جريدة البصائر تحاور الباحث والمفكر الإسلامي الدكتور مازن مطبقاني: من أهم أسباب تخلفنا الحضاري الاستبداد والدكتاتورية،وضياع الحرية والكرامة

جريدة البصائر تحاور الباحث والمفكر الإسلامي الدكتور مازن مطبقاني: من أهم أسباب تخلفنا الحضاري الاستبداد والدكتاتورية،وضياع الحرية والكرامة

ظهر في العالم الإسلامي قوم من العلمانيين لا يرون أن الإسلام صالح لحكم حياة الأمقضايا وهموم وتحديات معاصرة في مجالات مختلفة تواجه أمتنا الإسلامية وهي تبحث عن مخرج لها للعودة من جديد في عصر طغت فيه المادة إذ لم يعد هناك مكان فيه للضعيف حضاريا، فإما أن يكون تابعا لغيره أو معرضا للسقوط والاضمحلال والاندثار، وأمل النهوض الحضاري لأمتنا -بدليل المبشرات القرآنية والنبوية- يبقى قائما

 غير أن هذا النهوض يحتاج إلى توفير أسبابه وفق قراءة واعية لسنن التغيير والانطلاق الفعلي لتطبيق برامج البعث الحضاري في واقعنا يشمل جميع المجالات العلمية والإنسانية لمؤثرة خاصة بعد تفتح أزهار »الربيع العربي » الذي فتح الباب واسعا للشعوب العربية كي تعيش حياة الديمقراطية و تقرير المصير، وقد ارتأت جريدة «البصائر » في هذا المنحى والمعنى تخصيص مجموعة من الحوارات بين الحين والآخر مع بعض المفكرين والباحثين والشخصيات المؤثرة في الأمة الإسلامية، كان هذا الحوار مع الباحث والمفكر الإسلامي الدكتور مازن مطبقاني أستاذ مشارك بقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية -جامعة الملك سعود بالرياض- فإليكموه: سيرة علمية مختصرة للدكتور مازن مطبقاني الاسم واللقب:

مازن بن صلاح حامد مطبقاني

– تاريخ الميلاد: 3 جمادى الآخرة 1369 هـ 22 مارس1950 م.

– مكان الميلاد: الكرك بالأردن.

– أستاذ مشارك بقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية

-جامعة الملك سعود بالرياض. أمضى خمس سنوات دارساً في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 1388 1393 هـ 1073 – 1968 م -حصل على البكالوريوس والماجستير في التاريخ من جامعة الملك عبد العزيز عامي 1397 و 1406 هـ على التوالي.

– حصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عند المستشرقين من قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة عام 1414 هـ

مؤلفاته

1- جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية.

2- عبد الحميد بن باديس العالم الرباني والزعيم السياسي.

3- المغرب العربي بين الاستعمار والاستشراق.

4- الاستشراق المعاصر في منظور الإسلام.

5- الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي دراسة تطبيقية على المستشرق برنارد لويس.

6- أثر المملكة العربية السعودية الرائد في الدراسات الاستشراقية خلال ربع قرن 2005 – 1980 م.

7- رحلاتي إلى أمريكا.

 

لنبدأ من “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” التي أعددت إحدى رسائلك الجامعية عنها، من خلال دراساتك وقراءاتك عنها ما هي الخصوصية التي تميزها عن باقي حركات الإصلاح والتغيير التي نشأت في نفس عصرها؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فخصوصية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنها ولدت في وقت كانت الجزائر في أمس الحاجة لنهضة علمية فكرية عقدية لغوية وفي حاجة لقيادة أمينة تُخرجها من حالة الخوف والخذلان والجهل والمرض التي كانت تعاني منها. لقد اختلفت عن الأحزاب والمنظمات الأخرى بأنها وفقت لقيادة تاريخية وهو ابن باديس -رحمه الله-. ولم أجد أجمل من وصف أستاذي الدكتور أبو القاسم سعد الله لعمل الجمعية من قوله في تقديمه لرسالتي للماجستير حين طُبعت في كتاب من قوله: «ومع ذلك فإن المقارنة بين جمعية العلماء وبين غيرها من المنظمات والأحزاب خطأ في نظرنا، ذلك أن المقارنة تكون بين شيئين أو أشياء تتشابه أو تتقارب، وليس ذلك صحيحاً لقضيتنا فيمكن أن تقارن بين جمعية العلماء مثلاً بجمعية علماء الهند أو جمعية الإخوان المسلمين في مصر أو نحو ذلك، كما يمكن أن نقارن حزب الشعب الجزائري بالحزب الدستوري التونسي وحزب الاستقلال المغربي وحزب الوفد في مصر، ونفس الشيء يقال عن هيئة النواب والحزب الشيوعي إذ يجب مقارنتهما بنظرائهما في بلدان أخرى، ذلك أن جمعية العلماء لم تكن تتكلم باسم جماعة كالعمال المهاجرين أو باسم فئة كالنخبة المستغربة أو باسم حزب ديني كالطرق الصوفية..إنها لم تكن واحدة من ذلك بل كانت تتكلم باسم الفلاحين والعمال والتجار والمثقفين والنواب والطرقيين جميعاً..تعتبر نفسها أمة قائمة بذاتها، يجد فيها كل فريق من أولئك الفرقاء نفسه، كان له رأيه الخاص بالنظر إلى الفرقاء الآخرين.

هل توافق بعض الباحثين الذين يقولون إن حركات الإصلاح والتغيير الأصيلة لا تملك سوى شعارات ترفعها ونظريات مخطوطة على الورق تسوقها للشعوب عن طريق دغدغة العواطف، ولكنها عاجزة عن ترجمتها في الواقع، وحتى إن حاولت فإنها غير قادرة على مجارات تحديات العصر بفكر قديم؟

أذكر من بين الوثائق التي عثرت عليها في إكس إن بروفانس أو في المكتبة الوطنية في باريس خارطة باللونين الأحمر والأزرق، فأحدهما يشير إلى نفوذ كلي والآخر نفوذ جزئي، فنفوذ جمعية العلماء بصفتها حركة إصلاحية وتغيير أصيلة كانت أكبر من الشعارات، بل كانت عملية جدا )ولو أن جدا لتقوية الضعيف( ولكنها كانت حقيقة، وقد أدت دوراً كبيراً في إعادة الجزائريين لعقيدتهم أولاً ولغتهم وهُوُيتهم ثانياً. لقد انتشر المعلمون والموجهون في أرجاء الجزائر، لقد أشعلوا البلاد حركة ونشاطاً ولا أقول هذا من باب المديح والثناء ولكن أقوله من باب الاعتراف بالفضل لأصحاب الفضل، وأذكر في هذه المناسبة أن قاضياً في المدينة قال والله كانت الجمعية أبرك على الجزائر من المطر.

هل تعتقد أن الإشكالية في تأخرنا الحضاري الذي نحياه كأمة مرجعه إلى المنظومة السياسية العربية التي طبقت الجبرية سنين طويلة، فحولت الإنسان العربي إلى آلة تطبق ولا تبدع، أم مرجعها إلى فكرة “المؤامرة” وتداعي الأمم علينا حتى نبقى في مرتبة الذيلية، أم أن شعوبنا ليست في مستوى التحوّل من التحتية إلى القمة، أم مرجعها إلى علة أخرى يمكن تشخيصها بشكل عام؟

تخلقنا الحضاري له عدة أسباب، ويأتي في مطلعها الاستبداد والدكتاتورية، وضياع الحرية والكرامة، فقد ذكر القرآن الكريم فرعون في سبع وستين موضعاً في معظمها في سياقات سياسية يذم فيه الاستبداد والطغيان، كما جاء ذكر داود عليه السلام وأمر الله -عز وجل- له بالحكم بالقسط، وجاءت آيات أخرى تأمر بالعدل }إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى..{ وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: إن الله جاء بنا وابتعثنا لنُخرج العباد من عبادة العبادة لعبادة الواحد الأحد ومن جور الأديان إلى عدل الأديان ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة »فالمؤامرة موجودة }وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ{ ولكن لماذا نسمح بالمؤامرة؟

فضيلة الدكتور من خلال متابعتك لما بات يُعرف ب «الربيع العربي » الذي رحب به البعض وتشكك فيه البعض الآخر، هل تعتقد أن الثورات قادرة على إحداث التغيير والتحول الذي تطمح إليه الشعوب العربية؟

الربيع العربي حقيقة ماثلة لا ينكرها إ من يكره لهذه الأمة أن تتحرر وتكسر القيود، إن علة العلل أن الشعوب أدركت أنه لا يمكن أن يقودها سوى الإسلام، فتكالبت كل قوى العالم كما تكالبت في الماضي على أن تفسد كل مشروع تحرر يمكن أن يحدث.

لقد شاهدت لقاءً لمسئولَ أمريكيين يخوفان مما يسمياه الإسلام السياسي، وليس في الإسلام «سياسي » وإسلام من أي اسم آخر، فالإسلام سياسة واقتصاد واجتماع وأخلاق وجمال ولا يمكن تجزئته، ويطلقون من غيظهم على الربيع الذي أتى بالإسلاميين بالشتاء العربي ويجب أن نتذكر }يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ{ ونتذكر قوله تعالى:}إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ{.

هل ترى أن الإسلاميين قادرون على تأسيس نموذج للدولة الراشدة أم أن الموجة الثورية التي أسقطت بعض الأنظمة الجبرية وضعتهم في الرأس وهم غير مهيئين لممارسة السلطة بعد؟ لماذا هذا التشكيك؟

الدولة الراشدة أمر ليس مستحيلاً ولو قلنا باستحالته لأبطلنا التشريع، فما نزل التشريع إ ليطبق، والإسلاميون الذين تولوا الحكم ليسوا مبتدئين أو أطفالا، فقد مارسوا العمل السياسي والتنظيمي سنوات طويلة، وقد حضرت ندوة في معهد بروكنجز بواشنطن العاصمة، فالمستشرقون أو الباحثون الغربيون يشهدون لهم بالتنظيم الدقيق وحسن الإدارة )والخير ما شهدت به الأعداء( فقد بدأت جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ عام 1928 م، وكان تنظيمهم من الدقة حتى كانوا كأنهم دولة داخل دولة كما كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كانوا يقدمون للشعب التعليم والصحة والتكافل الاجتماعي والاقتصاد. أذكر قبل سنوات في أثناء الزلزال الأخير في القاهرة أن الإخوان قدموا خدمات للشعب أكثر من الدولة بأجهزتها وتنظيمها حتى إن إذاعة لندن افترت عليهم بأنهم فعلوا ذلك من أجل الانتخابات وأنكروا أن هذا الفعل طبع أصيل في المسلم أن يغيث اللهفان وأن يعين المحتاج.

لنتحول إلى مشكلة “الاستشراق”، تاريخيا ارتبط “الاستشراق” بالحركة الاستعمارية في أمتنا، برأيك هل ما يزال يمارس نفس الوظيفة، وهي الارتباط بالإدارة السياسية للدول التي ينتمي إليها؟ إذا كان الاستشراق هو دراسة الآخر لنا فما جدوى تدريسه كعلم في جامعاتنا، أليس الأجدر القيام بدراسة الغرب كما طرح الدكتور حسن حنفي في مشروعة «الاستغراب » أي دراسة الغرب؟

لن يتوقف الاستشراق عن الارتباط بالسياسة الغربية ذلك أن تلك الحكومات قد مكّنت لهذه الدراسات منذ زمن بعيد، فهي تعتمد على دراسة الباحثين في الشرق الأوسط تدعمهم بالمال ويدعمهم أصحاب المال بالمخصصات حتى بات بعض المستشرقين من المقربين لكبار السياسيين في الغرب، ولكننا نظلم هذا الفرع المعرفي إن اتهمنا كل من يعمل فيه بأنه مرتبط بالسياسة. لا، هناك أعداد لا بأس بها من الباحثين الغربيين الذين يهتمون بالشرق ويدرسونه ويهتمون بالإسلام ويدرّسونه لتلاميذهم حتى إن بعضهم أسلم وبعضهم حتى يُخفي إسلامه. فلابد أن نعترف أن منهم من جذبه الشرق والإسلام والمسلمين للدراسة.

أما أننا ندرسهم فإنما هو فرع من دراستنا للغرب عموماً نفهمه ونفهم لماذا يدرسنا وكيف يدرسنا وكيف نبدو في نظره، نحن لا ندرسهم ولا ندرس مؤسسات الاستشراق لذاتها ولكن لأنها جزء من الغرب المسيطر عالميا في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية والفلسفية. أما دراسة الغرب كما طرحها الدكتور حسن حنفي فقد برّر ذلك بأن علينا أن ننتقل من ذات موضع الدرس إلى ذات دارسة لنتغلب على مركب النقص الذي وضعنا فيه ونتغلب على مركب الاستعلاء الذي يشعر به تجاهنا، ولكننا يجب أن ندرسه ونخضعه للدرس لأننا أمة الشهادة }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا{ فكيف يمكننا أن نكون شهداء على الناس إ بدراستهم ومعرفتهم حق المعرفة.

ولما كان لدى هذه الأمة توق للمعرفة حلّقت في سماء المعرفة، فعرفت الشعوب والأمم الأخرى: عرفتهم سياسياً وثقافيا واجتماعيا وعقديا، لقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو المؤيد بالوحي عن الحبشة: «إن بها ملك لا يُظلم عنده أحد أبداً »وقال أيضا عن الفرس: «كانت تبلغنا عنكم الأحلام أنكم تتساوون فيما بينكم، فلماذا لم تخبروني أن بعضكم يستعبد بعضاً، إن قوماً هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال »وذهب أبو الحسن البيروني إلى الهند فعرفها كأهلها، ونحن حين نعرف الأمم الأخرى نحقق قول الله -عز وجل}جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا{ ولا ننسى رحلات ابن فضلان وابن حوقل وابن بطوطة وابن جبير وغيرهم من سفراء الدول الإسلامية في أوروبا الذي أظهروا معرفتهم بالغرب. ولكننا حين خبت جذوة العلم في نفوسنا صرنا لا نعرف أنفسنا كما يعرفنا الآخرون.

ما الفروق التي يلحظها الدارس بين الاستشراق القديم وما بات يُعرف بالاستشراق الجديد؟

الاستشراق الجديد يؤمن بالتخصص، فبعد أن كان المستشرق أو الباحث الغربي ينطلق من معرفة فقه اللغة والتاريخ إلى دراسة كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين إلى متخصص في الاقتصاد أو الاجتماع أو علم النفس أو علم الإنسان أو الصحافة أو غيره. فالاستشراق الحديث لم يغيّر الاسم الذي أصبح له حمولات ودلالات تاريخية سيئة ولكنه غير طريقة الدراسة والبحث. وأضاف الاستشراق الحديث جيوشاً من الباحثين العرب والمسلمين لدراسة أوضاع بلادهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لصالح الغربيين وبالنيابة عنهم. وأصبحوا ينقلون الفكر الغربي وكأنهم كما قال المثل لا يقطع الشجرة إ من أهلها. فظهرت كتابات بأقلام عربية مسلمة أشد سموماً مما كتبه الغربيون على مدى قرون طويلة.

كلمة أخيرة توجهها لأمتنا عامة وللجزائر خاصة من خلال جريدة البصائر.

هي كلمة الإمام مالك(لا يصلح آخر هذه الأمة إ بما صلح به أولها) وهي العدل العدل، وقد قامت السموات والأرض بالعدل فإن حققنا العدل في بلادنا العربية والإسلامية اقتربنا من العودة للإسلام النقي الطاهر والله الموفق. 


* عن جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

 

آخر التغريدات: