الشيخ أبو اليقضان في عالم الصحافة

الشيخ أبو اليقضان في عالم الصحافة

في يوم 30 مارس القادم تحل الذكرى الأربعون لوفاة عميد الصحافيين الجزائريين الشيخ إبراهيم بن الحاج عيسى الشهير بـأبي اليقضان (1888-1973). كيف أصبح صحفيا؟ ما هي أشهر الصحف التي أصدرها؟ ما هي أبرز إسهاماته في الصحافة الإصلاحية في الجزائر وتونس؟ كيف تعاملت السلطة الاستعمارية مع صحفه المختلفة؟

صحافي بين الصحف

كان الشيخ أبو اليقضان مولعا منذ صغره بالصحافة، اطلع على أشهر الصحف والمجلات العربية في زمانه، فقال في هذا الشأن: ” كان ميلي إلى الصحافة منذ طفولتي فطريا غريزيا، وكنت شغوفا بمطالعة الجرائد العربية” خاصة التي تتناول أخبارا عن العالم الإسلامي في يقظته وسباته. وازداد شغفه بالصحافة بعد هجرته إلى تونس لمواصلة دراساته العليا في جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونية حيث وجد نفسه منغمسة في معمعة الصحافة ” من أخمس القدم إلى قمة الرأس.”

ويعترف الشيخ أبو اليقضان أنه دخل عالم الصحافة من باب الفطرة والغريزة، وتعلم فنونها وأسرارها بالتجربة والعمل والصبر والاستفادة من من احتكاكه بالشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي فتح ذهنه على المسألة السياسية وعالمها المعقد. فقال أبو اليقضان في هذا السياق: ” أنا لم أتتلمذ عند صحافي فآخذ عنه أسلوبه وإنما أخذت دروسا في السياسة عن الأستاذ عبد العزيز الثعالبي بتونس ودروسا في أساليب الكتابة بإدماني على قراءة الجرائد المصرية ولاسيما جريدة اللواء المصري اليومية لسان حال الحزب الوطني المصري. ثم إني بعد ذلك أتبع خطواتي الصحافية بما توحي به إلي فطرتي وما تلهمني إليه غزيرتي”.

أحب الشيخ أبو اليقضان الصحافة واتخذها مهنة، وكرس لها ربع قرن من حياته، مشاركا في الصحف الجزائرية والتونسية، ومؤسسا لثماني صحف بين عام 1926 و1938، وهي: وادي ميزاب (1926-1929)، ميزاب (1930)، المغرب (1930-1931)، النور (1931-1933)، البستان (1933)، النبراس (1933)، الأمة (1933-1938) والفرقان (1938).

اهتمت هذه الصحف بالأدب والاجتماع والسياسية والأخبارالمحلية والعالمية. ونشرت بيانات ومناشير لمنظمات وطنية ودولية. وتتابع أيضا الأحداث الثقافية الهامة في الجزائر أو خارجها وتنشر تقارير عنها، فمثلا غطت جريدة الأمة في عدة حلقات وقائع المؤتمر الخامس لجمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بتلمسان في عام 1935.

المساهمة في صحف الحركة الإصلاحية

ولقد كتب الشيخ أبو اليقضان في جرائد إصلاحية كجريدة الفاروق لعمر بن قدور، المنتقد والشهاب للشيخ عبد الحميد بن باديس وجريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ففي المنتقد ساهم بمقال عنوانه ” معامل العقول” والتي تتمثل في أسس النهضة في أي مجتمع وهي: المدارس، النوادي الأدبية، المجامع العلمية، المكتبات، الجرائد، الرحلة والسفر. وقال في شأن الجرائد ودورها في تفعيل حركة التنمية والإقلاع النهضوي: “الجرائد والمجلات العفيفة السيرة، النزيهة المقصد فإنها مدرسة للخاص والعام القريب منها والبعيد، ومعرض عقول الأمم وأفكارها وترجمانها الفصيح المعرب عن ضميرها. تلبس كل يوم لبوسه وتصبغ كل وقت لونه تتنزل من سماء كتابها على القراء نجوما وأقساطا حسب التطورات العالمية وضروريات الأمم وحاجيات الشعوب. تطلع الكاتب على أحوال العالم وحركاته وتقلباته وهو في مكتبه، والعالم وهو في معهده، والتاجر وهو في دكانه، والفلاح وهو في بستانه فيستفيد كل منها ما ينير أمامه السبيل تنفخ فيهم روحا جديدة فتجعلهم دائما أبناء يومهم يستعدون لكل حادث ويأخذون الحيطة لكل طارئ.”

ورحب الشيخ ابن باديس بانضمامه إلى كتاب المنتقد، واعتبر ذلك مكسبا لحركة الإصلاح والنهضة في الجزائر بعد أن وصفه بـ “المفكر الوطني” و “الكاتب المفكر.”

لقد ساهم أبو اليقضان في العدد الأول من جريدة البصائر بمقال عنوانه: “موجة الإصلاح الديني والعلمي بالقطر الجزائري”، وقال فيه: “لأجل تنظيم الإصلاح الديني والعلمي بالقطر الجزائري وتعميم نشره وتقوية موجته أسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمساعي أفذاذ من أبناء تلك النهضة الحديثة فكانت للجزائر بمثابة العقد الثمين من جيد الغادة الحسناء، لم تمض على إنشائها مدة وجيزة حتى ضربت موجة الإصلاح بها من أقصى البلاد إلى أقصاها حتى تسامع الناس أخبارها فكان لها دوي هائل في الشرق والغرب، وكان لها صوت مسموع في أقطار الإسلام وتفاءلوا من وجودها للجزائر خيرا كثيرا.”

واتصل كذلك بأصحاب الجرائد الوطنية ونسج معهم علاقات متينة كالأمير خالد (الإقدام)، عمر بن قدور (الفاروق)، عبد الحميد بن باديس (المنتقد/ الشهاب)، الطيب العقبي (الإصلاح)، عبد الحفيظ بن الهاشمي (النجاح)، محمد السعيد الزاهري (البرق)، محمد البشير الإبراهيمي (البصائر)…الخ. وما تفرقوا إلا بعد أن اختلف الشيخ أبو اليقضان مع بعضهم في الفكر والمنهج.

ونالت هذه الجرائد حظوة عند النخبة الجزائرية التي تحرص على مطالعتها والكتابة فيها، أذكر منهم: مبارك الميلي، أبو يعلى الزواوي، محمد الرزقي الشرفاوي، إبراهيم بيوض، المولود الحافظي، محمد السعيد الزاهري، محمد الهادي السنوسي، عبد اللطيف القنطري، بلقاسم بن أرواق، حمزة بوكوشة، علي مرحوم، زهير الزاهري، مفدي زكريا، رمضان حمود، مبارك جلواح، عبد الرحمان غريب…الخ.

بصمات في الصحافة التونسية

ساهم الشيخ أبو اليقضان في الصحافة التونسية خلال دراسته في جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونية. فكتب في مجموعة جرائد منها: المنير، الإتحاد، لسان الشعب، الأمة، الإرادة لسان حال الحزب الدستوري التونسي، والزهرة. وقد أحصى له فيها الباحث الدكتور محمد صالح الجابري 15 مقالا بين عام 1920 و1934.

وكانت مقالاته متنوعة بين الشعر والنثر، وهي تناولت قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية. وكانت من أبرزها: الثلاثية الجزائر والإسلام، الجزائر والإتحاد، الجزائر والعلم؛ والثنائية: حياتنا بحياة أخلاقنا، حياة الأمة بحياة لغتها. ومن كتابته النقدية والسياسية، أذكر: شكوى الجزائر، ميزاب يستغيث، كتاب مفتوح إلى الوالي العام، تهنئة الجزائر بفوز الأمير خالد…الخ.

صحف أبي اليقضان عابرة للأوطان

أصر الشيخ أبو يقضان على تدويل صحفه والترويج لها خارج القطر الجزائري بمختلف الطرق، منها إعادة نشر مقالات النخبة الفكرية والسياسية التي صدرت في أشهر الجرائد والمجلات العربية والإسلامية (المنار، الفتح، اللواء، الشورى، الرابطة العربية، الرسالة، الأهرام، التمدن الإسلامي، العرفان، الزهرة…)، وأذكر منهم على سبيل المثال: أحمد شوقي، عباس محمود العقاد، مصطفى صادق الرافعي، محمد حسين هيكل من مصر، شكيب أرسلان، محمد علي الطاهر، محب الدين الخطيب ومصطفى السباعي من الشام، محمد الصادق بسيس، محمد الشاذلي خزندار وعثمان الكعاك من تونس، سليمان الباروني من ليبيا، المكي بن إدريس العمراوي ومحمد عبد الهادي التازي من المغرب…الخ

وكان أبو اليقضان يلجأ إلى إرسال نسخ من جرائده إلى معارفه للإشهار بها، أذكر منهم الشيخ أبا إسحاق أطفيش المقيم في القاهرة للترويج لها في الأوساط الثقافية المصرية، وقد وفق في ذلك إلى حد كبير إذ وجدنا تقاريظ شخصيات عربية مرموقة لبعض صحف أبي اليقضان. كما نقلت منها الصحف المشرقية باعتبارها مرجعية في قضايا عديدة خاصة ما تعلق بالجزائر والمغرب العربي.

وهناك رسائل عديدة تشهد على انتشار جرائد الشيخ أبي اليقضان. خارج القطر الجزائري، منها رسالة بعثها الأمير شكيب أرسلان القائمين على جريدة وادي ميزاب يشكرهم فيها على كرمهم ويثني على جهودهم. أو هذه الرسالة من اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي العام إلى الشيخ أبي اليقضان للتبادل بين جريدة المغرب ونشرات هذه الهيئة الدولية. أو هذه الرسالة من القنصل المصري بمرسيليا ملتمس الاشتراك لمدة سنة في جريدة الأمة.

الاستعمار يصادر الصحف الحرة

كتبت هذه الجرائد في القضية الوطنية والقومية. وروجت لبيانات وأفكار جمعيات وحركات التجديد والتحرير والتبصير، ودافعت عن القيم الإسلامية والأخلاق الاجتماعية وقاومت البدع والخرافات، وانتقدت الساسة الاستعمارية في الداخل والخارج.

كانت سلطة الاحتلال تراقب هذه الصحف وتصادر واحدة وراء الأخرى بذرائع مختلفة. فقد أصدرت الولاية العامة الفرنسية في الجزائر قرارا في 24 ماي 1938 يمنع بموجبه تداول وتوزيع العدد 157 من جريدة الأمة بذريعة أنه يتضمن مقالا منقولا عن مجلة الفتح لصاحبها محب الدين الخطيب موجه ضد السياسة الفرنسية. كما صدر العدد 138 من الجريدة نفسها في صفحة واحدة بسبب نزعتها الوطنية وتعاطفها مع حزب الشعب الجزائري بزعامة مصالي الحاج. ثم أصدرت الإدارة الاستعمارية بعد ذلك قرارا ثانيا في  لتعطيلها بشكل نهائي.

استنكرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هذا القرار واعتبرته حلقة جديدة في سجل مصادرة حرية التفكير والرأي: ” لقد ساءنا وساء كل حر خبر تعطيل جريدة الأمة الغراء التي يصدرها بالجزائر الصحافي الكبير الشيخ أبو اليقضان نائب أمين مال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. والأمة خلف صالح لعدة جرائد كلها ساهمت في الحركة وسايرت التطور وساعدت على نشر الإصلاح والعربية، فقد استشهدت الواحدة تلو الأخرى في ميدان الشرف والثبات على المبدأ وفي سبيل العربية ما تلاقيه الصحافة”.

كما ندد الشيخ ابن باديس في مجلة الشهاب بقرار تعطيل الأمة فقال: “قد عطلت الأمة مثل أخواتها، فضمت وساما جديدا إلى صدر الأستاذ (أبي اليقضان)، ونحن ننتظر من همته ومضائه أن يطلع على قرائه في أمد قريب، إنه من الظلم والاحتقار للصحافة العربية أن تبقى هكذا تحت سيف التعطيل دون سؤال أو وجواب. وإنا لنرجو أن يعاد إلى الحق والإنصاف يوما ما فتعامل الصحافة العربية معاملة قانونية ويحاكم المخالف للقانون ففي ذلك الإنصاف والاحترام وهو أساس كل ود ووئام.”

ولم تنجح حملة الاستنكار المحلية والخارجية في إقناع السلطة الاستعمارية في العدول عن قراراتها السابقة. وكذلك لم يستسلم الشيخ أبو اليقضان، فسرعان ما أصدر جريدة أخرى عنوانها الفرقان. ورحبت البصائر بالفرقان وتمنت له عمرا مديدا. وحياه الشيخ علي مرحوم وتفاءل في دورها في خدمة الوطن. وتعاطف معها الشيخ أبو العباس أحمد التيجاني متمنيا أن تسلم هي من التعطيل والمصادرة. غير أن الإدارة الاستعمارية لم تعطها الفرصة لتعمر وتنشر رسالتها، فأوقفتها بعد شهرين، فلم يصدر منها إلا ستة أعداد فقط. ولم تفلح الاحتجاجات لإقناع المصادرين بالعودة عن قرارهم. ولم يصدر بعد ذلك أبو اليقضان جريدة أخرى خاصة بعد تضاعف استبداد الاستعماريين، وقيام الحرب العالمية الثانية وما ترتب عنها من ظروف سياسية واقتصادية. بالإضافة إلى مرض الشيخ أبي اليقضان الذي أصابه الشلل في جنبه الأيسر.

لقد تعرضت كل الجرائد الثمانية التي أصدرها الشيخ أبو اليقضان للمصادرة، كما تعرض صاحبها الملتزم بقضايا الوطن والأمة لكثير من المتاعب والمضايقات، لا يقوى على تحملها إلا ذوو الهمة والإخلاص والوفاء للمبادئ، والاقتناع الراسخ بالفكرة، والإيمان العميق بنصرة الله.

 

آخر التغريدات: