النزعة العقلانية والأخلاقية عند ابن باديس

النزعة العقلانية والأخلاقية عند ابن باديس

لم يكن هدا البلدة، بلد الجزائر بضنين طوال تاريخه عن أن يهب للناس رجالات لامعة في مجال النظر والفعل، تنبه الغافلين وتوقظ وعي النائمين وتوقد جذوة الحياة فيمن همدت نارها، أو غشيها ركام من الرماد فلم تعد تتوهج.

وليس من شك في أن ابن باديس 1306 1359هـ الموافق 1889 1940م من أعظم هؤلاء الدين أججوا الوعي الذاتي وأوروا ناره، و نفخوا فيه الحياة وجددوا ما انطمس من معالمه وأزالوا عنه ما ران  عليه من ظلمات قائمة وما أحاط به من خمود قاتل وما أصابه من وهن مضن اليم، اذ انبعث بما أوتي من روح وثابه وذكاء نافذ آلي التجديد العقلي والأخلاقي ليولد الشعب الجزائري ولادة جديدة، وليخلق تاريخا جديدا على أصول تليدة فأضرم ما إن همد منها وأثار دفنها من الأعماق “نعزم فيه على تجديدها تجديدا روحيا وعقليا وأخلاقيا وعمليا وتاريخيا تجديدا إسلاميا محمديا في جميع ذلك لنولد في عامنا الجديد ولادة جديدة”.

وأتخذ سبيله في تحقيق التجديد وصقل الوعي ويناء الذات بناء أصيلا أداتين هما الفطرة والعقل وأستند في دعوته إليهما. وبهما استطاع أن ينقذ إلى القلوب يهز النفوس ويحرك الإرادات “لكل إنسان فطرته وعقله فعلينا إذا ادعينا الى شئ ” أن نعرضه عليهما راجعين إلى الفطرة الإنسانية والى العقل البشري، منزهين عن الأغراض والأهواء والأوهام والشبهات وتجد القرآن العظيم يخاطب العقل والفطرة ليعلمنا الرجوع إليهما والاستفادة منهما، وذلك لأن الكائن البشري إنما امتاز على الحيوان بالفطرة والفكرة فإذا سلب فكره بإهماله أو عدم استعماله هوى إلى حضيض مادون الحيوان لأن الحيوان ذو فطرة يعتمد عليها في حياته بل إن ابن باديس يتصور أن المؤمن الكامل لانما هو الذي “سلمت فطرته وصح إدراكه واتبع القرآن وخلقه وعمله” ومعنى ذلك أن ابن باديس يجعل العقل والفطرة معيارين من معايير الحياة الإنسانية في الاعتقاد والسلوك بجانب القرآن بل أنه يرى أن منهج القرآن نفسه في توجهه الى بني الإنسان إنما يعتمد على الفطرة وعلى العقل البريئين من الهوى والأوهام والانحراف والطمس ويذهب الى أن الإسلام يمجد العقل ويدعوا الى بناء الحياة كلها على التفكير ويمتاز الإنسان فيما يذهب اليه بقوة التحليل والتركيب لما يصل اليه من مدركات حسية أو عقلية والى السيطرة على الطبيعة  بهذه الميزة ميزة التحليل والتركيب والتطبيق وانتهى الى الهيمنة على العالم المشاهد بقوة العقل ودعا ابن باديس الى استخدام أسلوب القرآن في توجيه الفكر آلي للعلوم الطبيعية التي يطلق  عليها العلوم الكونية وذلك بالتأمل في الظواهر الطبيعية والتعمق في أسرارها لخدمة العلم واستثمار ما في العالم الى أقصى حد وليس هذا المعنى الا المنهج التجريبي الذي دعا اليه القرآن.

ونادى ابن باديس بتكريم العقل وتكريم العقل انما هو تنويهه عن الأوهام والشكوك والخرافات والضلالات وتكريم العقل هو أيضا ربطه بالعلوم والمعارف وصحيح الاعتقادات، ويذهب الى أن التفكير والروية من افضل الأعمال الإنسانية والى أن أفضل الذكر من بين العبادات وانما هو التفكير والتدبير في أفضل المعاني وهي معاني القرآن وأن التفكير في عظمة الله وجلاله وفي الكون وجميع المخلوقات من أعظم الأذكار وأجلها وأفضلها.

ميز ابن باديس بين ما سماه بالإسلام الوراثي والتقليدي وبين ما سماه بالإسلام الذاتي وبين لنا أن الفرق بينهما هو أن الإسلام الذاتي هو الإسلام الحقيقي فهو إسلام من يفهم قواعد الإسلام يدرك محاسن الإسلام في عقائده وأخلاقه و آدابه وأحكامه وأعماله ويبنى ذلك كله على الفكر والنظر فيفرق بين ما هو من الإسلام بحسنه وبرهانه وما ليس منه بقبحه وبطلانه فحياته حياة فكر وإيمان وعمل  ومحبة للإسلام، محبة الإسلام محبة عقلية قلبية بحكم العقل والبرهان كما هي بمقتضى الشعور والوجدان، أما الإسلام الوراثي فهو إسلام من بأخذ عقائده عن طريق التقليد فيدخل فيها ما ليس منها بحكم الوراثة من عقائد باطلة وعادات فاسدة وهو ذلك الإسلام الذي يتصوره معتقده على أساس من تصور آبائه دون نظر ولا تفكير ومحبة هذا المعتقد للإسلام على هذا النحو انما هي محبة عاطفية بحكم الوجدان فحسب وهو إسلام معظم عوام المسلمين الذين أدخلوا فيه البدع الاعتقادية والعملية ما يأباه الإسلام في أصوله ومنابعه والإسلام الوراثي أيضا هو ما بنى على الجمود والتقليد فلا فكر فيه ولا نظر.

إن الإسلام الذاتي هو الإسلام الذي جاء به القرآن وأمرنا أن نقيمه على الفكر “قل انما أعظمكم بواحدة ان تقوموا الله مثنى وفرادى ثم تتفكروا” إن الأمم في نظر ابن باديس لا تنهض الا بالتفكير في الطبيعة وفي آيات الله ولا تتقدم الا ببناء أعمالها و أحكامها و أقوالها على الفكر، وذلك وحده هو سبيل الحضارة والعمران واستغلال الكون ودعا آلي أن الكون إسلامنا ذاتيا أي إسلاما حقيقيا أصله القرآن والسنة ولا يكون الا عن طريق التعليم، تعليم الإسلام للبنين والبنات وللرجال والنساء وقرر أنه لا حياة الا بالعلم و ذهب الى أن القرآن نفسه معجزة علمية عقلية أي أن الإنسان العاقل إذا فكر فيه خضع لسلطانه لأنه برهاني لا يقوى على معارضته ولأن القرآن آية كبرى على مر العصور لأبنائه على الاحتجاج بالعقل والعلم وأوضح لنا أن الدين الإسلامي دين عقلي إنساني فقال “لقد أعطانا الله من هذا الدين الإنساني من هذا الدين العقلي ما يكمل عقولنا ويهدي أرواحنا”.

دعا ابن باديس الى استقلال الفكر سواء في ميدان الحياة أو في ميدان التربية باعتبار أن التفكير لازم للإنسان في جميع أموره صغيرها وكبيرها “إذا كان التفكير لازما للإنسان في جميع شؤونه وكل ما يتصل به إدراكه فهو لطلاب العلم الزم من كل إنسان.

فعلى الطالب أن يفكر فيما يفهم من المسائل وفيما ينظر من الأدلة تفكيرا صحيحا مستقلا عن تفكير غيره و انما يعرف تفكير غيره يستعين به ثم لابد من استعماله فكره هو بنفسه بهذا التفكير  الاستقلالي  يصل الطالب الى ما يطمئن له قلبه ويسمى _حقيقة_ علما وبه يأمن الوقوع فيما أخطأ فيه غيره ويحسن التخلص منه إن وقع فيه وقد أكد الاستقلال الفكري أكثر ما أكده ألح عليه أكثر ما ألح في الميدان العلمي والتربوي لذلك دعا الطلاب الى الاستقلال العقلي في البحث والنظر فقال  : فالتفكير التفكير يا طلبة العلم فان القراءة بال تفكير لا توصل الى شيء من العلم وانما تربط صاحبها في صخرة الجمود والتقليد وخير منهما الجهل البسيط.

بين لنا ابن باديس أن المناظرة في العلم  وفي الدين أصل من أصول  الشرع دعا إليها وزكاها بشروطها وآدابها التي تؤدي الى الحق وتنبني على الوصول اليه، ذلك إن العلم _في نظره_ قبل العمل، لأن العمل ينبني  على العلم ويقوم عليه إذ أن من دخل في العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الظلال ولكنه حذر من الذهاب مع التخيلات الفلسفية التائهة و النسك الأعجمي الغامض ودعا الى استخدام المنهج القرآني العقلاني الواقعي لأن القرآن استدل على العقائد بالأدلة العقلية القريبة غير إن الناس قد بعدوا عنها و تحاكموا الى الطرق الكلامية المعقدة واصطلاحاته وإشكالياتها المتعددة المحدثة و كذلك القول في ميدان الأخلاق وفي ميدان التشريع فان الفقهاء بعدوا عن الأصول التي أقامها القرآن أوضحتها السنة واتبعوا الفروع المجرد عن أصولها وحكمتها وانحرفوا أيضا عن أصول الأخلاق القرآنية و زكاء النفس وفقهها، و وضعوا أوضاعا واصطلاحات واختراعات وخيالات فيها غلو وتنطع وبعد عن السنة وتلبس بالبدعة وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام” لذلك نجد أن باديس يوجه نقدا إلى تشكيكات الفلاسفة ومحاكاة المتكلمين وجدلهم العقيم الذي لا يثلج الصبر ولا يدخل على القلب أثر من يقين أو شيء من أنس الاطمئنان وسكون الضمير لأن المنهج الفلسفي الذي يزعم لنفسه العصمة والبرهان القطعي الذي لا مرد له لا يؤذي في واقع الأمر إلا إلى منهج المتكلمين أيضا منهج ذو طابع تجذلي ما يورث إلا الضلال والظنون قال ابن باديس:”ولقد ذهب قوم مع تشكيكات الفلاسفة فروضهم ومحاكاة، المتكلمين ومناقضاتهم فما ازدادوا إلا شكا و ما ازدادت قلوبهم إلا مرضا حتى رجع كثيرا منهم في أواخر أيامهم إلى عقائد القرآن وأدلت القرآن فشفوا بعدما كإمام الحرمين والفخر الرازي.

إن النفوس قد تأتي عليها الوساوس وتصيبها موجات من الأوهام والشكوك وما يدفع هذه الشكوك وتلك الحيرة إلا القرآن الذي يجد فيه المؤمن مصدر اليقين وسكون القلب وراحة الضمير، وحذر من الجدال العقيم واتخذوه صناعة ينصرون بها مذاهبهم وإن انحرفت ويؤيدون بها بدعهم وإن ظهرت للعيان، واندثرت حقائق الدين وشوهت  بالمجادلات المذهبية والرسوم والأوضاع البدعية كما أن ابن باديس عارض ابن سينا وفلسفته الإشراقية ونقض كلامه في كتاب الإشارات والتنبيهات مما يتعلق بالتصوف و بين لنا أنه ليس من الإسلام في شيء كما أنه لم يقبل الفلسفة الأفلاطونية، المحدثة التي تأثر بها الفلاسفة الإسلاميون وأدخلوها في صميم فلسفاتهم و حاولوا تفسير الإسلام على ضوء الفلسفة اليونانية قال ابن باديس :”حسبك ابن سينا وأمثاله الذين يحاولون تطبيق العبادة الإسلامية على الفلسفة اليونانية والآراء الأفلاطونية، ويبدو أنه متأثر في ذلك بأبي بكر بن العربي “453هـ” الخصم اللدود للتصوف الباطني والفلسفة اليونانية على العموم لأنه لا يخضع لتقليد الفلاسفة اليونانيين ولا الفلاسفة الإسلاميين الذين أخذوا ببعض الأصول الفلسفية اليونانية وبنوا عليها مذاهبهم الفلسفية في الميتافيزيقا والأخلاق لذلك نجد ابن باديس ينادي، بحرية الفكر ويرفض التقليد اللدود للتصوف الباطني وللفلسفة ومقاومة الخيال الصوفي ذلك الخيال الذي يعتمد عليه متصوفة الهند الذين ينعزل أحدهم عن الناس ويذهب في أودية الخيال.

النزعة العقلانية والأخلاقية

لتحصيل حالة نفسية خاصة به يعدها نعيما روحيا، أن ابن باديس يدعو دائما وأبدا الحرية العقلية لأن الحياة حياتان حياة الروح وحياة البدن والحرية كذلك وحياة الروح وحريتها هما أصل حياة البدن وحريته وشرائع الإسلام ومنتظمة لذلك كله أن حرية أرواحنا وعقولنا شرط الحياة الإنسانية الكريمة، إذا حررنا أرواحنا وعقولنا فقد حررنا كل شيء.

إن الإنسان أعظم من الأرض  والجبال لا بمتانة عضلاته ولا بجمال جسمه وحسن قوامه ولكن بعقله. وقوة إرادته وحاول ابن باديس أن يعرف العقل فقال : وعقله والقوة الروحية التي يكون بها التفكير وتفكيره هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها وأدرك نسب بعضها لبعض إيجابا وسلبا، وارتباط بعضها ببعض نفيا وثبوتا وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الارتباط على صورة مخصوصة ليتول بها الى إدراك أمر مجهول فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات والمفكر مكتسب ما دام مفكرا.

فوظيفته التفكير لنا ما هي الا اكتشاف العلاقات بين الحقائق و الاستدلال بها على حقائق  أخرى وليس ذلك أن ابن باديس سلك منهجا صوريا محضا لأنه بين لنا  في مواضع كثيرة أن الحس أصل من أصول المعرفة وأداة من أدواتها أيضا لكنه لم يقتصر على المحسوسات والظواهر بل دعا الى تجاوزها والى جعل الحواس خادمة للعقول وواضعة للمعطيات الحسية أمامها قال ين باديس : لا ننظر الى ظواهر الأمور و بواطنها والى الجسمانيات الحسية ما، وراءها من معان عقلية بل نعبر الظواهر الى البواطن وننظر من المحسوس الى المعقول ونجعل حواسنا خادمة لعقول ونجعل عقولنا هي المتصرفة الحاكمة بالنظر والتفكير “وحذرنا من السطحية وعدم التعمق ” علينا أن نحذر من أن نتعرض أو نحكم بالأنظار السطحية دون بحث عن الحقائق أو أن نلحق شيئا بشيء دون أن نتحقق لانتفاء جميع الفوارق فقد انتشرت بعدم الحذر من هذين جمالات  وارتكبت ضلالات. وذلك لأننا نجد الظواهر كثيرا ما تخالف البواطن و خاصة فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية ومن ثم فانه دعا الى أن نبني أمورنا على الاختيار فلا نقرر حكما ولا علما الا بعد الاختبار. وخصوصا في معرفة الناس والحكم عليهم. وقد اهتم بمقدمة ابن خلدون وبين لنا أنه منشئ لعلم الاجتماع وتتلمذ على شيوخ تلمسان. مقدمة  ابن خلدون التونسي تلميذ مواطنينا شيوخ تلمسان واضع علم الاجتماع المترجمة الى جميع لغاتهم. وأشار أيضا الى منهج علم النفس وعلم الاجتماع حين بين لنا أن لظواهر أو أنواع السلوك هي التي توضح لنا الحقائق النفسية والاجتماعية وذلك تحت عنوان “لمحة نفسية” فقال: ” الظواهر دلائل البواطن فالمرء يعرف سحنات وجهه وفلتات لسانه وكثيرا ما تدل كلمته على مهنته أو فكرته وعقيدته كنا تدل هيبته أو لبسته و شمائله وما يباشر المرء تنطبع به لنفسه و يصطبغ خياله فيجري لسانه في تشبيهاته وتمثيلاته وفنون قوله فقد تختلف العبارات عن شيء واحد في وقت واحد باختلاف نفسيات المتكلمين عليه “نستطيع القول بأن ابن باديس انتهى إلى التفكير هو ما ينبغي أن يسير الإنسان على ضوئه في اعتقاده وفعله وقوله وفي حياته كلها والدليل على ذلك أنه صرح بذلك بوضوح تام إذ قال العلم هو وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال و الاعتقادات وقرر أن أساس العلم إنما هو التفكير والنظر ولسنا بطلك ندعي أمرا غريبا عنه أو نزعم بدعا من القول وننسبه إليه بغير برهان لأنه كفانا التحمل في القول والتعسف في البرهان فصرح بما ذهبنا اليه في سلسلة من الأدلة أو المقدمات” سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطا وثيقا و يستقيم باستقامته ويعوج باعوجاجه ويعقم بعقمه لأن، أفعاله ناشئة عن اعتقاداته وأقواله اعراب عن تلك الاعتقادات وثمرة إدراكه الحاصل عن تفكيره ونظره”.

وليس معنى ذلك أن ابن باديس أعطى للعقل القدرة المطلقة على الإدراك أو أنه جعله لا متناهيا في هذا الإدراك أو استغنى به عما عداه من الشر بل أنه اعتبره نسبيا محدودا على نحو ما تصوره ابن خلدون والغزالي وابن رشد أيضا إذ ليس العقل محيطا بالحقائق كلها أو أن جميع ما يصل اليه من مدركات فهو يقيني لا مجال للشك فيه لأنه  قرر أنه لا ينبغي للإنسان أن يعجب بعقله أو يغتر به إذ كثيرا ما يقع فريسة للظنون والأوهام أو مجرد الفروض التي لا دليل عليها ولا برهان فكان من لطف الله بالإنسان أن جعل لعقله حدا يقف عنده وينتهي اليه ففي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف  العقول حيارى أمامها وقد شهدت أثارها ولا تستطيع أن تعرف كنهها كحقيقة  الكهرباء في الكون وحقيقة الروح والعقل في الإنسان.

وذهب ابن باديس الى أن العقل قد تصيبه أمراض وشرح لنا أن هذه الأمراض متعددة منها جمود النظر وفساد الإدراك وتقليد الأباء واعتقاد الباطل والشك في الحق كما أن النفوس قد تعتريها أمراض بفساد الأخلاق واتباع الهوى وإذا مرضت العقول وأصيبت النفوس بالانحراف فسدت الأعمال لأنها تابعة لهما تصلح بصلاحهما وتفسد بفسادهما.

الحكمة :

إن معنى الحكمة عند ابن باديس هو : العم الصحيح الثابت المثمر للعمل المتقن المبني على ذلك العلم فالحكمة بهذا الاعتبار جمع بين النظر والعمل بين الفكر والفعل وربط بينهما أو أن شئت قلت أنها تطبيق النظر وجعله واقعا حيا متقنا سواء كان ذلك في ميدان العلم أو في ميدان الأخلاق  أو العقائد أو الأداب ولذلك فان ابن باديس شرح لنا هذا المعنى في تلك الميادين كلها فقال : “فالعقائد الحقة والحقائق العلمية الراسخة في النفس رسوخا تظهر أثارها على الأقوال والأعمال المستقيمة والكلمات الطبية التي أثمرتها تلك العقائد حكمة والأخلاق الكريمة كالحلم والأناة وهي علم وعمل نفسي حكمة والبيان عن هذا كله كلام الواضح الجامع حكمة ويستخلص من ذلك أن الحكمة تشمل العقائد و الأخلاق والحقائق العلمية والذي يهمنا أن نشير إليه بهذا الصدد إنما هو الآراء، الأخلاقية عند ابن باديس وينبغي أن نبدأ أولا بتعريفه للخلق.

عرف ابن باديس الخلق وحدده بأنه : “الملكة النفسية التي تصدر عنها الأفعال. و من جهة أخرى فانه ذهب  الى أن الأخلاق  فطرية و إنها تنمو بالتربية وتنطمس  بالإهمال: “الأخلاق الفاضلة التي هي موجودة في فطرة الإنسان بأصولها وتنمو بحسن التربية و تنطمس بالإهمال”.

إن الكمال الإنساني عند ابن باديس يرجع إلى توفر عناصر ثلاثة : العلم و الإرادة والعمل و قد اعتبرها أصولا للكمال وللسلوك الحميد : أن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم وقوة الإرادة وقوة العمل، ولكننا نجده في بعض الفقرات من أثاره يعبر عن العلم بالفكرة ويصرح بأن حياة الإنسان كلها متوقفة على هذه العناصر الثلاثة : حياة الإنسان من بدايتها الى نهايتها مبنية على هذه الأركان الثلاثة : الإرادة والفكر والعمل. بيد أنه جعل هذه المبادئ متوقفة على شروط أخرى ضرورية للإنسان وهي الجسم والعقل والخلق وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لابد للإنسان  منها فالعمل متوقف على البدن والفكر متوقف  على العقل والإرادة متوقفة على الخلق فالتفكير الصحيح والإرادة القوية من الخلق المتين والعمل المفيد من البدن السليم فلهذا كان الإنسان مأمورا بالمحافظة على هذه الثلاثة عقله وخلقه وبدنه ودفعا لمضار عنها فيثقف عقله بالعلم ويقوم أخلاقه بالسلوك  النبوي ويقوي بدنه بتنظيم الغذاء وتقي الأذى والترويض على العمل .

وكان ابن باديس يوصي بالاهتمام بالبدن والروح معا و العناية بهما لأن الجسد في  نظره آلة بديعة للروح وضرورية لها في الدنيا والآخرة أيضا لأنه من العدل الإلهي أن  يكون للجسم حظ في العالم الآخر كما كان له حظ في هذا العالم ومن العدل  ومن الواجب على الإنسان أيضا أن يعطي للجسم كما يعطي للروح حقه من العناية فيغذي  بدنه بما ينميه ويصلحه ويقويه ويحفظه من كل ما ينهكه أو يؤديه فإصلاح البدن يتوقف على الغذاء ولا يقل في ذلك أهمية من الروح التي يجب أن يغذيها الإنسان بما ينير عقلها من العلوم وبما يزكيها من الأخلاق وبما يحفظ وجودها، وقواتها من العمل الصالح والاحتراز عما يغشى العقل من الجاهلات والأوهام والرذائل.لأنه إذا ما اجتمعت أسقام البدن مع أثقال الروح من الجهل والظلمات فقد أصبح الإنسان بلاء وشرا قاسيا.

وذهب أيضا أن “الإنسان مركب من روح من عالم النور وجسم من عالم المادة المركبة ولا يبقى بدنه إلا بالغذاء ولا تكمل روحه إلا بالعمل وليس من الإسلام تحريم الطيبات على نحو ما فعل غلاة المتصوفة في تحريم اللحوم كما أنه ليس من الإسلام أضعاف البدن وقهر الجسم كما يفعل متصوفة الهند ومن قلدهم من المنتسبين إلى الإسلام ولكن رغم ذلك فانه حذرنا من سقوط آليي أثقال العناصر الأرضية الظلمانية التي تتمثل في الجسد الإنساني  وبين لنا أن الإنسان لا يخلص من كدورة الجسم ونقصه الا بالعبادة التي بها يصفو العقل وتزكو النفس ويطهر البدن أيضا ظاهرا وباطنا. لأن الإنسان مهيئا للكمال بما فيه من الجزء النور العلوي وهو روحه ومعرض للسقوط والنقصان بما فيه من إخلاصه  عناصر جزئه الأرضي الظلماني وهو جسده.

ويرى ابن باديس أن القيم الخلقية فطرية  ولكن أضاف إلى  ذلك أن أوامر الشرع آتية على مقتضى العقل  “إن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة وأنه تعالى لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن” ونستطيع القول بأنه اتفق في هذا المجال مع ما ذهب إليه المعتزلة من أن الحسن حسن بذاته وأن القبيح قبيح بذاته أي أن قيم الأشياء أو الأفعال ذاتية فيها وليست مضافة إليها من العقل أو الشرع أو من الأمر والنهي والدليل على ذلك أنه قال : “الشيء هو القبيح والقبائح المنهي عنها فيها تقدم قبيحة لذاتها” وأوضح لنا أيضا أن : “الحسن تميل إليه النفوس والقبيح تنفر منه” ولكنه عاد فحدد موقفه تحديدا واضحا أشار إلى أن العقل قد يجانب الصواب فيخطئ أو تفوته الجزئيات والتفاصيل  أو يفوته اليقين ولذلك : “قان الحسن جد الحسن ما كان حسنا عند الله والقبيح جد القبيح ما كان عنده قبيحا عنه. على أن العلم بالحسن والقبيح على وجه التفصيل والتدقيق حتى يكون المأمور به حسنا قطعا والمنهي عنه قبيحا ” قطعا انما هو له تعالى.وعرف لنا الطيب بأنه اللذيذ لذة حسية أو عقلية. وأن مقابله وهو الخبيث مستقذر حسا وعقلا وقد يكون لذيذا لذة حسية ولكنه مستقذر عقليا وذلك كأخذ ملك الغير لما فيه من التعدي والظلم وذهب من جهة أخرى الى أن، الإيمان والتوحيد والأخلاق يمكن أن تدرك بالفطرة السليمة فهي كالماء الذي تدركه الحيوانات بفطرتها وتقبل عليه كما أن هذه القيم الخلقية يمكن أن يدرك ، حسنها بالعقل والنظر. وهكذا فان كل ما دعا اليه الإسلام من أخلاق وعقائد وأعمال هو من قبيل ما تقبله الفطرة السليمة وتدركه العقول الصحيحة.

ويرى ابن باديس  أن اللذة الحقيقية انما هي اللذة الأبدية في عالم الخلود. أن الأرواح، النورانية الظاهرة السامية لا لذة لها حقيقية في هذا العالم الفاني المادي المنحط وانما لذتها الحقيقية في عالمها العالي الأقدس والرفيق الأعلى الأطهر وفي معاشرة أمثالها من النفوس الطيبة الزكية في ذلك القدس الأسنى فهي دائمة الشوق إليه والإنجاب نحوه، ويمكن للقارئ أن يلمح من هذه النغمة المشرقة ومن هذا الأسلوب الأفلاطوني نفحة من نفحات الغزالي الذي كان يطالعه ابن باديس وخاصة كتابه “أحياء علوم الدين” ورغم أنه نقذه وبين بعض أوجه ضرر هذا الكتاب متابعا في ذلك أهل السنة الذين نقدوا الغزالي واذكروا عليه هذه المسحة الصوفية الشفافة والرقيقة وخاجموه مثل أبي بكر العربي وابن بكر الطرطوشي 520هـ” وغيرهما وقد بين لنا ابن باديس أن كتاب الأحياء الذي يسميه كتاب الفقه النفسي ينطوي  على إدرار منها عقيدة الجبر ومنها تأويلات أشعريه وصوفية غاليا وزهد مفرط.

أما فيما يتعلق بالحرية فان ابن باديس يرى أن الإنسان حر في اختياره وأرادته ومكنهم كلهم من الأسباب وإدراك العقل وحرية الإرادة وقد تحدث عن هذه المشكلة في مواضع كثيرة وهي تحتاج لدراسة خاصة فلا نطيل القول فيها الآن.

أما العلاقة بين الأخلاق والعلم وبينها وبين العقائد فقد أوضح لنا أن العلم قبل السلوك وأن الأخلاق ناشئة عن العقائد ولازمة لها. وقرر أيضا أن الأعمال مبنية على العقائد وعلى الأخلاق. ولذلك ذكر أن الاهتمام الأكبر ينبغي أن يوجه إلى هذه الناحية :

 إن الذي نوجه إليه الاهتمام الأعظم في تربية أنفسنا وتربية غيرنا وتصحيح العقائد وتقويم الأخلاق فالباطن أساس الظاهر. وقد نقد ابن باديس المدنية الغربية وبين لنا أنها فتنت المسلمين بمظهرها المادي وإدراك منهجها و غايتها ورد على بعض المفسرين الذين يحاولون أن يفسروا معنى الصالحين بالأوروبيين فقال : ” رأى بعض الناس المدنية الغربية المسيطرة على الأرض وهي مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها فالقوى عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان_ فقالوا أن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض وزعموا أن المراد بالصالحين في الآية الصالحون لعمارة الأرض فيا لله وللإنسان من هذا التحريف السخيف كان عمارة الأرض هي كل شيء ولو ضلت، العقائد وفسدت الأخلاق واعوجت الأعمال وساءت الأحوال وعذبت الإنسانية بالأزمات الخانقة ووعدت بالفتن والحروب المخربة  الجارفة وهددت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها و المدنية من أساسها هذه هي بلايا الإنسانية التي يشكوا منها أبناء المدنية المدية  التي عمرت الأرض  وأفسدت الإنسان ثم يريد هذا المحرف أن يطبق عليها آية القرآن:”كتاب الحق والعدل والرحمة والإحسان واصلاح، الإنسان ليصلح العمران” وذهب الى أننا فتنا بأمم الغرب وفتنوا هم أيضا بنا لجهلنا وفقرنا وضعفنا فحجبنا حقيقة الإسلام فكنا بذلك فتنة عظيمة عليهم. ونراهم نحن في عزة وسيادة وتقدم علمي وحضاري فنندفع في تقليدهم في معايبهم وفسادهم ونزدري كل شيء عندنا حتى أعز عزيز لدينا.


آخر التغريدات: