ابن باديس والهوية الوطنية (التكتيك والاستراتيجية)

ابن باديس والهوية الوطنية (التكتيك والاستراتيجية)

أولا – مفهوم الهوية أو ماهيتها : إن هوية أية امة أو شعب من الشعوب هي مجموعة الصفات أو السمات الثقافية العامة التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الأفراد الذين ينتمون أو يدّعون الانتماء إلى هذه الأمة أو الشعب، والهوية نوعان : 1- هوية فردية 2- هوية وطنية أو قومية.

1) هوية فردية : وهي تعتمد أساسا على المميزات ” الجسدية ” التي تميز كل كائن بشري عن الآخر من بين ملايير البشر في المعمورة، وأبرز مثال على ذلك بصمات الأصابع التي تحدد أو تثبيت هذا الاختلاف علميا. 

2) هوية وطنية أو قومية : ( نسبة إلى الوطن أو إلى الأمة التي ينتسب إليها شعب متميز بخصائص هويته)، والاختلاف في مقومات الهوية الفردية والقومية، هو اختلاف في النوع وليس في الدرجة. فالهوية الفردية ذات سمات جسدية في الأساس والهوية القومية ذات سمات ثقافية في الأساس ( دون أن يوجد أي تناقض بين الهويتين، بل هما ترتبطان بعلاقة جزء بكل…) وفي معادلة موجزة يمكن القول أنه إذا كانت بصمات الأصابع ” الفردية ” تميز شخصا ما عن آخر…

فالثقافة الوطنية أو القومية في عمومياتها (كما سيأتي تفصيله) هي البصمات الخاصة التي تجعل كل أفراد هذه الأمة أو تلك يتميزون (بهويتهم الجماعية) عن غيرهم من الشعوب والأمم…

فحدد لي ثوابت مقومات ثقافتك أحدد لك سمات هويتك الوطنية والقومية.

وهذا ما يجيز القول بأنه قد يوجد في العالم شعوب بدون جنسيات (ورقية) أو أعلام أو عملات …كما توجد جنسيات وأراض وأعلام ورموز دولة بدون شعوب ذات هوية محددة معروفة ببصماتها الثابتة والراسخة (…)

فالحالة الأولى كان يمثلها الشعب الجزائري قبل حصوله على استقلال >>أوراق << الجنسية سنة 1962 وما يزال يمثلها العديد من الشعوب المكافحة من أجل إثبات وجودها الحقيقي في العالم، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني والشعب الشيشاني…

والحالة الثانية تنطبق على كل الشعوب التي حصلت (بالكفاح أو بالمراسلة!) على استقلال الجنسية >>الورقية<<دون استقلال الهوية في جوهرها الثقافي الذي يميزها عن هوية المحتل السابق!!

وفي مقدمة ذلك تأتي العقيدة الدينية وتأتي اللغة السائدة في الاستعمال (وليس المقررة بالأقوال والمديسة بالأفعال).

ومن هذا المنطق فإن عبارة >>الاستقلال<< المظلومة جدا في بعض البلاد الاطراف التي لا تعرف معناه الحقيقي…يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع أو درجات:

1-استقلال الجنسية دون الهوية (وضع بعض البلدان التابعة ثقافيا وخاصة لغويا لمستعمرها السابق)

2-استقلال الهوية دون الجنسية (وضع الجزائر قبل 1962 وجزء من فلسطين حاليا)

3-استقلال الهوية والجنسية معا (وضع كل الأمم المعتبرة في العالم ) وفي مقدمتها ( الصين اليابان وألمانيا)

والملاحظ هنا أن استقلال الجنسية أن بقي دون استقلال الشخصية فمآله الزوال ( إن آجلا أم عاجلا و العكس غير صحيح ) والأوضاع الحالية في العالم تثبت علمية هــذا الطـرح ( مثال يوغوسلافيا… الإتحاد الذي كان سوفياتيا ) وعلى العكس من ذلك إذا كان الشعب محتفظا بشخصيته و وحدته الثقافية، فحتى لو تضيع جنسيته ( الورقية) فأنه سيسترجعها متى أراد ذلك إن ظل محتفظا بمقومات هويته وفي مقدمتها لغته المكتوبة… وأبرز مثال على ذلك اليمن، كوريا، الصين، وقبلها فياتنام وألمانيا…

ثانيا – علاقة الهوية بالثقافة :

إن الهوية الوطنية هي بنت الثقافة وحدها… والثقافة بمعناها الواسع ( كما ورد في آخر تعريف لها في مؤتمر مكسيكو 1982) >> هي جماع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعنا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات، وان الثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته والتي تجعل منا كائنات تتميز بالإنسانية… <<.

فإن هذا التعريف وغيره من عشرات التعاريف السابقة عليه، والتي وضعها العلماء على امتداد قرن من الزمان (منذ 1903) لا تخلو جميعها من الإقرار بشيئين اثنين رئيسيين وأساسيين في الثقافة هما :

1- إن الثقافة شيء مكتسب ولا تمت بصلة الى المسائل الغريزية او الجسدية في الإنسان، ومن ثمة فتوحيدها والمحافظة على أنماطها العامة التي لها علاقة بالهوية تظل دائما رهن إرادة الإنسان الواعي بوجوده مفرد في امة ذات هوية متميزة.

2- ان الثقافة متبادلة التأثير مع الإنسان، وتؤثر بصفة خاصة على السلوك الفردي والجماعي. وتأكيدا لهذا المعنى يقول احد علماء الأنثروبولوجيا الثقافية ( وهو رالف لينـتون Ralph Linton ) في كتابه ( Le fondement culturel de la Personnalite ) عن الإنسان وعلاقته بالثقافة… >> إن الإنسان هو كائن له شكله الفيزيقي، وتراثه الاجتماعي وسماته الثقافية، ان الطفل قد يولد زنجيا من الناحية الفيزيقية… ولكن لو ينشأ في فرنسا مثلا فإنه يكتسب عادات اجتماعية وستصف بسمات ثقافية تميزه عن أقرانه الذين لم يبرحوا موطنهم الأصلي في القارة الإفريقية<<.

وهكذا نلاحظ أن الثقافة في مفهوم العلماء وفي أنماطها العامة أبعد ما تكون عن الفلكور و الثقافة الشعبية كما يذهب إلى اختصارها بعض الزعماء السياسيين لأغراض انفصالية مكشوفة!!

ولبلورة هذه المعاني العامة للثقافة وتجسيدها في أمثلة ملموسة في حياتنا اليومية نقول بأن للثقافة جانبين متكاملين هما :

1- جانب معنوي : ويتمثل في التأمل والتفكير والشعور والاعتقاد.

2- جانب سلوكي ومادي : ويتمثل في قواعد المعاملات في جميع مجـــالات الحياة >> العلائقية << بين الأفراد في المجتمع، وكذلك جميع الاختراعات القيّمة ( العلمية والفنية) التي يحققها هؤلاء الأفراد.

وكما أن للثقافة جانبيين ( مادي ومعنوي ) فلها أيضا مستويان لكل جانب.

1- مستوى عالمي، وهو خاص بالإنسان مقابل الحيوان…

وذلك مثل ظاهرة ارتداء الحد الأدنى من الملابس لستر العورة حتى في فصل الصيف، وظاهرة اللغة وظاهرة الاعتقاد وظاهرة العلاقات الأسرية وظاهرة السلطة وما إلى ذلك من الخصائص الثقافية…

2- مستوى محلي وطني (نسبة إلى الوطن) أو قومي (نسبة إلى القوم) وهو تخصيص أو انتقال من العام إلى الخاص، ومن المشترك إلى المتميز، أي الانتقال من ظاهرة ارتداء الثياب إلى نوع الثياب بالذات، ومن قواعد الأخلاق إلى نوع القواعد ومحتواها القيمي في ذاتها، ومن ظاهرة النطق إلى نوع اللغة، ومن ظاهرة الاعتقاد إلى نوع المعتقد بذاته…وهذا ما يجعل أنماط الثقافة الوطنية التي هي أساس الهوية الوطنية تختلف بالضرورة عن الأنماط الثقافية العالمية في النوع وليس في الدرجة من الجانبين (المادي والمعنوي) في حين أن مميزات الثقافة الوطنية في عمومياتها هي واحدة النوع بالضرورة في الجانب المعنوي على الأقل، وقد تختلف من منطقة إلى أخرى داخل الوطن الواحد في بعض الجوانب المادية الداخلة في عداد البدائل أو الخصوصيات الجغرافية والمناخية (…)

وبالنسبة لتوضيح مفهوم الهوية وعلاقتها بوحدة الثقافة واللغة بالذات يمكن طرح السؤال التالي:

هل النمسا فرنسية؟ فالجواب يكون بالنفي قطعا!

هل النمسا ألمانية؟ الجواب يكون بالنفي أيضا بالنسبة للجنسية (الورقية أو السياسية) والجواب يكون بالإثبات بالنسبة للهوية (رغم الحدود السياسية والجمركية) شأنها في ذلك شأن ألمانيا الشرقية والغربية سابقا، وشأن سوريا ولبنان والكويت والعراق واليمنين (سابقا) والأردن وفلسطين وبلاد المغرب العربي عموما…

فهذه شعوب ذات هويات ثقافية واحدة، وجنسيات سياسية مختلفة (وهو ما ينضوي كله ضمن مثال الدول المتعددة في الأمة الواحدة، أو الأمة المتعددة الدول) والغريب أن ألمانيا كانت جزء من النمسا في عهد الإمبراطورية النمساوية، ولا يستبعد أبدا أن تصبح النمسا جزءا من الإمبراطورية الألمانية ضمن مجموعة الاتحاد الأوروبي مستقبلا!! لأن الاختلاف بينهما هو اختلاف في الجنسية وليس في الهوية الثقافية والحضارية.

فمن هذا المنطلق يتم الفرز بين الثقافة كظاهرة إنسانية عامة والثقافة النوعية في المجتمع “الأمة” ذي الثقافة المتجانسة في الأسس كما يفترض أن تكون.

ولوضع الأيدي على نقاط الاتفاق الملزم والاختلاف المباح في هذه الأسس المتداخلة الأطراف،(بقصد إدراك هذه العلاقة القائمة –أو التي يجب أن تقوم-بين الهوية والسمات الثقافية العامة) نورد هذا التقسيم العلمي للثقافة إلى مستويات أو دوائر ثلاث هي:

1-العموميات: وهي النظم ذات العلاقة الوطيدة بالثقافة “والهوية” وذات التأثير المباشر لها منها وعليها، والتي يتبعها ويخضع لها كل أفراد المجتمع الواحد…كاستعمال اللغة الوطنية في الأماكن العامة مع أبناء الوطن بصفة خاصة، أو التزام حدود الشريعة الإسلامية في الدول غير اللائكية (…).

2-البدائل: أما البدائل الثقافية فهي مجموعة من النظم التي لا تطبق على كافة أفراد المجتمع في الوقت ذاته وبنفس الكيفية، وإنما هي نظم وأنماط ثقافية اختيارية بحيث يمكن للفرد أن يختارها كلها أو يختار بعضها او يتركها دون حرج ودون أن يناله عقاب من أحد.

3-الخصوصيات: اذا كانت النظرة الخارجية للمجتمع تعطينا صورة شكلية من الطابع الثقافي العام الذي يميز المجتمع الواحد، ويسم هويته الوطنية بطابع خاص… ( كما سبقت الإشارة ) فإن النظرة إلى المجتمع من الداخل مع بعض التدقيق تكشف لنا عن وجود خصوصيات ثقافية ذات علاقة قوية ببعض الفئات الاجتماعية دون الخرى، وهذه الفئات تتحدد بحسب السن والجنس والمهنة والمناطق الجغرافية داخل البلد الواحد، ومن هنا نجد أفراد المجتمع الواحد اذا كانوا يلتقون بالضرورة في العموميات الثقافية أو في بعض البدائل ( كما أسلفنا) فإنهم على العكس من ذلك قد يختلفون في الخصوصيات الجغرافية والفلكلورية التي تعتبر من مكونات الهوية ( في مجموعها) دون أي تناقض معها، وهي أشبه ما تكون في علاقتها فيما بينها ( بالهوية) بعلاقة الورقة بالشجرة في الغابة.

ثالثا – مفهوم الوطنية والقومية عند بن باديس :

إن الوطنية عند بن باديس لا تختلف دلالتها عما هو متداول في كافة البلاد العربية الأخرى، فهي نسبة إلى الوطن المتمثل في التراب أو القطر الجغرافي ( المحدد باسمه وجنسية دولية) أما القومية فهي نسبة إلى القوم الذين يمثلون كامل أفراد الأمة. ومما أن الأمم في العالم يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أنواع من حيث علاقتها بالدول وهي:

أولا : دول في أمم ( أو الدولة الأمة) بمعنى أن الدولة نفسها امة بحدودها الجغرافية والثقافية واللغوية والسكانية… كما هو الشأن في فرنسا حاليا أو ألمانيا أو اليابان أو الفيتنام أو تايلاندا أو البرتغال أو تركيا أو ايطاليا أو اليونان أو إيران…

ثانيا : دول مكونة من عدة أمم مثلما كان الشأن في الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا سابقا أو كما هو الشأن في سويسرا أو بلجيكا وكندا وإسبانيا وقبرص حاليا…

ثالثا : أمم مكونة من عدة دول بمعنى دول متعددة بسياستها وشعوبها وأعلامها وعملاتها وحدودها الجغرافية تضمها أمة واحدة كما هو الشأن في كوريا والصين أو البلاد العربية الحالية.

وبناء على ذلك فإن الجزائر ترابا وشعبا وسيادة وسياسة واستقلالا لا تمثل إلا إحدى الدول الهامة في الأمة العربية الإسلامية.

ذلك أن الدولة إذا كانت تعرف بحدود سيادتها على التراب الوطني والشعب في الحيز الجغرافي، فالأمة تحدد أبعادها بمعيار الانتشار الثقافي واللغوي والديني المتجانس في أنماطه العامة، التي تشمل مجموعة الشعوب والدول التي لها نفس الثقافة وتتحدث نفس اللغة ويشملها نفس التاريخ، ولا يشعر المواطن بالغربة أو الاغتراب عند التنقل بين أقطارها وحدود دولها، مهما تكن المساحة أو المسافة الجغرافية التي تفصل بعضها عن بعض عبر القارات والبحار والمحيطات، ففي ذلك الشعور بالتآلف والتعارف والتجاوب والتفاهم والانسجام العام الذي لا يشعر فيه الفرد أنه ناشر عن المجموع في الشارع والجامع، يكمن مفهوم الأمة والانتماء القومي… وحول هذا الموضوع نجد ثلاث اتجاهات متعارضة من حيث اعتبارها للقرق أو السلالة أساسا للقومية :

الاتجاه الأول : انطلت على أصحابه المغالطة، فذهبوا يحاولون – بدون جدوى – إقناع الخصوم بإثبات الصلات الوثيقة بين الهوية القومية و وحدة العرق، وذلك بالتأكيد على أن الجزيرة العربية كانت منطقة طرد إلى المناطق المجاورة لها عبر التاريخ، وخاصة بعد الفتح الإسلامي، وانطلاقا من هذه التخمينات التاريخية ذهب دعاة هذا الاتجاه إلى القول بأن جلّ السكان في الوطن العربي، هم عرب عرقيا وليس ثقافيا!! وهذه أطروحة خطيرة النتائج والعواقب!

الاتجاه الثاني : لا يضغط أصحابه بشكل واضح على العنصر الواحد، كأساس للمجتمع القومي العربي، اعترافا بأن التراث الثقافي والاجتماعي المشترك هو أساس الانتماء القومي في الوطن العربي.

الاتجاه الثالث : يرفضة أصحابه رفضا قاطعا فكرة وحدة العرق في تكوين المجتمع القومي من أساسها، وضمن هذا الاتجاه الذي يمثل وعيا متقدما جدا في مفهوم الأمة كما يجب ان تكون، نجد إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس الذي يصرح محذرا ومؤكدا بان القومية ليست لها أية علاقة بالعرق، وإنما أساس القومية هو وحدة اللغة والثقافة المشتركة والعقيدة الدينية، أي أن القومية هي اتحاد الفؤاد واتحاد اللسان، على حد تعبيره بالحرف الواحد في مقال له بعنوان : ( كيف صارت الجزائر عربية) حيث قال : >> ما من نكير أن الجزائر كانت أمازيغية، من قديم عهدها، وما من أمة من الأمم استطاعت أن تقلبها من كيانها، ولا أن تخرج عن أمازيغيتها، أو تدمجها في عنصرها، بل هي التي كانت تبتلع الفاتحين فينقلبوا إليها، ويصبحوا كسائر أبنائها، فلما جاء العرب، وفتحوا الجزائر فتحا إسلاميا لنشر الهداية – لا لبسط السيادة – وإقامة العدل الحقيقي بين جميع الناس، لا فرق بين العرب الفاتحين والأمازيغ أبناء الوطن الأصليين، دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام وعلموا لغة الإسلام العربية، طائعين فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة، ونافسوهم في مجال العلم، وشاطروهم سياسة الملك، وقيادة الجيوش وقاسموهم كل مرافق الحياة ( الى أن يقـول) : >> فأقام الجميع ( العرب والبربر) صرح الحضارة الإسلامية يعبرون عنها وينشرون لواءها بلغة واحدة هي اللغة العربية الخالدة، فاتحدوا في العقيدة والنحلة، كما اتحدوا في الأدب واللغة، فأصبحوا شعبا واحدا عربيا متحدا غاية الاتحاد، ممتزجا غاية الامتزاج، وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد واتحد اللسان << (1). وهنا نلمس بكل وضوح وفهوم الإمام لأسس تكوين الأمة المبني أساسا على وحدة الدين و وحدة اللغة وآدابها، وثقافتها المشتركة في عمومياتها ( الثابتة) مع إبعاد العامل العرقي، الى جانب عدم اعتبار الاختلاف العرقي واللوني – إن وجد افتراضا – حائلا دون تحقيق العروبة الكاملة للشعب الجزائري المسلم ( وهو عكس ما كان يهدف إليه المخطط الاستعماري وما يزال كما هو معلوم) على أن ابن باديس إذا كان يتفق مع أصحاب هذا الاتجاه (الثالث) في إسقاط العامل العرقي من الحساب في المعادلة القومية، إلا أنه يزيد عنهم في التأكيد على عنصر جديد في غاية الأهمية، وهو عنصر العقيدة الإسلامية التي كانت أساس تلك القومية في نظر ابن باديس، ويدل على ذلك قوله في النص المذكور:>> وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد واتحد اللسان << فسبق ذكر الفؤاد وهو الروح والعقيدة، وأخر ذكر اللسان وهو اللغة، والإمام هنا في غاية المنطق والواقعية مع التاريخ، وكأنه يؤكد لنا – أيضا – مقولة الإمام علي ( كرم الله وجهه) القائلة بأن (المرء بأصغريه قلبه ولسانه) فالعربي التام – إذن – عند ابن باديس والأفغاني من قلبه، هو كان قلبه مفعما بالإسلام، ولسانه ناطقا بالعربية… وهنا نجده يختلف عن أصحاب الاتجاه ( الأممي) الذي يعتمد على الدين وحده، ويسقط العوامل الأخرى كاللغة والثقافة والتاريخ، كما يختلف عن الاتجاه ( البعث العلماني) الذي ينفي عامل الدين ويسقطه من حسابه وهو الاتجاه المنتشر في المشرق العربي عموما، لأسباب طائفية معروفة ومفهومة، ويضرب – في الوقت نفسه – الاتجاه الانعزالي ( الاستعماري) الذي قد يظهر في بعض الأقطار العربية ليقول : نحن مسلمون ولكننا لسنا عربا… أو العلكس!!.

فكان لهذا الوعي الوطني والقومي الرفيع لدى الإمام دور عظيم في إحباط المخططات الاستعمارية التي ظلت تستهدف الوحدة الوطنية لشعوب المغرب العربي عموما بترويج ادعائها المغلوط الذي مفاده ان العرب الفاتحين ليسوا إلا غزاة للبلاد المغربية… فكتب تنفيذا لهذا الادعاء الاستعماري قائلا : >> أما أبناء يعرب وأبناء مازيغ فقد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا ثم دأبت تلك القرون تمزج بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت بينهم خلال أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام<<(2).

ويرجع – في نظرنا – هذا المفهوم القومي المركب من الإسلام والعربية، والممزوج في البلاد المغربية مزج الإسمنت بالماء… الى خلو بلدان المغرب العربي من دين غير الإسلام، خلافا لبلدان المشرق العربي التي كانت تجتذب المثقفين المسيحيين واليهود فيه فكرة القومية العربية ( المفرغة من عنصر الدين) كوسيلة للتحرر من ( النفوذ) التركي في مطلع هذا القرن، وإيجاد بديل مقبول لفكرة الجامعة الإسلامية التي كانت تختمر في عقول المثقفين المسلمين، والتي كان غير المسلمين يخشون أن يؤدي انتشارها إلى إغراق الأقليات الطائفية التي يمثلون أغلبيتها في الوطن العربي… كما قد يرجع مزج الإسلام بالعروبة في المفهوم المغاربي ( نسبة إلى بلدان المغرب العربي) إلى سياسة الفرنسة التي انتهجها المحتل الفرنسي، في شكله الصليبي، مع هذه البلدان كما هو معلوم، والتي جعلت مفهوم العروبة لدى السكان المغاربة ملتصقا عضويا بالتراث الإسلامي، وقد قوى هذا الاتجاه تصرف الإدارة الاستعمارية مع الأهالي في محاولة القضاء على هذا التراث بما يمثله من لغة وثقافة إسلامية وعربية، تمثل المرتكزات الجوهرية للشخصية الوطنية لسكان المنطقة، إلى جانب تصادف الحقد الصليبي الدفين نحو الإسلام الذي يهدف الاستعمار الفرنسي ( المسيحي) إلى القضاء عليه بشتى الوسائل في الواقع الاجتماعي، مما ضاعف من تشبث الأهالي به كحصن من حصون المناعة ضد الذوبان في الثقافة الفرنسية التي تمثل الكفر المحض في نظر السكان… ونعود إلى عامل اللغة عند ابن باديس الذي يوليه أهمية كبيرة في المسألة القومية، حيث نجده يرد بقوة على دعاوي الاستعمار الفرنسي للتشكيك في عروبة الشعب الجزائري ( المستعربة) حيث يقول : “” إن اختلاط الدماء في فرنسا والدول الأوروبية قائم، ولم يحل ذلك دون أن تكون فرنسا أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم، بينما نجد على جبال فرنسا وفي قراها من لا يحسن اللغة الفرنسية، ولكن ذلك القليل – نظرا للأكثرية – لم يمنع من أن تكون فرنسا أمة واحدة… ( ثم يضيف) وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا يتعامى الغلاة المتعصبون عنها، ويحاولون بوجود اللغة البربرية في بعض الجهات وجودا محليا، وجهل عدد قليل جدا بالعربية على رؤوس الجبال، أن يشككوا في انتماء الجزائر إلى الأمة العربية التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال<< (3).

وبهذا يتبين لنا جليا أن هذا الإمام المفكر الإسلامي والقومي كان سابقا بين قوميي عصره إلى هذا الربط الموفق بين الإسلام والعربية في تكوين الأمة المحمدية، مع إسقاط العامل العرقي من حسابه تماشيا مع منطق العصر،وتفاديا الوقوع في الفخ الاستعماري، وتفويتا عليه (أي المستعمر) فرصة التسلل لتقويض الوحدة الوطنية والقومية، فيؤكد ذلك في مناسبة أخرى بقوله: <<ليس تكون الأمة يتوقف على اتحاد دمها، ولكنه يتوقف على اتحاد قلوبها، وأرواحها اتحادا يظهر في وحدة اللسان وآدابه واشتراك الآلام والآمال،(إلى أن يقول) تكاد لا تلخص أمة لعرق واحد، وتكاد لا توجد أمة لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها، ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد””(4).

وهذا التأكد على عنصر اللغة في العروبة لدى ابن باديس نجد له الأصل الإسلامي المتمثل في قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما خطب في العرب المسلمين مدافعا عن ثلاثة من الأعلام المسلمين من غير ذوي الأصل العربي، وهم بلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، فقال: >> أيها الناس، الرب واحد والأب واحد والدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا من أم، وإنما هي باللسان فمن تكلم العربية فهو عربي<< (5) وبذلك يتأكد لنا مدى رسوخ قدم الرجل في الأصل الإسلامي الخالص من الشوائب والضلالات التي علقت به مع تقلبات الزمن، كما يتأكد لنا بعد نظره الذي ينم عن وعي كامل بمخططات الاستعمار الجديد بكل أنواعها، حتى لقد علق عليه أحد المثقفين العرب بقوله: >> من هذا الرجل المعمم الثائر صدرت أقوى الهجمات ضد المعممين <<(6).

أجل فكيف يمكن لدعاة العرق العربي (أو غير العربي) النقي الواحد، في المشرق أو المغرب، من الذين انطلت عليهم المغالطة الاستعمارية الذكية… أن يثبتوا ذلك النقاء حتى في الجزيرة العربية، فضلا عن مصر أو لبنان أو السودان أو بلاد المغرب، وكأنني بأحد يناقش أصحاب هذا الاتجاه قائلا: إذا جاريناكم في القول بأن المجتمع العربي ذو أصل عرقي واحد يرجع إلى الجزيرة العربية… فمن يثبت لنا علميا، ومنطقيا، أن سكان الجزيرة العربية أنفسهم عرب أقحاح (أي غير مستعربين) ونحن نعلم علم اليقين أن أقواما مختلفي الأجناس جاؤوا إلى الجزيرة العربية قبل الفتح الإسلامي وبعده بصفة خاصة، واستقروا بين السكان الأصليين، وأصبحوا بعد جيل أوجيلين- فقط – عربا مستعربين مسلمين، لا يختلفون في أي شيء عن العرب الأصليين وكان الأحرى بهؤلاء العرب أن يعتقدوا أسوة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، أن الجميع عباد لرب واحد، وعتنقون لدين واحد.

رابعا – جهاد ابن باديس ودفاعه المستميت عن الهوية الوطنية :

لقد ظل الإمام طوال جهاده الطويل واقفا بالمرصاد لكل من يقدح أو يشك في ثوابت الجزائر وهويتها العربية الإسلامية أو ينشر تصريحا يزيف فيه الحقائق، وكانت الصحافة بالنسبة له المنبر الذي يعتليه ليسمع خصومه صوته ورأيه.

ومن ذلك رده الشهير والعنيف على النائب الجزائري (في المجلس الفرنسي) الذي قـال: >> إنه استقرأ التاريخ الماضي والحاضر فلم يستطع أن يعثر على ما يمكن أن يسمى بالأمة الجزائرية أو الوطن الجزائري <<(7)، فرد عليه ابن باديس في مقال بعنوان: (كلمة صريحة) جاء فيه:

>> لقد قال أحد النواب: إنه فتش عن القومية الجزائرية فلم يجد لها من أثر، وفتش عنها في الحالة الحضارة فلم يعثر لها على خبر، وأخيرا أشرقت عليه أنوار التجلي فإذا به يصيح: فرنسا هي أنا<<.

>>… إن هؤلاء المتكلمين باسم المسلمين الجزائريين والذين يصورون الرأي العام الجزائري بهذه الصورة إنما هم مخطئون يصورون الأمور بغير صورتها… لا يا سادتي نقول لكم: إنكم من هذه الناحية تمثلونها، ولا تتكلمون باسمنا، ولا تعبرون عن شعورنا، إننا نحن فتشنا في صحف التاريخ، وفتشنا في الحالة الحاضرة فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة، وعوائدها وأخلاقها… ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا، ولو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود ومعين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة (8). <<

وهكذا شن ابن باديس حربا لا هوادة فيها على دعاة الاندماج والتجنس لأنه يرى في هذين التيارين أكبر خطر يهدد الجزائر، لأن نتيجة الفكرتين بالنسبة إليه شيئ واحد.

ففكرة الاندماج التي كان يرى أصحابها أنها الطريق الذي يحقق به الجزائريون حقوقهم ويحصلون على الامتيازات التي يمتنع بها الفرنسيون لا تخرج عن كونها تنازلا عن الشخصية الوطنية.

وفكرة التجنيس هي الأخرى تؤدي إلى النتيجة نفسها غير أن الأولى تمثل مطلبا جماعيا، نادت به بعض الأحزاب، وبعض المثقفين، وأما الثانية فهي تمثل مطلبا فرديا (فكل من أراد أن يحصل على الجنسية الفرنسية عليه أن يتقدم لذلك حسبما ينص قانون 1865 الذي ينص على أن الجزائري لا ينال الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطن الفرنسي إلا إذا تجنس بالجنسية الفرنسية(9).

وهكذا أعلن حكام فرنسا شروطهم لقبول مطالب الاندماج أو التجنيس، وأهم شرط هو أن يتخلى الجزائريون عن تمسكهم بقانون الأحوال الشخصية الإسلامي، الذي تحاول فرنسا هذه الأيام أن تقضي عليه “بنواب الفاعل” في عهد “الاستحلال” (*) ويعني هذا أن المندمج والمتجنس يتنازل طوعا عن شخصيته ودينه وعن كرامته، وإن لم يقع شيء من ذلك فلا يرجو من السلطة الفرنسية إلا الرفض، وهذا ما وقع بالفعل والدليل على ذلك إجابة وزير الحربية (دلادي) للوفد الجزائري: >> أقول لكم بكل صراحة: إنني أعارض كل المعارضة في أن أعطيكم النيابة البرلمانية ما دمتم على حالتكم الشخصية الإسلامية << (10).

ومما كتبه ابن باديس في الرد على دعاة الاندماج بكلمته الصريحة ( السالفة الذكر) التي كان لها أثرها في كل الأوساط، كما ورد ذلك على لسان الشيخ في مقال آخر قوله: >> أحدثت كلمتنا الصريحة أثرها المطلوب، وكان لها الدوي العظيم الذي كنا نتوقعه لها، فتلك أول مرّة – فيما نعلم – جوبهت فيها الحكومة، وجوبه فيها رجال السياسة بحقيقة ناصعة. هي عين الصواب الذي تعتقده الأمة(11).<<

وحين أصبح للتجنيس دعاة متحمسون خاض رئيس جمعية العلماء حملة شعواء على هؤلاء الدعاة، ثم أصدر الفتوى الشهيرة بتفكير المسلم المتجنس، وهي كما يلي: >> ومن استحل استبدال حكم واحد من أوضاع البشر وقوانينهم بحكم من أحكام الشرع الإسلامي، فهو كافر مرتد عن دينه بإجماع المسلمين، لا يرجع إلى دائرة الإسلام وحظيرة الشرع الشريف حتى يرفض رفضا باتا كل حكم وكل شريعة تخالف حكم الله وشرعه المستبين. >> (12)

وانطلاقا من أن الشخصية الجماعية لأية أمة هي منتوج ثقافي صرف، فإن الثقافة بكل مكوناتها ومركباتها، وأنماطها تختلف من أمة إلى أخرى (باختلاف القيم المرتبطة بالتقاليد والمعتقدات وطرق التعبير عنها…) وهي طريقة – متطورة جدا -يتمكن بها المستعمر السابق من العودة والبقاء في البلاد بواسطة عملائه وحاملي مشروعه (الحضاري) الذين يسلم لهم (بطرق ملتوية قبيل رحيله) مفاتيح الحكم والقيادة والريادة ليحلوا محله.”فالاستحلال” إذن ببساطة هو أن يحل المواطن (بالجنسية) محل المحتل الأجنبي المباشر، فيحقق هذا المواطن “المستحل” في وطنه وأمته من أغراض الاستعمار والدمار الذاتي (تحت العلمي الوطني وباسم القانون والمصلحة العليا للأمة) ما لم يقدر عليه المستعمر ذاته في عهده العسكري المباشر!

فأننا لو نطبق هذه القاعدة على الشعب الجزائري العربي المسلم، إبان عهد الاحتلال الاستيطاني…نجد أن ما قام به المحتل الفرنسي طوال تلك المدة هو محاولة تذويب معالم الهوية العربية الإسلامية للشعب الجزائري، بعد أن تم له >> ضم<< الجزائر إلى فرنسا في الخريطة المدرسية.

ويمكن إجمال الحديث عن السياسة الاستعمارية تجاه الإسلام واللغة العربية في كونها سياسة عدائية حاقدة ترمي إلى فرنسة الشعب الجزائري وتنصيره وحاربة اللغة العربية بكل الوسائل، لإزالتها من طريق عمليات الادماج والتنصير والتذويب النهائي.

ولم نجد أصدق وصف لتلك العزلة المفروضة على الشعب الجزائري مما قاله الصحفي المصري محمد فريد بعد عودته من رحلته الاستطلاعية إلى الجزائر سنة 1901: >>… إن الأهالي هناك يعاملون بقوانين مخصوصة غاية في الشدة والصرامة فهم محرومون من حرية الكتابة وحرية الاجتماع وحرية السفر، وحرية مطالعة الكتب والجرائد…

فلا يجوز لهم أن يؤلفوا جمعية ولو لفتح المدارس، ونشر التعليم الحر…وقد منعت عنهم الجرائد العربية، فلم أجد في جميع مدينة الجزائر نسخا من (اللواء) ولا (المؤيد) ولا تصل هذه الجرائد إلا لإدارة (المبشر) الحكومية مبادلة، وهناك تحفظ في حرز مكين حتى لا تخرج بعض أعدادها من الإدارة فتصل أخبار الإسلام والمسلمين الى إخوانهم الجزائريين”.(13)

هذا عن اللغة العربية وثقافتها الأصلية… أما الشق الثاني الهام من مقومات هذه الهوية التي استعصت على التذويب، فهو بدون منازع دين هذا الشعب >> الإسلام << الذي لم يرض عنه بديلا منذ أن عرف >> حب الوطن من الإيمان << على يد أمثال عقبة بن نافع وحسان بن نعمان… ولذلك كان تعامل المحتل مع هذا الركن العتيد بطريقة خبيثة ومختلفة في الالتواء… ومنها الغاء مصادر >> الأوقاف << وتحويل أهم المساجد الجامعة التي كانت مشيدة في العواصم الكبرى الى كنائس وفي مقدمة تلك المعالم الشامخة مسجد >> كتشاروة << الشهير المشيد في العهد العثماني على الطريقة السليمانية في الأستانة، ولقد حدث ذات يوم مشهود أن أتى >> حاكم الجزائر << الى هذا المسجد يوم جمعة، وطلب من إمامه ( الذي كان في نفس الوقت يشغل منصب المفتي)، أن يخبر المصلين بأنه ابتداء من ذلك اليوم ( من أيام سنة 1832) لن يعبد في هذا المسجد إله غير المسيح!! وأعلن المسجد كاتيدرائكية لمدينة الجزائر ابتداء من ذلك اليوم المشؤوم كما هو معلوم!!

ولتتصوروا معي أيها الأحفاد الأمجاد حال وموقف الإمام الأعظم والمصلين في تلك اللحظة بالذات!! ( وهنا تظهر معادن الرجال الذين يجهرون بالحق أمام فوهات البنادق وحبال المشانق)، فقد اعتلى الإمام منبره لآخر مرة في حياته ليقول كلمة – ظلت في اعتقادي – هي المفتاح الذهبي لاسترجاع الاستقلال الوطني الحقيقي مهما طال الزمن الظلامي…

فلقد قال العالم المجاهد : >> أيها الإخوة المؤمنون… ولئن تغيرت عبادة الله في مساجدنا فإن الله لن يتغير في قلوبنا… “

وإذا كان الشعب الجزائري ( الذي لم يتغير الله في قلبه) قد طالب بالاستقلال عن فرنسا ودفع ثمنا غاليا من أجله، وفرض استقلال الجنسية أو تحريرها من قبضة الاحتلال الحديدية، فذلك لأنه بقي متمسكا بجوهر التميز الثقافي >> أو الشخصاني << عن فرنسا عقيدة ولسانا والفضل الأكبر في ذلك يعود إلى كفاح وحنكة رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين كانوا يتفقون مع الأحزاب الوطنية الأخرى في الإستراتيجية ويختلفون معها في التكتيك للوصول إلى الأهداف المنشودة المتمثلة في المحافظة على مقومات الهوية الوطنية، لاسترجاع أوراق الجنسية اعتقادا منهم بأن الجنسية إذا ضاعت قد تسترجعها الهوية، ولكن الهوية إذا ضاعت فتضيع معها الجنسية حتما والى الأبد مثلما وقع لأهل الأندلس كما أشار الإمام ابن باديس ذاته في عدة مناسبات، والذي لخص منهاج عمله وحدد أهدافه في شعاره الخالد >> الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا << وفصّل هذا الشعار في قصيدته الشهيرة >> شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب…>>

خامسا – الخلاصة :

ونختم حديثنا عن الثقافة والهوية بمقوماتها الجوهرية ( الدينية واللغوية) بمثال من الواقع التاريخي لهذا الوطن، فالجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي ضيعت جنسيتها الوطنية وزالت من على الخريطة كدولة مستقلة ذات سيادة، لتصبح جزءا من الدولة والأمة الفرنسية على الورق، وفي الخرائط الجغرافية المدرسية، ولكنها في حقيقة الأمر لم يضيع شعبها مقومات شخصيته وهويته العربية الإسلامية، ومن ثمة ظل الشعب ممسكا بأساس التميّز الثقافي والشخصاني، وبالتالي ممسكا بحجة المطالبة بالاستقلال السياسي أو استعادة أوراق الجنسية الملغاة، وهذا ما قد حصل بالفعل، ولو فرضنا أن الشعب الجزائري لم يقاوم الذوبان الشخصاني ولم يعتصم أبناؤه الشرعيون في غالبيتهم بمقومات شخصيتهم، وتمكن المحتل من تسوية جميع سكان الجزائر بسكان مرسيليا وباريس في الجنسية والهوية معا، فإنه لن يوجد في هذا البلد من يفكر مجرد التفكير في الاستقلال عن فرنسا!! فهل يعقل – كما أشرنا – أن يطالب سكان مرسيليا أو تولوز أو بواتيي اليوم بالاستقلال عن باريس!! والدليل على ذلك أن الذين ما زالوا يحاربون إلى اليوم (وبكل الوسائل التاحة) ثوابت الهوية الوطنية للشعب الجزائري الموحد هم كلهم من مخلفات الثقافة الفرنسية لغة وسلوكا، من الذين فرض عليهم استقلال الجنسية الجزائرية فرضا ( بحكم كفاح الأحرار وأصوات الأغلبية الشعبية في الاستفتاء على تقرير المصير في 1962)، وهو ما راهن عليه الجنرال ديقول الذي يقول بالحرف الواحد في هذا الخصوص: >> … وهل يعني هذا أننا إذا تركناهم يحكمون أنفسهم ( أي الجزائريين) يترتب علينا التخلي عنهم بعيدين عن أعيننا وقلوبنا؟! قطعا لا! فالواجب يقتضي منا مساعدتهم لأنهم يتكلمون لغتنا ويتقاسمون معنا ثقافتنا. >> (14)

إن طرح موضوع الهوية الوطنية في الجزائر اليوم بالذات هو محض اختلاف وافتعال لمشكل لا أساس له، وقد حله الأجداد المستنيرون منذ 14 قرنا، على أن خلفيات طرح الموضوع اليوم في حقيقتها تدخل في إطار تصفية الاستعمار ومخلفاته، وتدخل في مجال الصراع بين الاستقلال و    >> الاستحال <<، أو الصراع بين ثقافة وهوية الهلال، وثقافة وهوية الصليب، وبعبارة أخرى الصراع بين الفرنكوفونية و “الاسلاموفونية” وليس أبدا صراعا بين لغات أو لهجات عربية أو بربرية على الإطلاق، فابن خلدون درس ودرّس في بجاية بالعربية على أيدي الأجداد، وكان يقضي حوائجه في السوق بالعامية (العربية البربرية) دون أي عائق فرنكوفوني..!!

إن عدم التفريق بين استقلال الجنسية واستقلال الهوية مع التواطؤ الخياني من بعض الورثة…هو الذي نقل الهوية الوطنية من قضية بيداغوجية إلى قضية “إيديولوجية” تعود إليها – في جزء كبير منها – كل المأساة التي تعيشها الجزائر في الوقت الحاضر، والتي قد تستمر فيها مستقبلا إذا لم يطبق الدستور (مثل فرنسا في فرنسا) ويفصل به وفيه ميدانيا وفعليا بين الغاية والوسيلة والأمة والقبيلة!!

إن تعدد اللهجات “العربية أو البربرية” مقبول مع وحدة اللغة المكتوبة، وتعدد اللغات الكمتوبة في دولة واحدة وأمة واحدة لا يستقيم مع وحدة الشعب ووحدة الوطن ووحدة الهوية على الإطلاق!!

إن فرنسا (المادية) طردها كل الجزائريين الوطنين المخلصين، ومخلفاتها الثقافية يجب أن تطرد وتصفي من قبل كل الوطنيين المخلصين أيضا، وإذا كانت المواطنة بالجنسية فالوطنية لا تكون إلا بالتضحية، والباب يظل مفتوحا أمام كل مواطن كي يصبح وطنيا بالمساهمة الفعالة والمخلصة في تحقيق استقلال الهوية، وفي مقدمة هذه العملية هو القضاء على المخلفات الثقافية للاستعمار الفرنسي والمتمثلة في سيادة لغته في البلاد، ولا سيادة وطنية بدون سيادة اللغة الوطنية على الإطلاق، وفرنسا في فرنسا خير نموذج وأقوى دليل على ذلك!! علما بأن الوطنية الحقة وحب اللغة الفرنسية والتشبث بالدفاع عنها ضدّان لا يلتقيان إلا على التراب الفرنسي هنا أوهناك!!

وإن الذين يحاولون اليوم تمزيق وحدة الأمة في الجزائر بالبحث عن هوية أو هويات أخرى جديدة هم الذين كانوا يفرنسون الجزائر قبل الاستقلال وبعده تحت شعار>>اللغة وسيلة للتنمية<< وعندما وصلوا إلى الإفلاس المادي والمعنوي وبدأت الجزائر تدرك الخطر وتحاول استرجاع أهم مقومات هويتها والمتمثل في تعميم اللغة الوطنية بدأوا يبحثون عن البديل اللغوي من العدم للتمكين للغة العدو من اكتساب الشرعية في السيادة التي لم تكن تحلم بها حتى أثناء الاحتلال الفرنسي المباشر للجزائر!!

وبالنسبة لموضوع الهوية الوطنية بين الأمازيغية والعربية والإسلام… فالجواب هو أن الهوية الوطنية من الناحية التاريخية هي عربية إسلامية ذات بعد تاريخي امازيغي وثني مسيحي يهودي.

ومثلما تخلى الشعب الجزائري عن الوثنية واليهودية والمسيحية إلى الإسلام، وتخلى عن اللاتينية إلى العربية طواعية (كما قال ابن باديس). فاليوم لماذا يدّعي هؤلاء قبول الإسلام بدل الوثنية والمسيحية واليهودية، ويحاربون العربية لغة القرآن كلغة وطنية وحيدة وسيدة مثل سيادة الإسلام وشموله لكافة أرجاء الوطن، علما بأن الائكية (التي ينادون بها) أن كانت مطبقة في بعض بلاد العالم في مجال الدين، فلم يحصل أن وجدت لائكية لغوية (أي فصل مؤسسة الدولة عن اللغة الرسمية والوطنية في الدستور)، ولن توجد على الإطلاق! ولذلك ونظرا لأن اللغة هي عنوان السيادة ومرآة السياسة والهوية، فإن الهوية الوطنية، في الاتجاه العمودي التاريخي في الزمان هي أمازيغية عربية إسلامية، وفي الاتجاه الأفقي في المكان هي هوية عربية إسلامية فقط وأي طرح غير هذا لن تكون نتيجته غير تمزق الوطن إلى أشتات وشراذم لا حصر لها من الهويات والقوميات!!

وللإجابة عن ادعاءات ومطالب أولئك الذين يريدون أن يوقفوا التاريخ ويعودوا >>بالأمة<< الجزائرية إلى عهد الاحتلال الروماني متذرعين >> بالأصالة << و>> والجزأرة << و >> التاريخ الوطني << و >> الشخصية << أو >> الهوية <<الوطنية التي يصرّون في كل نداءاتهم، وشعاراتهم، وتصريحاتهم الرسمية وغير الرسمية، بأنها ذات التركيب أو الترتيب الثلاثي: >> أمازيغية عربية إسلامية << (…) نقول لهم بأننا نوافق على هذا المطلب وهذا الطرح أو هذا التركيب أو الترتيب، بشرط أن تكون (كما هو الشأن في فرنسا ذاتها، وفي جميع البلاد العربية الإسلامية الحالية) ترتيبا عمودي في الزمان، وليس تمزيقا أفقيا في المكان!! ولتبيان ذلك للذين يهمهم أمر >> الأمة <<ومصيرها وتاريخها، ولتوضيح المعني الحقيقي للاستمرارية التاريخية للشخصية، والهوية الوطنية الجزائرية (الأمازيغية العربية الإسلامية…)، فإننا نتمثل بعملية تلقيح الأشجار في العلوم الطبيعية، والتلقيح هنا ثقافي بالدرجة الأولى، وليس عضويا أو عرقيا ( كما أسلفنا)، لان التلقيح العضوي ان حصل – فهو أمر ثانوي جدا وان التطعيم – كما نعلم – يتم بنقل فرع من شجرة معينة ومختارة، ليطعم به جذع شجرة أخرى لها وجود وجذور ممتدة في أعماق الأرض، ما شاء لها التاريخ أن تمتد… والتطعيم يحتمل النجاح ويحتمل العكس، كما أن له شروطا من جملتها التقارب أو التشابه في فضيلة الشجرة والنوع، أي تطعيم نوع من الشجر مع نوع من الشجر المشابه له وليس تطعيم نوع من الشجر مع نوع من الحجر!!…

وإذا ما نجح التطعيم نجاحا كاملا، وكبرت الشجرة المطعمة، فيصبح جذرها من نوع وبقية الكيان ( الجذع والأغصان والثمال) من نوع آخر، بمعنى أن ما تحت التراب نوع، وما فوق التراب نوع آخر، وكما لا تستطيع الشجرة أن تنفصل عن جذرها أو تغيّره ولو أرادت ( على اعتبار أن التطعيم يتم في جذع الشجرة وليس في الجذر) فكذلك يظل من المستحيل أن يكون للشجرة وجود ملموس، لو قطعت من مستوى التربة ( أي من مكان التطعيم الذي ازالت معالمه القرون وصيرت الجذع كتلة عضوية واحدة) علما بأنها ستعطي نفس الثمار حتى ولو شقت أو قطعت!! وتبقى النتيجة الوحيدة لعملية القطع أو الشق هي تأخر نمو الشجرة أو قتلها، وليس تغيير نوع الشجرة ككل!! وهذا الإجراء لا يقبله إلا عقل مخرب للكيان وعدة لوحدة الأوطان ( مع ملاحظة وجود فارق هنا في التطعيم، وهو النوع العضوي الإنساني، والنوع الثقافي الرباني…)

وعلى أنه ومن بين الإحتمالات الواردة في هذا المجال، أن تظهر من حين لآخر بعض الفروع الفاسدة أو الميتة، أو بعض الأغصان الطفيلية التي تتفتق من جذع الشجرة – أحيانا –

ولكنها لا تلبث أن تخضع لعملية الزبر الموسمي ( في الأحوال الطبيعية) من قبل المهندس الفلاحي ( تطبيق قوانين الدستور) حتى يترك المجال لنمو الشجرة، بكيفية عادية، كبقية أشجار البستان، علما بأنه لو تترك الشجرة لمدة أطول ( من اللازم) دون المعالجة، بالسقي والتهوية والزبر والأدوية، والتهذيب الضرور الذي تقتضيه كل شجرة مثمرة في هذا الوجود… فان بعض ثمارها قد تبدأ في الفساد والتدني في الجودة، شيئا فشيئا، ومع مرور السنين على نفس الحال، وفي غياب العلاج اللازم للشجرة قد تكثر الفروع والأغصان الطفيلية ( المتوحشة) والثمار الفاسدة، وقد تصيب بعدواها ( مع مرور الزمن) بقية الثمار الأخرى، أو على الأقل تقلل من مردود الشجرة من الثمار الطيبة المغذية والمفيدة!! وعندما نتحدث عن العموميات الثقافية وعن الهوية لأي شعب كان، فالذي يهمنا هو القاعدة العامة والغالبة وليس الاستثناء الموجود في كل انحاء العالم، وفي جميع المجتمعات والأمم. فالذي يجب أن يعمل من أجله أبناء الأمة الواحدة والموحدة، هو الجهاد من أجل الحيلولة دون تحول الاستثناء إلى قاعدة، وتحول الاقلية الهامشية إلى >> أغلبية << فاعلة أو ” نائبة للفاعل” في غياب الاختيار الشعبي الحر والنزيه في الصناديق الشفافة!

وختاما نقول إذا أمكن للمرء أن يكتسب جنسيات وجوازات سفر في الوقت ذاته، فلا يمكنه أن يكون ذا هويتين مختلفتين في الوقت ذاته، وذلك لأن الهوية مثل الأم والشعب مثل الطفل، ومثلما لا يعقل أن يكون للطفل أمّان اثنتان أو ثلاث، فلا يعقل أيضا أن يكون للشعب الموحد الأصيل هويتان مختلفتان أو أكثر. فإما أن يكون الشعب ذا هوية واحدة أولا يكون على الإطلاق، وهذا هو ميدان جهاد الإمام طوال حياته اعتقادا منه بأن الأمم هي الهويات ما بقيت فإن هم ذهبت هوياتهم ذهبوا ( على حد قول أمير الشعراء أحمد شوقي بالنسبة للأخلاق التي هي جزء أصيل من مكونات الهوية)، والهويات الثقافات ما قويت وتميزت وازدهرت… فإن هم ذهبت أو استبدلت او عولمت ( من العولمة) ثوابت وعموميات ثقافاتهم ذابوا… والثقافات هي المعتقدات واللغات ما طبقت واستعملت… فإن هم شوشت معتقداتهم واسبدلت لغاتهم نسخوا ومسخوا أشباحا وأصفارا في أرقام غيرهم!!

لذلك فالمعركة ما تزال قائمة على أشدها، وستزداد استفحالا في المستقبل، بين شعب باديس وجماعة باريس ( من أولئك النواب ونائبات الفاعل) إلى أن يتحقق الاستقلال التام لجزائر الشهداء والشرفاء وعلى رأسهم إمام المجاهدين السابقين واللاحقين عبد الحميد بن باديس الذي أفنى حياته دفاعا عن الهوية الوطنية ( كما حاولنا أن نبين).

 

الهوامش :

(1) مجلة الشهاب قسنطينة، عدد فبراير 1938.

(2) نفس المرجع.

(3) نقلا عن كتاب التعليم القومي والشخصية الوطنية للدكتور/ رابح تركي، الجزائر، ص52.

(4) عن مجلة الموقف العربي عدد يناير 1979م.

(5) حديث رواه ابن عساكر.

(6) عن مجلة الموقف العربي، مرجع سبق ذكره.

(7) فتحي عثمان، >> عبد الحميد بن باديس رائد الحركة الإصلاحية << ص132.

(8) مجلة الشهاب 1936.

(9) د/ رابح تركي، >> الشيخ عبد الحميد بن باديس << ص71.

(10) د/ عبد القادر فضيل وأ/ محمد الصالح رمضان، >> إمام الجزائر << دار الأمة الجزائر، 1966.

(*) العبارة مشتقة من الوزن العربي الخماسي”استفعل،يستفعل” ومن معاني هذا الوزن في اللغة العربية (كما هو معلوم) هو طلب الشيء والحصول عليه، وهنا معناه طلب الحلول محل الحتل السابق والعمل لحسابه فكرا وثقافة وسياسة واقتصادا!!

 (11) نفس المرجع السابق.

(12) نفس المرجع السابق.

(13) د/ عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، >> لغتنا والحياة <<، دار المعارف بمصر، 1971، ص177.

(14) مذكرات الجنرال ديقول >> الأمل << منشورات عويدات بيروت 1971، ص49.


آخر التغريدات: