آراء الإمام عبدالحميد بن باديس في الأخلاق

آراء الإمام عبدالحميد بن باديس في الأخلاق

ولد ابن باديس في ديسمبر سنة 1889 وتلقى تعليمه أولًا بحفظ القرآن الكريم فأتمه وهو في السنة الثالثة عشرة من عمره[1]، وأخذ مبادئ العربية ومبادئ الإسلام عن الشيخ حمدان الونيسي، ثم تلقى الدراسة الابتدائية بمدينة قسنطينة والثانوية بجامع الزيتونة حيث درس من عام 1908 إلى عام 1912 (وتوفي رحمه الله تعالى سنة 1940م). 

وخاض الإمام في مجالات مختلفة تعليمية وصحفية واجتماعية وسياسية محاولًا تحرير بلده من الاستعمار الفرنسي، وإحياء الإسلام في نفوس الجزائريين بعد أن حاولت فرنسا نزع العقيدة الإسلامية من النفوس وسط حملة تغريب ضارية لم تجد لها في التاريخ مثيلًا.

ونجح ابن باديس بمنهجه الإصلاحي المستمد من الإسلام في إنقاذ بلاده وإعادة شخصيتها وكيانها فحق اعتبار ذلك بمثابة معجزة القرن العشرين[2].

وقد اتخذ هذا الإمام الكبير من الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح دليلًا ومرشدًا في منهجه وأعماله كلها سيتضح لنا بعد قليل، وقد خلف لنا رحمه الله تجارب عظيمة في الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.

آراء الإمام عبد الحميد بن باديس في الأخلاق[3]

منهجه:

من الممكن أن نلخص المنهج الذي اتبعه الإمام عبد الحميد بن باديس من الكلمة الموجزة التي ألقاها بجمعية التربية والتعليم عام 1358هـ 1939م بقوله: (لم لا نثق بنفوسنا، وقد أعطانا الله عقولا ندرك بها؟ وقد أعطانا من هذا الدين الإنساني، ومن هذا الدين العقلي والروحي ما يكمل عقولنا ويهذب أرواحنا، أعطانا منه ما لم يعط لغيرنا، لنكون ن قادة وسادة وأعطانا وطنًا شاسعًا مثل ما لغيرنا، فنحن إذن شعب عظيم يعتز بدينه، يعتز بلغته، يعتز بوطنه يستطيع أن يكون في الرقي واحدًا من هذه الشعوب..)[4].

كان معتزًا بالإسلام لأنه لا سبيل إلى الناس في دنياهم وأخراهم ومغفرة خالقهم ورضوانه إلا بالعمل بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، وذلك مصداقًا لقوله تعالى ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: 108]، ويفسر الإمام هذه الآية بأن الله خلق محمدًا – صلى الله عليه وسلم – أكمل الناس وجعله قدوتهم وفرض عليهم اتباعه والاقتداء به، وقد بين سبيله بثلاثة أشياء (الدعوة إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)[5].

وفي عبارة موجزة يعبر لنا عن مفهوم الدين عنده، فالدين كله (عقيدة بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح الظاهرة والباطنة)[6].

إنه يتمسك بالقرآن للإصلاح في كافة المجالات، ومنها الأخلاق فقد بين لنا مكارم الأخلاق ونفعها ومساوئ الأخلاق وضررها، ولكن المسلمين لم يستمسكوا بهذا الأصل وانصرفوا إلى مناهج أخرى، فمنهم من اندفع إلى التصوف الأعجمي واعتبروا إياه عنوانًا على السلوك القويم، بينما الحقيقة أنه مختلط بتراث أمم وثنية، أي أن المسلمين انصرفوا عن الأخلاق التي بينها القرآن، والتي لا تدانيها أخلاق أي دين آخر أو أي مذهب فلسفي، ووضعوا أوضاعًا من عند أنفسهم واصطلاحات مخترعة ابتعدوا بها عن الحقيقة السمحة، وأدخلوا من النسك الأعجمي ما هو بعيد كل البعد عن روح الإسلام بل معارضة القرآن بها[7].

فمرد خطأ الصوفية في منهجهم الالتجاء إلى مصادر ثقافية ودينية أجنبية والاستناد إلى قواعد أخلاقية غريبة عن الإسلام، كما أخطأ المتكلمون أيضًا عندما لم يستمدوا العقائد من القرآن، وهي سهلة قريبة في متناول عامة المسلمين، فكأنما – هجروا القرآن – إلى عباراتهم الاصطلاحية الصعبة (وقد كان من نتيجة هذا ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه)[8].

إنه يؤمن بأن الحقيقة القرآنية متكاملة (تشمل الحياة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو ما يعبر عنه بالدين والدولة أو الدنيا، وليس الإسلام كالمسيحية التي اهتمت اهتمامًا بالغًا بالإصلاح الروحي، وأهملت النظام الاجتماعي، وهو ما أراد بعض الناس أن يطبقه على الإسلام أيضًا)[9].

كما اعترض الإمام ابن باديس على طريقة المسلمين في تلقي القرآن وحفظه دون تطبيقه، فإن هذه الطريقة مخالفة لطريقة السلف حيث استخدموا عقولهم لفهمه، واستعملوا هممهم العالية لنشره وتعميمه (فإن القرآن لا يأتي بمعجزاته، ولا يؤتي آثاره في إصلاح النفوس إلا إذا تولته بالفهم عقول كعقول السلف، وتولته بالتطبيق العملي نفوس سامية وهمم بعيدة، كنفوسهم وهممهم)[10].

هكذا فهم إمامنا رسالة القرآن، وكان هذا الفهم حجر الزاوية في منهجه الإصلاحي، لتخليص عقائد المسلمين من الشوائب، وأخلاقهم من تأثيرات التصوف، والأخذ بيدهم في الارتقاء والتقدم. ويعتبر أن الشرع كله متوجه إلى إصلاح النفوس، فصلاح الإنسان وفساده يقاس بصلاح نفسه وفسادها مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9، 10] فعارض بذلك المدرسة الاجتماعية التي تضع في المقدمة تغير المؤسسات الاجتماعية، وتفترض أن الإنسان صار إلى ما صار إليه نتيجة عوامل مختلفة، وهو مع مناداته بالإصلاح في ميادين الاقتصاد والاجتماع أيضًا، إلا أنه يرى أنه ينبغي البدء بالإنسان، ولهذا فإن العامل الأخلاقي هو الأساس في كل إصلاح عند ابن باديس بينما تجعله المدرسة الأخرى متأخرًا عن المسائل المادية، ومن المهم أن ندرك – كما فعل الدكتور عمار الطالبي في دراسته لمنهج الإمام الجزائري – أن كون النفس هي أساس الإصلاح ليس معناه التأمل والانقطاع عن الحياة، فإن هذا التصور كان بعيدًا تمامًا عن الفكر الباديسي، لأن ميزته العقلية (أنه يجمع بين الفكر والعمل، بين النظر والتطبيق، وهي ميزة النفوس القوية، وطبيعة المفكرين المؤمنين)[11].

وكان معارضًا لمنهج الفلاسفة كابن سينا وأمثاله (الذين يحاولون تطبيق العبارة الإسلامية على الفلسفة اليونانية والآراء الأفلاطونية)[12] ويقارن بينهم وبين الفقيه المغربي ابن العربي مادحًا إياه، فيصفه بأنه حكيم إسلامي وفقيه قرآني وعالم سني، ويوضح منهجه بأنه لا يبني أنظاره إلا على أصول الإسلام ودلائل الكتاب والسنة.

المفهومات الأخلاقية:

من الضروري أن نتعرف أولًا على معاني ألفاظ كثيرة يستخدمها الإمام ابن باديس مثل القلب، الروح، النفس، العقل، وسنحاول بيان المفهومات التي تناسب علم الأخلاق، وذلك تمهيدًا للحديث عن مذهبه في الأخلاق.

يبدو من سياق آرائه أنه جعل القلب أساس الحياة الأخلاقية. وقد ذكر القلب كثيرًا في القرآن الكريم، فإذا فاجأنا إلى استطلاع حكيم أخلاقي سابق عليه، وهو الراغب الأصفهاني لعثرنا على معنى القلب عنده، فالمراد بالقلب (في كثير من الآيات: العقل والمعرفة)[13]، ومن هنا نفهم قول العالم الجزائري المسلم (إن إطلاق لفظ الفؤاد والقلب على العقل مجاز مشهور)[14]، أما القوى النفسية فهو في الغالب يقصد بها الانفعالات والهواجس، لأنه يقسم النفوس البشرية إلى ثلاثة أقسام، قسم يصدر عنه الضرر ويعمله، وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه وهو شر من الأول، والقسم الثالث وهو الأعظم خطرًا لأنه (يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك)[15]. هذا إن كان القلب شريرًا خاليًا من دواعي العلم والإيمان، أما إذا كان محصنًا بالإيمان فحينئذ يصبح مجلى العقول فلا يستطيع الوسواس له نقبًا[16].

والنفس الكريمة هي التي كملت بمحاسن الأخلاق التي بها كمال النفوس[17] ووسيلتها إلى ذلك التحلي بعقائد الإسلام في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله، وتذوق حلاوتها، فتتكون لها منها (إرادة قوية في الفعل والترك تملك بها زمامها، تلك الإرادة التي لا تكون إلا عن عقيدة راسخة)[18].

إن للنفس إذن عند ابن باديس معنى أعم من القلب، ولكن نظرًا لأهمية القلب فإنه يعبر به عن النفس على طريق المجاز.

إن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، ويسري عليها ما يسري على البدن من صحة ومرض، فكما أن صحة البدن هو اعتدال مزاجه وقيام أعضائه بوظائفها، ومرضها هو تعطيل أعضائه وضعفها وعجز بعضها أو كلها عن القيام بوظائفها، الأمر كذلك أيضًا بالنسبة للنفس من حيث اعتلالها ومرضها، وطريقة علاجها وتقويمها، فعلاج البدن بالدواء (وإصلاح النفس بمعالجتها بالتوبة الصادقة وإفساد البدن بتناول ما يحدث به الضرر، وإفساد النفس بمقارفة المعاصي والذنوب)[19].

واستنادًا إلى الآيات والأحاديث يقدم لنا الأدلة على صحة ما يذهب إليه، ففي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9، 10] دليل على أن رقي الإنسان وانحطاطه برقي نفسه وانحطاطها. والحديث ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)). ويمضي معلقًا على هذا الحديث فيقول (وليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية المرتبطة به، وللنفس ارتباط بالبدن كله، ولكن القلب عضو رئيسي في البدن ومبعث دورته الدموية على قيامه بوظيفته تتوقف على صلاحية البدن لارتباط النفس به فكان حقيقيًا لأن يعبر به عن النفس على طريقة المجاز)[20].

والحياة الأخلاقية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقلب بمعنى النفس، فإن الصلاح يتم بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة – أي بصحة العلم وصحة الإرادة – وتبنى الأعمال على العقائد والأخلاق، ولذا فعلينا في رأيه أن نوجه الاهتمام الأعظم لتربية أنفسنا وتربية غيرنا ووسيلتنا (تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر)[21].

وأشار الإمام إلى الغرائز دون تفصيل، ففي تفسيره لقولي الله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [الإسراء: 83] يذكر أنه في النوع الإنساني غرائز غالبة عليه لا يسلم منها إلا من عصمه الله أو وفق إلى الإيمان والعمل الصالح، ورأى أن في هذه الآية بيان الإعراض عن النعمة واليأس من الرحمة (فليحذر المؤمن من هذين الوصفين الذميمين والعمل على اجتنابهما واجتثاثهما من أصلهما[22]، وقد أوضح القرآن الكريم بيانًا لكثير من الغرائز للتحذير من شرها والتنبيه على سوء مغبتها، منها أيضًا محبة الإنسان نفسه. والناحية النافعة في هذه المحبة هو جلب للنفس حاجتها ودفع عنها ما يضرها والسعي في تكميلها، ولكنها من ناحية أخرى هي مدخل من أعظم مداخل الشيطان، فيحسن للإنسان أعماله (وهو لمحبة نفسه يحب أعماله ويغتر بها فيذهب مع هواه في تلك الأعمال على غير هدى ولا بيان فيهلك هلاكًا بعيدًا، والوقاية من هذا الهلاك هو أن يزن الإنسان أعماله بميزان الشرع لا سيما إذا ما اشتدت رغبته في أمر تدعو إليه نفسه، فعليه أن يتهم إياها[23].

وفي علاجه لموضوع الغرائز يضع العلاج لها، وينبه إلى إمكان السيطرة عليها بحيث تجلب النافع وتدفع الضار، ووسيلته إلى ذلك هو عقائد الإسلام التي تتكون منها إرادة قوية في الفعل والترك لقللث بها زمام النفس[24].

إن الخلق إذًا عند الإمام قابل للتعديل والتحسين حتى يصير ملكة نفسه، إذ يعرف الخلق بأنه (الملكة النفسية التي تصدر عنها الأعمال)[25].

ومصدره في بيان الأخلاق هو القرآن الذي جاء موضحًا الأخلاق الصحيحة وعطم نفعها وحسن عاقبتها، ومبينًا الأخلاق الفاسدة وسوء أثرها وقبح مغبتها، فجاء مصححًا للعقائد مقومًا للأخلاق وبهما سلامة الأرواح وكمالها. إن فيه شفاء للفرد والجماعة بما شرع من أصول العدل وقواعد العمران ونظم التعامل وسياسة الناس. فبالإجمال تضمن شفاء العقائد والأخلاق – وهما أساس الأعمال – والمجتمع. هذه الثلاثة لا تكاد تخلو آيات القرآن من معالجتها وبيان ما هو شفاء لها ولا شفاء لها إلا بالقرآن وبيان النبي – صلى الله عليه وسلم – راجع إلى القرآن، ومن طلب شفاءها – أي أمراض العقول والنفوس – في غير القرآن فإنه لا يزيدها إلا مرضًا، ويضرب على ذلك مثلًا بالأمم الغربية التي امتلأت بالجنايات والفضائح المنكرة بالرغم من سجونها ومشانقها ومحاكمها، بينما بعض الممالك الإسلامية التي داوت الأمراض بالقرآن قد استقرت فيها السكينة بلا سجون ولا مشانق.

التربية الأخلاقية:

قلنا في بداية هذا الحديث إن الإمام ابن باديس يرى أنه ينبغي البدء بالإنسان في منهجه الإصلاحي (والإصلاح هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من فساد)[26].

ومن هذه العبارة، نفهم كيف سعى إلى بيان طريقته في التربية التي رأى أنه لابد فيها من الشرع، وأنها (لا تكون مجدية إلا على أساس تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق)[27]، يقول الأستاذ الدكتور قاسم (ومن قبل حاول أوجست كونت مثل هذه النهضة لكنه فصل الأخلاق عن الدين وحاول بعض أتباع مدرسته أن ينشئ الأخلاق على أساس من العلم لا من الدين فلم يفلح لقد ظنت المدرسة الفرنسية أن المجتمع هو الذي يفرض القيم الأخلاقية فرضًا، ورأى ابن باديس، ومثله جمال الدين الأفغاني أن الأخلاق هي التي تنبع من أعمال الضمير المتدين لا من قهر المجتمع، لأن صوت الضمير أقوى من مئات القوانين)[28].

وفي تفسير ابن باديس لقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96] يعني أن الإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد للمسلمين. فليبدءوا من الإيمان بتطهير عقائدهم من الشرك وأخلاقهم من الفساد وأعمالهم من المخالفات (فبدوام السعي واستمراره يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله، وليكن دليلنا في ذلك وإمامنا كتاب ربنا وسنة نبينا – صلى الله عليه وسلم – وسيرة صالح سلفنا)[29]، والدين كله عمل صالح وتوحيد خالص[30].

هذا هو الدليل الصحيح الذي ينبغي الاسترشاد به في التربية والإصلاح والنهوض بالأمة الإسلامية، وليست المدنية الغربية المادية في نهجها وغايتها ونتائجها، إذ تجعل القوة فوق الحق، والعدل، والرحمة، والإحسان، وكانت سبيلًا في ضلال العقائد، وفساد الأخلاق، وتعذيب الإنسانية بالأزمات الخانقة والحروب المخربة (هذه هي بلايا الإنسانية التي يشكو منها أبناء هذه المدنية المادية التي عمرت الأرض وأفسدت الإنسان)[31].

وندرك من موقفه من الحضارة الغربية فهمه العميق لمقوماتها – ولا ننسى أن حديثه هذا قاله عام 1935- أي في الظروف التي كانت تتهيأ فيه أوروبا للحرب العالمية الثانية، ثم إنه عانى مع مسلمي الجزائر من آثار هذه الحضارة بسبب الاستعمار الفرنسي للجزائر. لقد أفسدت هذه الحضارة الإنسان، فلابد من البدء بالإنسان وإصلاحه على أساس من الدين، ودليله هو القرآن العظيم (ففيه بيان العقائد وأدلتها ورد الشبه عنها وفيه بيان الأخلاق، محاسنها ومساوئها، وطرق الوصول إلى التحلي بالأولى والتخلي عن الثانية ومعالجتها، وفيه أصول الأحكام وعللها)[32].

أما عن وسيلة الانتفاع به، لكي تتهذب به الأخلاق، وتتزكى به النفوس، وتتأدب بجميع آدابه، فهو الانكباب عليه وتفهمه وتدبره كما قال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29][33].

ويتم تقويم الأخلاق بالسلوك النبوي، والتأسي بمحمد – صلى الله عليه وسلم – الذي كان خلقه القرآن فكان تذكيره بآيات القرآن. يتلوها ويبينها بالبيان القولي والبيان العملي متمثلًا في ذلك كله أمر ربه تعالى بقوله: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45][34].

إن الغاية التي يسعى إليها كل عاقل هي السعادة الحقة، وقد شرعت التكاليف الإسلامية لسوق الإنسان إليها، ويرى أن إعجاب المرء بنفسه سبب اقتراف كل شر والابتعاد عن كل خير ودليله على ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء: 37] ويسمي هذه الآية آية الأخلاق، حيث سيتبين لنا سبب التسمية.

فالعجب هو أصل الهلاك لأنه سبب الكبر، والكبر يؤدي إلى احتقار الناس فلا يعتقد المتكبر لهم حرمة ولم يراقب فيهم إلًا ولا ذمة، ويصبح من أظلم الظالمين (وإبليس اللعين- نعوذ بالله تعالى منه – كان أصل هلاكه من عجبه بنفسه، وأنه خلق من نار، وأنه خير من آدم، فتكبر عليه فكان من الظالمين الهالكين)[35]، ولذا فإن ترك العجب شرط في حسن وكمال الأخلاق، لأنه أساس الرذائل والمانع من اكتساب الفضائل، لأن المرء إن لم يكن معجبًا بنفسه، فإن تلك الجبلة تدعوه إلى التخلق بمحاسن الأخلاق، والتنزه عن نقائصها (وإذا رغب في الكمال كانت داعية فلا يزال بين التذكيرات الإلهية والجبلة الإنسانية الخلقية يتهذب ويتشذب حتى يبلغ ما قدر له من كمال. ولهذه المعاني التي تتصل بتفسير هذه الآية الكريمة – وهو أصول في علم الأخلاق – عنون عليها بآية الأخلاق)[36].

ثم يرى في الآية التي تعقبها تأكيد الأوامر والنواهي المتقدمة بطريق الإيجاز في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: 38]، فالقبائح المنهي عنها فيما تقدمها من آيات قبيحة لذاتها ولنهي الله تعالى عنها، إذ أنها مبغوضة له تعالى ويعاقب عليها ويسخط على مرتكبها، فنفهم من ذلك أوامر الشرع ونواهيه على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة، فإن الله سبحانه لا يأمر إلا بحسن ولا ينهي إلا عن قبيح، وفي ذلك ما يحملنا على الامتثال والترغيب في الحسن لأن النفس تميل إليه وتنفر من القبيح وفي قوله تعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ [الإسراء: 38] غاية الترغيب في الحسن والتنفير من القبيح فإن الحسن جد الحسن ما كان حسنًا عند الله تعالى، والقبيح جد القبيح ما كان قبيحًا عنده[37].

وتربية النفس تقتضي التوبة وترك المعاصي ثم العمل الصالح، إذا استثنى الله تعالى التائبين من المذنبين في قوله عز وجل ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70].

ووجوه التبديل في هذه الآية أن السيئات الماضية محقت بالتوبة، وأن التائب صار يعمل الصالحات بدلًا من السيئات، كما أن نفس التائب بعد أن كانت مظلمة شريرة بالمعصية، أصبحت منيرة خيرة بالتوبة والعمل الصالح، فالتبديل إذن قد تم في الكتب والعمل وحالة النفس)[38].

وقد جاء الإسلام بالوسائل التي تهذب النفس وتربيها تربية فاضلة، منها الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وتري النفس على استصغار الدنيا وما فيها[39]، والصبر من الأمور الضرورية للتهذيب والتربية، لأن الإنسان لا ينهض بامتثال المأمورات وترك المنهيات إلا به، فالصبر (خلق من الأخلاق التي تري وتنمو بالمران والدوام فواجب على المكلف أن يجعل تربية نفسه عليه وتعويدها به من أكبر همه)[40].

وباختصار فقد أوضح القرآن أصول الطاعات وأمهات المعاصي وقدم إثبات الطاعات على انتفاء المعاصي تنبيهًا على (أن من راض نفسه على الطاعات دانت نفسه والانقياد لأوامر الشريعة ضعفت منه أو زالت دواعي الشر والفساد فانكف عن المعصية)[41]، وهو يقصد تقديم إثبات الطاعات بالآيات القرآنية التي تصف عباد الرحمن في سورة الفرقان) وتبدأ بقوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63]، حيث توضح هذه الآية وما بعدها صفات عباد الرحمن وأخلاقهم وآدابهم في صلاتهم وعلاقاتهم بخلقه. ثم نفت عنهم الآيات القرآنية في ختام وصف الكُمَّل من عباد الله أمهات المعاصي في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان: 68].

ويستخلص إمامنا من النظر في هذه الآيات وتفسيرها أن على المسلم الذي يجتهد لتزكية نفسه (أن يواظب على الطاعات بأنواعها وأن يجتهد في حصول الأنس بها والخشوع فيها، فإن ذلك زيادة على ما يثبت فيه من أصول الخير يقلع منه أصول الشر ويميت منه بواعثه)[42].

إن تربية النفس وتهذيبها إذن ينبني على عاملين: أحدهما المواظبة على الطاعة لتدعيم أصول الخير وتدعيمها، والثاني اجتثاث أصول الشر وإماتة بواعثه ومقدماته، وهذا ما تفعله العبادات. فالمؤمن يطلب أسمى الغايات تنفيذًا لأمره تعالي ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: 148] ومعناها طلب الرتب العليا في الخير والكمال والسبق إليها. ومن لم يطلب الكمال بقي في النقص، بينما طلب الكمال كمال لأن الساعة إليه (حتى إذا لم يصل لم يبعد وحتى يكون في مظنة الوصول بصحة القصد وصدق النية)[43].

ويرى أن هذا الكمال اللإنساني يتوقف على قوة العلم وقوة الإرادة وقوة العمل (فهى أسس الخلق الكريم والسلوك الحميد اللذين ينهض بهما بجلائل الأعمال ويبلغ بهما أسمى غايات الشرف والكمال)[44].

إن قوة العلم وقوة العمل من الأسباب التي ينبغي الأخذ بها نحن معشر المسلمين – كما يذكر الإمام ابن باديس – لنكون أهلًا للدفاع عن الحق وحزبه، مقيمين لسلطان الله في أرضه بالحق والعدل والإحسان، معتمدين مع تحصيل تلك الأسباب على الله وحده ومنتظرين منه الفرج والتيسير)[45].

وهنا يتضح لنا إيمان هذا العالم المسلم الكبير بحرية إرادة الإنسان ومحاربته لدعوى الجبر والتواكل التي سادت في عصره على لسان الصوفية.

وكان إمامنا – رحمه الله – معبرًا عن التقاء الفكر بالعمل في سلوكه وأخلاقه، وها هو يعلن في الكلمة التي ألقاها بمناسبة ختم القرآن، (أنا زارع محبة، ولكن على أساس من العدل والإنصاف والاحترام مع كل أحد من أي جنس كان ومن أي دين كان)[46].

لم يخلق الإنسان للأرض:

يقول الإمام ابن باديس (لم يخلق الإنسان للأرض وإن خلق منها، وإنما خلق للسماء وللملأ الأعلى)[47]، فماذا يعنى بهذه العبارة، وما مغزاها في مجال الحياة الأخلاقية للإنسان؟

إذا تأملنا نظريته المستخرجة من القرآن الكريم عن الإنسان منذ بدء الخلق فإننا نستطيع أن ندرك ما تنطوي عليه هذه العبارة من مغزى أخلاقي، إذ أنه ينبغي على الإنسان أن يسعى لطلب السعادة التامة في الآخرة، وأن يجعل الغاية النهائية لحياته هو اختيار الباقية على الفانية، فالدنيا طريق الاختبار والابتلاء (لينال الإنسان ما يستحقه على حسن تصرفه أو سوء تصرفه من عادل الجزاء، بعد خروجه من دار الفناء إلى دار البقاء)[48].

وخلق الإنسان من روح وبدن يقتضي أن يبقى على بدنه بالغذاء وأمر الله أن يكون المأكل من الطيبات لتغذيه ولا تؤذيه بخلاف الخبائث التي يكثر فيها الأذى ويقل بها الغذاء، وأمر أيضًا بالعمل الصالح الذي تزكو به نفسه. وليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أباح أكلها كما يفعل غلاة الصوفية، وقد نهى الإسلام أيضًا عن تعذيب البدن كما يفعل صوفية الهنادك ومن قلدهم من المنتسبين للإسلام، فالغذاء الطيب له أثره على القلب والبدن فتصلح الأعمال (كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن فتفسد الأعمال)[49].

وإذا كان الأمر كذلك، فالحياة حياتان – حياة الروح وحياة البدن – وحياة الروح وحريتها هما أصل حياة البدن وحريته، وإذا شرع الله الصوم لتحصيل حرية الروح ليترك المؤمن طعامه وشرابه وشهوات بدنه لتحرير روحه من سلطة المادة والشهوة ويرتفع بها إلى عالم علوي من الطهر والكمال[50].

لقد كرم الله سبحانه النوع الإنساني بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70].

والأرواح الإنسانية كريمة الجوهر لأنها من عالم النور، لأن نفخ الروح يتم بواسطة الملك والملائكة – خلقوا من النور – وقد ورد في الحديث الصحيح (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح… إلخ) إن الروح كريمة الخلقة أيضًا لأنها فطرت على الكمال إذ أضافها الله تعالى إليه في قوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [السجدة: 9]، وإذا ما اتصلت بالجسد قد ترقى بالتزكية فترتفع إلى معارج الكمال، أو تنحط إلى أسفل سافلين (وبعد ارتباطها بالبدن يتكون منهما المخلوق العظيم العجيب المسمى بالإنسان، الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض ليعمرها ويستثمرها)[51].

ويعيش الإنسان في الدار الدنيا الموضوعة على المحنة والابتلاء فينهض بامتثال المأمورات وترك المنهيات، وحياته من البداية إلى النهاية مبنية على الإرادة والفكر والعمل، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62] فيخرج الإمام ابن باديس من هذه الآية بأن الإنسان يستفيد مما خلقه الله له وجعله لأجله. والتذكر يتم بالتفكر والشكر يتم بالعمل. ولكن هذه الأركان تعتمد على ثلاثة أخرى هي البدن اللازم للعمل، والعقل للتفكر، والإرادة التي تتوقف على الخلق. فالتفكير الصحيح يرتبط بالعقل الصحيح، والإرادة القوية ناجمة عن الخلق المتين، والعمل المفيد يؤديه البدن السليم (فلهذا كان الإنسان مأمورًا بالمحافظة على هذه الثلاثة عقله وخلقه وبدنه، ودفع المضار عنها، فيثقف عقله بالعلم ويقوم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقوي بدنه بتنطم الغذاء وتوقي الأذى والتريض على العمل)[52].

وتفسيرًا لإحدى الآيات القرآنية، يصور لنا الإمام حركة المسلم في حياته، فإن كل فرد من أفراد بنى الإنسان لا ينفك في كل ساعة بل كل لحظة من لحظات عمره عن المداخل باعتبار دخوله فيها مما قبلها، والمخارج لخروجه منها إلى غيرها، فعليه إذن أن يقضيها صادق العقيدة صادق القول، صادق السلوك فتصبح بذلك مدخل صدق ومخرج صدق، والعكس إذا قضاها بسوء في النية والقول والعمل فهي مدخل كذب وفجور ومخرج كذب وفجور، فالإنسان محتاج في كل لحظة من حياته لتوفيق الله وتأييده وحفظه وإمداده فجاء هذا الدعاء القرآني منبهًا على هذه العقيدة[53]. قال تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء: 80].

فالسلوك الأمثل هو أنه على الإنسان ألا يدخل في أمر أو يخرج منه إلا على بصيرة به وبحث ومعرفة لحكم الله تعالى فيه، دون تفرقة بين أمر وآخر، أو كبير وصغير، أو جليل وحقير، مع الأخذ بالأسباب[54].

وأخذًا بالحديث النبوي، يصف الإمام ابن باديس الناس في الحياة الدنيا بصفتين حارث وهمام أي عامل ومريد. وبالنظر في الآيات القرآنية التي تتناول من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، يقسم حكيمنا العباد – من حيث المال في الآخرة والسعي في الدنيا، والحصول على الثواب أو الاستحقاق للعقاب – إلى أربعة أقسام:

1- مؤمن أخذ بالأسباب الدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا والآخرة.

2- ودهري تارك لها، فهذا شقي فيهما.

3- ومؤمن تارك للأسباب فهذا شقي في الدنيا وينجو – بعد المؤاخذة على الترك – في الآخرة.

4- ودهري آخذ بالأسباب الدنيوية، وهذا سعيد في الدنيا ويكون في الآخرة من الهالكين[55].

إن الإنسان إذن في موقف الاختبار بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء: 18] فمن يريد الدار العاجلة وقصر همه عليها دون النظر إلى ثواب أو عقاب بعدها، ولا يتقيد في سلوكه بشرائع العدل والإحسان، فإنه يصبح مطرودًا من الرحمة في الآخرة ومصيره إلى النار[56].

والقسم الثاني من الخلق قصد بعمله الآخرة كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: 19] والآية توضح شروط قبول عمله للآخرة وهو أن يقصد بعمله ثواب الآخرة قصدًا مخلصًا، ويمتثل أوامر ربه ونواهيه، كما ينبغي أن يكون مؤمنًا موقنًا بثواب الله تعالى وعظيم جزائه (وإذا اختل واحد منهما فليس العمل بمتقبل ولا بمثاب عليه بضرورة انعدام المشروط بانعدام شرطه)[57].

وإذا أمعنا النظر في تقسيم الإمام للعباد من حيث طلب الدنيا وطلب الآخرة لرأينا أن الإمام يجعل الأخذ بالأسباب هو الأساس سواء في العمل ابتغاء السعادة في الدنيا أو لطلبها في دار البقاء والخلود، إن هذه النزعة واضحة في كتاباته كلها، فهو يثبت للإنسان حرية الاختيار ويشيد بالعقل الإنساني الذي يمتاز بقوة التحليل والتركيب والتطبيق فتغلب بذلك على عناصر الطبيعة واستعمل الحيوان والجماد في مصلحته، والتمييز بين الخير والشر[58]، وقد وضع الدين للإنسان قوانين ثابتة للخير والشر موضحًا أن الخير ما نفع وأن الشر ما ضر[59].

ولكنه وإن أوتي قوة التمييز لم يؤت قوة الاستعصام امتحانًا وابتلاء من الله، واستمد نظرية الامتحان والاختبار من معنى قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان: 20]، فالفتنة في هذه الآية تعنى الابتلاء والامتحان والاختبار، فجعل الله الرسل بشرًا يأكلون ويتكسبون لامتحان العباد في الاقتداء بالرسل من حيث الصبر على الجهد والبلاء، وجعل الغني امتحانًا للفقير والفقير امتحانًا للغني، والصحيح فتنة للمريض، والمريض فتنة للصحيح، وهكذا..

وفي كل أحوال البشر فإن الله تعالى مطلع على ما يكون من عباده عند الامتحان ليجازيهم عليه، وإذا تساءلنا عن الحكمة من الامتحان مع سبق علم الله سبحانه بما يكون عليه العباد، فإن إجابة الإمام صريحة في إثبات الفعل للإنسان لأنه متمكن من الفعل والترك وله القدرة على الاختيار، ولهذا يمتحن الله العباد (لتظهر حقائقهم ويقع جزاؤهم على ما كسبت أيديهم باختيارهم، ولا حجة لهم في تقدم علمه تعالى بما يكون منهم، لأن تقدم العلم ملجئ لهم على أعمالهم، ففي هذا الامتحان قيام حجة الله على العالمين أمام أنفسهم وأمام الناس، كما فيه إظهار لحقيقتهم لأنفسهم ولغيرهم)[60].

 

الهوامش :

[1] ابن باديس حياته وآثاره، عمار الطالبي ج 1 ص 74.

[2] الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية. د. محمود قاسم (الإمام عبد الحميد بن باديس) ص 14 ط دار المعارف بمصر 1968.

[3] قام الأستاذ الدكتور محمود قاسم – رحمه الله تعالى – بدراسة شاملة لسيرة هذا الإمام الجليل، ومنهجه في الإصلاح، وفكره السياسي، وفلسفته، مع دراسة مقارنة بينه وبين الماتريدي وابن رشد في فكرة السببية، ونشر بعض النصوص من تفسير الإمام للقرآن الكريم (ينظر كتاب الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية – ط دار المعارف بمصر سنة 1968 للدكتور محمود قاسم).

[4] الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية: الإمام عبد الحميد بن باديس. (د. محمود قاسم) ص 63.

[5] تفسير ابن باديس ج1 ص 174.

[6] العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبويةابن باديس ص 53 مكتبة الشركة الجزائرية رواية وتعليق محمد الصالح رمضان 1385هـ- 1966م.

[7] الإمام عبد الحميد بن باديس: د. محمود قاسم ص 54.

[8] تفسير ابن باديس ج 1 ص 272.

[9] مقدمة التفسير: عمار الطالبي ج 1 ص 100.

[10] الإمام ابن باديس: د. محمود قاسم (النص الأول من تفسير الإمام) ص 120.

[11] مقدمة التفسير: د. عمار الطالبي ص 102.

[12] تفسير ج 1 ص460.

[13] تفسير القاسمي ج 2 ص 41.

[14] تفسير ابن باديس ج 1 ص266.

[15] نفسه ص 121.

[16] نفسه ص 126.

[17] نفسه ج1 ص 301.

[18] نفسه ج 1 ص 132-133.

[19] تفسير ابن باديس ج 1 ص 231.

[20] نفسه ج 1 ص 337.

[21] نفسه ج 1 ص 339.

[22] نفسه ج 1 ص 337.

[23] تفسير ابن باديس ج 2 ص 45- 46.

[24] نفسه ج 1 ص 133.

[25] نفسه ج 1 ص 127.

[26] نفسه ج 1 ص 231.

[27] الإمام عبد الحميد بن باديس د. محمود قاسم ص 51.

[28] نفسه ص 51.

[29] التفسير ج 1 ص 300.

[30] نفسه ص 365.

[31] التفسير، ج 1 ص 356.

[32] نفسه ص 429.

[33] نفسه ص 490.

[34] نفسه ص 127.

[35] التفسير، ج 1 ص 277.

[36] نفسه ص 277.

[37] نفسه ص 279.

[38] نفسه ج 1 ص 478.

[39] نفسه ص 464.

[40] نفسه ص 500.

[41] نفسه ص 468.

[42] التفسير، ص 469.

[43] التفسير ج 1 ص495.

[44] نفسه ج 2 ص 209.

[45] نفسه ج 1 ص 323.

[46] التفسير، ج 2 ص 144 وكان الاحتفال يوم 13 ربيع الثاني 1357هـ- 1938م.

[47] التفسير ج 2 ص 177.

[48] نفسه ص 177.

[49] نفسه ج 1 ص 365.

[50] نفسه ج 1 ص 481.

[51] التفسير ج 1 ص 252.

[52] نفسه ج 1 ص 434.

[53] التفسير ج 1 ص 202.

[54] نفسه ص 323.

[55] التفسير ص 202.

[56] التفسير ج 1 ص 200.

[57] نفسه ص 203.

[58] نفسه ج 2 ص 22.

[59] نفسه ج 2 ص 112.

[60] التفسير ج 1 ص 398.


آخر التغريدات: