحاجة إلى خطاب العلماء السوي”، أما من ناحية الثقافة الأدبية يضيف أمين فهي ذات خصوصية تقليدية تجاوزها الزمن، مع ذلك يقول الدكتور أمين الزاوي فقد أنجبت جمعية العلماء الجزائريين أقلام أدبية حداثية وفي مقدمتهم الأديب رضا حوحو، وواصل الزاوي قائلا ” أن جمعية العلماء المسلمين استطاعت أن تدافع عن اللغة العربية وأحدثت التعايش مع اللغات الأجنبية الأخرى، ولها دور في ولادة والخطاب الثقافي والديني صريح ومتمدن.

الروائي لحبيب السايح: يوم العلم يعني البحث عن الكوادر العلمية المكنونة  

 في سياق مماثل قال الروائي لحبيب السايح أن احتفالية   يوم العلم   ما هي إلا أكذوبة يجب مراجعة حيثياتها، داعيا إلى ضرورة إعادة النظر فيها، لأن كلمة العلم حسبه أكبر من أن تحصر في نشاطات فارغة، وقال السايح حري بالدولة الجزائرية الوقوف عند عتبة الاختراعات العلمية التي أنتجتها مخابر جامعاتنا، والبحث عن القيمة المضافة إلى متن الفقه الإسلامي واجتهادات العلماء في وقتنا الحالي، وكذا إيجاد سبل لاكتشاف النوابغ الفكرية والطاقات الإبداعية التي تتمتع بها الجزائر العميقة، والعناية بالأطفال العباقرة الذين لم يجدوا فضاء لاستعراض أفكارهم الذكية، تائهين في بحر الضياع بحثا عن وجهة تتبنى ابتكاراتهم، لاستثمارها في النشاط الصناعي والاقتصادي، لإنعاش التنمية المستدامة واستشراف مستقبل الجزائر الغد، وخلص لحبيب قائلا هل هذا اليوم استطاع أن يكشف لنا النظريات الفلسفية والاجتماعية والأدبية والإعلامية التي أنتجتها جامعتنا ومخابرنا ومراكز بحثنا؟.

عز الدين ميهوبي: جمعية العلماء المسلمين لسان حالنا عبر الزمن

من جهته قال الشاعر والروائي عز الدين و رئيس المجلس الأعلى للغة العربية أنه لا يجب تفسير الأمور في سياقها التاريخي، إن جمعية العلماء المسلمين يقول عز الدين أنشئت في ظروف صعبة، تأسست هذه الجمعية عشية احتفال الإدارة الاستعمارية بقرن من احتلالها للجزائر، وكان لزاما على أحرار الجزائر آنذاك  إيجاد تنظيم ديني و تربوي وسياسي، للرد على هذا الكيان الذي استوطن بلادهم ويحاول طمس هويتهم واستبدال الثقافة المحلية بثقلها الحضاري الغائر في بحر التاريخ الإنساني، بثقافة المستعمر الغاشم، إن مقولة أحد القساوسة الفرنسيين الذي قال” لم نأت هذه البلاد لأجل فسحة، أو النزهة أو الاستجمام، إنما جئنا لاستبدال لغة بلغة ودين بدين ” تكشف خبث المستعمر الفرنسي الرامي إلى تجريد المجتمع الجزائري من مقوماته الحضارية   الدين، اللغة ومن ثقافته المحلية ببعديها العربي والأمازيغي التي تشكل نسيج هويته الشخصية، وأنتجت جمعية العلماء المسلمين خطابا يتناسب مع تلك المرحلة من الزمن، وأدرك أعضاء الجمعية يقول ميهوبي أنه آن الأوان لطرح البديل فأنشأت المدارس الحرة، وأعطت أهمية للمسجد، وأصدرت الصحف وبالتالي يضيف ذات المتحدث أعطت للشعب الجزائري حضورا ومكنته من التعبير وأضحت رافدا مهما في الثورة الجزائرية بخطاباتها المتعددة الأبعاد، وبخصوص أهمية هذه المؤسسة الدينية ومسايرتها للأحداث العصرية أوضح ميهوبي أنه وبالرغم من مرور أكثر من ثمانين سنة على إنشائها لازالت هذه الهيئة الدينية من خلال التنوع في خطاباتها للمحافظة على نهجها الإصلاحي والتربوي، وتطبيق قاعدة الدفاع على المشترك خاصة فيما يتعلق بالثوابت الوطنية.

محمد بغداد: يجب أن نجعل جمعية العلماء المسلمين مجرد رمزية متجاوزة

نفس الرأي لمسناه عند الكاتب الحفي محمد بغداد الذي أكد أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو انجاز تاريخي فريد، تمكن من خلالها الشعب الجزائري، من تأسيس أهم وأفضل نموذج علمي وفكري وثقافي، لن يتكرر عبر الأزمنة والقرون، وهي المشروع الذي اكتمل على أيدي الرواد، الذين عرفوا كيف يحولون التراكمات التاريخية للشعب الجزائري، منذ الأزل، في إطار ذكي ومناسب، راهن منذ اليوم الأول على العقل والروح، للإنسان الجزائري، وهو المشروع الذي ساهم بقدر كبير في الوصول إلى محطة الملحمة التاريخية الفريدة في القرن العشرين. أما الخطاب الذي أنجزته الجمعية، فقد كان مناسبا جدا لتلك الظروف التاريخية، كونه استطاع أن يجيب على أهم الأسئلة الملحة، في تلك الظروف، ومنها موقع الهوية والشخصية الجزائرية، وتحدياتها التاريخية، والحاجة المطلوبة من النخب في تلك الظروف، واهم ما يحسب للجمعية، قدرة وذكاء نخبتها في توفير الإجابة المناسبة والمنطقية للأسئلة الراهنة، وإيجاد الحلول السلسة للمشاكل التي اعترضت الأمة آنذاك، ويكفي الجمعية أن تكون رائدة، ليس في انجازاتها، ولكن في نوعية نخبها وطبيعة عملها، والتي ما زالت إلى اليوم لم تفهم، أو تدرس منت طرف النخب الحالية

إن الزمن وتداعيات التاريخ، تفرض على كل عاقل أن يفهم القوانين التي تديرهما، وتتحكم في إفرازاتهما، ومن الضروري أن لا نظلم الجمعية، أو أن نتجاسر عليها، سواء أكنا محبين لها، أو معارضين لخطاباتها، ولكن الواقع الحقيقي يؤكد، أن أهم صفات الجمعية، أنها وضعت نفسها في حيز تاريخي محدد، لا يمكن تجاوزه أو الخروج عليه، ومن الأفضل للشعب الجزائري، أن يضعها في المكان المناسب لها، كونها انجاز تاريخي رائع، في ظروف محددة وأنها تراكم مهم، يمكن الاستفادة من انجازاته، في كيفية خدمة الأمة وإخراجها من الأزمات، التي تلم بها، وبالذات في محطة حيوية وذكاء ونوعية النخب القائدة فيها، وما تنتجه من مشاريع وأفكار ومؤسسات، تساعد بها الأمة في التطور والانتقال إلى المستقبل.

ومن غير الممكن، يقول محمد أن نقارن ما لا يقارن، فكل خطاب يولد في ظروف معينة، ويجيب على أسئلة محددة، ويهدف إلى تحقيق انجازات بعينها، وما يوجد اليوم من تحديات، لا يشبه تلك التحديات التي عرفها الشعب الجزائري في الثلاثينات، من القرن الماضي، وإنما يكفي ويكون من المهم، قراءة تاريخية حقيقية لدور النخب، وأفكارها وأساليب تعاملها مع التاريخ، والنوعية التي يتم بها تحقيقي الانجازات التاريخية

أعتقد أن الجمعية، كيان رمزي مهم في حياتنا الثقافية والفكرية، كون رمزيتها لها تأثيرها المطلوب، ويمكن أن تكون عامل مساهم في خدمة الهوية الوطنية، وتفعيل دور الشخصية المحلية، إذا تمكنت من تحقيق عدد من الانجازات المهمة، وبالذات تلك المتعلقة بالتجديد الذاتي، وإعادة تقييم الواقع وفهم المعطيات المستجدة في عالم اليوم، وفي مقدمتها إعادة النظر في المبرر الأساسي لوجودها، وفي الخطاب الذي تتبناه، وأن تخرج من الرؤية التقديسية، لأن الإنسان لا يعيش بجمالية وانجازات الماضي، بل بما يمكن أن ينتجه في الحاضر، وما يتصوره للمستقبل، وأن أهم عامل يعيق الجمعية، انحصارها على الأجيال القديمة، وابتعادها عن الشباب، وأنها لم تعد قادرة اليوم على فهم ما يدور في العالم، وإدراك ما هو حاصل في المجتمع، لأن الأجيال القديمة، تعمل في الغالب على النزوع للماضي، مما يجعلها مجرد رمزية متجاوزة

 

آخر التغريدات: