الشيخان ابن باديس والإبراهيمي أو الأخوة الصادقة

الشيخان ابن باديس والإبراهيمي أو الأخوة الصادقة

يعج تاريخ الأفكار بالصراعات والخصومات بين العلماء والشعراء والأدباء لأسباب عديدة تعود إلى الطبيعة البشرية الميالة إلى حب الذات والأنانية والغرور وإقصاء الغير. كما يزخر ذلك التاريخ بنماذج راقية في الوفاء والإيثار والتواصل المثمر بين أهل العلم والأدب حينما يتغلب الإنسان على شهواته وهواه ويحتكم إلى العقل والحكمة وسماحة الدين.

وهكذا روت كتب التراجم صورا مشرقة عن العلاقات المتبادلة بين العلماء المسلمين المعاصرين، وكان من أبرز هذه النماذج الصلة الوطيدة بين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي.  وهذا النموذج جدير بالدراسة للاستلهام منه والاقتداء به.

اللقاء الأول كان في مدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم)

كتب الله أن يتعرف الشيخ عبد الحميد بن باديس المولود بقسنطينة على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي المولود في سطيف في المدينة المنورة حينما مر بها ابن باديس عائدا من مكة المكرمة التي أدى فيها فريضة الحج. ورغم أن الرجلين ولدا في نفس العام (1889) وفي نفس المنطقة، ولا تفرق يبنهما سوى مسافة محدودة (150 كلم) إلا أن اللقاء الأول لم يحصل بينهما إلا في الحجاز بعيدا عن الجزائر بآلاف الكيلومترات.

ولنترك الشيخ الإبراهيمي يحدثنا عن هذا اللقاء التاريخي الذي وضع فيه المصلحان معالم لمشروع تغيير طموح، وأسس لعمل إصلاحي عميق في الجزائر يقوم على توحيد النخبة الدينية والعلمية في البلاد من أجل تصحيح العقائد وإحياء الدين وتنوير العقول وتحرير النفوس.

قال الإبراهيمي: ” كنا نؤدي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي ونخرج إلى منزلي فنسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها الشيخ بالمدينة. كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورا ذهنية تتراءى في مخيلتنا، وصحبنا من حسن النية وتوفيق الله حققها في الخارج بعد بضعة عشرة سنة. وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.”

ولم يتحقق ذلك الحلم إلا في سنة 1931 أي بعد أن أثمرت جهود العمل الإصلاحي لابن باديس في قسنطينة والإبراهيمي في سطيف والطيب العقبي في بسكرة ومبارك الميلي في الأغواط وأبي يقضان في غرداية…الخ.

التقدير المتبادل

لقد أثنى الشيخ ابن باديس كثيرا على صديقه الإبراهيمي في مناسبات عديدة، ووصفه بأروع الأوصاف، فقال عنه: ” إن الإبراهيمي وعاء من العلم والمعرفة والذكاء، وإنا لنرجو على يده خيرا كثيرا للإسلام والجزائر”.

وكان يستأنس برأيه في أمور جمعية العلماء وفي أموره الشخصية. فكلما شعر بضيق شديد سافر إلى تلمسان للقاء الشيخ الإبراهيمي، وكان أحيانا ينزل عليه ليلا ويسافر في الصباح الباكر لا يعلم بوجوده أهل تلمسان أو أعوان الأمن المسؤولون عن مراقبة نشاطات الحركة الإصلاحية في هذه المدينة.

وكلما سافر إلى مدينة سطيف التي بدأ فيها الشيخ الإبراهيمي نشاطه الإصلاحي بعد عودته من الحجاز، وغادرها بعد ذلك ميؤسا منها، تحدث عن فضائل هذا العالم الجليل -الذي أنجبته تلك المنطقة- على العمل الدعوي والإصلاحي في الجزائر.

وكتب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عدة مرات عن الشيخ ابن باديس فصوّره أحسن تصوير مربيا ومفسرا وفقيها وأديبا وصحافيا، وقال عنه أنه جمع من صفات العظمة نادرا ما تجتمع في شخص واحد. وقارنه كذلك بأعظم الشخصيات التاريخية قديما وحديثا، فقال في هذا الشأن: ” عبد الحميد بن باديس عظيم بأكمل ما تعطيه هذه الكلمة من معنى، فهو عظيم في علمه، عظيم في أعماله، عظيم في بيانه وقوة حجته، عظيم في تربيته وتثقيفه لجيل كامل، عظيم في مواقفه من المألوف الذي صيره السكوت دينا، ومن المخوف الذي صيره الخضوع إلها، عظيم في بنائه وهدمه، عظيم في حربه وفي سلمه، عظيم في اعتزازه بإخوانه، ووفائه لهم، وعرفانه لأقدارهم.”

وكان الشيخ الإبراهيمي عطوفا على ابن باديس ومشفقا عليه لكثرة أعماله وحصر علمه في الجزائر، فمرة اقترح عليه أن ينقص الأعباء على نفسه، وأشار إليه مرة أخرى إلى السياحة في العالم الإسلامي ليروّح عن نفسه، ويتعرف عليه المسلمون ويستفيدوا من علمه الغزير لأنه ليس عدلا أن تبقى جهوده محصورة في الجزائر وهو عالم يفوق علمه وفكره كثيرا من الأسماء المعروفة في عالم الدين والعلم. فكان ابن باديس يجيبه دائما بأن قلبه معلق بتعليم أبناء الجزائر الفقراء ومشغول بإحياء الدين في هذا البلد الذي يتعرض لكل أنواع الهدم الحضاري.

ولقد تعرض الشيخ الإبراهيمي لمضايقات عديدة من طرف السلطة الاستعمارية وعملائها حتى ضاقت به الأرض أحيانا، وفكر في الاستقالة من رئاسة جمعية العلماء في سنة 1949 والهجرة إلى المشرق العربي !

ولم يستطع أحد أن يقنعه بالتخلي عن هذه الفكرة إلا أحد تلامذة ابن باديس الذي ذكره بتضحيات هذا الأخير وما أصابه من سوء في سبيل الدعوة والإصلاح وهو ابن أكبر الأسر الغنية في البلاد، قادر على أن يعيش في الرخاء غير أنه ضحى بماله ونفسه من أجل أن يتحقق مشروع جمعية العلماء، والتي أصبحت أمانة في أعناق أصدقائه وتلامذته، وتراجعها أو موتها هو خيانة للإسلام والعربية والوطن، وهو عند الله إثم عظيم. ذلك هو تأثير ابن باديس حيا وميتا.

آخر رسالة من ابن باديس إلى الإبراهيمي

رفضت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مساندة الحكومة الفرنسية في حربها مع ألمانيا، لأنها تعتبرها حربا بين القوى الاستعمارية الكبرى وليست صراعا بين الحق والباطل، أو نزاعا بين الخير والشر، و لا تسعى إلى تحرير الشعوب ونصرة الضعفاء. واعتبرت السلطة الفرنسية هذا الموقف المحايد انحيازا إلى ألمانيا التي وجدت دعما قويا من قادة الإصلاح في العالم العربي الواثقين بوعود الدعاية الألمانية أو المؤمنين بمنطق “عدو العدو صديق”.

كان رد السلطة الاستعمارية عنيفا تجاه جمعية العلماء، ففرضت الإقامة الجبرية على الشيخ ابن باديس في قسنطينة، ونفت الشيخ الإبراهيمي من تلمسان إلى بلدة آفلو بمنطقة الأغواط، فأمضى فيها ثلاثة أعوام.

ولما سمع الشيخ ابن باديس بهذا الخبر وهو على فراش المرض، وقبل موته بأربعة أيام، أرسل رسالة إلى صديقه يعبر من خلالها على تضامنه معه في محنته، ويرفع من معنوياته، ويخفف عنه ثقل الغربة والوحدة في هذه القرية النائية، ويؤكد له على الوفاء بالصداقة والنصرة للأخوة.

وقد جاء في هذه الرسالة بعد الديباجة: ” فقد بلغني موقفكم الشريف الجليل العادل، فلأقول لكم: الآن يا عمر. فقد صنت العلوم والدين، صانك الله، وحفظك في تركتك، وعظمتهما عظم الله قدرك في الدنيا والآخرة. وأعززتها أعزك الله أمام التاريخ الصادق، وبيضت محياها بيض الله محياك يوم القيامة، وثبتك على الصراط المستقيم…”

رثاء الإبراهيمي لابن باديس

لم يمر أسبوع على نفيه إلى بلدة آفلو حتى يفجع الشيخ الإبراهيمي بوفاة صديق دربه الشيخ ابن باديس. فحزن حزنا شديدا على هذا الفراق المفاجئ في ذلك الظرف العصيب. وحزن أيضا لأنه لم يسمح له بالحضور إلى جنازته في قسنطينة. ورغم كل هذا لم ينس أسرة جمعية العلماء فأرسل إليها رسالة تعزية تتدفق حزنا ومرارة وألما على فقدان الشيخ الرئيس.

وجاءت رسالته على شكل قصيدة حوارية في عشرين بيتا يسأل من خلالها نفسه ثم يجيب عنها، وأذكر منها هنا الأبيات التالية:

أين يا أخت الحسام المنتضى *** لصروف الدهر في اليوم العصيب

أين يا أخت الإمام المرتضى *** ذو البيان الحر والرأي المصيب

أين من إن أمحل الفكر مضى *** يرحض الأمحال بالفكر الخصيب

جاءه المحتوم من صرف القضا *** فقضى، لم يرض بالدنيا نصيب

أين يا أخت هلال الداجيه *** فارس الحلبة كشاف الكرب

كان نورا في الليل الساجيه  ***  ويل قومي إن توارى أو غرب

أين يا أخت إمام الناجيه *** و أمين الله عن مجد العرب

حرمت منه النفوس الراجيه ***  وتملت حظها منه الترب

كما كتب الشيخ الإبراهيمي مقامة في رثاء الشيخ ابن باديس تعبر عن قمة الوفاء بالصداقة والإخوة، والاعتراف بالفضل والتقدير لعظمة الرجال في حياتهم ومماتهم. وقد ألف هذه المقامة بمناسبة مرور عام على وفاة ابن باديس عنوانها: ” مناجاة مبتورة لدواعي الضرورة” وكان أكثر العبارات التي أثرت في نفسي حتى اقشعرت لها هذه الكلمات القوية: ” يا قبر، أتدري من حويت؟ وعلى أي الجواهر احتويت؟ إنك احتويت على أمة في رمة.”

وبمناسبة الذكرى الحادية عشر لوفاة ابن باديس، قال الشيخ الإبراهيمي أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيت على العهد، مسترشدة بتوجيهات رئيسها الأول، ومحافظة على فلسفتها التي سطرها لها من أول يوم أسست فيه، سالكة طريق التنوير والتحرير بحزم وتضحية، وهي متفائلة بالمستقبل وحكم التاريخ على رجالها المخلصين وعلى رأسهم ابن باديس، فقال في هذا السياق: ” إن هذه النهضة التي لم تزل في تباشيرها، ستمد مدها حتى تصبح تاريخا حافلا، وستنشئ بنفسها مؤرخها المنصف، ويومئذ يضطر ذلك المؤرخ إلى إرجاع العناصر إلى أصولها، فيجد عبد الحميد بن باديس واضع الأس والحجر”.

وصدق الشيخ الإبراهيمي، فقد سخر الله لجمعية العلماء مؤرخين جزائريين وأجانب منصفين فأنصفوا نضالها، وقدروا حق ابن باديس تقديرا، فأبرزوا بصماته التي ستبقى دائما منقوشة في سجل التاريخ.

 

آخر التغريدات: