الرجل الذي عاش للإسلام وللجزائر

الرجل الذي عاش للإسلام وللجزائر

الناس في حياتهم الدنيوية وفي رحلتهم العابرة على هذه الأرض صنفان: صنف يعيش الحياة في جانبها المادي، فهو منذ يعي ويعقل يتخذ من السعي في طلب الرزق وتلبية المطالب المادية العاجلة هدفه في الحياة لا يلوي على غيره ولا يلتفت إلى سواه، حيث يظل يدور حول نفسه ولا يفكر إلا في ذاته أو في الأقربين منه دون أن يتعداهم إلى سواهم، فهذا صنف لا يعيش إلا لنفسه ولا يرى أنه خلق إلا لتحقيق رغباته وتلبية مطالب نفسه، دون أن يكون لوجوده في هذه الحياة غاية أخرى غير ذلك.. وصنف ثان من الناس رأى وجوده في الحياة أسمى وأرفع من أن تكون غايته أكلا وشربا ونوما وجمعا للحطام أو دورانا حول الذات، وإنما الحياة في نظره فرصة للسمو ومجال رحب لتحقيق الغايات العالية والأهداف الكبيرة.

هذا الصنف الثاني هو الذي تحتاجه الإنسانية، وهو المنوط به تحقيق الغاية التي خلق الإنسان لأجلها، ذلك أن الغايات الكبيرة والأهداف السامية تحتاج لتحقيقها إلى من يجعل من حياته سببا لحياة غيره، ويجعل من عمله وسعيه سببا لتحقيق المصلحة العامة لمجتمعه وأمته والإنسانية جمعاء، وبهؤلاء تسعد الإنسانية ويصلح حالها وتنتظم مصالحها وتندفع المفاسد عنها. على عكس الصنف الأول الذي لا يهتم إلا بذاته ولا يعنيه غيره، فهذا ضرره أكبر من نفعه وإفساده أكثر من إصلاحه. وما أوتيت الإنسانية وما تضررت وانحطت أحوالها وتردت مجتمعاتها إلا بسبب كثرة من ينتمون إلى الصنف الأول وقلة من ينتمون إلى الصنف الثاني.

نقول هذا الكلام، ونحن نستحضر ذكرى مرور ثلاثة وسبعين عاما على وفاة ابن الجزائر الأكبر وعلمها الأشهر الإمام العلامة الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله [1889-1940]. هذا الرجل الذي استحق أن يخلد في ذاكرة الأمة الجزائرية لما تحلى به من خصال وما قدمه من خدمات وما أنجزه من أعمال سجلتها الأقلام وتناقلتها الأجيال.

لقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يولد ابن باديس في مرحلة من تاريخ الجزائر، كادت فيها الأمة الجزائرية أن تفقد كل مقومات وجودها كأمة وككيان مستقل، حيث عمل الاستدمار الفرنسي على محو كل معالم ومظاهر الاستقلال الحضاري للشعب الجزائري، من دين ولغة وتاريخ. وقد كان ميلاده في أسرة ذات وجاهة ونفوذ وعلاقة بالسلطة الاستدمارية المسيطرة على الجزائر في تلك المرحلة. إلا أن كل ذلك لم يمنع أن يتجه وجهة مغايرة تماما لما كان يُنتظر من مثله، فإذا به يسعى لحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلم، والسفر من أجل ذلك إلى خارج البلاد للاحتكاك بالعلماء والانتفاع من علمهم والاستفادة منهم، فكان أن التحق بالزيتونة في تونس، وسافر لأداء فريضة الحج وزار مصر والشام والقدس، ورأى من أوضاع المسلمين وأحوالهم، إلى جانب ما كان يعيشه قومه في الجزائر، ما آلم نفسه وجرح شعوره. وهو ما كان سببا في تفتح وعيه وشعوره بحاجة الأمة إلى قيام مصلحين ربانيين يتفرغون لانتشالها مما انحطت إليه من تخلف وضياع وما ترزح تحته من احتلال واستغلال.

لقد دفع ذلك ابن باديس رحمه الله إلى التفكير فيما يمكن عمله لإنقاذ أبناء وطنه الجزائر مما كانوا يتقلبون فيه من ذل وجهل وهوان واستغلال، فألهمه الله عز وجل أن السبيل إلى ذلك إنما يكون بنشر العلم وإحياء حبه في النفوس، فكان أن انطلق في البداية بجهود فردية من خلال دروس كان يلقيها على مجموعة من طلبته في الجامع الأخضر، ليتسع مجال نشاطه بعد ذلك إلى تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رفقة مجموعة من العلماء الذين كانوا يقاسمونه نفس الهموم ويتطلعون إلى تحقيق ما كان يصبو إلى تحقيقه من أهداف.

وقد جعل الإمام ابن باديس رحمه الله من تعليم الناس دينهم وتثقيفهم بأحكامه محورا أساسا أدار عليه أعماله وجهوده، ومنطلقه في ذلك أن الأمة لا يمكن أن تصلح إلا بما صلح به أولها، وهو الدين، فهو مصدر كل خير وأساس كل إصلاح ومنطلق كل تغيير.

ولم يدخر رحمه الله أي جهد أو طاقة في هذا الإطار، فقد فرغ نفسه من شؤون الدنيا كلها، ولم يشغل نفسه إلا بشيء واحد هو التعليم والإصلاح، فكان يقضي سحابة نهاره وقسطا من ليله في إلقاء دروس تفسير القرآن الكريم وشرح أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليم الفقه ورواية السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وتدريس علوم اللغة العربية، إلى جانب كتابة المقالات الصحفية الإصلاحية. وقد بلغ عدد الدروس التي كان يلقيها الإمام كل يوم أربعة عشر درسا في علوم مختلفة، ينهيها بدرس التفسير بعد صلاة العشاء من كل يوم، ولمدة خمسة وعشرين عاما كاملة. وما كان ينام – في أكثر أيامه – سوى ساعتين من بين أربع وعشرين ساعة، كما لم يكن يأكل من الطعام إلا ما يقيم الأود ويعين على الاستمرار في العمل. وما كان له يوم راحة أسبوعي أبدا، فقد كان يبدأ دروسه صبيحة يوم السبت وينهيها مساء يوم الخميس، ليستقل بعد ذلك وسيلة نقل تحمله إلى مدينة من المدن الجزائرية يقضي فيها يوم الجمعة، محاضرا أو مدرسا أو متصلا ببعض علماء الجمعية أو مشاركا في تجمع إصلاحي، ليصبح يوم السبت على مقعد الدرس مستأنفا رحلة التعليم والتربية من جديد.

وقد ظل مواصلا هذا الجهاد المستميت وهذا الكفاح الدؤوب حتى أسقطه المرض وأنهكته العلة وفاضت روحه إلى بارئها عز وجل.

إن الإمام عبد الحميد ابن باديس رحمه الله يعتبر مثالا فريدا للإنسان الذي يلغي ذاته من أجل دينه وأمته وأبناء وطنه، ويتجاهل مطالب نفسه في سبيل تحقيق مطالب أمته، معتبرا ذلك واجبا مقدسا يجب عليه أداؤه والقيام به. وكان يمكن أن يعيش آمنا مطمئنا هانئا راضيا مستمتعا بما آتى الله أسرته من مال ونفوذ وجاه ومكانة، مهتما بنفسه وأسرته عاملا لتحقيق مصلحته ومصلحة أسرته، دون أن يهتم بأمر آخر..

ولكنها الرجولة الحقة والنفس الكبيرة المستعلية على متاع الدنيا وحطامها، الطامحة إلى تحقيق معالي الأمور والارتفاع إلى أعلى مراتب المجد، هي التي دفعت ابن باديس إلى التضحية بكل متاع الحياة ومغرياتها والرغبة فيما عند الله عز وجل وما ادخره للعاملين المصلحين من أجر عظيم ونعيم مقيم.

لقد عاش الإمام ابن باديس رحمه الله للإسلام، لأنه في نظره الدين الحق الذي لن تسعد الإنسانية ولن تصلح أحوالها إلا حين تهتدي بهديه وتعمل بتشريعاته. فجعل من تعريف أبناء وطنه به منطلقا إلى تعريف الإنسانية كلها به. وقد تحقق للإمام ما هدف إليه من ذلك حين رأى أبناء وطنه يعودون إلى دينهم يقرؤون كتابه ويقتدون بنبيه ويتفقهون في أحكامه ويتبعون تعاليمه.

قال الإمام رحمه الله: “إن الإسلام الذي ندين به هو دين الله الذي أرسل به جميع أنبيائه، وكمل هدايته وعمم الإصلاح البشري به على لسان خاتم رسله، وهو دين جامع لكل ما يحتاج إليه البشر أفرادا وجماعات لصلاح حالهم ومآلهم، فهو دين لتنوير العقول الزكية وتزكية النفوس وتصحيح العقائد وتقويم الأعمال، فيكمل الإنسانية وينظم الاجتماع، ويشيد العمران، ويقيم ميزان العدل وينصر الإحسان”… وقال في موضع آخر: “فلما عرفنا هذا وأكثر من هذا في الإسلام، وهو الدين الذي فطرنا عليه الله بفضله، علمنا أنه دين الإنسانية التي لا نجاة لها ولا سعادة إلا به، وأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله، وأن إيصال النفع إليها لا يكون إلا من طريقه، فعاهدنا الله على أن نقف حياتنا على خدمته ونشر هدايته، وخدمة كل ما هو بسبيله ومن ناحيته… فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية ولخيرها وسعادتها، في جميع أجناسها وأوطانها، وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها، وما كنا لنكون هكذا إلا بالإسلام، الدين الذي ندين به ونعيش له ونعمل من أجله” [آثار ابن باديس، 3/236].

كما أنه رحمه الله عاش للجزائر، وجعل العمل لها ولمصلحة أبنائها واجبا أساسا سعى في أدائه والقيام به سعيا حثيثا وبذل في ذلك غاية ما يستطيع من جهد واستفرغ ما أمكنه من وُسْع وطاقة، موقنا أن العمل للجزائر هو عمل للدين وجهاد في سبيل الله، لأن في نهضة الجزائر وتحررها وصلاح أحوالها وانتظام أمورها وتمسك أبنائها بدينهم وهويتهم نهضة للأمة كلها وبابا إلى صلاحها وانتظام أحوالها، فلا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه كما هو معلوم، وكل أبناء جزء من الأمة معنيون بإصلاح الجزء الذي ينتمون إليه قبل أن يفكروا في إصلاح غيره من الأجزاء.

وفي ذلك قال رحمه الله: “أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض عليَّ تلك الروابط لأجله ـ كجزء منه ـ فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة، فأنا أرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء، تتصل به مباشرة. وكما أنني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتُني في حاجة إليه، إلى رجاله، وإلى ماله وإلى حاله وإلى آلامه، كذلك أجدُني إذا عملت، قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه.. هكذا؛ هذا الاتصال المباشر أجده بيني وبين وطني الخاص في كل حال وفي جميع الأحوال، وأحسب أن كل ابن وطن يعمل لوطنه لابد أن يجد نفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة وهذا الاتصال” [آثار ابن باديس، 3/237].

لم يكن ابن باديس رحمه الله يعمل وحده، لقد كان يعمل في إطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين باعتباره رئيسا لها، إلا أن الجهد الذي بذله والاستماتة التي أظهرها والانغماس المطلق في العمل الإصلاحي الذي نذر له نفسه، لم يستطع أن يرقى إليه أحد من إخوانه العلماء، رغم ما بذلوه جميعا من جهود وما لقوه من متاعب وما قدموه من تضحيات.

رحم الله الإمام ابن باديس وجميع إخوانه العلماء الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الله ومن أجل إحياء الإسلام في النفوس ولتحرر الجزائر ونهضتها، وجازاهم بما يستحقون على ذلك من أجر وثواب ومراتب عالية في جنات النعيم.


آخر التغريدات: