رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الرزاق قسوم يدلي بشهادته

رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الرزاق قسوم يدلي بشهادته

يتناول الدكتور عبد الرزاق ڤسوم في شهادته مراحل حياته الأولى ببلدته المغير ودراسته بمعهد بن باديس بقسنطينة، ثم انضمامه إلى النضال، كما يفصل الدكتور ڤسوم في قضية الإذاعة الفرنسية التي عمل بها..

نبدأ مع بداياتك في الحياة، أين ولدت وترعرعت سنواتك الأولى؟

أولا، أنا سعيد بأن أكون ضيفا على صحيفة الشروق التي نهلنا منها وفتحنا عليها أعيننا وعقولنا في مناسبات عديدة، وما أؤكد عليه في هذه الشهادات هو أنها ستكون إن شاء الله موضوعية وخالية من الذاتية، ومتسمة بالطابع العلمي بأدق ما يمكن أن يكون في هذا الموضوع، لذلك فإنني إذا صح لي أن أبدأ حياتي، أقول بأنني نشأت في واحة خصبة بين النخيل والمياه، وهي مدينة المغير، هذه الواحة الواقعة وسط الجنوب، والتي عندنا يقال عنها “إذا وصلت إلى المغير فخير” إما أن تذهب إلى الواد أو أولاد جلال أو تذهب إلى تڤرت أو بسكرة، هي حلقة وصل بين مختلف البلدان والواحات والولايات

حفظت كتاب الله مع خمسة من إخوتي كلهم يحفظون كتاب الله، وهذا الجو الديني القرآني الذي نشأت فيه أكسبني نوعا من الشخصية المتميزة من الناحية الدينية ومن الناحية الوطنية، فالحصانة التي اكتسبتها بحفظي لكتاب الله حصّنتني من الناحية الدينية، وتطعيم هذا القرآن ببعض العلوم الابتدائية من متون أعمال فقهية مثلا وما إلى ذلك، أضيفت إليها بعض الأناشيد الوطنية التي كانت أيضا تقدم إلينا ونحن أطفال فنشأت إذا صح القول متوازن الملكات، لأنني تعلمت الكتاب، أي القرآن، وتعلمت العلوم الابتدائية أي العلم. وأيضا أضفت إلى هذا بإلحاح من والدي رحمه الله تعلم اللغة الفرنسية وأنا طفل.

يعني أنك تعلمت اللغة الفرنسية في المدرسة الفرنسية أثناء الاستعمار؟

نعم، قد أعود إلى هذه النقطة بالذات في بعض المناحي بعد قليل. ما يهمني هو أن أؤكد أنني نشأت وسط بيئة طبيعية علمية دينية وطنية، مدينتنا فيما بعد أصبحت أوراس الجنوب، لذلك فإني أقول نشأت في هذا الجو الذي أكسبني نوعا من الحصانة الثقافية والوطنية والدينية، وهذا ما يحدث توازنا بالنسبة للطفل وشخصية الإنسان.

بالنسبة لتعليم اللغة الفرنسية، هل التحقت بالمدرسة الفرنسية الرسمية؟

نعم، كنت أقسم وقتي ـ وهذا عجيب جدا ـ يوقظني والدي صباحا عند صلاة الفجر، ولك أن تتخيل أن طفلا صغيرا لا يأخذ حقه من النوم، ويذهب به للكتّاب على الساعة الثالثة صباحا لتعلم القرآن، عندما تحين الساعة السابعة والنصف، أذهب للمدرسة الفرنسية، لأنه لابد أن أكون فيها، وفي المساء أذهب للمدرسة العربية التي تعلمنا الأدب والإنشاء والعلوم الابتدائية، فكان وقتي مقسما بين هذه المؤسسات الثلاث في يوم واحد. وليس من السهل أن يجمع الإنسان بين ثلاث مدارس في وقت واحد.

يبدو أن رغبة الوالد تعليمك دينيا لم يكن يريد أن يعزلك عن الحياة والواقع؟

والدي رحمه الله كان يقول هذا القرآن ينفعنا في ديننا، وهذه اللغة الفرنسية تنفعنا في دنيانا، فأنت يجب أن تجمع بين الدين والدنيا؟ لهذا سأعود لهذه النقطة، لأن منذ خمس سنوات أو ست أظن، عقد أسبوع ثقافي في المغير جاء فيه وفد، ومن بين من جاء معنا رئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور، فمن بين الأماكن التي قمنا بزيارتها المدرسة التي كنت أتعلم فيها، ومن عجيب الصدف أننا وجدنا في السجل الذي كان موجودا وقت طفولتي أن معلم اللغة الفرنسة الذي كان يعلمني كتب ملاحظة أن هذا الطفل سيكون له مستقبل.

مهمة هذه.. يعني أن الأساتذة في ذلك الوقت تنبأ والك بمستقبل؟

لم أكن أعلم هذا، لأن هذا تنبؤا خاصا بهم، فهم كتبوا هذا الطفل سيكون له مستقبل، ولكن العجيب من هذا تنبأ والشاب بمستقبل معاكس، فكان ذلك للأسف الشديد، تحققت نبوءة الآخر.

هل تذكر أول يوم التحقت فيه بمعهد بن باديس؟

التحقت بمعهد بن باديس أول أكتوبر 1949م، وهو يوم افتتاح السنة الجامعية، والحقيقة أني وجدت نفسي أولد من جديد في هذا المعهد، لأنني وجدت نفسي مع عالم يتميز بالتنوع داخل الوحدة الوطنية، تجد من جاءك من تلمسان ومن تبسة وتمنراست أو خنشلة، يعني كل الأطفال، الشباب من ذلك الوطن كانوا مجتمعين في معهد عبد الحميد بن باديس فزالت هذه الفروق الجغرافية بيننا وأصبحنا والحمد لله كأننا في عائلة واحدة، وهذه فائدة هامة تعلمناها فأكسبتنا معنى الانتماء الوطني، أن الإنسان ليس ابن منطقته أو مدينته أو قريته ولكنه ابن وطنه.

أتممت سنوات المعهد وهي أربع سنوات كاملة، وعدت إلى “المغير”، هل بدأت حياتك المهنية في هذه المرحلة

قبل أن أعود واجهتني مشكلتان، المشكلة الأولى هو أن والدي محدود الإمكانات المادية فلم يستطع أن يوفّق بيني وبين أخي، لأنه عندي أخ في تونس، فقال أعمل جهدي لتذهب إلى البعثة التي كانت جمعية العلماء تنظمها إلى المشرق العربي لإنهاء تعليمك ، لكن لا أعلم كيف أبرر ذلك، اندلعت الثورة الجزائرية في ذلك الوقت، وأنا دفعت المال للشيخ محمد خير الدين رحمة الله عليه والذي كان مديرا للمعهد ليسجل اسمي في القائمة، وقبلت، ولكن منعت من الحصول على جوزا السفر بسبب اندلاع الثورة الجزائرية.

فعدت إلى المغير كئيبا، لأنني لم أستطع أن أحقق هذا الأمل، ولكن أيضا كان هناك حماس ثان باندلاع الثورة الجزائرية؛ الذي كان يسود الشعب في ذلك الوقت، فبدأت أعلم متطوعا في مدرستنا التي كنت أتعلم فيها.

وماذا بعد أن عدت إلى المغير؟

عدت للوطن “المغير”، وبدأنا في التعامل مع الوالد، ثم بعد ذلك في عام 1955 أي بعد عام من اندلاع الثورة، انتقلت للعاصمة ووجدت نفسي في عالم غريب لا أحد يستطيع أن يأويني إلا بعض المعلمين القلائل من أبناء البلدة الذين اتصلت بهم، لكن كان اتصالي الأول بمقهى أو ناد تابع لحزب البيان بجامع كتشاوة، فأنا كنت طفلا لم يكن لدي نضج بأن هذا حزب كذا، بالنسبة لي حزب البيان حزب وطني وهو كذلك، وهناك التقيت بعديد من الشخصيات التي كانت تبدو لي بأنهم زعماء، وفعلا هم زعماء، منهم القائد أحمد رحمة الله عليه ومنهم فرحات بن لمان الذي كان شيخ بلدية العاصمة بعد الاستقلال، ومنهم أحمد فرنسيس على ما أظن، وغيرهم من الجماعة الذين كانوا يجتمعون في المقهى.

فاختلطت معهم و طلبت منهم إذا كان يمكن أصبح معلم اللغة العربية في الليل لبعض الشباب وبعض الكهول، فبعض الشباب التقيتهم أجلس معهم في القهوة، أعجبوني وأعجبتهم، التقيت بهم فقالوا لي علمنا اللغة العربية، وكان لابد، لأنّ ذلك واجبا وطنيا، فاسندوا لي قسما أصبحت أعلمبهبعضالشباب.

وماذا عن الخياطين الذين كنتحلقة النضال بالنسبة لهم؟

يمكنني أن أقول أن هذا النادي كان حلقة الانطلاقة بالنسبة إلي من الناحية النضالية والتعليمية، لأنه كما قلت لك أيضا في هذا النادي جاء من يسأل ويقول إذا كان هناك معلم سيعلمنا، وأنا كنت على اتصال بالأستاذ أحمد توفيق المدني رحمة الله عليه.

أيضا في هذه المدرسة جاءني الشيخ الشهيد العربي تبسي رحمة الله عليه والشيخ أحمد حماني، جاء إلي عندما أقمنا حفل نهاية السنة وألقى الشيخ العربي التبسي خطاب الوداع سنة 1956، وكان خطابا حقيقة يعني يأخذ البنت ويقول هل تقبلون؛ أي هل تقبل أيها الشعب أن مثل هذه البنت خديجة أو فطيمة أو كذا… تصبح خادمة عند السيد الفرنسي كذا بهذه اللغة.

يعني أنت كنت ثمرة من ثمار جمعية العلماء المسلمين، فلما نسمعالآن أن جمعية العلماء لم يكن لها مساهمة في الثورة؟

هذا الكلام يثير الضحك والاستهزاء، فهذا يدل إما عن غباء أو جهل أو يدل على سوء نية وكلاهما مذموم، لأنه لا مجال للجهل الآن في هذا الوقت بالذات. لأن الوثائق الآن كلها أصبحت موجودة، والشهادات كلها موجودة، والتحفظ لم يعد موجودا، والناس تتكلم في كل شيء، فهذا لا يمكن أن يقبل أو أنّه سوء نية، وهذا كذلك لا يقبل، لأن تزييف التاريخ لا يمكن أن يكون عاملا من عوامل البناء الوطني، لأنّ الإنسان في ذلك الوقت لا يمكن أن يكون إلا مع الثورة أو ضدها، لا يمكن أن يكون محايدا، فيمكن أن يكون مع الثورة وهذا طبيعي جدا، وهؤلاء هم الأغلبية، والأقلية التي أخذت مواقف معينة فمواقفهم واضحة، لذلك فالكلام القائل بأن جمعية العلماء المسلمين بأنها لم تلتحق بالثورة الجزائرية؟ “هذا كلام لا يستحق حتى أن يرد عليه”.

ومع ذلك نحن نقول أن يوم 02 نوفمبر 1945 أول نداء وجه من الشيخ البشير الإبراهيمي في إذاعة صوت العرب كان نداء “أيها الشعب الجزائري، إن الاستعمار لم يبق لكم وطنا ولا أرضا ولا كذا… فظهر الأرض خير لكم من بطنها”، يعني قال يجب عليكم أن تلتفوا وتلتحقوا بالجهاد، لأن هذا هو الأمل الوحيد بالنسبة إليكم. وفي 15 نوفمبر كذلك وجه نداء ثانيا من القاهرة مع الشيخ الفضيل الورثلاني بنفس الشيء، قال يجب أن تنضموا للثورة. هذا نداء من أجل المبدأ، أما الانضمام كهيكل في القيادة، وكذا هذا يتطلب وقتا، لأن الإنسان لا يمكن أن ينضم هكذا لقيادة معينة دون معرفة هيكلتها ومما تتكون، والناس يخلطون في هذا الشيء بين الانضمام والهيكلة. أما التهيكل فهذا تم بعد التحاق الشيخ أحمد عباس بن الشيخ الحسين والشيخ أحمد توفيق المدني ومجموعة من العلماء الذين انضموا بعد ذلك ودخلوا في القيادة.

وبعد ما أعلن إضراب في 1957 جاء المظليون وحطموا الطاولات وأخرجوا التلاميذ وأخذونا نحن المعلمين الثلاثة زائد سي خالد قويدر لايزال حيا، إلى بلدية القبة الآن، كانت هي مكان للمظليين وعذبونا عذابا أليما بحيث لما جاء الضابط المسؤول عنهم قال لهم لِم كل هذا العذاب، قال لهم هؤلاء قادة القادة؟ ففتحت شهيته فقال لهم لماذا؟ لماذا قادة القادة؟ ما هي الأدلة؟ قال لهم،لأنهم شباب ويعلمون اللغة العربية وكلهم من قسنطينة.

هل تعرضت للتعذيب؟

عذبونا عذابا شديدا ولم تكن أي حاجة تديننا سوى أننا نعلم اللغة العربية، ثم أطلقوا سراحنا، فعدت أنا إلى المغير برفقة عثمان الله يرحمه، وسي خالد قويدر اعتقل بعد أيام، أما الهاشمي صغور فانتقل إلى جهة ثانية.

ماذا عن الإذاعة الفرنسية التي عملت بها أثناء الثورة؟

في سنة 1958 جاء أخ اسمه عبد الرزاق، قال لي أنت بلا عمل، قلت له نعم، فحدّثني عن وكالة إذاعية تابعة للفرنسيين وأنّها جيدة جدا، وعرض عليّ العمل فيها، علما بأنّ بها مجموعة من الإخوان كصالح نور وهو مسؤول المحكمة رحمه الله.

قال لي الشيء المخيف فيها أنك تصبح دائما محط أنظار الأمن، لأنك تستمع للإذاعات الأجنبية في هذه الوكالة ويخشى أن تكون مطلعا سياسيا، قلت أنا أعلم بالأمر، فامتحنت وقبلت، ولها ميزة أنك تشتغل ليلة، وثلاثة أيام لا تشتغل، وكنت لازلت أدرّس في المدرسة السنية التي عدتإليها، وبقيت أشتغل في هذه الوكالة.

لكن إحدى الصحف كتبت قبل أشهر أن هذه الإذاعة التي كنت تشتغل فيها تروج للمستعمر؟

هي ليست إذاعة، بل وكالة إذاعية، تستمع للإذاعات العربية، فبالعكس، أنا كنت مستفيدا فاستمع لصوت العرب مجانا وغيرها كإذاعة القاهرة وصوت الجزائر، ولكن هذا لا يمسني، هناك مجموعة أخرى مكلفة بترجمة هذا الحديث، وحتى هؤلاء منهم الأخ زهير عبد اللطيف، هو مسؤول القسم وهو أحد المترجمين يقول لي أنا ممثل جبهة التحرير الوطني هنا أو في بغداد، أنا أنقل للعدو ما تحب الجبهة أن تبلغه،هي طبعا تابعة للسلطات الفرنسية،لكنها تخدم العمل الوطني.

هل يوجد أناس في التنظيم شجعوك للعمل في هذه الوكالة الإذاعية؟

نعم، سألت فقالوا لي لا مشكلة في هذا الموضوع، المهم تبقى وفيّا للمبادئ، فأنا لا أبيع فلانا ولا اتصل بفلان، مثلا عندك تعليق أحمد سعيد على الساعة الفلانية سجله، ثم يأتي المترجمون يترجموا ماذا سيقول محمد سعيد – لأن الناس يهمهم أن يسمعوا ماذا يقول – أنا لن أخلّ بهذا الموضوع، ولا أقول أنه كذب أو صدق.

هل استمر العمل طويلا في هذه الإذاعة؟

بقينا حوالي سنتين أو ثلاث سنوات إلى أن انتهت تلك الإذاعة، وبعدها اتفقنا وكونا إذاعة وطنية بحي لاكونكورد ببئر مراد رايس باسم الجبهة، وكنت مكلفا بالإذاعة التي كان فيها مجموعة من الإخوان منهم سي فاروق حميدشي، هذا أستاذ في كلية الحقوق لا يزال لحد الآن، وكان فيها سي آيت لمين محمد لمين، هو مدير إذاعة القرآن، وسي علي عبد اللطيف، توفى رحمه الله، وكان فيها شخص بالقبائلية على ما أظن. كنا كل صباح ومساء نبث من البناية في حي لاكونكورد الأناشيد والأحاديث الدينية والوطنية والتحاليل السياسية والتعليق السياسي.

هذا العمل الذي كنتم تقومون به في الإذاعة الجزائرية، كان بالتزامن مع تواجدك في النضال؟

نعم.

من الجهة المسؤولة عن الإذاعة؟

جبهة التحرير الوطني، رئيس الجبهة سي يحي وسي قدور.

لكن الإدارة الاستعمارية ألم تتنبه للموضوع؟

لأن هذا حيا شعبيا،كنا مختفين فيستمع للإذاعة ولا يعرف من أين.

هل كنتم تعملون بأسماء مستعارة؟

لا أسماء ولا أي شيء،أنت تقدم الحديث أو أناشيد وفقط لا تقول لا فلان ولا فلانة.

في أي سنة؟

1960-1961

ما هو اسم الإذاعة؟

إذاعة محلية فقط. كنا بالخصوص نوجه إلى حيدرة، لأن الفرنسيين كانوا يسكنون هناك. الحديث بالفرنسية – خطاب موجه إليهم – وللشعب كذلك الأناشيد. فالمهم إخواننا في التنظيم، قمنا بالتنسيق الكامل معهم،ناهيك أن بعض الإخوة مثل الأخ رشيد قروي كان يأتي بالسلاح ونعمل من جبهة التحريرا لوطني، ونكتب الأمور التي نريد كتابتها.

على سبيل المثال وقع خلاف بين مدرسة التهذيب “فونتان فراش”، ومدرسة الفتح بـ”تليملي”، هذا يعمل بشهادة ابتدائية والآخر يعمل بشهادة ابتدائية، أرسلنا لهم لتوحيد الشهادة ليس شهادتين باسم التنظيم.

بالمناسبة امتحان الشهادة الابتدائية في 1957 و1958 تم بتنظيم مني أنا والشيخ محمد المنيع ومعلم من البليدة، ومن بين الذين نجح في الامتحانات الأخت جميلة بلباشا لازالت على قيد الحياة، نجحت في 1959، كنا مسؤولين عن هذا الامتحان، قبل شهور قليلة وضعت القنبلة، كانت مشغولة بالعمل التنظيمي. هذ الأبين لك كان فيه هذا الجانب، وهذا الجانب.

كان لا بد من المزج بين أشياء وأشياء، والوالد موجود مع جماعته مختفين إلى أن جاء الاستقلال.

نريد أن نركز على ما بعد الاستقلال؟

لكن هناك محطات مهمة، أعطيك مثالا عن القيم التي كانت سائدة في ذلك الوقت، لما كان والدي في أولاد جلال مختبئا عند الباش آغا، جاء الجيش لتفتيش بيته، أدخلنا عند النساء، وهذا لا يمكن أن يحدث في ذلك الوقت، فلما جاء الفرنسيون وفتشوا لم يجدوا شيئا، وسألوه عن المكان،قال هنا عائلتي. تجاوز عن بعض القيم من أجل القيم العليا، لأنه يعرف أنهم مجاهدون.

أيضا في مظاهرات 11 ديسمبر جاءني الأخ احمد زيغم اسمه السياسي سي يحيى، جاءني للمدرسة، ها هي قطعة قماش واكتب لنا في بيتك الليلة الشعارات التي سيحملها الشباب باللغتين، وغيرنا من الشعارات، كانوا يقولوا الجزائر جزائرية، كلام دوغول، فغيرنا وقلنا “تحيا الحكومة المؤقتة”، “جبهة التحرير الوطني”، “الجزائر مسلمة”، “الاستقلال الوطني” كتبتهم وطلعتهم لهم تبدل المشهد.

تغير المشهد بعدما كان يقولون الجزائر مسلمة منحناهم بعدا جديدا، لأن هذا مفر وغامنه أن الجزائر مسلمة عربية / الجزائر مستقلة عربية / الحكومة مؤقتة. من المحطات التي يتوقف عندها قبل الاستقلال.

وبعد الاستقلال، طبعا أثناء الثورة لم يعد لجمعية العلماء المسلمين وجود تنظيمي، لكن كان لها وجود كشخصيات وإطارات كانت موجودة، ولاحظنا بعد الاستقلال توجهين منهم من اقترب من السلطة وأصبح مسؤولا في الدولة، ومنهم من كان ناقما على السلطة وكان في جمعية القيم؟ أين كنت من هؤلاء؟

سأجيبك عن هذا بعد قليل؟ من الأشياء التي كانت تسكننا هاجس النضال أن الإنسان ينظم حياته على الحياة الوطنية، أعطيك مثالين. أنا تزوجت يوم الأحد أول نوفمبر 1959 – هذا جيد جدا يعني في ذكرى اندلاع الثورة-، وكان الاحتفال في مدرسة اسمها التهذيب حي فونتان فراش بباب الواد وسط مجموعة منالعلماء، الحفناوي، هادي عبد الحميد قريقة، صالح صالح.

وهذا الاحتفال بزواجك في أول نوفمبر،ألا يمثلحساسية للمستعمر؟

لا، نحن كنا مستقلين داخليا. لعلمك الشعب الجزائري كان مستقلا داخليا، لا يعرف الفرنسي ما أفعله أنا، كنا نعيش جمعية علماء دون جمعية علماء. احتفلنا داخل المدرسة وألقى الشيخ صالح قصيدة لاتزال عندي إلى يومنا هذا.

النقطة الثانية أول ولد عندي اسمه نضال، الدكتور نضال ڤسوم، لأنه ولد في أعقاب خطاب دوغول، يقول فيه احملوا الأعلام البيض وتعالوا أيها المجاهدون، معناها استسلموا؟ لأنه لا مجال لنا بينكم وبيننا، اسمه نضال، بعض الأصدقاء قالوا لي كيف تسجله في البلدية، أنت مجنون. دائما يقولو الولدي كيف سماك والدك نضال قبل الاستقلال = اسم الولد كان عنده مدلول سياسي -.

أعود إلى قضية جمعية العلماء بعد الاستقلال، الرئيس أحمد بن بلة دخل من تلمسان كما يعلم الجميع، وروى لي حينها الشيخ “عب عمار مطاطلة” رئيس جمعية العلماء الشرفي ونائب الشيخ شيبان، قال لي جماعة تلمسان أحاطوا ببن بلة واستقبلوه استقبالا طيبا وأخذوه لدار الحديث -جماعة العلماء في تلمسان- فزارها، قالوا له نطلب منك شيئا واحدا – قال لهم أنتم أكرمتموني واستقبلتموني بحفاوة – فطلبوا منه شيئا واحدا – الكلام على لسان الشيخ مطاطلة – أن تعيد إلينا جمعية العلماء، فقال لهم كل شيء يمكن أن يعود إلا جمعية العلماء؟

وهذا موقف ؟ بماذا تفسر هذا الموقف؟

بالنسبة لي هناك مجموعة من العوامل:

العامل الأول، الخلاف الذي كان بينه وبين البشير الإبراهيمي في القاهرة

العامل الثاني أن الشيخ البشير الإبراهيمي يملك زعامة علمية حقيقية، يملك مقومات يمكنه أن ينافس بها أي سياسي في الموضوع

العامل الثالث أن الشيخ البشير الإبراهيمي لم يكن معاديا للإخوان المسلمين، ولميكن مساندا لهم،ولكنه كان وسطا

فهذه العوامل تركت سي أحمد بن بلة يقف ضد الجمعية، إلى جانب الخلاف القديم بين المصاليين وجمعية العلماء

لكن بعد ذلك جاء الاستقلال كما قلنا، وهناك بعض الإخوة اجتهدوا من بينهم أحمد توفيق المدني، الشيخ محمد خير الدين، الشيخ شيبان، الشيخ مزهودي، هؤلاء اجتهدوا وقالوا هذي دولتنا وهذا استقلالنا، ونحن لا ينبغي علينا أن نغيب عن استقلالنا ولا دولتنا

وبالتالي أول جمعة أقيمت بعد الاستقلال وأمّها الشيخ البشير الإبراهيمي بجامع كتشاوة في خطبة مشهورة لما يعود الإنسان اليها يجد تنبؤات ما نعيشه الآن

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الإخوان الذين رأوا موقف أحمد بن بلة من جمعية العلماء وهي ليست حزبا سياسيا،فلم نمنع حزبا سياسيا هذا واضح؟

فجمعية العلماء هي جمعية دينية، كان يجب أن تعود للحياة، ولكن هذا الموقف إلى جانب التوجه الذي توجهته الدولة أنذاك التوجه العلماني الاشتراكي جعلت بعض العلماء يتحفظون على هذا التوجه، من بينهم البشير الإبراهيمي والشيخ سحنون وعبد اللطيف سلطاني.

في 1964 وجه الإمام البشير الإبراهيمي نداء قويا جدا للشعب وللدولة بأننا بدأنا نحيد عن مبادئنا وأصالتنا، ينبغي علينا أن نعود لأصولنا ومبادئنا، لأن الثورة ما كانت لتقوم إلا على كذا.

الاجتهاد كل في سبيل الله مجتهد، يعنيهؤلاء اجتهدوا بقولهم هذه دولتنا ينبغي أن نأخذ منها ما نأخذ، وأخذوا منها مصالح منب ينها إدماج المعلمين، ادمجوا في سلك التعليم وحسبت لهم الأقدمية

ومنهم من قال نحن لا نزكي دولة لا تخدم جمعية العلماء المسلمين والعمل الإسلامي، وبالتالي انقسم العلماء بين مؤيد وبين متحفظ

أين كنت من هذه التوجهات باعتبارك إطارا من إطارات هذه الجمعية؟

أنا كنت انضممت للتعليم، قلت هاجسي الأساسي هو تكملة تكويني، أنا كنت أحتفظ بعلاقات مع الشيخ أحمد توفيق المدني والشيخ حفناوي الذي ألقى قصيدة في زواجي وهو موظف بوزارة الشؤون الدينية، وكنت أيضا مع الشيخ مزهودي والشيخ شيبان، كل هؤلاء كنت أعاملهم معاملة تلميذ لأساتذته، لأنهم كانوا أساتذتي في معهد عبد الحميد بن باديس، فكنت أتعامل معهم، ومن حين لآخر أذهب لزيارة الشيخ البشير الإبراهيمي في بيته، والشيخ محمد سحنون وعبد اللطيف، ولم يكن لي في ذلك الوقت موقف لأملي عليهم موقفي، لأنهم أساتذتي كلهم، فهم من أن أملى عليهم موقفي، فهؤلاء اجتهدكل واحد منهم، وكل واحد يدافع عن مبادئه وموقفه، وكلهم كانوا متعاونين مع بعضهم، ويلتقوا مع بعض ويزورون الشيخ.

مرت مرحلة الستينات بما حملته، وجاءت السبعينات ورافقتها معركة التعريب،كيف تابعتها، وفي أي موقع كنت أنت منها؟

أنا أبحث عني دائما، تجدني بجانب العربية والإسلام، لأنها صمام الأمان الوطني، فلا يمكن لأي وطنية أن تكون صحيحة ما لم تدعم بثقافة عربية إسلامية، لأن هذا هو البعد الحضاري لهذا الوطن، أنا كنت أناضل في الحزب مع جبهة التحرير الوطني، وكنت مهيكلا في تنظيمات مختلفة، لكن في هذه الأثناء قبل أن أحصل على شهادة عليا اتجهت للعمل الصحفي، اشتغلت في صحيفة الشعب، ثم وكالة الأنباء إلى أن حصلت على الليسانس وانطلقت إلى التعليم الثانوي، وفي ذلك الوقت بدأت أعد للتعليم الجامعي وحصلت على شهادات لدخول الجامعة، فدخلت، لأني كنت أعد ثلاث شهادات في وقت واحد.

الشهادة الأولى شهادة الليسانس فيالأدب العربي، التي تؤهلني لأن أكون أستاذا في الثانوي، ليسانس الترجمة والفلسفة، ثم تخصصت فيالفلسفة،لأني وجدت الفلسفة أعمق وبقيت فيها للآن.

خلال مرحلة السبعينات بدأت بوادر ظهور الحركة الإسلامية كزعماء الحركة وكان لك معهم احتكاك في البداية؟

لعلمك فإنّي في 1972 غادرت الجزائر لأني أخذت منحة وذهبت إلى فرنسا، وبقيت بين القاهرة وفرنسا إلى غاية 1979 وأنا غائب، ولكن كنت محتكا دائما بصديقي عبد القادر حجار وهو طالب زميل معي، ومحتكا أيضا بالشيخ عباسي مدني الذي كان طالب فلسفة كذلك معي .

والدكتور سليم كلالشة كان طالبا في الجامعة أيضا والدكتور أحمد بن نعمان كان صديقي وعزيزا علي، هؤلاء الذين كانوا يمثلون أقطاب التوجه إلى حد ما الدكتور عبد القادر فضيل كان زميلي في التعليم، مجموعة من الإخوة كانوا ناشطين إما إسلاميا أو عربيا ولكنهم كانوا جميعا يصبون في وعاء واحد وهو الوقوف ضد أية محاولة لتشويه وجه الوطن أو تشويه عمل الوطن إلى ما ذلك. فهؤلاء الذين عملت معهم.

أنت قلت عدت إلى أرض الوطن في 1979 وهي سنة تحول حيث توفي فيها بومدين واعتلى الشاذلي سدة الحكم؟ هل رجعت إلى الجامعة؟

نعم، كنت في الجامعة وعدت إليها حيث تلتقي مع مختلف الأطياف، في مسجد الجامعة نلتقي مع مجموعة من الإخوة؛ الشيخ محفوظ نحنان رحمة الله عليه، والشيخ عبد الحميد بن شيكو والشيخ عبد الوهاب حمودة، والشيخ رشيد بن عيسى، هؤلاء كلهم كانوا بالمسجد، كنا نصلي في مسجد الطلبة ويطلب أحيانا منا أن نلقي درسا مثلا في المسجد أو.. ووقتها أنا لم أتهيكل في بعض التنظيمات كالإخوة في جمعية القيم.

هل كان لك موقف أم ماذا؟

لا بالصدفة فقط أنا كنت معهم بالقوة، مع جمعية القيم، لكن بالفعل لم أتهيكل معهم لأني كنت أؤمن أنهم كانوا يدافعون عن مبادئ إسلامية صحيحة، الشيخ الهاشمي التيجاني، الشيخ محمد لكحل والشيخ محمد سحنون، هؤلاء كلهم كانوا أقطابا لا يمكن للإنسان أن يكون ضدهم، لكن أنا ما كنت في موقف يؤهلني لأكون معهم وهم لم ينادوني لأكون معهم، فهم لم يطلبوا مني أن أكون معهم.

كان الشيخ الساسي لعموري معهم وهو زميلنا في الجامعة، فهؤلاء الإخوة لم يطلبوا مني آن أكون معهم، لكن كما قلت لك أنا كنت معهم بالقوة لا بالفعل فأنا أؤيد المبادئ التي كانوا ينادون بها لأنها كانت مبادئ تدعو للإسلام الصحيح ولفهم إسلام تقدمي منفتح متسامح.

بدأت تظهر بعد ذلك بوادر الحركة الإسلامية وبعض التصرفات من بينها الحركة التي قام بها المرحوم الشيخ محفوظ نحناح من قطع الأعمدة الكهربائية وسجن من أجلها وتجمع الطلبة في الجامعة، كيف كنت ترى هذه الأمور؟

أنا كنت أتابع عن بعد فقط هذه القضايا بالنسبة للشيخ محفوظ نحناح أنا كنت غائبا لما قام بهذا العمل، ولما اعتقل لم أكن في الجزائر، وعندما وقع تجمع الطلبة أنا كنت في الجزائر لكن لم أكن ضمن التنظيم الذي نظم هذا، وإن كان كما قلت لك أن سليم كلالشة والشيخ عباسي مدني هؤلاء كانوا أصدقائي، لكن أصدقائي من الناحية الإنسانية ولكن ليس من الناحية النضالية.

ثم بعد ذلك ظهر نوع آخر من الممارسة السياسية وفي الحركة الإسلامية وهم جماعة بويعلي التي انحرفت نوعا ما نحو العمل المسلح؟

هؤلاء أيضا لم تكن لدي عنهم أية معلومات دقيقة، سمعت أن هناك داعية اسمه الشيخ بويعلي كان إماما في مسجد ثم انتقل للجبل، لم تكن لدي اتصال به، أو أي مناسبة لأتصل به لأننا كنا مختلفين في التوجه أنا كان توجهي أكاديميا محضا أو دعويا محضا.

بعد سنوات أصبح الدكتور عبد الرزاق ڤسوم مديرا للمعهد الإسلامي بالخروبة وقبل ذلك بالعاصمة بجامعة الجزائر، كيف وصلت لهذا المنصب الخطير نوعا ما في تلك المرحلة؟

حقيقة قبل هذا هناك حلقة ينبغي أن أسلط الضوء عليها مهدت لذهابي لهذا المعهد وهو ذهابي إلى مسجد باريس، لأنه في سنة 1983 لما أنهيت الدكتوراه وكل شيء، بدأت في العمل النضالي يعني استأنفت كما قلت لك، كنت ضمن خلية في حيدرة بالحزب كان معي فيها سي بوعلام باقي وزير الأوقاف في ذلك الوقت وسي عبد العزيز خلاف وزير المالية وقتها ومجموعة من المناضلين الذين كنا نجتمع معهم، وكان الاجتماع بمثابة ندوة علمية لأننا كنا نبحث، فاتصل بي أستاذي الشيخ عباس بن شيخ حسين وقال بأنّه أسند لي مهمة بمسجد باريس وأنا لغتي الفرنسية ضعيفة وأحتاج لمن يحمل القناعة الإسلامية واللغة الفرنسية معا، فقام باتصالات كافية ودعاني رئيس الحكومة في ذلك الوقت الشيخ عبد الحميد إبراهيمي – ذكره الله بخير – فقال لي وقع الاختيار عليك لتذهب لمسجد باريس كنائب للشيخ عباس، ذهبت إلى هناك والمهمة كانت صعبة جدا في ذلك الوقت، لأنها تتمثل في ثلاث جبهات، الأولى الجبهة الفرنسية كيف نحاول أن نطمئنها على إسلامنا وهذا ليس سهلا خاصة في وقت العنصرية والتعصب.

الجبهة الثانية هي جبهة الحركى كيف نتعامل معهم هم مسلمون من جهة وخونة لأوطانهم من جهة ثانية. الجبهة الثالثة وهي الجبهة الإسلامية كيف نقدم إسلاما حقيقيا للمجتمع والأمة الإسلامية، ثلاث جبهات صعبة جدا.

أصعب جبهة هي جبهة الحركى؟

نعم، فالشيخ عباس رحمة الله عندما كنا نعمل لقاءات في مناطق مختلفة مع هؤلاء الناس يقول لهم لما يخطب عليهم أنتم ضيعتم دنياكم لا تضيعوا دينكم، خنتم وطنكم فلا تخونوا دينكم على الأقل الله تعالى يسامحكم على خيانتكم للوطن، ولذلك قدم ببعضهم وأرجعهم للجزائر، البعض منهم خدموا في مسجد باريس، وفي البداية قالوا كل شيء إلا الشيخ عباس من الجزائر لا يحكم مسجد باريس لأنه خاص بالفرنسيين، لكنهم بعد ذلك أصبحوا ينادون به .

وفي هذا الأثناء كانت الساحة تعج بالعمل السياسي وكانت تجسده الحركة المعارضة لبن بلة، فبن بلة كان يشوش علينا يكتب مقالات ضدنا وضد الشيخ عباس.

ومن ذلك قوله في مجلته “البديل” أن ڤسوم دعي لإلقاء محاضرة في السفارة السعودية للنساء الدبلوماسيات، وقد كان عندهم نظام معمول به، أنهم في كل شهر يعملوا لقاء في بيت واحد للدبلوماسيين المعتمدين، لما جاء الدور على البيت السعودي طلبوا من الشيخ عباس أن يلقي عليهم محاضرة ولأن فرنسيته ضعيفة، قال لهم أرشح لكم نائبي “الدكتور عبد الرزاق قسوم” فذهبت وألقيت المحاضرة وكانت ناجحة جدا، لما عدت من المحاضرة جاءني جواب فيه 500 فرنك فرنسي وهي مكافأة لكل من يلقي محاضرة، وكانت عندي كاتبة اسمها جويدة والثانية فضيلة قلت لها صبيها في صندوق الجامع، فردت أن الجامع غني – قيمتها الآن حوالي 5 ملايين سنتيم -، فقال بن بلّة في مجلة البديل بأنّ ڤسوم أخذ هدية ثمينة من الدبلوماسيين السعوديين ولامه الشيخ عباس وقال له كيف تقبل هذا وهو كله ملفق ولا أساس له من الصحة وطلعوا صورتي في المجلة، والمؤسف أن بن بلة في مجلة البديل يسبني من جهة، والأمن الجزائري قالوا ذهب لجنيف والتقى بن بلة، يعني هناك تناقض، بهذا الشيء قالوا لي تدخل للجزائر، لما دخلت قاموا بتحقيق معي.

وإن كانت إجابتك فيما يتعلق بالحركى لم تكن كافية، أريد أن تشرح لي نفسية هؤلاء؟

سأعود لها بعد قليل، سنكمل في قضية بن بلة، لما دخلت إلى الجزائر كان صديق لأخي رحمة الله عليه يعمل في الأمن، جاءني وقال لي ما علاقتك ببن بلة تمشي لجنيف وهو ضد الدولة، قلت له، بن بلة سبّني، أنا كيف أمشي إليه وأنا أصلا عندي عشر سنوات، لم أدخل لجنيف ولا سويسرا في حياتي، قلت له حقق في الأمر إذا لقيتها مكيدة فهي تدخل ضمن المكائد، وإذا لقيتها حقيقة عاود اتصل بي، ثم قال لي والله هي مكيدة ولا أساس لها من الصحة وعفا الله عما سلف، لكن هي عندها خلفيات أخرى، لا يمكننا أن نتطرق إليها اليوم.

هذا جيد لتنوير الرأي العاملأن هناك حقائق تاريخية.

الصحافة عندنا بعضها وخاصة الناطقة بالفرنسية في الجزائر كتبت أن هذا عصر التخلف في فرنسا، كيف ذلك، قالوا إن المعربين هم الذين يمثلون الدبلوماسية، أنا والشيخ عباس، سي محمد الميلي وسي طيب العلوي وسي عبد الحميد مهري، -كانت شبه حملة عليكم- كانت بالنسبة لهم قمة التخلف أن نبعث لفرنسا من يحمل الثقافة العربية فقط، هذه كانت بداية المشاكل، ولذلك دخل عبد الحميد مهري ودخل محمد الميلي وطيب العلوي .

عدت إلى الجزائر سنة 1985، وقبل هذا أعود بك إلى جبهة الحركى، هؤلاء الحركى كل واحد يقول حقيقة. منهم من يقول دفعوني لحمل السلاح لأنهم ظلموني في عائلتي، في منطقتي_كما يذكر حتى نكون موضوعيين يعني العديد من المناطق هناك ناس محسوبين على جبهة التحرير ارتكبوا فضائح- هذا ما يقولوا إنهم ظلمونا وجعلونا حركى لما اعتدوا علينا وضربونا وأهانونا كان لابد من أن ننتقم لأنفسنا ولكن هذا ليس له أي مبرر لأي إنسان لما يظلمه شخص لا يجب أن ينتقم من الجميع لأنه انتقم من الوطن ولم ينتقم ممن ظلمه.

والعقدة التي كانوا يعانون منها أن أولادهم عملوا لهم عقبة ولأن أولادهم يقولون لهم أنتم جنيتم عليكم وعلينا، لماذا نحن الآن ممنوعون من دخول الجزائر، وهذا بسبب خيانتكم للوطن، نحن اتصلنا بأبناء الحركى وقالوا لنا إن فرنسا خدعت آباءنا لأنهم كانوا جاهلين ولا نريد أن نرتكب نفس الخطأ. أبناء الحركى كانوا يتصلون بنا كنا نريد تكوين جيل إسلامي ونظمنا ملتقى في “ليون” من أعظم الملتقيات لهم. وجاءت ألف حافلة وحتى الصحافة الفرنسية قالت فرنسا خائفة من الإسلام.

لأن هذا النوع لم يحدث “إحنا” كنا نستغل نقاط الضعف ونقول لهم إياكم ويجب أن تتوبوا إلى الله من خيانتكم لوطنكم، من خان وطنه فقد خان الله، مثلا كان هناك سيناتور أحد الموظفين السامين يقول “إحنا” كنا نبعث الوثائق لجبهة التحرير في المفاوضات ونطلعهم على الخطط القتالية ليكونوا مستعدين، صحيح “إحنا” كنا مع الفرنسيين ولم نكن صادقين معهم، كنا خائنين لهم بدليل أرسلنا ملفات للجبهة.

لكن هؤلاء الذين كانوا على اتصال مع التنظيم شفع لهم ودخلوا؟

نعم، شفع لهم ودخلوا، وأيضا الشيخ عباس توسط لمن لم يقتلوا وانضموا للفرنسيين، مناطقهم لم تشهد لهم بفضائح، مثلا انضموا للفرنسيين ولكن لم يرتكبوا مجازر ولم يقتلوا مثلا ساعد مساعدة خفيفة شفع لهم ودخلوا.

وهذه مشكلة أبناء الحركى. أنت كخبير هل يمكن استرجاعهم أم نتخلى عنهم باعتبارهم أبناء فرنسا؟

مشكلتهم أن فرنسا لم تقبلهم، يعني ليس لديهم حيلة إلا أن يعودوا لوطنهم، نعم منحتهم الجنسية، لكنهم يعاملون معاملة أبناء الضواحي، فيحسّون بعقدة أنهم ليسوا فرنسيين ولا جزائريين، ينبغي على الجزائريين أن يحسنوا كيفية استغلالهم واستعادتهم واستغلال العقدة التي تكونت لديهم من آبائهم حتى لا يعودوا إلى نفس الخطأ الذي ارتكبه آباؤهم .

نعود للجزائر، أنت عدت سنة 1985 كيف وجدت الجزائر، كانت تتهيأ لمرحلة جديدة؟

وجدت الجزائر في ذلك الوقت تحوّلت بمجيء الشاذلي بن جديد، وكان هناك نوع من الاحتقان لأن التحول الذي بدأه الرئيس بن بلة ثم الاشتراكية التي نادى بها الرئيس بومدين ثم الانفتاح الذي حاول الرئيس الشاذلي أن يسير عليه، هذه كونت نوعا من الاحتقان ونوعا من المزج بين مختلف القناعات، فانقسم البلد لعدة قناعات وخاصة في الجامعة، أنا كنت فيها، بدأ الصراع بين اليساريين والشيوعيين، “إحنا كونا” مجموعة من الطلبة المناضلين تقف ضد اليساريين وبالخصوص ضد الشيوعيين، كنا نتهمهم بأنهم لا علاقة لهم بهذا الوطن وأنهم يمكن أن يكونوا محسوبين على مخابرات أجنبية.

يقال إن الشيوعيين كانت تصدر عنهم بعض الإساءات في حق الإسلام وعلى صعيد الالتزام الشخصي لم يكونوا يصومون رمضان ولا يصلون وحتى العلاقات فوضوية بينهم؟

تخيّل أنه في الجامعة أمام مسجد تجد بنتا وولدا في وضعية مخلة للحياء، وهذا مقصود، كان من الممكن أن يأتي أمام المسجد ليستفز المسلمين، البنات المتحجبات وهذا مستفز بمواقف وتعليقات، ويقولون هذه العصور الوسطى ومازلنا نعيش في “الظلاميات”، زيادة على الأخلاق الفاسدة وتنظيم السهرات الماجنة والأكل في رمضان أمام الناس، وهذه كانت تخلق حساسيات لدى الإسلاميين، على الأقل إذا ابتليتم فاستروا أنفسكم، لا تصوم من حقك لكن لماذا تستفزني وأنا صائم، حتى الأجنبي لا يفعلها فكيف تفعلها وأنت مسلم وابن مسلم وتأكل أمامي وتستفزني، لكن للأمانة معظمهم عادوا للصواب وأيقنوا أنهم كانوا في خطأ .

لكن هذا التطرف ألم يكن يقابله تطرّف آخر من قبل المسلمين؟

من جانب الإسلاميين بالفعل كان بعض الطلبة الإسلاميين يحملون العصا ويعتدون عليهم بالضرب لذلك كانوا يتهمون الإسلام بأنه عنيف لأن هؤلاء يقومون بالفعل، ورد الفعل كان عنيفا، هذه الوقائع التي كنا نعيشها.

ثم جاءت عملية التعريب أيضا كانت عملية حساسة ونظمت لقاءات مختلفة وجاءت اللجنة الوطنية للدفاع عن اللغة العربية أسسناها، كانت في البداية تسمى لجنة الفكر الثقافي ثم أصبحت اللجنة الوطنية للتعريب، لأن جزءا منها كوّناه، فبالإضافة لي الدكتور عبد الله كيوي، عبد الله عثامنية، عثمان سعدي، عبد القادر حجار… بعد ذلك اللجنة الوطنية للتعريب هي التي أخذت حظ الأسد وتولى قيادتها عبد القادر حجار وأعطاها أبعادا مختلفة وهي التي أصبحت تفرض نفسها على الواقع الوطني والثقافي بصفة عامة، هذا أحدث ردود فعل ضد العربية والتعريب – قالوا لماذا هذا التعصب للعربية والتعريب؟- وبذلك جاءت الحركة الأمازيغية كرد فعل على هذا التوجه.

في خضم هذا كله بدا الاحتقان وجاءت الأحداث المتوالية التي هي 5 أكتوبر 1988 والانفتاح السياسي والأحزاب، وبذلك دخلت الجزائر في عهد جديد.

هذا الاحتقان الذي انبثق عن 5 أكتوبر عن التحول السياسي والمظاهرات التي وقعت هو الذي أدى لتجمع الطلبة وولادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وأيضا التعددية الحزبية سمحت بولادة جمعية العلماء بقيادة أحمد حماني.

نعود إلى تعامل جمعية العلماء المسلمين مع الزوايا…

قبل ذلك لم يطلب أحد مني أن أكون في الجبهة الإسلامية، ولكن لمّا حان موعد الإنتخابات النيابية في ذلك الوقت، وكنت في السجن، طلبوا مني في بلدية مسقط رأسي الحضور، وأنا لم أكن مهيكلا في الجبهة الإسلامية، فتقدّمت إلى انتخابات 1991 دون بطاقة انضمام للجبهة ولا لحماس الذين طلبوا منّي الانضمام.

وهل فزت في الدور الأول؟

لا، كان “بالوطاج”، أي تقاسم الأصوات بين جبهة التحرير الوطني والجبهة الإسلامية.

يعني أنك مررت إلى الدور الثاني؟

أنا كنت متقدما على الجماعة، ولكن لم يحدث الدور الثاني وألغيت الإنتخابات.

وهذا الترشح على قوائم الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ألم يسبب لك متاعب؟

عدة متاعب…

ممكن تذكر لنا البعض؟

عدة متاعب بسبب تركيز الإعلام علي، فمرّة أخبرني الشيخ أبو سليمان أنّهم على “بي بي سي” يقولون “أنك من ستتولى رئاسة الحكومة عندما تفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ”.

وحدث هذا؟

ألم أخبرك أنها متاعب، ضحكت، فأجاب علي بأنه حقيقة سمع الـ”بي بي سي” تقول هذا الكلام، فرددت أنه لا علاقة لي بذلك، فحذرني من هذه الدعاية المعمولة ضدي، ورأيت بعض المتاعب عندما تمّ ايقافي في مطار السعودية وسؤالي عن سبب وجهتي إلى باكستان، وعن علاقتي بتنظيم الإخوان المسلمين.

هذا من بين المتاعب، هل يوجد هناك متاعب أخرى؟

سأزيدك نقطة من المتابعات، ابني نضال كان أستاذا في جامعة البليدة، جاءت تعليمة كتابية إلى وزارة الداخلية لاعتقاله على أساس أنه أمير تنظيم ارهابي في منطقة البليدة، وهو لا علاقة له بالإرهاب ولا بالفيس، انسان باحث جامعي لا علاقة له بالموضوع فاتصل بي مسؤول في الداخلية، وطلب مني الحضور أو ارسال ابني نضال، هناك أمر خطير جدا، ويجب أن تأتي.

ذهب إليه نضال، فأخبره أن الوثيقة التي لديه تقول أنه مسؤول عن الإرهاب في البليدة، أعطني فقط الحقيقة، وأنا سأتحمل مسؤوليتي، فرد نضال أن الحقيقة الوحيدة التي سأقولها لك هو أنك تقوم بتحقيق مضاد، وأنه لو هناك 1 بالمائة من هذا الكلام صحيح فيحق لك اعتقالي واتركهم يعتقلوني، ولا دخل لك بالأمر، ولكن أطلب منك شيئا واحدا اذا ثبت أن هذا الكلام ليس صحيحا، أن تعاقب من قدم هذه المعلومات. وبعد أيام اتصل بنا هذا المسؤول رحمة الله عليه، وأخبرنا أنهم اكتشفوا أن الأمر يتعلق بتصفية الحسابات، فطلبنا معاقبة الفاعل، لكنه أكد أنهم لا يستطيعون معاقبته.

كمتابع، هل أنت راض على المواقف التي اتخذها هذا الحزب وخطابه فيما بعد؟

هناك نوعان من الخطاب، داخل الجبهة الإسلامية الخطاب المتشدد العنيف نحن نرفضه ولا نقبله، وهناك الخطاب اللين الذي يطالب بالمصالحة، مثلا الشيخ أحمد سحنون شخصية اسلامية ليس مع الفيس وليس ضدها، ومع ذلك كان ضحية الجبهة الإسلامية، وكان ضحية العمل المسلح، والناس يعلمون أنه قد وقعت محاولة اغتياله، هذا الخطاب من هذا النوع سياسي، ولكن الخطاب الذي كان يأتي باسم الجماعات المسلحة هذا خطاب ثان مرفوض لا علاقة له لا بالفيس ولا بالإسلام ولا بالوطن.

والتيارات الإسلامية الأخرى مثل حركة النهضة وحركة حماس اللذان كان لهما توجه آخر، مثلا حركة حماس التي اقتربت من السلطة ماذا ترى في اجتهادها؟

أنا في اعتقادي هو اجتهاد، ولكن كنت أتمنى أن يعملوا لاستعادة ما يمكن استعادته من الجبهة الإسلامية والعمل المسلح، والعمل المسلح جزء كله لا يتجزأ، فكان ينبغي أن نبعد المتشدد عن تشدده وينضم المتسامح حتى يكون هناك امكانية للتعاون والتفاعل والتصالح.

لكن الذي نعرفه أن كل رموز العمل السياسي في الجزائر كان لديهم جهود لمحاربة التطرف والعنف ودعوة الشباب للتعقل ووضع السلاح والعودة…؟

هذا الشيء كان حاصلا باسم الجميع، أما بالنسبة الي أنا فكانت هناك دروس في المساجد ومقالات تدعو إلى هذا النوع من التوجه، كلها تدعو إلى التفاهم والأخوة والمصالحة ونبذ العنف وبالإمكان العودة الى “نزيف القلم الجزائري” نتيجة هذه الأزمة.

وأنت موجود على رأس هذا المعهد في أحلك المراحل التي عرفتها الجزائر، هل تلقيت أنت شخصيا تهديدات بالتوقيف عن العمل خصوصا وأنك كنت على رأس مؤسسة مهمة جدا؟

يعني تهديدات مباشرة لا، ولكن تهديدات من بعض الطلبة يتهموننا بأننا مع السلطة ومنهم من اتّهمني بأنّي “ضابط عسكري”.

أنت لم تكن ضابطا؟

لا.

نعود إلى جمعية العلماء المسلمين، بعد ذلك توفي الشيخ أحمد حماني رحمه الله وخلفه الشيخ عبد الرحمان شيبان واستمرت الجمعية، لكن حدث خلاف بينكم ونحن نريد أن نتناول هذا الخلاف وخلفياته، الأمر الذي وصل بك لحد تعليق عضويتك في الجمعية؟

الشيخ شيبان أستاذنا وندين له بالولاء، هو يثق فينا أنا والأستاذ محمد الهادي الحسني والدكتور محمد راجي، نحن كنا مختلفين مع الشيخ شيبان رحمة الله عليه في أسلوب التعامل مع جمعية العلماء، وأنّ الجمعية يجب أن يكون لها نظام محاسبة ومنظومة خاصة بها ودفاتر حسابات، فيجب أن تكون مؤسسة، ثانيا أحيانا لم يكن يشركنا في بعض الأشياء، فمثلا عندما يأتي ديبلوماسي معين أو سفير معين، فلا نسمع بالخبر الا بعد أن يغادر، فنقول له يا شيخ لمصلحتك أن لا تستقبل الدبلوماسيين وحدك، يجب أن يكون معك دائما مساعد لك أو نائب لك ، أحيانا أيضا الشيخ كان يوزع الأموال عشوائيا فيتصل بالمحاسب هاتفيا ليخبره أن فلانا قادم إليه ويجب عليه أن يعطيه 2 مليون سنتيم أو شخص يعطيه مليون سنتيم، هذه هي جملة المشاكل، فهو كان يتصرف بحسن نية، ويقول أنه لا يشك فيه.

ولم تتم عودتكم إلى الجمعية حتى بعد وفاته، أليس كذلك؟

عدنا إلى المؤتمر الذي دعانا إليه الشيخ رحمة الله عليه قبل أن يموت، وفي هذا المؤتمر أيضا عاودنا الإنسحاب، لأننا طالبنا بأن كل شيء يجب أن يخضع للإنتخاب، وأن التعيين لا يمكن أن نقبل به، فالكفاءة والنزاهة والإخلاص يرضون بحكم الصندوق، اختر الأكفاء لهذا المنصب ودع الناس ينتخبون عليه، الشيخ قال بأنه لو اعتمدت على مبدأ الإنتخاب لما قدم أحد لهذه الجمعية، أنا الجمعية أسستها بهذه الطريقة التي أعمل بها ولذلك سأواصل عملي بهذه الكيفية. وقد عاتب بعد ذلك مجموعة من أصدقائه على اخفاقهم في اعادتنا للجمعية.

بعد وفاة الشيخ شيبان رحمة الله عليه، كان هناك مؤتمر وأصبح الشيخ عبد الرزاق ڤسوم هو رئيس جمعية العلماء المسلمين، هل أضاف لك هذا المنصب أعباء؟

المسؤولية ثقيلة جدا، ولكن عندما أرى الشيخ عبد الحميد بن باديس ينتقل من قسنطينة لتلمسان في القطار، ثم يعود فيه ويقوم بواجباتهو أقول والله تضحياتي أنا أقل مهما عملت الآن مقارنة بهو هي أقل، يعني الحمد لله الجمعية انطلقت الآن انطلاقة قوية.

إخفاق الحركة الإسلامية في الجزائر أضاف على الجمعية عدة أعباء؟

نعم، أصبحت الناس تعلق آمالا على الجمعية.

أنتم الأمل لأنكم مرجعيتهم؟

يقولون لنا أنتم نعم مرجعيتنا، لأن اسلامكم معتدل ومتوسط ومتسامح، لكن لاحظنا في المدة الأخيرة أن تيارا معينا غزا الجمعية.

متمثل في التيار السلفي، فأصبح وكأنه اتخذ الجمعية كغطاء قانوني للنشاط وأصبح يقدم نفسه على أساس أنه يحاول النشاط ضمن أطر هذه الجمعية أليس كذلك؟

على سبيل المثال هناك شعبة من شعب الجمعية ولا أحب أن أسميها طلبوا بعدم احضار جريدة البصائر، متحججين أنها تتحدث عن السياسة ونحن لا نقاسمها الرأي.

أي لا شأن لنا بالسياسة؟

أن يكون داخل الجمعية ولا يقاسمنا قناعتنا فهذا نفاق وخيانة وبالتالي يجب أن تجدد هذه الشعبة.

نحن لسنا فقط ضد التيار السلفي، بل حتى أي حزب من الأحزاب يأخذ في الإنسان قيادة حزبية ويأتي الجمعية فنقول له لا، فإذا كان عندك هواك فهذا ممكن، ولكن أن تكون مهيكلا بهيكلة معينة وحزبية معينة وقيادة معينة، هذا يتناقض مع مسؤولية الجمعية والمسؤوليات الأخرى، ولذلك وإن وجد بعض الأفراد فليس صحيحا أن شعب الجمعية سلفية.

هناك من يتهم الجمعية بأنها دائما تحتضن بخصومة الصوفية والطرق الصوفية وهناك حتى من يقول أن الجمعية تمارس الإقصاء التاريخي كما مورس عليها، لأنها لم تشارك في الثورة، فهي كذلك تمارس الإقصاء التاريخي وتحاول تغييب شخصيات كان لها دور في تأسيس جمعية العلماء المسلمين؟

هذا كذلك ليس صحيحا أو على الأقل أنه هو حكم فيه نوع من التعسف والإجحاف، أول ما انتخبت أنا أو قبل أيام من انتخابي كنت في زاوية الدروس المحمدية بتلمسان وألقيت محاضرة أمام الشيخ بلقايد متّعه الله بالصحة ان شاء الله، وكانت محل ثناء، فجاءني مسؤول الخبر وهو موجود وأجرى معي حديثا فقلت له أن الخلاف التاريخي الذي كان بيننا وبين الزوايا انتهى، وأعلن منذ الآن أنه انتهى، وعندما كونا صحيفة الشيخ “مأمون القاسمي” متّعه الله بالصحة كان يرسل لنا بياناته للإطلاع عليها، وعندما تكون هناك قضية معينة كنا نتصل به ويتصل بنا الشيخ عثماني بطولڤة، وكنا نتصل بالشيخ الطاهر آيت عجلة. فبالنسبة إلينا هؤلاء علماء بغض النظر إن كانوا صوفيين أو غير ذلك، ونحن أيضا لسنا ضد الصوفية، بل نحن دوما نقول أن الزوايا هناك زاويتان، الزاوية المستقيمة القائمة على الكتاب والسنة، الزاوية العلمية القرآنية هي منا ونحن منها. أما الزاوية المنحرفة التي تمارس الشعوذة لا يمكن قبولها، حتى الزويا الحقيقية لا يمكن أن تقبل الزوايا المنحرفة، فالشيخ عثماني ذكره الله بالخير في إحدى محاضراته في المجلس الإسلامي الأعلى، ذكر أن هناك بعض الزوايا يجب أن نشتكي بها للجنة حقوق الإنسان الدولية.

أما الزوايا المستقيمة فلا مشاكل معها وزاوية بوغني سنويا تدعونا لزاوية سيدي أحمد أويحيى، ودائما نحضر احتفالاتها ونلقي كلمة فيها ونعجب بها ونحاول أن نجلب لها المساعدات فليس لدينا أي مشكل، هذه العقدة انتهت ولم يعد لها وجود.

إذا ترون أن الخلاف التاريخي هو خلاف مصطنع، فقد عقدت ندوة واستضافت شيوخا من الزوايا وتكلموا وصرحوا أنه لولا الزوايا لما نطق الجزائريون حرفا عربيا، فقبل جمعية العلماء كانت هناك الزوايا؟

نعم، ونحن نعتقد أن الزوايا حافظت على القرآن مهما كان، ولكن أكثر من هذا، الشيخ ابن باديس والبشير الإبراهيمي أيضا قالا نحن بيننا وبين الزوايا هو هذا العامي الذي يحاولون أن يستغلوه -قاصدا بعض الزوايا وليس كلها – ونحن نحاول أن نوعيه، اذ يقول الشيخ البشير الإبراهيمي: “لقد اشتكت منكم الجيوب إلى علام الغيوب”، لكن الشيخ عبد الحميد بن باديس أعطى تعليمات لمنطقة القبائل كي لا تحارب الزوايا فيها ،قال لأن حملة التنصير ضدها، فلا نزيد عليها حملة ثانية.

حتى بانحرافاتها دعوها؟

نعم، نتركها حتى ولو كانت منحرفة قليلا، فهي تقاوم هذا التنصير، وهذا أفضل من أن نقضي عليها نحن، فمنذ الشيخ ابن باديس إلى يومنا هذا ونحن نقف من الزوايا موقف الأخوة، إلا اذا كان هناك بعض الزوايا التي تمارس الشعوذة أو عبادة الأوثان أو الأضرحة، هذا ما لا يقبله الإسلام ونحن أيضا.

الآن كيف نصف علاقتكم بوزارة الشؤون الدينية كجهاز رسمي؟

علاقة متينة جدا.

نعلم أن هناك إعانات تتلقاها كل الجمعيات على المستوى الوطني، هل تتلقونها أنتم أيضا؟

لا أبدا.

ولم؟

اسأل الدولة.

أموال تصرف على كل الجهات؟

نعم، إلا نحن، الاستثناء الوحيد أن وزارة الثقافة منحتنا هذه السنة 50 مليون سنتيم، لأننا قدمنا ملفا حول مشاريع ثقافية، ومن حقنا الحصول على المال، فالوزيرة أرسلت لنا 50 مليون سنتيم.

يعني ميزانية حية

هذا هو، السيد أحمد أويحيى عندما كان رئيسا للحكومة طلبنا مقابلته فقابلنا بمنتهى اللباقة والأدب، قلنا له هل يعقل أننا أم الجمعيات في هذا الوطن ولا نتلقى أي مساعدات؟ فتعجب، وقال أوليس لديكم مساعدات؟ قلنا ليس لدينا، فرد لماذا؟ فأجبنا نحن من يجب أن يطرح هذا السؤال، فأنت رئيس الحكومة، فتعجب وقال ألا تعطيكم وزارة الشؤون الدينية شيئا؟ قلنا ليس لدينا وجه لتعطينا منه فإذا تصدقت علينا بشيء، أما من بموجب القانون فلا يوجد ما يلزمها بذلك. السيد أحمد أويحي منحنا 500 مليون سنتيم، قال سأعطيكم مساعدة أو اسعافا كما سماها هو على أن يدخلنا في الميزانية العامة مستقبلا ويشاء الله أن يرحل هو قبل دخولنا الميزانية العامة. نحن الآن بصدد طلب اتصال للقاء رئيس الحكومة عبد المالك سلال .

السنة الماضية، كتبت لرئيس الجمهورية لماذا الجمعية لا تستفيد من جوازات سفر الحج رغم أن كل الجمعيات والزوايا تستفيد من ذلك؟ فأرسل لنا 24 جواز سفر بعدد أعضاء المكتب الوطني فتحصل كل واحد منهم على جواز هكذا استجابوا..

يعني لايزال هناك بعض الإعانات الرمزية…

انها اعانات رمزية فقط، ولكنها لا تكفي، فنحن نعاني من خلل مالي بما يعادل 250 مليون سنتيم شهريا بين ما نبيعه من البصائر، وما نقبضه من حقوق المؤلفين، وبين ما ننفقه 250 مليون سنتيم كخلل.


آخر التغريدات: