بن باديس و تربية الشباب

بن باديس و تربية الشباب

المعروف عن شيخ المصلحين ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الإمام عبد الحميد بن باديس، اهتمامه البالغ بالشباب ، وذلك بوضعهم على رأس انشغالاته ، وجعلهم من أولى أولوياته ، فهم عنده مستقبل الأمة ومعقد آمالها ، والرجاء الذي سيأتي معه صبحه المرتقب ، والسراج الذي سينير لها درب التحرر والاستقلال .

ولقد نظر إلى واقعه – الشباب – في ذلك الوقت فوجده جاهلاً بلغته ، بعيدًا عن تاريخه  ومجده ، نافرًا من دينه ، غافلاً عن آلام أمته وآمالها ، فكتب في افتتاحية الشهاب في عدد مارس 1983م ، يصوّر  الحالة التي آل إليها هذا الشباب، بحيث صار ضائعًا في هذه الحياة ، بعدما عمل الإستدمار الفرنسي بكل ما أوتي من وسائل الغزو والتضليل على إفراغه من مقومات شخصيته ،  ليتواصل مسلسل الاستعباد والتدمير للجزائر وطناً وشعبًا ، فقال رحمه الله : ” ولم يكن يومذاك  من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته وتاريخه ومجده ، وقبح له دينه وقومه ن وقطع له من كل شيء – إلا منه –  أمله وحقره في نفسه كثيرا ، وإلا شباب جاهل أكلته الحانات والمقاهي والشوارع ، ومن وجد العمل منه ، لا يرى نفسه إلا آلة متحركة في ذلك العمل لا هم له  من ورائه في نفسه  ، فضلا عن شعوره بأمر عام، وإلا وشباب حفظه الله للإسلام والعروبة ، فأقبل على تعلمها ، لكنه تعلم سطحي خال من الروح ، إلا شباب لا يعتز بماض ، ولا يألم لحاضر ، ولا يطمح لمستقبل ، اللهم إلا أفرادا هنا وهناك “.

ومن أجل إنقاذ هذا  الشباب  وانتشاله من هذا الضياع ، وتخليصه من الذوبان في ثقافة الاستدمار وأخلاقه الغربية المادية ، وإعادة تربيته وفق دينه الحنيف ، وتبصيره بحقيقة أمره وبما يجري في وطنه ، وتوعيته بما ينتظر منه ، وإعداده لاستعادة الحياة الكريمة في ظل سيادته على أرضه والتحرر من كل أشكال العبودية والتّبعية المفروضة عليه ، قام رحمه الله بإحداث واستعمال مؤسسات تربوية متنوعة ، تختلف في طبيعتها لكنها ترمي في الأخير إلى غاية واحدة  ، وهدف مشترك ، لخصه الدكتور / رابح تركي في كتابه ” الشيخ عبد الحميد بن باديس : رائد الإصلاح والتربية في الجزائر في ثلاث نقاط :

1-  حماية الشباب من عوامل الانحراف والفساد الخلقي والاجتماعي  .

2-  استغلال طاقته فيما يعود على الأمة والوطن بالنفع والفائدة .

3- تربية وطنية سليمة حتى لا يجرفهم تيار الفرنسة والتغريب الذي كان يهدد الجزائر كلها في الثلاثينات .

وفي هذه المؤسسات دأب الشيخ – رحمه الله – على توجيه عنايته بالدرجة الأولى على التربية ، فكانت المساجد لإلقاء الدروس في الوعظ والإرشاد ، بحيث تولى بنفسه هذه العملية بقسنطينة . وأرسل علماء الجمعية للتكفل بها في سائر أنحاء الجزائر ، كما فتح المدارس للأطفال يتعلمون فيها نهارا والشباب والكهول ليلا ، أما النوادي فكانت لها مكانة خاصة عنده ، بحيث جعلها للشباب فحسب قصد تنظيمهم وتهذيبهم فيها ، فأسس الجمعيات الثقافية والرياضية والفنية ، كجمعية الشباب الفني للموسيقى العربية ، وأفواج الكشافة الإسلامية الجزائرية  وتشجيع الأفواج القائمة آنذاك . ففي حوار ليومية السلام ( عدد /1278)  مع أحد المؤسسين للكشافة الإسلامية الجزائرية المرحوم الصادق الغول ، روى بأن الشيخ عبد الحميد بن باديس وهو خارج من مدينة مليانة بعد أن تمّ زيارته لها ، وجد الكشافة تردد  نشيدا يدعوا لرفع السلاح ضد المستعمر مستوحى من رواية بن وائل ، فسأله عنها فقال بأنها أفواج كشفية أنشئت منذ مدة فقال الإمام مشجعا : ” هذا أمر عظيم يجب السير فيه إلى الأمام ، فسيروا وأعدكم بمجرد وصولي إلى مقاطعة قسنطينة سأعمل على تأسيس حركة مماثلة ولتكن بينكم علاقة .

لا غرو أن نجده في نشيده الذي خاطب فيه الشباب الجزائري يرمز إليه بفوجي ” الرجاء ” والصباح ”  الكشفيين بقسنطينة ، فيقول :

يا نشء أنت رجاؤنا *** وبك الصباح قد اقترب

ورغم مضايقات الإدارة الاستدمارية  والتضييق على أنشطته وأتباعه ، و رصد تحركاته والتخطيط لاغتياله ، إلا أنه لم تفتر عزيمته ـ ولم تضعف همّته ولم يتوان لحظة واحدة في بذل الجهود و الصبر على عقبات الطريق و مشاقه ، من أجل إعداد الشباب وتربيته حتى يبني مستقبل الجزائر بيده ويصون كرامتها بعزيمته ، وهو الذي كان يقول عليه رحمه الله : ” الشباب نتيجة الماضي . وزهرة الحاضر ، وآمال المستقبل  و عدّة الحياة .

 

المصدر : أسبوعية السفير ، العدد 98:من 02إلى 08 صفر 1423هـ- الموافق ل15إلى 21افريل 2002م

آخر التغريدات: