الإضـرار بالدِّيـن باسـم الدِّيـن ووجـوب ثبـات المصلـِحين

الإضـرار بالدِّيـن باسـم الدِّيـن ووجـوب ثبـات المصلـِحين

إن أخوف ما يخافه المسلمون الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم على دينهم، دعوى الدجاجلة الذين سيكونون بين يدي الساعة، أولئك النفر الذين جعلهم الله فتنة لمن لم يرد بهم خيرا، فلم يفقهم في الدين، وقد قضت سُنَّة الله أن يكونوا أتباع كل ناعق، وأنصار كل ضال، وعونا على الحق الذي لم يَصفُ يوم من أيامه من صراع الباطل وجلبه بخيله ورجله على كتائب الحق. وفي التاريخ-أثريا وغيره- عظات تملأ النفوس عبرة من أيام المعجزات والوحي.

فكم خلبت بهرجة  الباطل من حجى، واستولت على ألباب، وأضلت من أمم لم ترزق توفيقا، ولا أعطيت استعدادا للفصل بين الحق والباطل، لقد كانت هذه السنة التي بثها الله في العالم لسرٍّ يعلمه، وغاية الناس إليها صائرون، عامة شاملة من أيام آدم حتى يرث الله الأرض ومَن عليها.

وإذا كلفت نفسك –أيها القارئ- قليلا من العناء، وحظا من العلم فانظر في تاريخ الأديان السابقة عن الإسلام، فإنك ولابد ستعود مقتنعا بأنها لم تسلم من الأوضاع التي لحقتها بعد أن كانت نقية بيضاء، ولا زالت تقبضها حتى أحالتها إلى تبديل كتبها وتغيير معالمها، وإحلال الشهوات وآراء الرجال وأهواء الشياطين، محل الهدى الإلهي. ولم يكن أهلُ هذه الملة لينجوا- مادام الشيطان، والحظوظ مرغوب فيها-بأنفسهم مما مكن الله منه الشيطان وأولياءه مما يدخله على الدين من انتحال المبطلين، وتحريف الضالين، اللهم إلَّا طائفة قد أخبر بها الصادق المصدوق أنها لا تزال على الحق، ولا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله وهي طائفة سائرة على ما كان عليه الصحابة اعتقادا وعملا.

ولسابق علم الله، وقديم قضائه، أخذت حميا ضلالات الضالين تدبُّ في عظام قوم ينتسبون إلى أهل هذه الملة، ويلقون على أنفسهم حِلَّة أهل الإسلام، ويزعمون لأنفسهم ما زعمه الأحبار والرهبان، فغلوا في هذا الدين مثل ما فعل أسلافهم من الأمم السابقة “لتتَّبعنَّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه “ .

وما كان العالم البصير بالأديان ليخفى عليه أن الذين ألقوا بجرانهم على الأديان السابقة، وصيَّروها إلى كفر بواح هم كانوا أهل خصوصية بين أقوامهم، يصدرون عن آرائهم ويوردون، فلا عجب إذا أُصبنا في أعز عزيز لدينا وهو ديننا الذي تولى الله حفظه من ناحية أناس يدعون لأنفسهم ما ادعاه الأحبار والرهبان.

وإن تعجب فعجب أمر هؤلاء الذين يريدون من علماء الدين أن يذعنوا لأباطيلهم، ويطأطاوا رؤوسهم أمام عظمة أهوائهم وما تضمنتها من عفونات مما يلقيه الشيطان عليهم رغم تعاليم الدين الذي يلعن من يكتم من الدين المنزل على محمد –صلى الله عليه وسلم-، وكأنَّ هؤلاء لم يعلموا أننا لم نكتب ما كتبنا، وما كتبه إخواننا من أهل الدِّين والبصيرة النافذة لقضاء شهوة من الشهوات أو طلب ذخل من الذخول، ولنيل حظ من الحظوظ.

وأنَّ الله يعلم، والمسلمين يعلمون أنه لولا أنَّ الله تعالى أمرنا بأن نبلغ هذا الدين كما أخذناه، لا ننقص ولا نزيد، ولولا أننا نزحزح أنفسنا عن الذين يكتمون ما أنزل الله من البيِّنات والهدى، ما رضينا لأنفسنا أن نخاطب هذه الهلثاء التي لا فقه لها، ولكننا نثبت حيث أمرنا الله مستميتين في الدفاع عن الدين ولو قطعنا إربا إربا، أو رُمِي بنا في أتون، وإن نحن لقينا ما لقينا فحسبنا:

مــا أنـت إلا أصـبع دميــت وفي ســبيل الله مـا لقيــت .

 

* الشهاب: عدد 115، 29 سبتمبر 1927م.

 

آخر التغريدات: