عبد الحميد بن باديس

عبد الحميد بن باديس

من الملائم أن ننشر هذه الكلمة على صفحات مجلة (دعوة الحق) لسان العلم والعلماء. وصوت الكتاب والشعراء .بمناسبة يوم 16 أبريل 1940 ذكرى وفاة الفقيد العظيم الأستاذ الداعية المرشد الإمام القوي بالله سيدي الشيخ عبد الحميد ابن باديس قدس سره، نعود بالذكرى وقد مرت  على وفاته ثلث قرن دون أن ينطفئ مصباحه الوضاء لجوانب الشمال الإفريقي بأسره، ولا أقول الجزائر وحدها ! لأنه كان المشعل المنير للظلمة الحالكة ساعة الاحتلال الفرنسي المقيت، ساعة طغيان المستعمر الغاصب المتجر، كان صوته يزعج المستعمر وأذنابه. ويذهل الدجاجلة ويفضحهم بصيحاته: ارجعوا إلى تعاليم الإسلام النقية كي تسلموا و تامنوا المصير.

لقد كان الشيخ ابن باديس رائد الأجيال ، نحو النور و الحياة الحرة. وباعث نهضة ثقافية واجتماعية وقومية أصيلة. أتاحت لأبناء افريقية الشمالية جميعهم أن يتوجهوا على هديها نحو طريق العزة والكرامة، نحو الحياة الحرة الكريمة المستمدة من عظمة الإسلام. ومجد العروبة الخالدة.

قضى الإمام بن باديس ولما يتجاوز عمره الخمسين عاما عمر قصير محدود، ولكنه حافل بجلائل الأعمال. وخالد المآثر، والحياة البناءة المنتجة لا تقاس بطول الأعوام و امتداد الأيام، بل تعد حياة الرجال وأعمار الإبطال بما يقومون به من جهد ونضال ، وما يتحملون من مسؤوليات و أعباء تنوء بحملها الجبال والراسبات وتعجز عن تحقيقها و نجازها أجيال و أجيال

كان الفقيد طرازا فريدا في عمله وعلمه . وجهاده وصبره. وإخلاصه وانقطاعه لخدمة امة الإسلام .بكل ما أوتي من قوة وإيمان ، وسعة علم، وصدق عزيمة، أنكر نفسه. وأفنى ذاته في ذات الأمة الإسلامية. ولا أقول الجزائرية وحدها  حتى انه ليعد بحق من أئمة السلف الصالح الأبرار الذين رضوا و عن طيبة خاطر إن يضحوا بكل ما ترغب فيه النفوس البشرية من لذة  ومتعة . كل ذلك في سبيل إعلاء كلمة الله . وإحياء الدين والنهوض بالأمة. فكان لجهاده رحمه الله أعمق الآثار. وأطيب الثمار. فيما أصبح عليه الشعب الإفريقي عامة و الجزائر خاصة، من نهضة واعية، ويقضة شاملة، وعزة و كرامة بات معها هذا الشعب بعد بضعة أعوام مضرب الأمثال في البطولة والاستماتة من اجدل استرداد سيادته والظفر بحريته واستقلاله .

وهكذا تدارك الله بلطفه أمر الإسلام والعربية في ارض الجزائر الحبيبة , بواسطة جهاده وجهاد إخوانه الأوفياء في وقت ظن الأغبياء أن الإسلام والعربية قضي عليهما. وافرغ من أمرهما إلى غير رجعة !
إن الشيخ ابن باديس امة وحده يستمد العون من الله ومن الشعور بعظيم المسؤوليات التي يتحملها العلماء الصادقون الذين لا يخشون إلا الله و لا يرجون إلا ثوابه ، يقاومون الظلم و الكفر والإلحاد و الجهل والطغيان و الاستبداد و العنصرية وكل داء ومرض من أمراض الاستعمار، وأوبئة الاحتلال.

عاش بن باديس داخل ظلمة المستعمرين لوطنه. والأبواب مقفلة في وجهه. وأساليب الفقر و الجهل تنشر بطرق وأخرى لإبادة شخصية الشعب الجزائري ، ومسخ قوميته. لإدماجه على الطريقة التي تجعل من أبنائه قطعانا من العبيد المسخرين لصالح السادات المحتلين ! فلقد حاربت فرنسا الإسلام والعروبة جهازا . وساعدت المبشرين في نشر التضليل رغم ما تدعيه من اللائكية ! وجندت لبلوغ الأهداف جميع ما لديها من قوة ومكر ، وكيد وغدر ، وبغي وقهر.

إن الشيخ  عبد الحميد بن باديس ليعد بحق الطبيب النطاسي الخبير، و الحكيم المتزن البصير، فيلسوف، كاتب، عالم، صحفي، مناضل. وأخيرا جندي من جنود الإسلام، استطاع أن يفحص كل هذه الأمراض المزمنة القاتلة ، ويستنبط لها الدواء النافع  الناجع.

فهو الذي يقول : ((طبيعة النهضة الجزائربة التي كان رحمه الله ابرز منشط لها حيث حددها تحديدا واضحا سليما ، إذ كتب يقول عام 1936 : ( نهضتنا نهضة بنيت على الدين أركانها ، فكانت سلاما على البشرية. لا يخشاها ((والله)) النصراني لنصرانيته، ولا  اليهودي ليهوديته ، ولا المجوسي لمجوسيته .

ولكن يجب ـ و الله ـ أن يخشاها الظالم لظلمه، والدجال لدجله، والخائن لخيانته .) وتحدث عن ضرورة  توحيد القوى الوطنية في ذلك الظرف فقال : (أما موقف الجمعية، يعني جمعية العلماء الجزائريين، مع خصومها فإنها تعلم أن الأمة تجتاز طورا من اشق أطوارها وأخطرها ، فهي تتناسى كل خصومة و تعمل لجمع الكلمة و توحيد الوجهة ولا تنبذ إلا رؤوس الباطل و الضلال الذين تحبهم الأمة و لا تقبلهم

كل من اطلع على تراث عبد الحميد ابن باديس  وكتابته لا يستطيع أن يستوعب عنه الكلام في مقال واحد، فأنت لا تكاد تقرا الرجل حتى تبرز أمامك شخصية عملاقة متعددة الجوانب، وفكر جبار لا يفرق أبدا في المشاكل، ولكنه يحيط بها و يدرك أبعادها و يرسمها في وضوح.

انك عندما تتعمق في سير الدعوة الإصلاحية التي حمل لواءها هذا المجاهد الفذ، ومن لف لفه من أصحابه من ذرية الزيتونة ومن ذرية القرويين من أبناء قسطنطينية والعاصمة الجزائرية لتردد اطمئنانا وإيمانا بما كان لهذا الشيخ وصحبه من ثمرة طيبة في تطهير العقيدة الإسلامية من شتى شوائبها ومزيفاتها. وكذلك في نشر ثقافة عربية إسلامية على أساس تعليم عصري،  وحد بين مشارب التراث العربي الإسلامي. وموارد الثقافة الغربية الأمر الذي جدد يقين الجزائر بروح الإسلام الصحيح. وابتعد بأبنائها عن ممقوت المعتقدات وطهرها من شوائب العادات المبتدعة، والتقاليد المكذوبة أو الموروثة عن وثنية بربرية لم تزل آثارها  متمكنة من نفوس البربر المسلمين من سكان المناطق الجبلية والأطراف الصحراوية ، وإننا لن نبالغ في القول إذا قلنا أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة ابن باديس قدس سره ، قد استطاعت فيما وجدت من تربة صالحة أن تحقق أهداف الدعوة السلفية التي لم يستطع  أقطابها في الشرق أن يحققوها !

ولادته :

ولد عبد الحميد بن محمد مصطفى بن باديس في ديسمبر 1889 م بمدينة قسطنطينية ، حفظ القرآن الكريم على الشيخ محمد المداسي، ودرس العلوم  الدينية في قسطنطينية مسقط رأسه على الشيخ حمدان الونيسي الذي حذره من الالتحاق بأي وظيف حكومي.

التحق بالجامعة الزيتونية في تونس ، حيث أتم دراسته العالمية سنة 1911 م.

أدى فريضة الحج سنة 1913، وطاف على اثر ذلك بالقطار العربية، سوريا، لبنان، مصر، اتصل بالعلماء في هذه الأقطار ، وأجازه المرحوم الشيخ محمد بخيت في مصر إجازة العالمية.

ابتدأ التدريس و الدعوة و الإصلاح بقسطنطينية سنة 1914.

عمل صحفيا فانشأ جريدة ((المنتقى)) التي كان شعارها ، الحق فوق كل واحد، والوطن قبل كل شيء، ثم ((الشهاب)) جريدة ومجلة شعارها : لنعول على أنفسنا و لنتكل على الله.

ثم أسس مدرسة عظمى عامة لتكوين الأساتذة والمعلمين بقسطنطينية تسمى ((مدرسة التربية والتعليم)) التي فرغت منها وعنها المدارس العربية الإسلامية بأرض الجزائر بالسهل و الجبل منه حتى بلغت نحو 400 مدرسة هي التي عالجت الوسط الجزائري . وكشفت عنه الغمة. وتخرج منها أسد المعركة. معركة تحرير الجزائر من سيطرة فرنسا العاتية لمدة 130 سنة !؟

وظل رئيسا لجمعية العلماء منذ تأسيسها يجاهد بقلمه و لسانه وماله ، ضد الظلم و الظالمين . والدجل و الدجالين إلى أن التحق بجوار ربه في 16 ابريل 1940 ، فرحمه الله ورضي عنه في الأبطال الخالدين.

الدعوة السلفية لجانب المدرسة

عبد الحميد بن باديس في طليعة الدعاة البررة هذه الدعوة المباركة ليست وليدة عهده بل نشرها ودعا إليها بالدرس والتأليف في كل العصور الإسلامية ، وتحمل عبئها الثقيل عدة جهابذة من رجالات الإسلام في مختلف العصور. اذكر من بينهم علم من أعلام السنة وإمام شهير بالدعوة للتوحيد الخالص، الإمام ابن تيمية الحنبلي المذهب، ظهر داعية  بدروسه وتأليفه ومجالسه ومناظراته، ولا نحتاج لتبيان جهوده لأنها معروفة ومدروسة. كما قام بنفس الدعوة عالم جليل لا يقل رتبة عن سابقه علما . ودينا . وكفاحا. وإخلاصا , هو الإمام ((الشوكاني )) بأرض اليمن ، ألف في ذلك عدة مؤلفات تزدهر بها المكتبة الإسلامية حتى يوم الناس ، مثل كتابه (( نيل الاوطار ))  وكتابه  ((القول المفيد في حكم التقليد))  وكثير هم علماء السلف في كل العصور ، ولقد مرت عليهم جميعا أطوار صعبة تلقوا من جرائها الشدائد و الأهوال ، وهكذا يعيش أصحاب المبادئ و الاتجاهات في الدعوة إلى الله. تسلسلت هذه الدعوة بين أكابر العلماء وأبرزها الشيخ (( محمد بن عبد الوهاب)) بأرض نجد في العهود الأخيرة  بمساندة رجال الدولة السعودية و يعد بحق مجددا للدعوة لا منشئا لها. وفي نظره تعتبر السلفية مسالة التوحيد التي هي عماد الإسلام، والتي تتبلور في قول ((لا اله إلا الله )) التي تميز بها الإسلام عما عداه، والتي دعا إليها محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم و اله وصحبه، فلقد ورد عنه عليه  السلام انه قال: أفضل ما قلته انأ والنبيون من قبلي ( لا اله إلا الله ) فهي اصدق دعوة الإسلام، فلا أصنام ولا أوثان و لا عبادة  آباء وأجداد، و لا أحبار ولا رهبان، و لا غير ذلك، منذ انتشرت هذه الدعوة مؤخرا ظهرت أثارها بمغربنا العزيز في عهد السلطان السلفي المولى سليمان، كما ظهرت في بلاد الهند بواسطة الشيخ احمد (بالبنجاب) حيث أسس دولة أو شبه دولة، كما قام بنشر الدعوة لها علماء وأعلام من بينهم الإمام السنوسي الكبير رحمه الله ورضي عنه، وقد اشتهرت دعوته السلفية بالجزائر، ثم بالمغرب  وانتشرت بسرعة، ووقع الإقبال عليها، والإجماع على نهجها القويم ، وطريقها المستقيم، والطريقة السنوسية تعد من أهم الدعوات الإسلامية، ببلاد الأفارقة جمعاء. بالأخص بأرض السودان وما إليها، وعلى الذين لا يعرفون مكانتها المرموقة أن يراجعوا ما كتبه عنها أمير البيان ((شكيب ارسلان )) في تعاليقه على (( حاضر العالم الإسلامي )) ليتعرف عما قامت به الطريقة السنوسية السنية من جهود جبارة في التعريف بالإسلام النقي و الدعوة لمبادئه السامية بطريقة علمية، أن الدعوة السلفية الإسلامية هي عبارة عن الدعوة المحمدية في نشأتها الأولى : قرآن ، وسنة، وعبادة، حسن المعاملة، كفتح مرير، جهاد وتضحية، استماثة في نشر دعوة القران ( محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم. رآهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) وصدق ربنا، دعوتهم الدائمة، الجهاد من أجل الشرف والكرامة وتبليغ الدعوة الإسلامية ، ودعوة الأخوة والصفاء والوفاء و التعاون على البر والتقوى، حتى ترتفع كلمة الله ( فان جنحوا للسلم فاجنح لها).

كما ظهرت نفس الدعوة السلفية الإسلامية بواسطة جبل السنة رئيس الطريقة الناصرية سيدي احمد بن ناصر ((بتامكروت)) بصحراء المغرب، فلقد عرفت هذه الزاوية المباركة بنشر العلم وتلقين القران والاعتصام بحبل الله المتين، وبالمثل العليا وبالاستماتة عن كرامة العقيدة الإسلامية الغضة الطرية مذهبا وسلوكا منذ تأسيسها، وهي تجاهد الجهاد المرير في نشر المعرفة و النور طيلة أحقاب حيث ضعفت معاهد التعليم بالمغرب بسبب الحروب  الداخلية، قامت هذه الواوية بواجبها المقدس أحسن قيام وعلى الطريقة السلفية وتلافت النقص و أبرزت للمغرب العزيز جمهرة عظيمة من رجالات التعليم والتهذيب و التصوف الإسلامي النزيه، عكف مؤسسوها  تحت الصبر و الاحتساب على بذل الغالي والرخيص في ميدان الدعوة الإسلامية دون مقابل عدا رضا الله  وصالح المؤمنين .

وهنا لا يفوتني أن أسجل حق عدة طرق صوفية وسنية ورجالات البطولة والشهامة في حب الله والرسول و بذل الجهد في سبيل نصرتها، والدفاع عن كرامتها، والاهتداء بهديهما، وتكوين و تمرين الآلاف المؤلفة من المسلمين على نهج السنة النبوية ، والاعتصام   بحبل الله المتين، والقيام بالشعائر المقدسة، ورهن الأنفس والأموال وكل عزيز وغال في سبيل الاعتزاز بالإسلام النقي النزيه على المذهب السلفي و التضحية من أجله، لا يفوتني أن أصرح  بان هؤلاء من صميم رجال السلفية، ومن الرعيل الأول في صفوف المسلمين، ولا يخرج عن هذا النطاق إلا الضالون المبالغون الخذلان، والمتمسكون بحبل الشيطان .

ثم جاء عهد الشيخ جمال الدين الأفغاني قدس سره، ومن سديد نظراته السلفية قوله، أن اخطر ما تستعمله الأمم الأجنبية في الشرق ، العمل على إضعاف اللغة القومية وقتل التعليم القومي الأصيل، والتنفير من آداب الأمم الشرقية لتحل محله لغتها و آدابها. والحال أنه : ( لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا آداب لهم، ولا عز لقوم لا تاريخ لهم) ثم يقول عن  نفسه لقد جمعت ما تفرق من الفكر، ولممت شعة التصور، ونظرت إلى الشرق وأهله، فاستوقفني الأفغان، وهي أول أرض مس جسمي ترابها، ثم الهند وفيها تثقف عقلي، فإيران بحكم الجوار والروابط، فجزيرة العرب من حجاز مهبط الوحي، ومن يمن وتابعتها، ونجد والعراق وبغداد وهارونها ومامونها، والشام، ودعاة الأمويين فيها، والأندلس وحمراؤها، وهكذا كل صقع و دولة من دول الإسلام وما آل إليه أمرهم، فالشرق شرق خصصت له جهاز دماغي لتشخيص دائه وتحرير دوائه ، فوجدت اقتل ادوائه داء انقسام أهله، وتشتت آرائهم، واختلافهم على الاتحاد، واتحادهم على الاختلاف ! فعملت على توحيد كلمتهم وتنبيههم للخطر المحدق بهم، ومن أقواله السديدة في السلفية : ان التفرقة بين أهل السنة  و الشيعة أحدثتهما أطماع الولاة لجهل الأمة، وجميعهم يؤمنون بالله و بالقران و برسالة محمد صلوات الله عليه ففيم الخلاف !؟ و لم القتال!؟ 

ثم يأتي دور عالم سلفي مجدد هو الشيخ محمد عبده و على نهجه ظهر عدة علماء بالشرق و الغرب ، وأعلنوا الدعوة السلفية بطرق أخرى، من بينهم، وعلى رأسهم شيخنا الإمام عبد الحميد بن باديس مجدد الثقة بالله في الشعب الجزائري، بل مرشد الأمة المغربية قلطبة بدروسه و تلاميذه و صحفه وكتبه وجمعيته، فالدرس بمنزله الذي كان يعد معهدا علميا زاخرا بالطلاب والمستفيدين، ومدرسة سلفية تجدد الدعوة الإسلامية، وتلهج بروح الإيمان بالكتب و السنة والرجوع إليهما في كل الاتجاهات، وكتابته في الصحافة والمجلات والمؤلفات كلها كانت عبارة عن مدرسة سائحة متنقلة سائحة تهيج وتموج وتهتدي وترشد هنا وهناك، تلج كل البيوت والمنتديات، وتخلق الفكرة السالمة في الأوساط، وتوضح المواقف الواجب اتخاذها تجاه خصوم الإسلام، والمخالفين لنهج السنة، أما جمعيته جمعية علماء المسلمين الجزائريين فقد شرقت و غربت وأنشأت المدارس  والمنتديات وجيشت جيوش الكفاح والنضال بكافة أنحاء الجزائر، بل احتلت ارض فرنسا (( الخصم اللدود)) فأسست بها الأندية والجماعات، ونظمت أسس الدعوة المحمدية بين المسلمين المغتربين هناك ، وكان هذا السيل الجارف الذي ينشره ابن باديس وإخوانه بشتى الطرق و الوسائل  يفوح عبيره بأرض المغرب ، وتزدهر به جوانبه ، ببعض علماء السلفية المسلمين ، وما الأستاذ الجليل وزير القصور الملكية سابقا الفقيه العلامة سيدي محمد العمري (الزواوي رحمه الله و الأستاذ الخبير الخريت حبيب المصلحين قاطبة  ورجل العبقرية الفذة مترجم القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية سيدي احمد التجاني أطال الله حياته إلا رجال بررة من خيرة رجالات جمعية  العلماء، التي ازدهرت بها أسواق العلم و الأدب و الكفاح بل الجهاد المستميت ضد العدو الجاثم على صدور المغاربة والجزائريين معا ( فرنسا) بسلاحها الثار ، سلاح التشكيك ونشر المبادئ الهدامة بين صفوف الطلاب، وإدخال الرعب و الذهول في قلوب ضعاف الإيمان ، وعديمي الثقة بالله، ولا ريب أن لمولانا محمد الخامس طيب الله ثراه ، نفحة من هذا الاريج العطر فلقد تعلم و اخذ عن الرجلين العظيمين السابقي الذكر، كما اخذ عن جهابذة علماء السلف بالمغرب كالشيخ  العظيم المحدث الشهير والداعية الإسلامي السني السلفي الذي كرس حياته في السفر والحضر وفي كل المجتمعات والمنتديات وبالليل والنهار والذي لا يخلو مغربنا العظيم شرقه و غربه شماله وجنوبه من تلامذته ومريده (أبي مدين شعيب الدكالي تغمده الله بواسع  فضله، وكالعلامة البطل الشريف سيدي محمد بن العربي العلوي رحمه الله ) وغيرهم، فالدعوة السلفية في عصرنا أصبحت تسير سيرا حثيثا وتفتح أذهان الأمة، وتطهرها من الخرافات، وبسبب هذه التلمذة بلغ الحال بسيد البلاد اصدار الظهير الشريف الشهير ضد هديان الطرق الضالة، التي كانت تسم الإسلام  بأوصاف هو منها براء ، وعنها معرض واليها خصم عنيد .

إن دراسة المذهب السلفي يتكون من أفكار سلفنا الصالح بتعاقب الاومان و دراسته لا تخرج عن دراسة الكتاب والسنة والاهتداء بهديهما والوقوف عند أمرهما ونهيهما، فمنذ تعرفنا على التشريع الإسلامي قرانا رسالة لبن أبي زيد القيرواني بالعقيدة السلفية و تلقينا عن عدة علماء بررة معاني السلفية دروسا وسلوكا، أنها ليست من البدع كمن القول و لا مذهبا جديدا حدث في الإسلام بل السلفية الاعتصام بالتوحيد الخاص لله الواحد القهار إحياء الأمجاد  الأولى لظهور الإسلام القدوة الصالحة بمؤسس الشريعة الإسلامية الارتواء من حياضه الغزيرة الفياضة الصافية ، ومجلة الشهاب الغراء لسان جمعية العلماء  التي يترأسها مترجمنا مجدد الدعوة عبد الحميد بن باديس قدس سره ، كانت أساس هذه الدعوة وبواسطتها كنا نستيقظ من الغفلة فكانت مجتمعات الطلاب تدرس هذه المجلة النيرة الموفضة وكانت كتابة ابن باديس وصحفه تضيء لنا الطريق السوي و تقوي شعورنا بعظيم المسؤوليات الملقاة على عاتق العلماء و الطلبة وسائر طبقات الأمة ، ومنها تعرفنا على أن كل نهضة قومية لا يمكن أن تشيد  مكينة ومتينة وراسخة إلا إذا أقيمت على دعامة الدين واللغة وإحيائهما والحياة بهما كوسيلة فعالة لبعث امة وإيقاظها من غفلتها. وإخراجها من الظلمات إلى النور .

فيأما أروعه وأجله وهو ينشد في حفل عام ينادي فيه النشء وكأنه ينظر بنور الله إلى ما سيكون في المستقبل والمستقبل القريب :

يا نشء أنت رجاؤنـــا ***  وبك الصباح قد اقتــــرب

خذ للحياة سلاحهـا  *** وخض الخطوب و لا تهـب

وأذق نفوس الظالميـن***  السم يمـزج بالرهــب

واقلع جذور الخائنيـــن*** فمنهـــم كل العطـــب

من كان يبغي ودنــــا*** فعلـى كرامة و الرحــب

أو كان يبغي ذلنــــا*** فلـه المهانـة و الحــرب

هذا نظـــام حياتنــا*** بالنور خـــط و باللهـــب

حتى يعـود لقومنــا*** حتـى اوســد في الـترب

فإذا هلكت فصيحتـي***  تحيـي الجزائـر و العرب

وزيادة في تخليد شخصية الإمام ابن باديس نستمع لصيحته هنا إلى أبيات أنشأها لدعوته وشاعت وذاعت بين الطلبة و غيرهم كنشيد لمدرسته ، لنأخذ نظرة وافية عن هذا الشيخ الهمام الذي كان يعبر اصدق تعبير عما ينتظر بلاد الجزائر من أمجاد و أعياد  حيث يقول

اشهدي يا سمـــــا ***  واكتبـــن يا وجــــود

إننا للحمـــى ***  سنكـــون الجنـــود

فنريـــح البـــــلاد *** و نفــــك القيــــود

وننيــــل الرضـــى *** من وفـــتى بالعهــود

ونذيـــق الــــردى *** كــل عـــات كنــود

و يــــرى جيلـنــا *** خافقـــات البنــــود

ويــــرى نجمــــنا *** للعــــلا فـي صعـود

إن هذا النشيد ليعبر اصدق تعبير عن مستقبل بلاد الجزائر الحبيبة. وموهبة من الله نطق بها، لم تمض أربعة عشر عاما على وفاته رحمه الله حتى هبت الجزائر بأكملها تجاهد صفا واحد لتفك عن البلاد القيود، والأغلال وتذيق الردى كل عات كنود. طب نفسا وقر عينا أيها الداعي إلى العزة و الشرف. فلقد حقق الله آمالك وأصبحت أمة الجزائر  التي عشت لها خادما ومرشدا طيلة حياتك حتى لقيت ربك، دولة عربية إسلامية يفخر بها القريب والبعيد والصديق، ثم في جوار الله قرير العين مثلوج الفؤاد، وإنا لعهدك لحافظون و على نهجك نهج الكتاب والسنة سائرون ولخدمة المصالح العليا للأمة الإسلامية منفذون .


دعوة الحق العدد 153.

آخر التغريدات: