الحياة الروحية بين الأصالة والـمعاصرة : الشيخ عبد الحميد بن باديس نَمَوْذَجًا!

الحياة الروحية بين الأصالة والـمعاصرة : الشيخ عبد الحميد بن باديس نَمَوْذَجًا!

أمُّ السُّنةِالنبوية : إن الحديث عن الجانب الروحي في الإنسان،منطلقه –فيما أرى- يكمن في حديث جبريل عليه السلام الذي أخرجه الإمام مسلم – رحمهالله- في صحيحه، عن سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه..

قال:« بينما نحن عند رسولالله -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنالْإِسْلَامِ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًارَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتُقِيمَ الصَّلاةَ،وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن الْإِيمَانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَبِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْتَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن السَّاعَةِ. قَالَ: مَاالْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْأَمَارَتِهَا. قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنالسَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ«.

أصول الدين

هذا الحديث الشريف الذي يعد أمًّا للسنةالنبوية كما تعد سورة الفاتحة أمًّا للقرآن كله، هو منبع الجانب الروحي للإنسانالـمسلم، وهذا هو منطلقه، تُقام أسسه على مضامينه الـمشتملة على أصول الدينالثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان.

فالأركانالخمسة للإسلام، والعناصر الستة للإيمان، ومفهوم الإحسان، حلقات متكاملة، تُجلِّيالجوانب الروحية في الحياة الإسلامية.

إن قولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي ختم به حديثه الشريف “فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم” هو النموذج الرفيع للتربية والتعليم القائم على الحوار بين الـمعلموالتلميذ، كما تفاخر بذلك البيداغوجية الحديثة، وهو يعتبر جوهر الحياة الروحية.

فأركان الدين ومبادئه ومقاصده وآدابه هي مقوماتالروح، تنبثق عنها في مستوى العقل والقلب والنفس أشكال ومظاهر من السموِّ والكمال،في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال،والـممارسات.

فالإنسان الـمسلم يولد، ككل إنسان،على الفطرة، ثم يتربى وينشأ على الرصيد الرباني، ويتدرج في الفضائل، حتى يرقىبالروح إلى الـمقام الأسمى:}إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَأَقْوَمُ{(1).

وصدق الشاعر الحكيم، إذ يقول:

أقبل على النفس *** واستكملفضائلها

فأنت بالنفس لا *** بالجسمإنسان

إن ما يرشد إليه ديننا الحنيف، وما يسعىالـمربون إلى تحقيقه، إنما هو إقامة توازن بين الجانب الروحي والجانب الـمادي، حتىتكون الحياة متوازنة مستقرة مطمئنة.

حالات ثلاث

ومما يُلاحظ أن هناك حالات ثلاثا للعلاقة القائمة بين هذين العنصرين: الروحي والـمادي.

فالحالة الأولى تقوم فيها هذه العلاقة علىالتوازن.

وفي الحالة الثانية تقوم على هيمنة الجانب الروحي.

أما في الحالة الثالثة، فيطغىفيها الجانب الـمادي.

فخير هذه الحالات علىالعموم أولها، وشرها آخرها، إذ أنها مصدر للانحراف والضلال والفساد.

أما الحالة الثانية، فتتجلى آثارها علىقدر التحلي بها، إنها بردة ارتداها علماؤنا العاملون، وأعلامنا الـمربون، فقد قنعوابالضروري القليل من الجانب الـمادي، وأقاموا جل حياتهم على الجانب الروحي، وهولعمري- الجانب الحيوي في الإنسان السويالـموفق.

وفي هذا السياق، تذكَّرتُ كلمة تتصلبموضوع ملتقانا اتصالا مباشرا ومبكرا، ألقيتها سنة 1946م يوم كنتُ طالبا للعلم بالجامعة الزيتونية في تونس، وعضوا في جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، وذلك بمناسبة الذكرى السادسة لوفاة أحد هؤلاء الأعلام الصالحين الـمصلحين أعني، الإمام المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس، قلت فيها، مستفتحا بما قاله الشاعر العراقي الفيلسوف “جميل صدقي الزهاوي” – عليه رحمة الله-:

وما الـمرء إلاروحُه،***  فهو وحدهُ

لُبابٌ، وأما الجسم*** فهو له قشرُ

»بهذه الحكمة السامية كان يؤمن ابن باديس،وهذه هي مثله الأعلى في الحياة، فقد كان منذ صباه لا يهتم إلا بروحه، ولا يسعى إلا فيما يقويها ويطهرها من أدران الـمادة الطاغية، لأنه يعتقد أن الروح هي القوة الفعالة التي يجب أن يتسلح بها الإنسان في هذه الدنيا«.

»وأما الـمادة فهي عنده في الدرجةالثانية من الاعتبار، إذ كان يرى أن الحقيقة الإنسانية وإن احتاجت إلى الجسم،فكاحتياج الكاتب مثلا إلى لفظ يؤدي به الـمعنى الـمراد، أو كاحتياج الظامئ إلى كوبيتناول فيه الشراب. فأية قيمة للفظ، أو أي اعتبار لكوبٍ ما دام الاهتزاز لا ينبعثإلا من الـمعنى!؟ ومادمت النشوة لا تكمن سوى في الشراب!؟«.

»فحيوية الإنسان الـمعتبرة حقا إنماهي حيويته الروحية فحسب. ألا ترى أن عبد الحميد وإن كان ضعيف الجسم نحيله، وقصيرالقامة ضئيلها، غير أنه مع ذلك ليس رجلا كالرجال، ولكنه مجموعة من الإرادة والقوة والعظمة والعمل! وما ذلك إلا لتفوق حيويته الروحية على حيويته الـمادية. نعم.. إن جانب الحيوية الروحية في باديس متوفر وغزير«.
»
ولكن في أي شيء ظهرت هذهالحيوية؟

إن باديس حيٌّ في كلشيء:

حيّ في إيمانه بربه وبمبادئه الساميةالقويمة.

حيّ في خلقه العالي الـملازم لشخصهملازمة الشمسلنورها.

حيّ في علمه الصحيح الـمبني على البحث الدقيق الـمؤسس على الطهارة النفسية واليقينالقلبي.

حيّ في قلبه الـمطمئن الثابت الذي لا تهزه العواصف، ولا تنال منهالخطوب.

حيّ في دينه الذي يخلص له ويعتز به أينما حلَّ وحيثماارتحل.

حيّ في لسانه الفصيح الذي أوقفه على بناء الحق وهدم الباطل، وتأييد الهدى ومحو الضلال.

حيّ في قلمه البليغ الذي التزم ألا يخط إلا ما يمليه الضمير النـزيه، وتقتضيه مصلحة الدين واللغة والوطن.

حيّ في عمله الـمتزن الـمثمر الذي لم يعرقل تدفقه أي سد، ولـم تقف في وجهه أي محاولة.

فأيّ شيء يمنع الشمس أن تطلع؟!! أو يصد النور أن يسطع؟.

مثالان شاهدان:

»ولنقتصرعلى إيراد مِثالين يتجلى لنا فيهما طغيان هذا الجانب الحيوي الروحي في هذا “الرجلالعظيم.«

»الأول: هجره للسعادة الزوجية التيهي أجمل حلم للإنسان، وعدم احتفاله بالعاطفة الأبوية المحدودة التي هي من أعرقالغرائز في شخص الكائن الحي، فقد رزئ في ولده الوحيد ولم يتخلف عن درسه يوم وفاته،ولـما عوتب في ذلك أجاب: “أي مبرر لي أمام الله والواجب إذا ما تخلفت عن الدرس،وأضعت على الطلبة وقتا من أوقاتهم الثمينة؟«.

»وما هذا -لعمري- إلا ظاهرة لـمبلغ ما يكمن في طبعه من الانقياد إلى غرضه السامي«.

»والـمثل الثاني: هو أنه لـما بلغه أنتلميذه الـمأسوف عليه الـمرحوم الأستاذ مبارك الـميلي ألف كتابا في التاريخسماه:(تاريخ الجزائر في القديم والحديث) بعث له برسالة تمنى فيها لو يغير الـمؤلفعنوان الكتاب، فيسميه بدل التسمية الأولى:(حياة الجزائر) فلنستمع إليه إذ يقول: أخيمبارك، سلام ورحمة، حيّاك الله تحية من علم وعمل وعلّم، وقفت على الجزء الأول منكتابك:(تاريخ الجزائر في القديم والحديث) فقلت: لو سميته (حياة الجزائر) لكان بذلكخليقا، إلى أن يقول: إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيفبـمَن أحيا أمة كاملة، أحيا ماضيها وحاضرها، وحياتهما عند أبنائنا حياة مستقبلها. فهكذا ترى ابن باديس ينشد الحياة في كل شيء حتى في أسماءالكتب«.

النظرة إلى الحياة

ولعل من الـمناسب –ونحن نتحدث عن الحيويةأن نعرف كيف كان ابن باديس ينظر إلى الحياة؟

لميكن باديس فيلسوفا، فيرى الحياة “خيرا وشرا” وليس هو بشاعر فيراها “دمعة وابتسامةوما هو بمحب، فيراها: “فرقة ولقيا«.

ليس باديسبأحد هؤلاء، ولكنه وارث من ورثة الأنبياء الذين لا يرون الحياة إلا جهاداوانتصارا.

هكذا كان ابن باديس يرى الحياة، وعلى مقتضى ذلك فعل، فقد جاهد جهاد الأنبياء، وانتصر انتصار الأنبياء.

»هذه “يا شباب باديس” و “يا طلبةالمجد والأسوة” صورة مجملة متواضعة حاولت فيها عرض الجانب الـممتاز من شخصية باعث النهضة الـمباركة، رجاء أن تدرسوها حق الدرس، وتتخذوها مثلا أعلى في حياتكم«.

»هذا؛ وأرى لزاما عليَّ قبل ختم هذه الكلمةالمحتشمة أن أترحم على روح باديس الشهيد، وأهتف بحياة خليفته الـمعظم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس “جمعية العلماء الـمسلمين الجزائريينأبقاه الله ذخرا للإسلام والجزائر والعروبة«.

قدوة للأجيال

تلكم هي، أهميةالحياة الروحية شخَّصتُها –وأنا في ريعان الشباب- في إمام النهضة الجزائرية مؤسسجمعية العلماء المسلمين الجزائريين العلامة الرباني القرآني المحمدي الشيخ عبدالحميد بن باديس، فجعلتُه محور كلمتي إليكم بمناسبة ملتقاكم الميمونِ هذا، رجاءَ أنيكون قدوة لأجيالنا الحاضرة والآتية، في جميع المجالات العلمية والعملية والخلقية،وخاصة روح التسامح في الشؤون التي تدعو الناس إلى الاختلاف والتنازع، وتعرض للإحباطوالفشل، وذلك فيما خاطب به أعضاء جمعية العلماء الذين انتخبوه للرئاسة، في أول مجلسإداري لها، فقال: « أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عُرف بهما أخوكم الضعيف هذا: الأول أنني قصرت وقتي على التعليم، فلا شغل لي سواه، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلىتكريم التعليم، إظهارا لـمقصد من أعظم مقاصد الجمعية، وحثا لجميع الأعضاء علىالعناية به، كل بجهده. الثاني أن هذا العبد له فكرة معروفة، وهو لن يحيد عنها،ولكنه يبلغها بالتي هي أحسن، فمن قبلها فهو أخ في الله، ومن ردها فهو أخ في الله،فالأخوة في الله فوق ما يقبل وما يرد، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى هذا الأصل: وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام. فماذا تقولونأيها الإخوان؟ فأجابوا كلهم بالوفاقوالاستحسان«.

لـــــــــــو
لوأن الأمة العربية والإسلامية مسلحة بمقومات الروح، غير منصاعة لطغيان المادة،متمسكة بحبل الوحدة، ملتزمة بروح التسامح فيما بين بعضهم بعضا، من اختلافات داخلية،ووقفوا صفا واحدا في وجه العدو الصهيوني، المحتل لثالث الحرمين الشريفين الأقصى وماحوله، لما تعرضوا لـمرارة النكبات الـمتلاحقة منذ ستين عاما.
}
وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ{(2).

وختاما؛ أسأل اللهعز وجل كامل النجاح لأشغال الـملتقى، في دورته الرابعة، ودوام إشعاعه، وازدهاره لخير الجزائر والعروبة والإسلام.


الهوامش:

1-الإسراء: 9

2- الحج 40


* الـملتقىالعلمي الرابع عن أعلام البويرة، الذي تناول “الحياة الروحية فيالمنطقة بين الأصالة والمعاصرة “.

 

آخر التغريدات: