أثر علماء المدينة في فكر ابن باديس

أثر علماء المدينة في فكر ابن باديس

«كان لقصّة بناء الكعبة التي نشرناها بالجزء الماضي1 بمناسبة أشهُر الحجّ أحسنُ موقعٍ عند القرّاء؛ فرأينا أن نتبعها بقصّة من نوعها لمثل مناسبتها؛ هي صفحة من تاريخ الملك العربيّ السّلفيّ عبد العزيز آل سعود الذي شرّفه اللّه بخدمة ذلك البيت المعظّم في هذا العهد؛ ومدّ تعالى بمُلْكه رواق الأمن والعدل والتّهذيب والدّين الخالص عن ربوع الحجاز أرض الحرمين الشّريفين. وإنّ في نهضة هذا الملك العظيم، وفي حياته وصفاته، لدرْساً عميقاً ومجالاً واسعاً للعبرة والتّفكير…».2 .. عبد الحميد بن باديس

سبق لنا أن كتبنا مقالة، في جريدة «الرّياض» اليوميّة  بعنوان: «ملك العرب» حيث إنّنا كنّا أخذنا عنوان مجلّة «الشّهاب» نفسَه فتبنّيناه في مقالتنا تلك. وكان القصدُ من وراء استعمال عبارة «ملك العرب» هو الملك العظيم عبد العزيز آل سعود رحمه اللّه. وقد كان فاتَنَا هناك، في تلك المقالة، أن ننبّه إلى أنّ ما كُتب تحت عنوان: «ملك العرب» (وتبنّينا نحن العنوان) هو في الأصل مقالة طويلة كان كتبها الصّحافيّ الألمانيّ المعروف السّيد ليوبولد وايس الذي أعلن إسلامه وتَسمّى باسم «محمّد أسَد اللّه». وكان يقيم يومئذ بالحجاز، ونشرتها له جريدة « الشّورى » فنقلتها عنها مجلّة «الشّهاب» الجزائريّة إعجاباً بها، ورغبة في إفادة قرّائها منها. ولا أدلّ  على ذلك من تقديم ابن باديس الذي يقطر إعجاباً بالملك عبد العزيز وتقديراً؛ والذي صدّرنا به هذه الكلمة التي نكتبها لمجلّة «الحجّ والعمرة» الغرّاء. 

ذلك، وقد تخرّج ابن باديس في جامع الزّيتونة بتونس، بعد أن قضى فيه أربع سنوات: سنتين دارساً، وسنتين أخرَيَيْنِ مدرّساً؛ وكان للأستاذ محمد النّخليّ، المصلح والأستاذ بجامع الزّيتونة، أثر واضحٌ، كما يذكر ذلك ابن باديس نفسه، في حياته الفكريّة. ولذلك لم يزل ابن باديس يذكره بخير كثير، وإعجاب شديد؛ ويعود ذلك إلى أنّه هو الذي كان أوصاه بالاجتهاد فيما اختلف فيه العلماء اختلافاً كبيرا، قائلاً: »اجعلْ ذهنك مِصفاةً لهذه الأساليب المعقّدة، وهذه الأقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة، يسقط السّاقط، ويبقى الصّحيح…«.3 كما أوصاه بعدم قبول أيّ وظيفة في الإدارة الاستعماريّة.

كما أثر فيه الأستاذ ابن عاشور الذي حبّب إليه »الأدب والتّفقّه في كلام العرب«4 فأحيت منه الشّعورَ الغضّ بعزّ العروبة والاعتزاز بها؛ كما جعلته يعتزّ بعزّة الإسلام5، ولكن بدرجة أدنى.

ولم يكد يعود من تونس إلى قسنطينة، وبدأ التّدريس في مسجدها الأعظم، حتّى نازعتْه نفسُه إلى زيارة الدّيار المقدّسة وهو لا يبرح في سنّ الثالثة والعشرين من عمره، بل لعلّه كان ينوي في نفسه الهجرة إليها، ليقيم فيها شأنَ كثير من العلماء المسلمين من بلاد المشرق والمغرب. وقد ذكر لي الشّيخ محمّد الصّالح رمضان (وهو أحدُ شيوخ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، وأحد تلاميذ ابن باديس، وقد جاوزت سنّه اليوم التّسعين سنة) يوم الثلاثاء 12 جمادى الأولى عام 1323 للهجرة (هاتفيّاً) أنّ الشّيخ ابن باديس أراد إعلان الهجرة ليجاور في أحد الحرمين الشّريفين؛ ولكنّه كان يعلم أن والده سيعارضه في ذلك حتماً، وقد كان نجله الأكبر… فأسرَّ ذلك في نفسه، فأعلن الحجّ وأضمر البقاء بالأراضي المقدّسة حيث الجوّ العلميّ والرّوحيّ والثقافيّ أليق به، وأكثر راحة له. وكان ذلك عام 1912 ميلاديّة. وقد ذكر هذه الرّواية أيضاً صديقه ورفيقه في الإصلاح الأستاذ محمّد البشير الإبراهيمي، الرّئيس الثاني لجمعيّة العلماء، في إحدى كتاباته المنشورة بالجزائر…

غير أنّ عبد الحميد بن باديس حين أدّى مناسك الحجّ وألقى محاضرة بالمسجد النّبويّ التقى هنالك بمجموعة من كبار العلماء المسلمين الذين كانوا مجاورين بالحرَم النّبويّ ومنهم أستاذه حمدان الونيسيّ، الجزائريّ الأصل، الذي كان هاجر إلى المدينة المنوّرة في بداية القرن العشرين، الميلاديّ، وظلّ هنالك إلى أن توفّاه اللّه بها. كما التقى بالشّيخ الطّيّب العقبيّ، والشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي وقد كان هؤلاء الشّيوخ الثلاثةُ، وهم جزائريّون جميعاً،  سبقوه إلى هناك؛ فأراد ابن باديس، هو أيضاً، أن ينضمّ إليهم؛ لكنّهم نصَحُوا له بالعودة إلى الجزائر.

ومن الذين نصحوا له بالعودة من العلماء الذين كانوا يقيمون يومئذ بالمدينة الشّيخ فيض أكباد الهنديّ، والشّيخ الوزير التّونسيّ، بالإضافة إلى الشّيخ حمدان الونيسي الجزائريّ. وقد قيل إنّ الشّيخ الهنديّ هو الذي نصح له بذلك فأقرّه أصدقاؤه على نصيحته. وقد قال له الشّيخ فيض أكباد قريباً ممّا معناه: »أمثالُك هنا بالأراضي المقدّسة كثيرٌ، ولكنّ أمثالك في الجزائر قليلٌ؛ فعُدْ إلى بلدك وانهض بنشْر الفكر الإصلاحيّ ومحاربة البدع والشّعوذة التي لحقت بمعتقدات كثير من النّاس تحت شيوع الجهل بمقاصد الشّريعة الإسلاميّة السّمحة«.

وعاد ابن باديس شعلةً إصلاحيّة وهّاجة، بعد أن بلّغ رسالة، في طريق عودته من المدينة المنوّرة، إلى أحد كبراء أساتذة الأزهر وأحد المدافعين عن الشّيخ محمّد عبده، وهو الشّيخ بخيت ببيته بمدينة حلوان، حمّله إيّاها أستاذه حمدان الونيسيّ وقد كان صديقاً للشّيخ بخيت: فأسّس جريدة »المنتقد« التي لم يصدر منها إلاّ ثمانية عشر عدداً (مثل الذي صدر من أعداد مجلّة »العروة الوثقى« لجمال الدّين الأفغاني)، فلمّا صادرها الفرنسيّون أصدر مجلّة الشّهاب (1925-1939).

ويبدو أنّ ابن باديس، كما يلاحظ ذلك عمّار طالبي، »أتمّ دراسته بالرّحلة في البلاد الإسلاميّة، ومحادثة العلماء؛ وهو ما يعتبر من شروط العالم المتمكّن من التّقاليد العلميّة، والمناهج التّربويّة الإسلاميّة«6. غير أنّ التّأثير الحقيقيّ الذي دفعه إلى الرّجوع إلى الجزائر أوّلاً والعدول عن البقاء في المدينة المنوّرة التي أقام فيها قريباً من ثلاثة أشهر، والاشتغال بالإصلاح لمحاربة أهل الطّرق الصّوفيّة وتنقية العقيدة الإسلاميّة ممّا كان شابها، في الجزائر لدى العوامّ، من شعوذة ومعتقدات ما أنزل اللّه بها من سلطان ثانياً: هما الأستاذ حمدان الونيسي، والشّيخ فيض أكباد الهنديّ.

لكنّ ابن باديس ظلّ شديد الحنين إلى الدّيار المقدّسة، وعظيم الإعجاب بمنجزات المملكة العربيّة السّعوديّة كما يدلّ على ذلك الكلمةُ التي قدّم بها لمقالة الصّحافيّ الألمانيّ الذي كتبها عن الملك عبد العزيز آل سعود، والتي صدّرنا بها هذه المقالة.

وكما يدلّ على ذلك أيضا كتابات أخرى له عن المملكة ومنها مقالة كتبها ونشرها بمجلّة »الشّهاب« عام 1352 للهجرة تحت عنوان: »الصّوفيّ السّنّي: بين الحكومة السّنّيّة والحكومة الطّرُقيّة«.7 وممّا يقول في هذه المقالة:

»أمّا الصّوفيّ السّنّيّ فهو الإمام المجاهد السّيّد أحمد الشّريف السّنوسيّ الذي توفّاه اللّه منذ أشهر بالمدينة المنوّرة؛ فقد كان على جانب عظيم من التمسك بالكتاب والسّنّة والتّخلّق بأخلاق السّلف الصّالح…

وأمّا الحكومة السّنّيّة فهي الحكومة السّعوديّة القائمة على تنفيذ الشّريعة الإسلاميّة بعقائدها وآدابها وأحكامها الشّخصيّة والعموميّة حتّى ضرب الأمن أطنابه، ومدّ العدل سُرادقه على جميع تلك المملكة العربيّة العظيمة بما لم تعرفه دولة على وجه الأرض (…) في السُّنِّيَّة وإقامة عمود الشّريعة الإسلاميّة«.8

والحقّ أنّ كلمة ابن باديس طويلة، وهي كلّها تعبيرٌ عن الإعجاب والتّقدير »للحكومة السّعوديّة التي طهّرت الحجاز من البدع والضلالات والخرافات، ورجعت أتباع الطّرق التي تسمّي نفسها »الطّرق الصّوفيّة« إلى عقولهم ودينهم«.9

وكذلك نجد ابن باديس يجعل من المملكة البلد الإسلاميّ الأوّل الذي يطبّق أحكام الشّريعة الإسلاميّة بعقائدها وآدابها. كما يبدي إعجابه بالأمن العظيم الذي جعل المملكة آمنةً وأهلها. فأمّا التّأثير فقد استمدّه من توجيه شيوخه الكبار في المدينة المنوّرة، وأمّا الصّورة المثاليّة التي كان يتمثـلها في نفسه للدّولة الإسلاميّة، فيما يبدو من بعض كلامه في هذه المقالة نفسها، فقد كانت المملكة العربيّة السّعوديّة التي كان لا يلبث أن يكتب عنها هو شخصيّاً، كما فعل في هذه المقالة، أو ينشر، في مجلّته، ما كان يُكتب عنها كما يمثُل ذلك في نشر مقالة «ملك العرب» للصّحافيّ الألمانيّ السّيّد ليوبولد وايس.

 

الهوامش :

1. من مجلّة الشّهاب التي كان يصدرها عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة التي تبعد عن مدينة الجزائر بخمسة وعشرين كيلو متراً وأربعمائة. وصدرت المقالة المشار إليها تحت عنوان: »كيف كان بناء الكعبة المشرّفة؟« في الشّهاب، ج3، المجلّد الخامس، ص. 22-24، صدر هذا الجزء في غرّة ذي القعدة 1347للهجرة (أبريل 1929).

2. الشّهاب، ج4، م.5، ص.25. صدر في غرّة ذي الحجة 1374 هـ. مايو 1929م.

3. ابن باديس، البصائر الأولى، الجزائر،  ع. 16 في يوم الجمعة 2 صفر 1355 الموافق 24 أبريل 1936.

4. م.س.

5. ينظر م.س.

6. طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ص.81.

7. يراد في الجزائر بمصطلح »الطّرقيّة« إلى »الطّرق الصّوفيّة« التي حاربتها جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين. وقد احتدم بين الإصلاحيّين والطّرقيّين صراعٌ حادّ ظلّ مضظرماً قريباً من ربع قرن. وكان للعلماء الإصلاحيّون صحافتهم مثل السّنة المحمّديّة، والشّريعة المطهّرة، والصراط السّويّ، والبصائر… كما كان لأهل الطّرق الصّوفيّة في الجزائر صحفهم مثل البلاغ الجزائري، ولسان الدّين، والرّشاد، وصوت المسجد، والذكرى…

8. ابن باديس، جريدة »السّنّة المحمّديّة«، ع.6 في 20 محرّم الحرام 1352 (فاتح مايو 1933)، ص. 1. وأمّا الحكومة الطّرقيّة فكان يريد بها إلى حكومة عربيّة… ينظر المصدر السّابق.

9. م.س.


آخر التغريدات: