القصائد المولدية في شعر محمد العيد آل خليفة

القصائد المولدية في شعر محمد العيد آل خليفة

تود هذه الكلمة أن تقترب مما جاء من قصائد مولدية في نتاج الشاعر محمد العيد آل خليفة، إحياء لذكرى مولد خير البرية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم  واستنارة بعاطر سيرته وهدي سنته فيما ينهض بالأمة وينير الطريق من أمامها نحو التحرر والرقي .

ونبادر بالقول إن ما يملأ قلب الشاعر محمد العيد من حب للرسول الكريم محمد (ص) واعتزاز بسيرته واهتداء بسنته، قد فاض على لسانه إبداعا شعريا صادقا يتمثل في جملة من القصائد المولدية نهج فيها الشاعر نهجا واقعيا حرص فيه على المساهمة في النهوض بالوطن والمنافحة عن قيمه ومقومات شخصيته والذود عن حقوقه وقضاياه .

ويدرس هذا البحث هذه المولديات، بهدف التعرف على مكانها من بين ذلكم التراث الضخم من فن  المديح النبوي في الشعر العربي من نحو، والوقوف من نحو آخر ، عند مساهمة الشاعر محمد العيد من بين شعراء جيله في هذا الفن .

1- نشـأة فن المديح النبوي في الشعر العربي القديم : 

تعود نشأة فن المديح النبوي في الشعر العربي إلى صدر الإسلام ، ويرى بعض الدارسين أن  مديحة الشاعر كعب بن زهير(بانت سعاد ) من أوائل هذه المدائح . ويذهب آخرون أن البذور الأولى لهذا الفن يمكن إرجاعها إلى (حسان بن ثابت) شاعر الدعوة الإسلامية لما توفر عليه شعره الذي يمدح فيه الرسول (ص) ويذود عنه من سمات الصدق والإخلاص والوفاء .

وسار على هذا الطريق من بعد (حسان) كثير من الشعراء في مختلف عصور الأدب العربي، إلى أن أصبح هذا الفن في أعقاب العصر العباسي غرضا قائما بذاته له من الخصائص والطوابع ما يميزه عن غيره من سائر أغراض الشعر العربي . 

وقد تميز  هذا المديح في عصر الضعف بوجه خاص بكثرة الاشتغال به وغلبة روح التصوف عليه، وشيوع ظاهرة الإفراط في الصنعة والتكلف على معظم ما ظهر منه في هذا العصر. ولا يستثنى من ذلك إلا بعض المدائح التي صدر فيها أصحابها عن حب صادق وانفعال دافق ، تأتي مدائح الشاعر (البوصيري608-696هـ) في مقدمتها، لما تفيض به من حب خالص للرسول (ص) وعاطفة صادقة في مدحه، ولما اتسمت به من يسر وجمال تعبيرا وتصويرا .

2- المدائح النبوية في الشعر الجزائري الحديث : 

وإن الذي ينعم النظر في المدائح النبوية في الشعر الجزائري ما قبل النهضة الحديثة يلمس بوضوح غلبة سمات التصوف على خصائصها في المعنى وفي المبنى نتيجة لدورانها في فلك التصوف واغترافها من معينه، وتمركزها أساسا -كما تصورها نصوصها المبثوثة في بعض المصادر والمراجع – حول معاني التصوف والتوسل وطلب الشفاعة بالرسول (ص)، والحديث عن مولده ونسبه ومعجزاته وبعض صفاته حديثا مجردا لا تربطه بالواقع إلا صلة واهية(1) . ويكاد هذا الاتجاه الغيبي يستغرقها دون أن تقوى على مغادرته إلى شيء يمس حياة الناس ويصور واقعهم ويقوي الإحساس في نفوسهم بما يجري فيه، مما تدعو إليه رسالة الإسلام وتحث عليه سيرة الرسول(ص)من خلال ما تزخر به هذه من مبادئ ، وما تفيض به تلك من مواقف الجهاد من أجل حياة كريمة عزيزة.

3- تطور وتجديد

لقد ظلت تلك المدائح الصوفية على ذلك النحو الذي وصفنا حتى جاء العصر الحديث فأصابها على أيدي بعض الشعراء ما أصاب سائر أغراض الشعر العربي من تطور وتجديد نتيجة لما طرأ على الحياة من مؤثرات مختلفة أدت بالشعراء إلى أن ينحوا بتلك المدائح منحى جديدا ساعد على تحريرها إلى حد بعيد مما كانت ترسف فيه من مظاهر الضعف المتمثلة في ظاهرة المدح لذاته، وتركيز الاهتمام على الجوانب الشكلية ، والإفراط في الصنعة، لقد تخلصت مدائح أولئك الشعراء المحدثين من معظم ذلك ، وأصبح على رأس ما تعنى به وتحرص على تحقيقه ربط موضوعها بواقع الناس وبحياتهم بهدف النهوض بهما ، فاتجهت لذلك نحو إبراز مواقف الرسول (ص) وإجلاء صفحات مشرقة من صور الجهاد في حياته، وتوجيه نظر الأمة إلى استخلاص العبرة من ذلك ، بما يساعدها على السمو بحياتها وتمكينها من أسباب السيادة والعزة، وهذا ما استطاع أن ينهض به معظم ما قيل في إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، من نماذج الشعر الجزائري الحديث الذي ظهر في أعقاب الحركة الإصلاحية، وقيام النهضة الوطنية الحديثة، لصدور الشعراء فيه عن رؤية جديدة تكاد تخالف تمام المخالفة تلك الرؤية الصوفية التي كانت تتحكم في مثل ذلك الشعر ، إلى تلك الحقبة المشار إليها، مما جعله يظل في معظمه مرتبطا أشد الارتباط بما يشبهه في التراث الشعري العربي القديم في موضوعه وفي صورته ولا يكاد يستثنى من ذلك إلا بعض المدائح القليلة التي حاولت أن تلمس واقع الناس لمسا خفيفا لم يسمح لها بأكثر من الإشارة إلى بعض وجوه ذلك الواقع دون القدرة على الاندماج فيه.

 ويرجع هذا التطور الذي نحسب أن الشعر الإصلاحي قد حققه في هذا المجال إلى توجيهات الحركة الإصلاحية ، هذه الحركة التي عملت على قيادة وتوجيه الحركة الأدبية في الجزائر، فكان من ذلك أن تخلص الشعر الجزائري الحديث من كثير مما كان يكبله من مظاهر الضعف من جانبي المضمون والصورة، واستطاع شعراء النهضة أن ينقلوه نقلة واضحة من عوالم الغيب إلى مجريات الواقع، وأن يسيروا به أشواطا على طريق تقريبه من اهتمامات الأمة والتعبير عن قضاياها وتطلعاته.

وكان الشعر الإصلاحي يحرص على استخلاص الدروس والعبر من سيرة صاحب هذه الذكرى والعمل بما جاء به من هدي، والتجمل بما تحلى به من سلوك قويم، وخلق كريم سعيا وراء تحقيق حياة كريمة: مثلما نجد ذلك في مولدية الشاعر (أحمد سحنون) يصور فيها المنهج السليم والمغزى الحقيقي من إحياء هذه الذكرى فيقول:

ويا أمـة توجتهـا السمـا *** ببعثة خيـر الورى أحمـدا
بمـولـده فـاحتفـوا إنـه *** غـدا لهـدايـتنـا مولـدا
ومنه اقتبسوا قوة في الكفـاح *** غـدا تنصروا وتفوزوا غـدا
فعودوا له إن تريدوا النجـاح *** وأن لا تضيع المساعي سدى (2)

ويمكن القول إن من أسبق الشعراء الجزائريين وعيا لهذا المفهوم وهذا المغزى للمولد النبوي الشريف هم شعراء المدرسة الإصلاحية بحكم وقوعهم تحت تأثير الفكر الإصلاحي، الأمر الذي جعلهم يتجهون في شعرهم الذي يحيون به ذكرى المولد النبوي وجهة جديدة طبعته بطابع التركيز على الواقع والإعراض عما غالى في الخوض فيه معظم الشعراء المتصوفين من قبلهم، بحصر اهتماماتهم في عملية الانغلاق في دائرة المـاضي دون أن تكون لهم القـدرة على أن يبعثوا في نفوس النـاس من الإحساس ما يحملهم على التفكير في حاضرهم والعمل على تغييره وتحسينه، كما يبدو ذلك في معظم أغراض  شعر محمد العيد  وفي شعره الذي أوقفه بخاصة على تخليد ذكرى المولد النبوي الشريف.

4- المولديات النبوية في نتاج الشـاعر بين الواقع والمثـال :

 تحسن الإشارة بدء إلى أن من أبرز شعراء العربية في الجزائر نهوضا بشعر فن المديح النبوي ، ومن أكثرهم استجابة لمراميه، هم شعراء النهضة الوطنية ، ويلقانا في مقدمتهم الشاعر محمد العيد آل خليفة ، وقد وصلنا من شعره في هذا الغرض (سبع مولديات) ،لم يتجه في واحدة منها اتجاه شعراء المدائح النبوية المتقدمين عن العصر الحديث، وإنما انتهج فيها نهجا جديدا، يقوم على استخلاص العبرة من سيرة صاحب هذه الرسالة ومن سنته بما يسمو بواقع قومه، ويدفع بهم نحو تحقيق أهدافهم الكبرى في الرقي والتحرر

وهذه هي  المولديات السبع للشاعر مرتبة ترتيبا زمنيا حسب تاريخ نظمها  :

1- (هلال ربيع أو ذكرى مولد محمد)، 1928.

2- (تحية المولد النبوي)  1929.  

3- (خطك الله للعباد كتابا) 1932 . 

وهذه المولديات المتقدمة الثلاث من الشعر المجهول لمحمد العيد(3)، 

4- (ذكرى المولد النبوي )  1937(4)

5- (أنشودة الوليد)  طبعت مستقلة 1938(5) 

6- (يا أمة الخير )  1939(6)

7- (سلوا التاريخ ) 1950 (7) 

ونستهل الحديث عن هذه المولديات بالوقوف عند ثلاثتها الأولى المستدركة على ديوان الشاعر وهي : 

1- (هلال ربيع أو ذكرى مولد محمد)، وتشتمل على تسعة وثلاثين بيتا من البحر الوافر.

2- (تحية المولد النبوي)، وتتكون من خمسين بيتا على البحر الكامل

3- (خطك الله للعباد كتابا)، وتتكون من واحد وأربعين بيتا على البحر الخفيف.

وقد يكون إغفال إدراجها في ديوان الشاعر بإشارة منه، أو يكون ذلك نتيجة لسهو وقع فيه المشرفون على عملية نشر الديوان ، بيد أني أميل إلى ترجيح الاحتمال الأول واستبعد أن تكون أيدي أولئك المشرفين لم تستطع أن تصل إلى مصادر هذه القصائد وهي – فيما أحسب- ليست من المصادر البعيدة المنال عليهم وعلى الشاعر نفسه الذي كانت تربطه  بهؤلاء صلة خاصة أثناء جمعهم شعره، كما استبعد أن يكون أولئك الناشرون قد وقفوا على هذه القصائد وتعمدوا إغفالها بمبادرة من أنفسهم، وهم يعرفون أن ذلك إنما يكون على حساب القيمة العلمية لما هم عاقدون العزم على النهوض به.
وإذن فإن الباحث يميل في تفسير هذه الظاهرة إلى أن الشاعر نفسه هو الذي قد يكون وراء ذلك لسبب من الأسباب، ربما يكون من بينها، ومن أهمها في الوقت ذاته : ما يتبدى على القصائد- وهي من أقدم ما وصلت إليه يد الباحث من نتاج الشاعر في موضوعها – من مظاهر الاقتفاء بمثيلاتها في التراث الشعري العربي، مما صبغها بمسحة صوفية، وجعل الرؤية الإصلاحية فيها – التي خلص إليها الشاعر بكليته فيما بعد- غائمة وغير واضحة. فلعل الشاعر قد رأى في هذه العوامل أن هذه المولديات الثلاث الأولى لم تعد تعكس وجهة نظره، ولم تعد تمثل شخصيته لا فكريا وفنيا، بعد الذي انتهى إليه من تطور في رؤيته الموضوعية والفنية على أيام طبع ديوانه في آخر حياته(1967)، فأوحى للناشرين بإغفالها. ونذكر أن هذا القرار من الشاعر لم يقتصر على هذه القصائد فحسب، وإنما شمل غيرها بما يقرب منها فنيا في شعره، ولعله لا يخفى أن الشاعر لم يكن بتصرفه هذا بـدعا من الشعراء، ولا كان عمله كذلك ظـاهرة فريدة فـي تاريخ الشعر العربي، وإنما هذا الذي قام به أمر ملحوظ في نتاج بعض الكتاب والشعراء، وإن من أقرب الأمثلة إلينا وإلى الشاعر نفسه من هذا الصنيع، ما لم ينشر من نتاج الشاعر أحمد شوقي –وقد يكون تعمد إغفاله- وهو جزء ليس بالقليل من شعره، ظهر من بعد وفاته، وهو الذي يعرف باسم (الشوقيات المجهولة)(6).

ومهما يكن من أمر ذلك فإن ظاهرة احتذاء القديم المشار إليه في هذه المولديات المجهولة تبدو في غير ما موضع، وفي أكثر من مظهر فيها، مما يجعلها أقرب ما تكون في رؤيتها وفي معناها إلى مدائح البوصيري وأضرابه وما يشبه ذلك من أعمال الشعراء الجزائريين المتقدمين على عصر الشاعر.

ويحسن أن لا يفهم من هذه المقابلة بين الشاعر وبين من سبقه من الشعراء في هذا المضمار أن ما وقع عليه من معاني، وما استهدفه من مقاصد، إنما هو عينه ما كان يحرك أولئك الشعراء من قبله، وإن المتعمق في الموضوع يدرك أن أقصى ما تحسن الإشارة إليه في هذا الشأن أن ما بين الشاعر وهو في أول عهده بهذا الموضوع، وبين أولئك الشعراء، بعض وجوه التلاقي التي أحسب أنها أقل أهمية من وجوه الاختلاف التي يأتي في مقدمتها ما يلحظ من تباين في الأهداف، وهي جوهر العمل بين الجانبين.

وتحسن الإشارة إلى أن من يقف عند بعض مرامي هذه القصائد يدرك أن الرؤية الواقعية لم تختف منها، وإن بدت عليها مسحة من التصوف رقيقة.

ويمكن القول إن الفكرتين: النظرة الصوفية من جهة، والرؤية الواقعية والإصلاحية من جهة ثانية، كانتا تعيشان في هذا المولديات جنبا إلى جنب، مما يفسر تعايشهما من قبل ذلك ومن بعده في قلب الشاعر وفي عقله.

ويبدو أن ما تضمنته هذه المولديات من إشارات إلى الجو الذي كان يناضل في وسطه الرسول (ص)، وما كان يحدق به من جاهلية وما ارتبطت به دعوته من حث على العلم، وترغيب في السلم، واعتماد على النصح والإرشاد، واستهداف إلى الصلاح والإصلاح، يبدو أن كل هذه الكلمات من المعجم اليومي للحركة الإصلاحية، ومن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها منهجها في الدعوة وفي العمل .

وأما قصيدة الشاعر الرابعة في هذا الباب فهي (ذكرى المولد النبوي)(8) وتقع في سبعين بيتا، وقد أنشدها في الحفل الذي أقامته جمعية الشبيبة الإسلامية بنادي الترقي بالعاصمة إحياء لذكرى المولد النبوي الشريف سنة 1937.

وإن الدارس لهذه القصيدة يدرك أن صاحبها، استطاع أن يحافظ فيها على منهجه الواقعي الذي ألمع إليه في أول مولدية  له.

وإن الرغبة في إحياء السنة الشريفة والاقتداء بهدي صاحبها، والعمل بما جاء به من شريعة وقيم تلكم هي أهم ما كان يرمي إليه معظم شعراء الإصلاح – والشاعر واحد منهم- من خلال ما ينظمون من شعر بهذه المناسبة وغيرها ، مما سبق بيانه من أن الهدف الأساسي من إحياء هذه الذكرى في منظور محمد العيد وفي منظور شعراء جيله، إنما هو العمل على تصحيح ذلك المفهوم السائد لهذه الاحتفالات لدى بعض الأوساط، تلك التي لا يهمها إلا المظهر، مما يكاد يجرد هذه الذكرى من كل سلوك عملي فيه نفع للناس، بل ربما تكون في بعض الأحيان عاملا من عوامل السلب لما يشاع فيها من مظاهر الفساد، وكان المصلحون يحرصون على توجيه ما يقام في هذه المناسبة الوجهة السليمة التي تؤكد على استخلاص العبرة والإفادة منها بما ينهض بقومهم ويسمو بواقعهم ويأخذ بأيديهم للخروج مما هم فيه من درك وهوان. وهل هناك أجدى وأنجع في نيل ذلك المرامي، وفي مثل هذا المقام، من دراسة الماضي واستلهام حقائقه وتضميد جراح الحاضر ببلسمها. وتحقيقا لذلك عمد الشاعر إلى الوقوف وقفة متأنية استعرض فيها جملة من المواقف والمشاهد، يقرأ الدارس فيها أول ما يقرأ، صفحات ناصعة من سيرة الرسول (ص) تبرز حقيقته كرحمة مهداة من عند الله للعالمين، وتوضح جهوده في نشر الدعوة وإرساء دعائم الدولة الإسلامية : 

ألا يا حبـذا ذكـرى *** أقـمنـاهـا لميعـاد

بها نستعرض التاريـ *** ـخ من خاف ومن باد

سلوا التـاريخ عن بر*** رحيـم للورى فـادي
سلوا التاريخ عن أرض *** حمـاها من يد العادي
سلوا عن دولة الإسـ ***ـلام كم باهت بأجناد(9)

وكأن الشاعر لم يقنعه هذا الحديث العام الذي ألمع به إلى العبرة من هذه الذكرى، فأحب أن تكون له وقفة أخرى خصوصية يؤكدا فيها لقومه ضرورة التآخي والاتحاد، ويحذرهم من نتائج التفرقة والنزاع. ويفرغ الشاعر من هذا الحديث إلى نهاية قصيدته فيختمها لا بما يحتم به الشعراء المتصوفة مدائحهم من معاني التوسل والشفاعة وما إلى ذلك، وإنما ختمها بما يزيد منهجه الواقعي تدعيما وفاعلية، وذلك بدعوته الشعب إلى التمسك بدينه واستلهام حقائقه في مسيرته النضالية، واقتفاء آثار رجاله العاملين المخلصين .
وإن كان في هذه الخاتمة ما يقربه من خواتم بعض المتقدمين، فلعل ذلك ما يبدو في ظاهرة الدعاء، بيد أنه حتى في هذه السمة يتميز عن بعضهم بالتوجه في دعائه لا لنفسه، وإنما إلى الله وإلى نصرة دينه، يقول في هذا الصـدد، مخاطبا شعبه : 

أنط يا شعب من ديـ *** نك أطنابـا بأوتاد
وهيء مثلما هيأ حـز *** ب الله مــن زاد
وسر في أثرهم سيرا *** قويمـا غير منـآد
ألا فليحـي ديـن الله ***  في نصـر وإمـداد
ألا فليحـي ديـن الله ***  آمــادا لآمــاد(10)

ويمكن أن يكون قد اتضح من خلال ما تقدم أن الشاعر كان في عمله هذا أكثر وفاء لمنهجه الواقعي، وهو وإن كان ينطلق فيه من التاريخ، فإن جل اهتمامه فيه كان ينصب على الحاضر، ذلك أن الحديث عن ذكرى ميلاد الرسول (ص) وعن سيرته ودعوته ودولته وعصره، إنما كان الهدف من كل ذلك هو معالجة الحاضر والنهوض به.

5- خطوة جديدة على طريق التطور 

ونأتي إلى الوقوف عند المولدية الخامسة (أنشودة الوليد)(11) تقع في أربعة وخمسين بيتا على بحر (الكامل المجزوء)، نظمها الشاعر على لسان أحد الفتيان لتكون أنشودة الجيل، كما يوحي بذلك عنوانها في إحياء الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، وطبعت لتلك الغاية طبعة مستقلة سنة 1938م، تيسيرا لتداولها بين المواطنين، وبخاصة في أوساط الطلاب والناشئة عموما .  

ويمكن للباحث أن يتساءل بدء عن الدوافع التي حملت الشاعر على أن يتوجه في هذه القصيدة، هذه الوجهة، وأن يسلك فيها هذا المسلك ؟ 

إن معرفة الجواب ستكون ميسورة للسائل إذا ما تذكر أن الشاعر قضى معظم حياته عاملا في حقل التربية، مما سمح له بأن يكون في أقرب المواقع من بيئة الشباب، ومن بين أكثر الناس خبرة بميولهم وباتجاهاتهم  وتوجيههم. 

وكان الشاعر- إلى جانب ذلك-واحدا من كوكبة الشعراء الذين يؤمنون بأنهم أصحاب رسالة اجتماعية وطنية تفرض عليهم المساهمة الفاعلة فيما يقوم به وطنهم من عملية البناء النفسي والفكري لأفراده.
وبديهي أن أية عملية من هذا النوع يمكن أن لا يحالفها النجاح إلا إذا بدأها صاحبها من الأساس. ومن دعائم هذا الأساس في حياة كل أمة، شبابها. 

ومن هذا التصور كان حريا بالشاعر أن يخص ناشئة وطنه – وهم ركائز بنائه وعدة مستقبله- ببعض شعره، فكان من ذلك هذه القصيدة التي خطا فيها خطوة جديدة على طريق التطور في موضوعها وفي وجوه صياغتها ، فهو لم يبنها كما عودنا في غيرها على ذلك الأسلوب المباشر الذي يقوم على الأمر والنهي ، وما إلى ذلك من سمات الأسلوب الخطابي، مما يمكن أن يدل على أن الشاعر كان خبيرا بقيمة وأثر كل أسلوب من هذه الأساليب الفنية، ويفسر لنا ذلك في الوقت ذاته أنه عندما كان يعمد إلى استخدام الأسلوب التقريري لم يفعل ذلك، لأنه لا يقدر على غيره، وإنما كان يفعل ذلك لشعوره بأن ذلك الأسلوب من أكثر الأساليب ملاءمة لما يتناول من موضوعات، نظرا للظروف الموضوعية المحيطة بالشاعر، وهذا في حد ذاته – فيما أخال – دليل كاف على وعي الشاعر بعمله الفني. 

ونحسب أن وعي الشاعر الملحوظ بعمله الفني وطبيعة الأهداف التي كان يومئ إليها بالإضافة إلى نوعية وتقنيات هذا الأسلوب الذي أخذ به، وقد أعانه كل ذلك على أن لا يستهل قصيدته هذه بمـا
كانت تفتح به في الغالب معظم المدائح النبوية، من تلك المقدمات الطويلة، سواء ما كان منها في الغزل أو في النسيب، أو ما كان منها في الحمد أو التوسل أو غير ذلك، أو بما كان هو نفسه قد استهل به مولدياته السابقة مما بدا في إشادته بشهر المولد، وبيان دواعي الاحتفال به، لم يفعل ذلك في هذه المولدية  وإنما هجم على موضوعه من مطلع القصيدة معربا عن مكنونات وجدانه وما يفيض به من حب للرسول (ص) وتعلق بهديه وتجمل بأخلاقه، وهو يستخدم في ذلك (ضمير المفرد المتكلم) ،وهو التلميذ الذي أنشأ الشاعر قصيدته على لسانه وأنطقه فيها بما يمور في وجدانه: 

بمحـمـد أتعلــق *** وبخلقـه أتخلــق
         
وعلى البنين جميعهم*** فـي حبه أتفـوق
         
نفسـي الفتية دائمـا *** من حبـه تتحـرق
         
وجوانحـي مهتـاجة ***  ومدامعـي تترقرق
         
ما لـي وللعب التـي ***  تختار لـي وتنسق
         
أنا مسلم أهوى ***  الهـدى بسـواه لا أتحقـق
         
بخلال محمـد ارتدي ***  وبحبـه أتمنطـق(12)

ثم أعقب الشاعر ذلك ببيان فضل يوم وشهر ميلاد الرسول (ص) وتوضيح ما غشي العالم على إثر ذلك من بشر وابتهاج، وما علا الوجوه من نضارة وسناء. ثم عاد من جديد ليؤكد للرسول (ص) على لسان ذلك الفتى –وهو يعني- ولا شك- سائر الناشئة الجزائرية، ومن ورائهم عموم الشعب الجزائري، بأنه سيكون أسرع أترابه إلى ما يرضي رسول الله، وأنه سيكون جنديه الغازي بأمره، ونحسب أن في هذا المعنى ما فيه من إيحاء وتوجيه غير مباشر للشباب بأن يعدوا أنفسهم للجهاد دفاعا عن العقيدة والوطن، وتحقيقا لما تعلق عليهم الأمة من آمال. وتذهب بالشاعر عاطفته الصادقة المشبوبة بحب الرسول (ص) واتباع هديه إلى استخدام أسلوب القسم بصيغة (المفرد المتكلم) دائما، تأكيدا على ثباته وثبات شعبه على العقيدة التي لن تستطيع أية قوة أن تنال مثقال ذرة من إيمانه بها، أو تزحزحه قيد أنملة عن نهجها: 

أنا أسـرع الفتيان فـي  *** ما ترتضيـه وأسبـق
جنديـك الغازي بأمـ ***  ـرك يوم يغزو الفيلق
قسمـا بربـك إننــي***   من غيـره لا أفـرق
إنني على البيضاء معـ ***   ـتدل الخطـا لا أزلق

لا انثنـي عنهـا ولـو***   أصلى الجحيم وأشنق(13)

وينتقل الشاعر من هذا الحديث ليقف وقفة أخرى يغذي فيها العقل والوجدان مما تفيض به سيرة الرسول (ص) من عبر ومواقف. ويحسن بنا أن نذكر بهذا الصدد أن الشاعر لم يتناول ما تطرق إليه من مواقف تلك السيرة ذلك التناول القائم على السرد للصفات المادية للنبي (ص)، والتعداد المجرد لمعجزاته مما ولع به كثير من شعراء المدائح النبوية المتقدمين، وإنما اتجه في ذلك اتجاها خاصا رأى أنه يخدم ما يود أن ينهض به من خلال هذا الشعر في خدمة أمته. ولذلك نراه يركز على جوانب خاصة من حياة الرسول (ص) لإيمانه بأن أمته في أمس الحاجة إليه، وهي تعيش تحت نير حكم أجنبي ظالم، وتحاول جهدها أن تتخلص منه، وانطلاقا من هذه الرؤية عمد الشاعر إلى رسم صورة من صور الجهاد في حياة الرسول (ص)، مؤكدا على استخلاص العبرة من مواقفه، وملحا على الاقتداء به فيما يساعد الأمة على الخروج من محنتها. 

ونشير إلى أن هذه القصيدة قد نالت حظا وافرا من إعجاب الأمة بها، مما حملها على تلحينها والمثابرة على إنشادها في الحفلات التي تقام إحياء لذكرى المولد النبوي الشريف، ولم تكن تلك الأنشودة لتبلغ تلك الخطوة –فيما أحسب- إلا بما استطاع الشاعر أن يوفر لها في موضوعها وفي صورتها من نبل المقصد، وصدق الشعور، وسمو المعنى ويسر التعبير. وقد تمكن الشاعر  بهذه الأنشودة وبمثيلاتها أن يساهم بفاعلية- إلى جانب إخوانه من شعراء الحركة الوطنية الحضارية- في تحقيق جملة من الأهداف كانت الحركة تتوخاها من هذه الاحتفالات المولدية بتوجيهه إياها نحو ما يخدم الصالح العام، وينفع الأمة في دينها ودنياها. 

ويبدو أن محمد العيد قد ذهب في قصيدته هذه إلى أبعد مما بلغه في غيرها على طريق تعميق منهجه العملي الذي بنا عليه معظم شعره، كما يتجلى ذلك في عدوله عما تعج به مدائح بعض المتقدمين وبعض المحدثين من التركيز على معاني الميلاد، والنسب، وتعداد الصفات المادية، وسرد المعجزات المختلفة، فقد شغل محمد العيد عن ذلك ما أصبح يأخذ باهتمامه في هذا الشعر من بذل عناية خاصة فيما يتصل بحياة الناس أكثر مما يتصل بغيرها. 

وإن مقارنة بسيطة يمكن أن يقوم بها الباحث في هذا المجال، فيوازن ما بين معاني مولديات الشاعر، ومعاني مدائح بعض المحدثين- وليكن ذلك الشاعر (أحمد شوقي) الذي اشتهر أكثر من غيره بمدائحه في هذا العصر- سيتبين منها أن الشاعر كان مشدودا في مولدياته إلى الحاضر أكثر مما كان (شوقي) مشدودا إليه في مدائحه. 

6- التركز على استخلاص العبر والدروس: 

ونأتي إلى سادس مولدية للشاعر وهي (يا أمة الخير) (14) وليس في الديوان ما يشير إلى مناسبة نظمها، ولعل ذلك أغفل لوضوحه من محتواها. وهي من أقصر مولدياته، إذ تقع في ثلاثين بيتا.ويستهلها الشاعر  -وبدون مقدمة تقليدية- بتوجيه الخطاب إلى أمته التي حل بها شهر الربيع، شهر ميلاد نبيها الكريم  ليحييها بما يعبق به هذا الشهر من حسن وجمال، مذكرا إياها بقصة أعظم رسول بعثه الله في العالمين: 

حيـاك شهـر ربيـع ***  بكـل حسـن بـديع
مـذكـرا بـرسـول ***   للعـالميـن شفـيـع
مبـارك حـل فـيـه ***  حلـول غـيث بريع

ويتقدم الشاعر خطوة إلى الأمام في قصيدته هذه، وهو على ذلك الطريق الذي شقه في المولديات السابقة ليبحث فيه عن أخصب المواطن في استخلاص العبرة في هذه الذكرى، وأكثرها نجاعة في توجيه أمة تتلمس دورها نحو النهضة والتحرر، فيسلمه ذلك إلى الإيمان بأن ليس هناك أبلغ ولا أجدى على تلك الأمة في نيل تلك المرامي من الاستنارة بما جاءها به نبيها من نور وهدى، فإن في ذلك ولا ريب ما يحيي فيها روح الجهاد، ويمكن في نفسها لإرادة الثورة على الطغيان، ويجمع شملها، ويجنبها خطر الشقاق، ويحرص على أن يختم قصيدته بما يزيد دعوته تلك إلى أمته بالسير على طريق الجهاد ووحدة الصف تأصيلا في نفسها، وذلك بحضه إياها على التمسك برأس الفضائل ورأس النجاح، وما ذلك إلا دينها الحنيف، وأن تأخذه بقوة وتقف منه، ومن المنافحة عنه والانتصار له موقف السادة الصحابة رضوان الله عنهم من الرسول (ص) وهم يتقدمون الصفوف يفدونه ويذودون عن دعوته، فإن في سيرة هؤلاء النفر من الرجال المثل الأعلى، وفي مواقفهم الأسوة الحسنة، وبهم يجب أن تقتدي الأمة وعلى منهجهم ينبغي أن تواصل مسيرتها النضالية نحو أهدافها المنشودة، يخاطب الشاعر أمته بـذلك قـائلا: 

يا أمـة الخيـر لبي ***  (دعـاءه) وأطيعـي 
قومي بدينك قومـي ***  قـويـة لا تـميعـي
 كونـي (لطه) كجند ***  من صحب (طه) شجيع
فدوا من الضيم (طه) ***  وديـنـه بـالنجـيـع

فاقفهم تحت ضـوء ***  مـن الرجـاء سطيـع
وتابعي هـدى (طه) ***  وشـايعـي وأذيعـي(15)

وإن الذي يمكن أن يخرج به الدارس من تحليله لهذه القصيدة وإنعام النظر في محتواها وفي صورتها، إنما هو وقوفه عند ذلك الميل الواضح إلى استخلاص العبرة من إحياء المولد النبوي الشريف بما يسمو بواقع الأمة ويأخذ بيدها على طريق العزة والتقدم. 

وتحسن الإشارة إلى أن ما يمكن ملاحظته من جانب الصياغة في هذا العمل ذلك هو ما يتمثل في تلك القدرة الفنية التي يلمسها الدارس في هذه المولدية من خلال ما استطاع الشاعر أن يوفره لمضمونه الواقعـي من مواءمة ما بينه وما بين وجوه الصياغة فيه: تعبيرا وتصويرا. 

وتتكامل تلك الجوانب الموضوعية والفنية في هذه المولدية، لتبرزها في صورة فنية ذات قيمة أدبية بارزة أهم ما يميزها هذه السمات : الصدق والوضوح في معانيها، والبساطة والقرب في صياغتها 

وقد كان الشاعر يتوخى ذلك في معظم شعره ويعمد إليه عمدا، تحقيقا لغرضه الأساسي من هذا الشعر، وهو التبليغ والتوصيل، توصيل أكبر قدر ممكن من طاقات الوعي والتوجيه لأمة، السواد الأعظم من أفرادها أميون، أو ممن لم ينالوا من التعليم إلا حظا بسيطا. 

وقد كان بعض قراء شعر محمد العيد – ومنهم من كان يقف منه في مكان يخوله معرفة قدرته اللغوية، وما يتمتع به من إمكانات فنية- يلاحظ عليه باستغراب شديد ذلك الميل منه إلى طبع شعره بتلك الطوابع الفنية القريبة الواضحة (16)، إلا أن الشاعر كان واعيا عمله، وكان يرد على من توجه إليه بذلك النقد، بأنه يقوم بما يقوم به على بصيرة ودراية، لإحساسه إحساسا قويا بأنه واحد من مدرسة شعرية تضم رعيلا من الشعراء يؤمنون جلهم بأنهم جند قضية وأصحاب رسالة. وأنهم لن يستطيعوا خدمة هذه، ولا تلك، وهم يعيشون بين ظهراني أمة لم تسمح لها ظروفها الموضوعية التاريخية، أن تنال من الثقافة قدرا كبيرا إلا أن ينهجوا في شعرهم هذا المنهج القائم على الوضوح والبساطة في الأفكار، واليسر والقرب في التعبير وفي التصوير. ويمكن للدارس أن يتبين قدرة الشاعر في المحافظة على ذلك المنهج والوفاء له، من خلال هذه القصيدة وغيرها من مولدياته، ومن نصيب وافر من شعره. 

ونترك هذه المولديات الست المدروسة التي جاءت في فترة زمنية ليست متباعدة نسبيا، وبخاصة منها ثلاثتها الأولى، تلك التي قالها الشاعر متعاقبة الواحدة تلو الأخرى في سنوات ثلاث متتالية هي سنوات   (1937-1938-1939). 

ويحسن بالدارس الذي يستقرئ نتاج الشاعر في هذا المجال أن ينتظر مدة قد تصل إلى بضع سنوات، بل عقدا ونيفا من الزمان، أي من سنة 1939م، تاريخ نظم هذه القصيدة ، وإلى سنة 1950 بالتحديد حتى يعثر على المولدية السابعة والأخيرة للشاعر، فماذا عن ذلك ؟  

7- على طريق  العزة والمجد : تساؤل ورجاء ..؟ 

لقد اختار الشاعر لمولديته السابعة هذا العنوان (سلوا التاريخ )(17)، وتقع في اثنين وخمسين بيتا.ونشير إلى أن عبارة هذا العنوان ليست غريبة على المتلقين، فقد سبق أن استخدمها الشاعر وكررها أكثر من مرة وبخاصة في ثنايا مولديته الرابعة (ذكرى المولد النبوي). 

ومهما يكن من أمر فإن الدارس لا يعثر على نتاج للشاعر في هذا الغرض بعد هذه الفترة،  ويمكن أن تكون هذه المولدية هي الأخيرة، ، ونذكر بهذا الصدد أنه لم يمض على تاريخ نظم هذه القصيدة إلا سنوات قلائل حتى فجر الشعب الجزائري ثورته المجيدة، ودخل الشـاعر على إثر ذلك تحت ظروف الإقامة الإجبارية، ثم جاء الاستقلال، فخرج من أسره ورجع من جديد إلى قول الشعر – إن كان صحيحا قد هجره من قبل – فأبدع فيه روائع عالج فيها معظم ما كان يعالجه في تلك المولديات
إن الشاعر يستهل قصيدته هذه بمقدمة قد تبدو- بما تومئ إليه بعض معانيها من إشارات صوفية خفيفة-  غريبة عن الموضوع الذي يأتي بعدها، إلا أن الذي يستحضر في ذهنه تلك الملابسات التي مر بها الشاعر في (مرحلة الأربعينات ) لا يتبدى له ذلك، ولا يصعب عليه أن يجد تعليلا لتلك الظـاهرة الملحوظة. ولنبدأ أولا بالوقوف عند تلك المقدمة، ثم نأتي من بعد، على ذلك التعليل، يقـول الشـاعر: 

هجدت فضاع حطي في هجودي ***  ولم أقض اللبانة من وجودي
رقدت فضاع في الأحلام عمري***  كـذاك تضيع أعمـار الرقود
أؤمل أن أرى حظـي كبيـرا***  من الحسنى ونجمي في صعـود
وتنآى بي عـن الآمـال نفس***  تنوء بوزرهـا تحـت القيـود
فيا نفسي عن الكـدرات عفي***  وعودي للصفاء المحض عودي 
ولا تدعي هموم الدهر تطغـى ***   عليك فقد أتى شهـر السعـود (18)

لقد انقضت تلك الفترة التي ركن فيها الشاعر إلى العزلة والتصوف، وهجر الشعر في أعقاب رحلة الجهاد التي استهدف فيها في أواخر الثلاثينات لبعض المكائد التي كادت أن تحيق به 

وأما اليوم – وهو على عتبة الخمسينات- فقد انقشعت تلك الغيوم من أفق النفس ، وحل بها ما استطاع أن يذهب عنها ما كان قد سكنها زمنا ليس باليسير من أسباب الحزن والكدر، وأبدلها بذلك حللا من الأمل وأبرادا من الرجاء . ولا غرو في ذلك،  فإن الشاعر يكون قد أبصر بعبقريته ما بدا يلوح في الأفق من علامات الثورة التي يوشك الشعب الجزائري أن يستكمل عدتها في هذه الفترة ، ولم يبق له على تفجير بركانها إلا زمن يسير ، وقد تحقق ذلك الحلم  بعد ثلاث سنوات فقط من تاريخ ميلاد مولدية الشاعر هذه، فكان بلك ما جعله يستبشر بمستقبل الوطن فيطرح ما كان يحس به في تلك الآونة من خيبة، وما كان يركن إليه من صمت ، ويمضي يشدو لأفراح الميـلاد، ميلاد محمد (ص) بما هو جـدير بمقامه من أعذب الألحان وأصدقها، فيرسم مشهدا سريعا، يبرز أثر ميلاد هذا الرسول العظيم  (ص) على الوجود، ويخلد مواقفه، ثم يتتبع مراحل حياته وسيرته منذ أن كان وليدا ناشئا، وطفلا يتيما، وشابا أمينا حتى صار نبيا رسولا قد اختاره الله لأداء رسالته، فمضى يدعو إلى ربه دون أن يقعد به عن أهدافه تقدم العمر، وشدة ما لقي في سبيل ذلك من صنوف العنت والأذى ،ويهدف الشاعر أن يكون للأمة من ذلك ما يحملها على أن تنهج نهج نبيها ، طلبا لحريتها وذودا عن هويتها ، يعبر الشاعر عن ذلك في هذه القصيدة ، مصورا الوجه الثاني من هذا المشهد ليوضح من خلاله جانبا من جهاد الرسول، وكفاحه في سبيل نشر رسالة الإسلام وما أبداه أثناء ذلك من صدق العزيمة، وثبات على المبدأ ، وصبر على المكروه، ما كان من شأنه أن يتهاوى أمامه كل ما بناه المشركون في طريقه نحو تبليغ الرسالة من مكائد وعقبات، وتم وعد الله بنصره دينه، واستجاب الرسول (ص) لنداء ربه راضيا مرضيا، بعد أن كان قد مكن للدعوة في النفوس، وأصل لها في القلوب، وأقام للإسلام دولة قوية مهابة الجانب، يحمي سلطانها ويعلي رايتها في أرجاء المعمورة جيش الفتح العتيد، وتسوس أمور الناس فيها شريعة القرآن، وتسود مجتمع المسلمين بها مبادئ الإسلام العادلة الخالدة .   

ثم يتوجه الشاعر بكل تضرع وخشوع، وبعبارات تعلوها مسحة صوفية إلى مخاطبة الرسول (ص) وهو الرؤوف الرحيم بأمته، يرفع إليه سلام ومحبة شاعر يطمح في شوق متزايد إلى أن يكحل عينيه بمرأى مقامه عليه الصلاة والسلام: 

عليك أبا (البتول) سلام عبـد***  قصي عنك يطمح للشهـود
ينـاشدك الشفاعة وهـي كنز ***  نفيس لا يقـوم بـالنقـود
ويرجـو منك إقبـالا وحاشـا***  لوجهك أن تعاقب بالصدود
ألم تك يوم تـاب إليك (كعب)***  خلعت عليه خـالدة البرود؟ (19)

إلا أن الشاعر لم يلبث بعد هذه الاستجابة الفورية الخاطفة لنداء الشوق النابع من قلبه أن يفيق ويعود إلى ما غلب على طبعه من الاستجابة لعواطف الجماعة، فسرعان ما نسي ذاته، وهو في تلك الحظوة السنية بين يدي الرسول (ص) واندمج في ذات شعبه، وأوشك أن يستغرقه ما يلقاه شعبه على أيدي المحتلين من صنوف الظلم والأذى، وألوان الذل والحرمان، فحاول أن ينقل صورة من ذلك إلى الرسول (ص) قائلا: 

عليك سلام شعب فيك يؤذى ***  ويرمى بالتعصب والجمـود
 
ضعيف ما له في العيش حظ***  سوى دمع يسيل على الخدود
يشح عليه بـالتحرير دهـر ***  سخـا بالملك حتـى لليهود
 
فكـاد يبوء بالخسـران مما***  يلاقي اليوم من فشل الجهود
وكيف يبوء بالخسران شعب***  يكن ولاءه لك في الكـبود؟(20)

لقد خلص الشاعر من تلك الوقفة التي وقفها بين يدي الرسول(ص) إلى وقفة أخرى،حاول أن يستخلص فيها-كدأبه- العبرة من هذه الذكرى، وذلكم هو مطلبه الأساسي كما هو معلوم في هذا الشعر،حاثا شعبه على مواصلة جهاده على طريق التحرير، وذلك في صيغة هذا التساؤل، وهذا الرجاء :  

وهل شعب الجزائـر مستفيق***  من الأحلام مطرح الركود ؟

وهل هو بالتحرر سوف يحظى***  كـأمة ليبيا أو (كـالهنود)؟  
ولا يعطى التحرر غير شعب***  يجيب إلى المعامع حيث نودي 
أحقا أن الاستعمــار أودى***  به عدوانه أو كـاد يـودي؟ 
إذا فمشيئة المولـى تعـالــى***  قضت بنشورنا بعـد الهمود (21)

ويختم الشاعر مولديته هذه ، بهذه الدعوة إلى جميع أبناء أمته بأن يخدموا دينهم ويتمسكوا به ويوفوا بعقوده ويعملوا بتعليم كتابه وسنة نبيه، و في ذلك عزهم وتحررهم ومجدهم ورقيهم:

بني الإسلام أحيوا الدين أحيوا***  شعـائره وأوفوا بالعقود

فـدين محمـد دين الترقـي***  ومجد محمد مجد الخلـود(22)

الخلاصـة : 

كان محمد العيد _ كغيره من شعراء الحركة الوطنية الحضارية- يصدر في قصائده المولدية، وفي جميع نتاجه من أرضية الواقع، متخذا من ذكرى المولد النبوي الشريف فرصة يحث فيهـا شعبه على اليقظة، ويدعوه إلى الانتفاع بما في رسـالة صاحبها من هدي في بناء صرح نهضته وأن يأخذ منها ما يعزز جانبه في الصراع الدائر بينها وبين أعدائه، وتمكينه من دحرهم والانتصار عليهم. 

وإن دراسة هذا النتاج ( المديح النبوي) في الشعر الجزائري الحديث ومعالجة ما أصابه من تطور على أيدي معظم شعراء الحركة الوطنية الحضارية يمكن أن يكون بحثا علميا يحرص بعض الدارسين على النهوض به. 


الهوامش:

1-ينظر (منار الأشراف على فضل عصاة الأشراف ومواليهم من الأطراف)، عاشور الخنقي. و (تعريف الخلف برجال السلف) أبو القاسم الحفناوي . و(تاريخ الجزائر الثقافي ج2) د. أبو القاسم سعد الله  .

2-ديوانه ص: 133. 

3- ينظر العيديات المجهولة ص34، 38،44.صنعة الكاتب . 

4-5-6-7-ينظر ديوانه ص : 75-166-174-198 . 

8-يقع هذا العمل في جزأين، صنعة د/ محمد صبري (نشر دار المسيرة) بيروت، ط2، – 1399هـ / 1979م. 

9- 10-ينظر  الديوان، ص: 75-77 –78 . 

11- 12- 13- ينظر الديوان، ص : 166- 167. 

14- 15-  ينظر الديوان ص: 174-175. 

16- أفادني بهذه الرواية الشاعر جلول البدوي، رحمه الله 

17- 18- 19- 20- 21- 22- الديوان، ص: 198-189- 200 – 201.

 

آخر التغريدات: