أمجاد تتكلم والتاريخ يسجل

أمجاد تتكلم والتاريخ يسجل

إن تاريخ كفاح المغرب العربي الكبير من أجل الانعتاق، والوفاق، لحافل بالأحداث الرائعة التي طواها التاريخ طي السجل للكتاب، ولم يعد يذكرها إلا من عاشها أو بقيت في ذاكرته آثاره من علمها، وإن استجلاء ملامحها من جديد من شأنه أن يصل الرحم بين جيل صنع الاستقلال، وجيل يتميع بالاستقلال من غير أن يعرف شيئا عن البطولات التي احترفت في أتون النضال المرير سنوات من أجل تجسيد هذا الاستقلال كحقيقة ثابتة شامخة كالقدر العاتي أمام الأعاصير ونقيق الضفادع والصراصير، كان الاستقلال عند هذا الجيل الصاعد النازل..

مائدة نزلت من السماء، فلم تكن عيدا لآخرنا مثلما كانت عيدا لأولنا، وأن الوحدة التي ينخر كيانها اليوم قطاع الطريق، تفانى في تركيز دعائمها منذ عشرات السنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، ونحن إذ نستوحي من أعمال ماضينا القريب هذه الصفحات البيضاء، ونسعى جاهدين في نشرها إنما نعمل على توعية شبابنا الذي أريد له أن لا يعلم شيئا عن تضحيات أبطاله. وأن يبقى في قمقم سليمان مع حماقات الإيديولوجيات المستعارة على حساب مناثره وأمجاده وأصالته المستعصاة عن الذوبان

وإذا كانت هذه الندوة المغربية بباريس سنة 1952 مسجلة بالحرف الواحد. فالفضل في ذلك يعود إلى المجاهد المثالي الأستاذ أحمد بنسودة الذي كان يقنص الكلمة من فم صاحبها قبل أن يتحرك بها لسانه، فيطير بها اختزالا بوفاء المناضل فتسكبها روحه الملتهبة سبائك سبائك على الورق. وناهيك بشهادة فضيلة المرحوم الإمام الشيخ البشير الإبراهيمي الذي قال للأستاذ بنسودة بعد أن اطلع على خطابه مكتوبا «أنها المرة الأولى التي أرى خطابي كان الكاتب هو قائله، فكان وفيا لم يفلت منه كلمة ولا فاصلة ولو وجدت بجانبي مثل ابن سودة لما ضاع الجم الغفير من إنتاجي وكلماتي» وإذا ذكرنا الأستاذ بنسودة بالذات فلأنه ـ لايزال ـ أمد الله في عمره ـ شاهد عيان ومن طلائع أبطال الميدان، ولا يسعه أن يكون غير من قيل فيهم «وشهد شاهد من أهلها»…

فعسى أن نوفق في التنقيب عن هذا التراث المجيد ـ ونقدمه كذكرى لمن ألقى السمع وهو شهيد، على صفحات مجلتنا (دعوة الحق) ذات الهدف البعيد.

مائدة الاتحاد

وقد كتبت جريدة «الرأي العام» المغربية عن هذا اللقاء التاريخي ما يلي:

«أقامت الشعبة المركزية لجمعية العلماء الجزائريين بباريس حفلة عشاء على شرف الوفود العربية والإسلامية بمنظمة الأمم المتحدة يوم الثلاثاء 29 يناير 1952 على الساعة الثامنة مساء بفقد «العالمين» بقرب الأوبرا، وما كادت الساعة الثامنة تدق حتى بدأت الوفود تصل، وكان فضيلة الشيخ الإبراهيمي وأعضاء شعبة جمعية العلماء يستقبلون الزوار بغاية الترحيب، وقد حضرت جميع الوفود التي بلغتها الدعوة، ورغم كون معالي عزام باشا كان مريضا مرضا ألزمه الفراش فقد حضر وأثر المرض باد عليه، وقد كانت الحفلة رائعة وامتازت بأنها ضمت جميع أحزاب أقطار شمال إفريقيا، فمن تونس حضر ممثلون عن حزب الدستور الجديد، والدستور القديم، والجبهة الوطنية، ومن الجزائر حضر ممثلو حزب البيان، وحزب انتصار الديمقراطيات، ومن المغرب حضر نواب جميع الأحزاب ولم يتخلق أي واحد، الأمر الذي جعل هاته الحفلة تستحق عن جدارة لقب «مائدة الاتحاد» وفي الساعة التاسعة دخل المدعوون لقاعة الأكل وتصدر مائدة الشرف فضيلة رئيس جمعية العلماء المسلمين وعن يمينه عزام باشا وعن يساره فارس الخوري فبقية ممثلي الدول الإسلامية فزعماء الأحزاب بشمال إفريقيا ونواب الهيئات، وقد حضر هاته الحفلة 120 رجلا ما بين وفود وصحافيين ونواب عن الأحزاب وأعضاء الشعبة المركزية لجمعية العلماء، وبعد تناول العشاء قام الأستاذ الإبراهيمي واعتذر عن معالي عزام باشا الذي اضطره للخروج باكرا لانحراف صحته وختم اعتذاره قائلا: فليتفضل بالانصراف معدورا مشكروا، ولما نهض عزام دوت القاعة بالتصفيق فوقف عزام وألقى كلمة رائعة ثم خرج بعد إلقائها وإثر خروجه قام الأستاذ الإبراهيمي وألقى كلمة ارتجالية رائعة توفق الأستاذ ابن سودة لتسجيل أهم فقراتها، وبعده قام معالي فارس الخوري وألقى كلمة رقيقة أثنى فيها على جهود جمعية العلماء ورئيسها، وفي الساعة 12 ليلا تفرقت الوفود مودعين من طرف رئيس جمعية العلماء وأعضاء شعبة الجمعية بغاية الترحيب والحفاوة، وأخذت للحاضرين عدة صور، وافترق الجميع هاتفين بحياة جمعية العلماء ومقدرين جهودها ونشاطها ودعوتها للاتحاد والإصلاح، راجين للشقيقة الجزائر حياة العزة والحرية والاستقلال في ظل الإسلام الصحيح والعروبة المتينة».

 

خطاب فضيلة الشيخ الإبراهيمي

وفيما يلي النص الكامل لخطاب الشيخ الإبراهيمي رحمه الله:

«حضرات أصحاب المعالي الوزراء، حضرات أصحاب السعادة والعزة، حضرات الزملاء حملة الأقلام، حضرات الإخوان:
هذه ليلة ارتفعت فيها الكلف، وغاب عنها العواذل، وغفل عنها الرقباء ـ إن شاء الله ـ فاسمحوا لي، أن أخرج عن الوضع المتعارف في رسوم الخطاب، فأنا بصفتي رجلا دينيا مسلما أمثل الإسلام في بساطته، وسماحته، واعتباراته الروحية يحلو لي أن أخاطبكم بما جاء به الإسلام في آدابه الراقية، ومثله العليا، وهو وصف الإخوة.

إن النبوة هي أكمل الخصائص البشرية وأشرف المواهب الإلهية، ولكن الله حين يرفع ذكر الأنبياء يضعهم في الدرجة الأولى من معارج الرقي، وهي العبودية لله، فمحمد عبد الله قبل أن يكون رسوله، وفي القرآن: «واذكر عبدنا أيوب، واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب».

فأنا حين أخاطب إخواني الكرام الذين أتاح لي الحظ السعيد أن أقف أمامهم في هذه اللحظة ليحلو لي أن أخاطبهم بهذا الوصف الجليل وهو وصف الأخوة منذ فقدناه لم نجد أنفسنا، إلا وكأننا حبات انقطع سلكها فانتثرت، فأصبحت كل حبة منها في كف لاقط، فمعذرة مني إلى إخواني الذين أعتز بأخوتهم إن خرجت عن النمط المألوف في رسم الخطاب. (تصفيق متواصل).

أيها الإخوان المتلاقون على هوى واحد هو حب الوطن الجامع، المتعبدون بعقيدة واحدة هي تحرير الوطن الجامع، الطالعون كالكواكب من أفق واحد الذي اطلعت سماؤه الشمس والقمر، واطلعت أرضه الأنبياء والحكماء.
أحييكم باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وباسم شعبتها المركزية بباريس تحية العروبة التي هي أكرم ما أنجبت البشرية من سلائل، وتحية الإسلام الذي هو أصفى ما انفتحت عنه صدفات الوحي من لآلئ، وتحية الشرق الذي اعتقد مخلصا أنكم أزكى أبنائه وأنكم الصفوة المختارة من بناته.

وأحييكم باسم الجزائر المسلمة المجاهدة الصابرة التي هي غصن فينان من دوحة الإسلام، وغصن ريان من شجرة العروبة، وزهرة فواحة من رياض المشرق، (تصفيق حاد مستمر) تغربت هاته الزهرة، كما تغربت قبلها شجرة عبد الرحمن الداخل بالأندلس فلم تشنها غربة، ومازالت متصلة بالشرق العربي تستمد منه القوة والفتوة، ومازالت متصلة بالشرق الإسلامي تستصبح بأنواره، وتتغنى بأمجاده، وتعتز بذكرياته، فهي على صلة بالشرق متينة كانت وما تزال متمسكة بحبله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، (تصفيق) ومازالت قائمة على غرس ومازالت ناطقة بلسان هلال بن عام بن صعصعة، منذ طغت موجة أبنائه عليها، تلك الموجة التي يسميها المؤرخ المجحف نسفا وتخريبا للعمران ويسميها المؤرخ المنصف المحررة للأذهان، وتعريبا للسان، فحيثما حل هلال من سهولها حلت العروبة، وحيثما سار في ركابه البيان العربي الذي من بقاياه ما تسمعون.

هذه الجزائر التي أحييكم باسمها، والتي ترون أبناءها أمامكم شيوخ وشباب يلتقيان في غاية واحدة، وإن نزغ بينهما الشيطان فكما ينزغ بين الأخوين، ولكنهما في النهاية إلى التجمع والاتحاد، فهؤلاء هم أبناء الجزائر الذين أحييكم باسمهم يا إخواننا وأستحيي أن أقول ضيوفنا، وإننا جميعا في دار غربة، وكم ودننا أن نجتمع بهذه الوفود في دارنا «الجزائر» فترون ما يشرح صدوركم ويبهج خواطركم من ارتباط الجزائر بالشرق والعروبة والإسلام.

أيها الإخوان أيها الزملاء حملة الأقلام: أحقيقة ما ترى عيناي أم خيال..؟ أخوة طوحت بهم الأقدار، وفرقتهم صروف الدهر في هذه الليلة وفي هذا البلد على غرة، وعلى غير ميعاد، كما تجتمع أشتات الزهر في ابانها، وفي مكانها، تختلف منها الأشكال والألوان، ولكن يجمعها الشذى والطيب والجمال.

أحق أن باريس وهي منبع شقائنا، والصفحة العابسة في وجوهنا، ترفع لحظة عن عادتها، فتتيح لنا أن نجتمع بين حناياها هذا الاجتماع، فلولا حقوق للأوطان في أعناقنا، ولولا عهود يجب أن نرعاها لديارنا، لكدنا نغتفر لباريس جميع ما جنته علينا من مصائب، ونمحو لها ـ بهذه الحسنة ـ جميع السيئات، ولكن تأبى علينا ذلك دماء في تونس تسيل (تصفيق حاد متواصل) وشعب في المغارب الثلاثة يعذب، وشباب تفتح له السجون والمعتقلات وتغلق في وجهه المدارس والمعاهد، ودين في الجزائر يمتهن.. فهيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها بعد أن جنينا المر من ثمراتها، وهيهات أن يسميها «دار العلم» من لم ير منها إلا الظلم، وهيهات أن يسميها عاصمة النور من لم تعشه منها إلا الظلمات، وهيهات أن يسميها دار مساواة من لم يعرف منها إلا الإجحاف.

أيها الإخوان:

ها هو الشرق رمى باريس بأفلاذ كبده يدافعون عن حماه بالحق، ويجادلون عن حقه بالمنطق، وما منهم إلا السيف مضاء، والسيل اندفاعا، وان وراءهم لشبابا سينطق يوم يسكنون، وسيتكلم بما يخرس الاستعمار ويسوءه، وان بعد اللسان لخطيبا صامتا هو السنان.

وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال، وإن أجدادنا دوخوا العالم ولكن بالعدل، وسادوه، ولكن بالإحسان، وإن فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإن فينا لبقايا مدخرة سيجلبها الله إلى حين.
رمي الشرق باريس بهذه الأفلاذ فخاطبوا الأمم، وخطبوا في منظمة الأمم، هذه المنظمة التي سميت بغير اسمها، وحليت بغير صفاتها، وما هي إلا مجمع يقود أقوياؤه ضعفاءه، ويسوق أغنياؤه فقراءه، وما هي إلا سوق تشرى فيه «الأصوات» بأغلى مما كانت تشترى به أصوات «الغريض» و«معبد» غير أن الأصوات القديمة كان فنا يمتزج بالنفوس، أما هذه الأصوات فإنها تنصر الظلم وتؤيد الاستعلاء والطغيان، وشتان ما بين الصوتين، وتباع فيه الذمم والهمم والأمم بيع البضائع في السوق السوداء، وما هي إلا مجلس نصبوه للشورى فكان للشر، وعقدوه للعدل والتناصف، فكان فيه كل شيء إلا العدل والتناصف.

رمى الشرق باريس بأفلاذ كبده فعز على المغرب العربي أن يبقى بعيدا مع قرب الدار، فرمى باريس بأفلاذ من كبده ليلقى الأخ أخاه فيتناجيان بالبر والتقوى، ويهش وجه لوجه، ويتحرك قلب لقلب، وتصافح يد يدا، وترد تحية عن تحية، ثم يقوى ساعد بساعد، ويشتد عضد بعضد، ويمتزج ضعف بضعف فتتكون منهما قوة (وضعيفان يغلبان قويان) «تصفيق».

أيها الإخوان:

لم يؤثر الفاتحون المتعاقبون على الشمال الإفريقي، ولا أثرت الأديان الراحلة إليه جزءا مما أثر الإسلام، وأثرت العروبة، لأن الفاتحين لهذا الوطن قبل الإسلام إنما جاءوا بدين القوة وشريعة الاستغلال أما الإسلام فقد جاء بالعدل والإحسان، وجاء وافيا بمطالب الروح ومطالب الجسم وبالمبادئ الإنسانية بمعناها الصحيح على هذه الأرض، لذلك كان سريع المدخل إلى النفوس، لطيف التخلل إلى الأفكار، قوي التأثير على العقول، فطال في هذا الشمال أمده، وسيبقى مادامت الفوارق موجودة بين الإنسان والحيوان.

وإن هذا الشمال الإفريقي كل لا يتجزأ (تصفيق) تربط بين أجزائه دماء الأجداد ولسان العرب، ودين الإسلام، وسواحل البحر من الشمال، وجبال الرمال في الصحاري وسلاسل الأطلس الأشم في الوسط، واتحاد الماء والهواء والغداء، وإنها لخصائص تجمع الأوطان المتباينة، فكيف لا تجمع الوطن الواحد؟

إن تفرق الأجزاء لم يأت من طبيعة الوطن، وإنما جاء من طبائعنا الدخيلة، ومن تأثراتنا القريبة بالدخلاء، وإني لمتباينة، فكيف لا تجمع الوطن الواحد؟

إن تفرق الأجزاء لم يأت من طبيعة الوطن، وإنما جاء من طبائعنا الدخيلة، ومن تأثراتنا القريبة بالدخلاء، بانبلاج الفجر فعسى أن يتحقق هذا التفاؤل فتكون هذه الليلة أول خيط في نسج الوحدة الإفريقية التي هي آخر أمل للمتفائلين مثلي، وان العنوان الدال على ما وراءه هو اجتماع جميع حركات الشمال الافريقي في هذا الجمع ون البشير بتحقيق هذا الأمل هو امتزاجنا حول هذه الموائد بإخواننا الشرقيين، ومن بركاتهم أن تجتمع حركاتنا كلها في صعيد واحد، وكلها لسان يعبر، وقلب بفكر، وآذان تستمع، وإنا لنرجو أن تكون قلوبنا غدا غير قلوبنا أمس، وأن نفيء إلى الحق الذي أمر الله بالفيئة إليه فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (تصفيق).

أيها الإخوان:

يقول المستعمرون عنا أننا خياليون، وإننا حين نعتز بأسلافنا وتاريخنا نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي السحيق، ونتكل على الموتى، يقولون هذا عنا في معرض الاستهزاء بنا أو في معرض النصح لنا ـ وانا لا أدري متى كان إبليس مذكرا ـ وإنا لنعلم ما يرمون إليه، إنهم يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماض حتى إذا استيقظنا من تنويمهم ونومنا لم نجد ماضيا يبني عليه حاضرنا فنندمج في حاضرهم، وهو كل ما يرمون إليه.

وسلوهم هل نسوا ماضيهم؟ إنهم يكذبون، إنهم يبنون حاضرهم على ماضيهم، إنهم يعتزون بآبائهم وأجدادهم، إنهم يخلدون رجال الفكر والأدب والفلسفة والجنود والفاتحين، وهذه شوارعهم تشهد، إن القوم يستصبوننا ويعتقدون إننا صبيان فيذكرون حاضرهم وماضيهم ليبنوا عليهما مستقبلهم، فمن حقنا، بل من واجبنا أن نعرف ماضينا والرجال الذين عمروه في ميادين الحياة فنعرف من هو أبو بكر؟ ومن هو عمر؟ وما صنع عقبة وطارق، وموسى وطريف في الغرب وما صنع المثنى وسعد وخالد وقتيبة في الشرق.

إلا أنهم يذكرون أبناءهم بماضيهم، ويلقنونهم أعمال أجدادهم، وإنهم يذكرون أبناءنا المتأثرين بعلومهم وفلسفتهم بذلك، ويأتونهم بما يملأ عقولهم وأنفسهم حتى لا يبقى فيها متسع لذكريات ماضينا وأسلافنا. إن الواحد من هذا الصنف من أبنائها ليعرف الكثير عن نابليون ولا يعرف شيئا عن عمر، ويحفظ تاريخ «جان دارك» ولا يحفظ شيئا عن  عائشة وخديجة، وإنها هذه لهي الخسارة التي لا تعوض، وإني أعد من لئيم المكر أن يحرفوا أسماء لأعلامنا عندما كانوا يأخذون العلم عنا، كأنهم ألهموا من يومئذ أن الزمان سيدول وأن دورة الفلك علينا بالسعد ستنتهي، وإننا سنعود للأخذ عنهم فحرفوا أسماءنا لتشتبه على أبنائنا فلا يعرفون أن «افيرويس» هو ابن رشد، وأن «فين» هو ابن سينا، وأن «جبرل طار» هو جبل طارق، وهكذا يقرأ أبناؤنا اليوم هذه الأسماء ولا يهتدون إلى أصحابها حتى يطلعوا على الترجمة، وقد يبقى إثر الشك في نفوسهم لما يصحب تثقيفهم الأجنبي من تحقير لجنسهم وحكم على أجدادهم بالعقم الفكري. وإنها لجنسهم وحكم على أجدادهم بالعقم الفكري. وإنها المصيبة يجب علينا أن ننبه لخطرها، ونبادر بالعلاج، وأن دوارها الوحيد هو تثقيف أبنائنا تثقيفا عربيا دينيا موحدا، وأقول موحدا لأنني أعتقد أن الخلافات السياسة والفكرية التي مني بها الشرق معظمها يرجع إلى اختلاف الثقافات، فالمثقف ثقافة إنجليزية يحترم الإنجليز، والمثقف ثقافة فرنسية يحترم الفرنسيين، فكأننا استبدلنا من جنسيتنا الواحدة جنسيات متعددة كلها غريبة عنا، وكلها مجمعة على هضمنا واهتضمنا، ولولا النزعة الموروثة عن الأجداد الذين قهروا الرومان في إفريقيا، ودفعوا الصليبيين عن الشرق، لما بقي لنا شيء من ذلك التراث الجليل، يفعل تجهيلنا الذي هو غاية الاستعمار فينا، وبفعل هذه التعاليم الغريبة عنا.

أيها الإخوان:

ليس من سداد الرأي أن يضيع الوقت في لوم هؤلاء، وليس من المجدي أن يقطع الوقت معهم في جدل. إن من تمام معنى اللوم أن يتسبب في توبة أو إنابة، ونحن نعلم أن القوم لا يتوبون ولا يذكرون والواجب أن نلوم أنفسنا عن التقصير، ونقرعها على السمع لكلام هؤلاء وعلى الطاعة لإرشادهم، أما لومنا إياهم فهو لوم الخروف للذئب، وأما طمعنا في توبتهم فهو طمع الخروف في توبة الذئب، فإن أردتم أن تروا المثل الخارقة لتوبة الذئب فقلبوا أظافره واهتموا أنيابه، كذلك إن أردتم توبة القوى فاحتقروا قوته، ثم أروه أنكم أقوى منه فيتصاغر ثم ينخدل ثم يساويكم فإذا هو أقل منكم، إن هذه هي اللغة التي يفهمها الطغاة، وأن هذه هي التوبة التي يجب أن يحملوا عليها حملا يلجأوا إليها الجاء.

لا نطيل في التلاوم فنكون كمن قال فيهم الله: «وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون» فإذا تلازمنا فليكن زجرا عن الشر، وردعا عن الخلاف، ثم رجوعا إلى الحق ولقد نبه شوقي إخواننا المصريين حينما كانوا يقطعون أوقاتهم في التلاؤم فيشغلهم ذلك عن الاستعداد، ويراهم في موقف تلزم فيه المؤاخذة الوطنية فقال:

لا يلم بعضكم على الخطب بعضا *** أيها القوم كلهم أبرياء

فلندع اللوم والعتاب، ولنفعل ما يفعله الصاحي حين يستيقظ من النوم، من حزم وتشمير وجد، فبذلك يلحق القوافل المبكرة لا بالتباطؤ والاخلاد ومعاودة النوم.

إن شبابنا هم أحق باستجلاء هذه العبر وهم أحق بوصل المبتدأ بالخبر، وهم أحق أبضا بأن يأخذوا العظة عن المتنبي، وأن يأخذوا دروس الحياة الفطرية البدوية عليه وأن لا يكونوا شبابا بالمعنى الكامل لهذه الكلمة حتى يؤدوا امتحانا في منهج المتنبي وعلى طريقته إذ يقول:

وأهوى من الفتيان كل سميذع *** أريب كصدر الصعدة المتقوم

خطت تحته عيس الفلاة وخالطت *** به الخيل لجات الخميس العرمرم

فإن فعلوا ذلك فأنا كفيل لهم أن يدخلوا البحر ولا يغرقوا، وأن يعبوا من هذه التعاليم ولا يسرقوا.

أيها الإخوان:

إن القوم درسونا وفهمونا وتيقنوا أننا لن نفتي مادمنا متمسكين بالعرى القوية من الدين واللغة والشرف، فرمونا بالوهن في مقوماتنا وبدأوا بالدين فسخروا علماءه ووجدوا ثغرا قديمة فينا من الضلالات فوسعوها وأدخلوا على الدين ما ليس منه وشجعوا القديم والمحدثات بواسطة وبوسائط أعانهم على ذلك الانحطاط العام الذي ابتليت به العلوم الإسلامية من المائة الثامنة إلى الآن ثم عمدوا إلى الكبراء فأغروهم بالمال والألقاب والرتب، وأغروا بينهم بالعداوة والبغضاء، ثم عمدوا إلى الشباب فرموه بهذه التهاويل من الحضارة الغربية وبهذه التعاليم التي تقضي على العقل والفكر وتحرف المسلم عن قبلته، وتحول الشرقي على الغرب وان من خصائص هذه الحضارة ان فيها كل معاني السحر، وأساليب الجذب فأصبح أبناؤنا يهرعون إلى معاهد العلم فيرجعون إلينا ومعهم العلم وأشياء أخرى.. وليس منها الإسلام ولا الشرقية ومعهم أسماؤهم وليس معهم عقولهم ولا أفكارهم، وأن هذه هي المصيبة الكبرى التي لا نبعد أن سميناها مسخا، وليتها مسخ للفرد، ولكنها مسخ للأمم، ومسخ لمقوماتها.

أيها الإخوان:

إن النقطة التي ابتدأ بها بلاؤنا وشقاؤنا هي أنهم أرادونا على الانقسام، وزينوه لنا كما يزين الشيطان للإنسان سوء عمله، فانقسمنا، فوسعوا شقة الانقسام بيننا بأموالهم وأعمالهم وآرائهم، وعلومهم وكتبهم ولم يبقوا أداة من أدوات التقييم إلا جنودها في هذا السبيل، ولم يغفلوا الأستاذ والمعهد والمرأة والسمسار، حتى بلغوا الغاية في تقسيمنا شيعا، ودولا وممالك، ولو أننا تعاسرنا عليهن من أول يوم، ولدنا بكعبة الوحدة نطوف بها، ونلتزم أركانها، لما قالوا منا نيلا، ولا وصلنا إلى هذه الحالة، أما وقد بلغوا منا ما يريدون وأصبحنا في درجة من الضعف نعتقد معها أن الله خلقنا حلقة الأرنب، وخلقهم خلقة الأسد، وجف القلم، ولا تبديل لخلق الله فأول واجب علينا بل أول نقطة يجب أن تبتدئ منها سعادتنا هي أن نفكر بهذ الانقسام، وأن نفكر عليه بضده، وهو الوحدة الشاملة لجميع الأجزاء، وكيف يكون ذلك؟ وقد تسببت على ذلك التقسيم أوضاع جديدة، وملوك وممالك وحدود، وأن تغيير الممالك لصعب، وان نظام الملوك عن لذة الملك لأصعب منه فلنلتمس مفتاح قضيتنا من بين هذا الركام من الأدوات البالية، ولنعد إلى أقرب ميسور وهو أن نعتبر المعتدي على جزء معتديا على جميع الأجزاء وعدو العراق عدو مراكش إنهم علموا ذلك منا علموا جدنا فيه تابوا عن سيرتهم توبة المكره.

والذي روحي بيده ما يسرن أن تكون للعرب ثمان دول ولا أن يكون للمسلمين عشرون دولة وإنما يسرني ويثلج صدري أن يكون المسلمون كلهم شعبا واحدا في اتجاه واحد وعلى فكر واحد فإذا وجد هذا الشعب لم يبق لهؤلاء الأقوياء إلا أن يقولوا: إن في الشرق قوما جبارين وإنا لن ندخله ماداموا فيه، ان القوم استضعفونا ففرقونا فأكلونا لقمة لقمة فأوجدا هذا الشعب الموحد تحيوا وتحيوا العالم به، أوجدوه تسعدوا العالم به أوجدوه يكن حكما في مشكلة هذا العصر وهي مشكلة الغني والفقير، تكتلوا ففي استطاعتكم أن تتكتلوا.. تكتلوا يعنكم العصر بروحه إنه عصر التكتل وان للأقوياء لم تغن عنهم قوتهم شيئا فأصبحوا يلتمسون أنواع التكتل، فهذه انجلترا وهذه أمريكا تتكتل، وهذه روسيا تتكتل فكيف لا نتكتل ونحن ضعفاء.

إننا  ضعفاء ومن القوة أن نصرح بأننا ضعفاء لأن من كنتم داءه قتله، فيجب علينا أن لا نتعاظم بالكذب مادام عظماؤنا لا ينالون إلا الفتات من مائدة الحياة.

أيها الإخوان:

إذا حدثتكم عن الإسلام أو أجريته على لساني فلست أعني هذه الظاهرة الموجودة بين المسلمين وإنما أعني ذلك الإسلام الذي سعد به أصحاب محمد (ص) وأسعدوا به العالم، والذي ينى الحضارة التي سارت الإنسانية على هداها قرونا، والذي حرر الفكر والعقل، وصحح الاتجاه والتفكير، والذي وحد القلوب والمشاعر، فإن أردتم أن تسعدوا فعودوا إلى ذلك الطراز العالي المتصل بالسماء، إن السعادة منبثقة من النفوس وان الشقاء لكذلك، وإن إرادة الإنسان هي زمامه إلى الجنة والنار وإن أول من يجب عليه أن يؤذن بهذا الصوت الجهير هم علماء الإسلام، فكل عالم مسلم يدعو إلى اتحاد المسلمين ولا يعمل له ولا يموت في سبيله فهو خائن لدينه ولأمانة الله عنده، إن العالم الذي يسكت عن قولة الحق جبان وإن الجبن والإيمان لا يجتمعان في قلب مؤمن. وإن عهد الله في أعناقهم لعهد ثقيل، وإن أمانة الإسلام في نفوسهم لعظيمة، وإنكم لمسؤولون عليها يوم تنشر الصحائف في هذه الدار وتلك الدار.

فالتكل التكتل، والاتحاد الاتحاد، كرروا هذا اللفظ، وأفهموه معناه، واعلموا له فإنه أشرف أنواع الجهاد، والسلام عليكم ورحمة الله.

خطاب سعادة عزام باشا

إخواني، لم يكن في استطاعتي أن آتي في هذه الليلة ولكني ما جئت إلا بدافع محبتكم ولولا ذلك لما استعطت المجيء لكن حبي للمغاربة وبخاصة الجزائريين قواني فحضرت، إننا أخص الجزائر بالحب لأنها أكثر أقطار الشمال الإفريقي نكبة وأقدمها.

لقد كنت أتمنى أن أتحدث لكم الليلة طويلا عن حياتنا في الشرق والمغرب، ولكن نظرا لمرضي سأقصر حديثي على نقطتين:

أولا ـ هو أنني أقول لكم أبشروا وثقوا في الله سبحانه وتعالى، وإذا نظرتم للماضي فلا يسعكم إلا أن تستبشروا بمستقبل باسم، انظروا إلى قرنين وراءكم ثم قارنوا بين الحالة قديما وبين هذا الاجتماع الرائع واستقبلوا حياتكم الباسمة الآتية وتيقنوا أن الفلك دار دورته وأن هاته الأمة أمة المستقبل وان الله يريدها لإصلاح العالم كله ولإنقاذه من أدران هاته المدنية وشرورها حتى تعم رسالتها الخالدة في الحرية والسلام.

أما الأمر الثاني الذي أرجوه فهو أن يعلم المغاربة أن عدوهم واحد فلا معنى لأن يتفرقوا، ولا يمكن لهم أن ينالوا شيئا متفرقين، يجب أن يكون المغاربة أجمعون جبهة متينة إذ لا معنى لهذا التطاحن والعدو جاثم على صدر البلاد، إن هذا التطاحن يكون في الأمم الحرة التي تختلف وجهات نظر قادتها أما غايتكم فلا يختلف فيها اثنان.

إن ما أنتم فيه من الناحية الاستعمارية فهو عدوان لا حد له، وطغيان لم يعرف له التاريخ نظيرا فلا يمكن للفريق المستعمر المظلوم أن يوزع جهوده في أحزاب، هناك حزب واحد هو حزب الخلاص.

أيها الإخوان إنني صديق لكم، بل أخوكم، وأنا كرجل عمل كثيرا في سبيل ما تكافحون من أجله وحاولت بالقليل من الوسائل التي عندي لأساعدكم، وأنا كرجل عاصركم واطلع على أحوالكم في تونس والجزائر والمغرب، وعلم ما أنتم فيه من المصائب لا أرى أن تتفرقوا شيعا بل أرى لشمال افريقيا كلها حزبا واحدا هو حزب الكفاح.

أيها الإخوان إن الناس جميعا يعلمون في المشرق والمغرب أنني رجل أكره التعصب وأنني أحب المسيحيين المخلصين الذين يعملون من أجل بلادهم ولكنني أقول لكم أنكم لا يمكن لكن أن تردوا مجدكم الغابر ولا يمكن أن تكون لكم أية نهضة إلا إذا قامت على مبادئ محمد صلى الله عليه وسلم.

إن ما يثلج صدري الليلة وجود جمعية العلماء بالجزائر، تلك الجمعية التي ستنشر الدين المحمدي الفطري بعيدا عن التعصب بعيدا عن الخرافات، بعيدا عن التدجيل، وإنني أرجوا لهاته الجمعية النجاح لا في الجزائر وحدها بل المغرب كله، بل في العالم الإسلامي كله وبذلك يعود للعالم السلام والطمأنينة لأن الإسلام هو السبيل الحق إلى الإخاء البشري والحرية الصحيحة والسلام العالمي.

خطاب سعادة الخوري

أيها الإخوان:

إنني أقف بينكم لا لأخطب عليكم لأن ما سمعتموه من فضيلة الشيخ الإبراهيمي زاد عظيم، تتزود منه أرواحنا وعقولنا فيجب أن نأخذ من كل فقرة من فقراتها درسا، وهي تتطلب الليالي ذوات العدد للعكوف عليا ودراستها.

إنما وقفت لأؤدي شهادة يجب علي أن أؤديها، وهي أنني حضرت في منظمة الأمم سنين وسمعت جميع خطبائها، وما منهم إلا الخطيب المفوه الممتاز لأن أممهم اختارتهم وبعثتهم إلى منظمة الأمم ليمثلوها بفصاحتهم، وأفكارهم واقتدارهم، فهم فصحاء، وذوو بيان وقد يقف الواحد منهم فيتكلم الساعة والساعتين لا يتلعثم ولا يتلجلج، ولكني أشهد ـ وثقوا بشهادتي ـ أنني لم أتأثر بكلامهم من تأثري الليلة بكلام فضيلة الشيخ الإبراهيمي، وليس تأثري راجعا لبلاغته وفصاحته فقط، وإنما تأثرت بذلك لكونه يتكلم من عقله وروحه، ويخرج الكلام مساوقا لشعوره ومشوبا بصدقه؛ والخطيب لا يؤثر إلا إذا كان هو متأثرا، وفضيلة الشيخ لم يخاطبنا الليلة بلسانه، وإنما خاطبنا بنبضات قلبه، وبفيض إيمانه وعقيدته.

أما أولئك الخطباء فلا يتكلمون بضمائرهم، وإنما يتكلمون بما تمليه عليهم دولهم، فهم كاذبون ولذلك لا يؤثرون على أصحاب العقائد الثابتة.

لقد عرفت فضيلة الشيخ في دمشق منذ ثلاثين سنة وهو في ريعان الشباب، فعرفته عاملا لعروبة، زينة لمجالس الأدب، نابه القدر بين العلماء والأدباء، محبوبا عند تلاميذته وأصدقائه الكثيرين، واليوم يقدر لي أن أتصل به فأراه أنضر شبابا وأغض فتوة، وأشد حيوية، فلقد عاد إلى الجزائر ففتح الأعين العمي، والقلوب الغلف، كما فعل عقبة وعمرو في الأولين.

إنني أشهد ثانيا بأنه مادام في الجزائر مثل هذا الشيخ الجليل فإننا ـ والحمد لله ـ مطمئنون على عروبتها وشرفيتها، ولن تضيع أمة وفيها مثل الإبراهيمي، ولن تخيب أمة وفيها مثله، ولن تخيب الجزائر وفيها جمعية العلماء التي أعادت للعروبة عزتها، وللغة الضاد بهجتها؛ فما على إخواننا الجزائريين إلا أن يلتفوا حول هاته العصابة الموفقة التي يغبطهم الشرق عليها؛ هذه الجمعية التي طلعت نورا. ونزلت قطرا، فأنبتت زهرا.

ولا يسعني إلا أن أهنئكم ولا أطيل عليكم، لأنه ليس لي بعد بيان البشير بيان، فما علينا إلا أن نخرج مزودين بخبر زاد، فخير معاد، ثم ننصرف راشدين كما قال لنا فضيلة الشيخ الإبراهيمي. فلننصرف راشدين، وفي الدرس الذي أعطانا اليوم مفكرين، ولتحقيقه مجدين عاملين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

* مجلة دعوة الحق – العددان 179 و180 – المغرب

 

آخر التغريدات: