ماذا خسرت الجزائر بمنعها جمعية العلماء من النشاط بعد الاستقلال…؟

ماذا خسرت الجزائر بمنعها جمعية العلماء من النشاط بعد الاستقلال…؟

إن الاجابة عن هذا السؤال بشكل دقيق وحاسم، يتطلب معرفة ما قدمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين  للجزائر شعبا ووطنا، وذللك يقتضي منا أن نقلب صفحات التاريخ ونستنطقها غير أن مساحة هذا المقال لا تتسع لكل ما سجله التاريخ لها من مواقف مشرفة، وإنجازات عظيمة، كما أن الوقت أصلا لا يسعفنا ولا يسمح لنا بذلك، ولكن كما يقال: ما لا يدرك كله لا يترك جله…

ومن هنا نقول أنه إن لم يكن للجمعية من فضل ، سوى أنها صححت للأمة عقيدتها، وأعادت الحياة إلى لغتها، وعملت على لمِّ شملها، وتوحيد كلمتها، ووثقت أواصرها بمنتماها القومي والحضاري، على الرغم من ذلكم الحصار الشديد الذي فرضه المحتل الفرنسي عليها أيام كان جا ثما على صدرها، وأنها أذكت فيها حب المقاومة والنضال من أجل العقيدة والوطن، فإن  ذلك وحده كان كفيلا أن يشفع لها بالاستمرار في نشاطها بعد الاستقلال، غير أن السلطة مع ذلك منعتها، وهذه السلطة التي قررت منعها من مواصلة نشاطها، لم تكن تدرك حينها _ مع الأسف_ أنها بذلك قد تحرم الجزائر من مصل المناعة الذي كان سيقيها من معظم الآفات التي عصفت بها بعد ذلك، والتي لا تزال تعصف بها إلى اليوم، نعم إن منع جمعية العلماء المسلمين من النشاط  في ذلك العهد، قد أضعف الجهاز المناعي للجزائر بشكل خطير للغاية، فالجمعية هي التي كانت تسهر على الرعاية الأخلاقية للأمة، تلك الرعاية التي عززت فيها جوانب خيرية كثيرة،أكسبتها قوة عظيمة، تمكنت بفضلها من من مقاومة الاحتلال الفرنسي، حتى تم دحره والتغلب عليه، ولو استمرت تلك الرعاية على ما كانت عليه قبل الاستقلال، لتضاعفت تلك القوة،ولَوَقَفَتْ سدا منيعا في وجه مختلف الآفات الاجتماعية التي تعيشها الجزائر اليوم، إن السلطة التي منعت الجمعية من مواصلة نشاطها بعد الاستقلال، قد وجهت فعلا بقرارها ذلك،طعنة نجلاء للصرح الأخلاقي الذي شادته الجمعية للأمة، فانهارت قيم التكافل الاجتماعي ، وهوت قيمة الأمانة، وذوت قيمة الإخلاص والتفاني، وتلاشت قيمة الإيثار وحب الآخر،وما إلى ذلك من القيم الإيجابية التي كانت تحكم المعاملات وتضبط السلوك الاجتماعي عندنا، وإن التخلف الاقتصادي، والفساد الإداري، والانحراف الاجتماعي الذي تعرفه الجزائر اليوم،إلا نتاج ومحصلة لذلك القرار الخاطئ الذي مُنعِت به الجمعية من مواصلة نشاطها، فالفضائح المالية التي مرغت سمعت الجزائر في الخارج والداخل، ما كانت لتكون، لو بقيت قيمة الأمانة في المجتمع، وتخلفنا الاقتصادي ما كان ليكون، لو استمرت قيمة الإخلاص في لعب دورها وآداء مفعولها، والفساد الإداري ما كان ليحدث، لو استمرت قيمة المسؤولية في تأثيرها فينا، وما كان مجتمعنا ليعرف ظاهرة ضرب  الأصول، ولا اختطاف الأطفال، ولسلم شبابنا من آفة المخدرات التي أصبحت تتسرب إلينا بالأطنان، بل لَمَا تفشت فينا البطالة حتى اضطر شبابنا إلى الهجرة إلى الخارج، طلبا للقوت على مراكب الموت، لا لفرا الخزينة  وقِلة المال، وإنما لعجز الرجال عن حسن التسيير وإدارة الأعمال، لأن المناصب أسندت للولآت والقرابات، لا للخبراء والكفاءات، وما كان ذلك ليكون لو بقيت الضمائرُ حيَّةً، ولكنها وللأسف كل الأسف، ماتت لأنه لم يبق فينا من الأخلاق أي بقية، وما كان ذلك إلا بسبب قرارات أقل ما يقال فيها أنها جد تعسفية، وقديما حافظ إبراهيم رحمه الله وصدق فيما قال:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

آخر التغريدات: