حوار مع الباحث في الدراسات الإستشراقية الدكتور مازن مطبقاني

حوار مع الباحث في الدراسات الإستشراقية الدكتور مازن مطبقاني

الدكتور مازن مطبقاني من العلماء المسلمين القلائل الذين تفرغوا لدراسة الإستشراق، بتفكيك رموزه، وتحليل تراثه، وتحديد مناهجه وأهدافه، ومتابعة نشاطاته المتعددة. بدأ مشواره العلمي في هذا الاتجاه منذ حصوله على الدكتوراه في موضوع كتابات المستشرق المشهور برنارد لويسفي عام 1994. نشر عدة كتب وبحوث حول الإستشراق، نذكر هنا بالخصوص: الإستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي، من آفاق الإستشراق الأمريكي المعاصر، الإستشراق المعاصر في منظور الإسلام، صراع الغرب مع الإسلام، الغرب من الداخل.

 قبل الحديث مع الدكتور مطبقاني عن الإستشراق، طرحنا عليه سؤالا عن اهتمامه الأكاديمي الأول الذي دخل من بابه إلى البحث في شؤون العالم الغربي. وهو يتمثل في دراسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومقاومتها للمشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر.

*خصصت بحثك الجامعي الأول (الماجستير) لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ونشرت بعد ذلك كتابا عن الإمام عبد الحميد بن باديس. ما هو سر تعلقك بتراث هذه الجمعية الإصلاحية؟

أكرمني الله عز وجل بأن اقترح علي الدكتور لؤي يونس البحري موضوع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية لتكون موضوع رسالة الماجستير في قسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز عام 1403هـ(1983م)، فبدأت بالسفر إلى الجزائر وحضرت مؤتمر الفكر الإسلامي السابع عشر في قسنطينة، وتعرفت إلى كثير من الإخوة الجزائريين في المجال الثقافي، كما زرت المكتبة الوطنية في العاصمة والأرشيف الجزائري في قسنطينة، وسافرت إلى فرنسا وأحضرت كلما استطعت من صحف ومجلات الجمعية وما قبل الجمعية. بدأت أتعرف إلى هذه الجمعية المباركة عن كثب وبخاصة بعد أن بدأت أقرأ كتابات الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله من مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ومجالس التذكير من كلام البشير النذير، وتعرفت إلى شخصيات الجمعية الأخرى. ثم لقيت عدداً من المشايخ من بينهم الشيخ محمد خير الدين، وأحمد بن دياب، ومحمد الصالح الصديق، وحمزة بوكوشة، وقابلت الشيخ عبد الرحمن شيبان وآخرين، رحم الله من توفي منهم، وأنعم على الباقين بالصحة والعافية.

ومن يتعرف إلى الجمعية لا بد أن يحبها ويقدر الرسالة العظيمة التي حملتها، ومن يعرف ثمرة نشاطها وجهادها يدرك أهمية العمل الذي قامت به، ولقد قال لي أحد مشايخ المدينة المنورة وهو الشيخ محمد الحافظ (أحد القضاة) “لا أكون مبالغاً إن قلت إن الجمعية كانت أبرك على الجزائر من المطر” ، ومن خلال الإطلاع على الوثائق الفرنسة من زمن الاحتلال التي وجدتها في الأرشيف الوطني لما وراء البحار وبعض الوثائق من المكتبة الوطنية. تبين لي من خلال تلك الوثائق أن فرنسا كانت تحسب حساب الجمعية وتقيم لها وزناً أكثر من أي جمعية أو حزب آخر، فهي كانت على معرفة بالأحزاب الأخرى وبخاصة تلك التي كانت متأثرة بالفكر الغربي وتنادي بالنضال والتحرير وليس الجهاد، وكانت تلك التقارير والوثائق السرية تبدأ بالحديث عن الجمعية ثم تتناول غيرها من الأحزاب والجمعيات.  

 *أنت أول من حصل على درجة الدكتوراه من قسم الإستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة، ثم أصبحت أبرز الباحثين في هذا القسم. ما هي أهم إنجازات هذه المؤسسة الأكاديمية الرائدة في دراسة العالم الغربي؟

نشئ هذا القسم المبارك لتحقيق رسالة كبيرة وهي معرفة ما يكتبه وما يقوله الغربيون عن الإسلام والمسلمين، فالاستشراق فرع معرفي بدأ منذ عدة قرون وقد أنتج العديد من المشروعات العلمية وتخرج على يديه الألوف من أبناء الأمة الإسلامية الذين أصبح بعضهم حاملاً لفكر أساتذته وشيوخه، فقررت جامعة الإمام أن تنشيء قسماً تتم فيه دراسة كتابات المستشرقين ومؤسساتهم ونشاطاتهم. وبالفعل بدأت الدراسة في عام 1983م، وتخرج في القسم عشرات الطلاب بدرجة الماجستير، وهم على وعي بنشاط الاستشراق في كافة مجالات العلوم الإسلامية. وتحصل عدد من الباحثين على درجة الدكتوراه في الاستشراق بعضها في الاستشراق المعاصر، وبعضها في الكتابات الاستشراقية القديمة
وقد بدأ القسم في إنتاج كتاب سنوي يتناول كثيراً من كتابات المستشرقين ونشاطاتهم وصدر منه عدد واحد فقط، وقام عدد من طلاب الدكتوراه برحلات علمية إلى أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وكان من بين رسائل الدكتوراه رسالتي التي تناولت كتابات المستشرق المشهور برنارد لويس، كما أعد الدكتور محسن السويسي (من تونس) رسالة دكتوراه مميزة عن المؤتمرات الاستشراقية التي انطلقت عام 1873م، ومازالت قائمة وإن تغير اسمها. وهناك العديد من رسائل الدكتوراه التي تناولت قضايا في دائرة المعارف الإسلامية.

ولكن مما يحز في النفس أن الذين قبلوا في هذا القسم لم يكونوا متمكنين من لغات أجنبية مما يعد عيباً أساسياً في من يمكنه أن يدرس الاستشراق بمنهج علمي قوي. ولذلك توقف الجميع تقريباً عند رسالة الدكتوراه إلاّ من بعض البحوث التي تعتمد على ما ترجم من كتابات المستشرقين إلى اللغة العربية. وقد قضي على قسم الاستشراق حين توقفت الدراسة فيه، ثم انتقل إلى الجامعة الجديدة المسماة جامعة طيبة، وأصبح مجرد شعبة في قسم العلوم الاجتماعية بكلية التربية.

كان المؤمل أن يتطور قسم الاستشراق من مجرد قسم لدراسات كتابات الغربيين حول الإسلام والمسلمين إلى كلية تدرس أوروبا وأمريكا والعالم الغربي كافة. ولكن الأمل ما زال قائماً أن ينطلق هذا المشروع في القريب العاجل بإذن الله

إن دراسة الاستشراق كانت تتطلب جهود مجموعة من الباحثين الذين يتقنون اللغات الأوروبية لدراسة ما يكتبه الغربيون ولحضور الندوات والمؤتمرات وتقديم المحاضرات في الجامعات الأوروبية والأمريكية، ولكن كان العيب الأساس في أن من تم اختيارهم لدراسة هذا الفرع المعرفي الهام الجديد لا يملكون الأدوات الأساسية من معرفة اللغات، وكذلك الروح القوية التي تحمل هم هذا الدين أمام الهجمة الغربية عليه وكذلك من أبناء الأمة الذين يؤلفون الطابور الخامس والشوكة في ظهر الأمة.

*نعرف الكثير عن المدارس الإستشراقية الأوروبية، بينما نجهل الكثير عن المدرسة الإستشراقية الأمريكية. لقد خصصت أطروحة الدكتوراه لهذه المدرسة الأخيرة. ما هي في نظرك أهم القضايا التي شغلت اهتمامات المستشرقين الأمريكيين المعاصرين؟ 

لم يختلف الاستشراق الأمريكي في بداياته عن الاستشراق الأوروبي حيث بدأ بدراسة اللغة العربية والعبرية للانطلاق منها لدراسة الكتب المقدسة عندهم، وتأسست في أمريكا الجمعية الاستشراقية الأمريكية في بداية القرن التاسع عشر حتى قبل أن تبدأ بعض الجمعيات الاستشراقية الأوروبية. وما تزال هذه الجمعية قائمة حتى الآن. ولكن الدراسات العربية والإسلامية أو دراسة الشرق الأوسط أخذت منحى جديداً في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية حين وجدت نفسها أمام وضع سياسي جديد عليها أن تتولى السيادة السياسية العالمية بعد انتهاء الإمبراطورية البريطانية (التي كانت لا تغيب عنها الشمس).

هنا قامت الحكومة الأمريكية بتخصيص أموال كبيرة لدعم دراسات الشرق الأوسط ودراسات الأقاليم كما أطلق عليها عندهم، حتى إن الحكومة البريطانية عام 1961 ألفت لجنة لدراسة احتياجات بريطانيا من التخصصات في مجال العلوم العربية والإسلامية أوفدت تلك اللجنة للاطلاع على تلك الدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وعادت اللجنة التي كانت تسمى باسم رئيسها وليم هايتر لتقترح أن تأخذ الجامعات البريطانية بالطريقة الأمريكية في دراسة المناطق أو الأقاليم، حيث يدرس كل إقليم على حدة من النواحي الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والثقافية وغيرها. وقد أحصيت في جامعة بيركلي على سبيل المثال ثمانية عشر قسماً تهتم بدراسات الشرق الأوسط كلها يتم التنسيق بينها في معهد دراسات الشرق الأوسط. فصارت الرسائل الجامعية تعد تحت إشراف أكثر من قسم من أقسام الجامعة

صحيح أن الجامعات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية وجدت نفسها بحاجة إلى الخبرة الأوروبية، فاستقدمت العديد من الأساتذة البريطانيين والألمان وغيرهم للتدريس في الجامعات الأمريكية، ومن أبرز هؤلاءبرنارد لويس وهاملتون جيب وبلاك ماكدونالد، كما استعانت بعدد من الباحثين العرب من أمثال فيليب حتّي الذي أنشأ قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون في الأربعينيات من القرن الماضي.

ولعل برامج الدراسات العربية الإسلامية انقسمت إلى قسمينأحدهما يتم في أقسام دراسات الشرق الأوسط أو الشرق الأدنى، والثاني في أقسام الأديان، وإن كان يبدو بينهما بعض الاختلاف، لكنهما في النهاية يتعاونان على محاولة فهم العالم الإسلامي.

ومرت هذه الدراسات بعدد من المنعطفات البارزة منها مثلاً في عام 1990م حين شعرت الحكومة الأمريكية بحاجتها الماسة إلى متخصصين في لغات الشرق الأوسط وتاريخه ومجتمعاته فوفرت العديد من المنح لهذه الدراسات،ولكنها في الوقت نفسه طالبت من يقبل هذه المنح أن يعمل في الحكومة الفيدرالية، وبخاصة في مجال الاستخبارات.وعلى الرغم من أن رابطة دراسات الشرق الأوسط التي تأسست عام 1967 قد اعترضت على ربط هذه الدراسات أو الدارسين فيها بالعمل الاستخباراتي، ولكن هذا الأمر مازال قائماً. وهو ما يشير إلى أن اعتراضات الأكاديميين أحياناً لا تؤخذ بجد أو يتم تجاهلها في حين أن الأكاديميين يخدمون أغراض الحكومة الأمريكية، ويعملون في مراكز التفكير Think Tanks وهم دائماً يقدمون شهاداتهم وخبراتهم للحكومة الأمريكيةففي عام 1985م على سبيل المثال، قدموا شهاداتهم إلى لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس الأمريكي الذي قام بنشر شهاداتهم وبحوثهم وتقاريرهم في كتاب كان للتوزيع المحدود، ويتألف من أكثر من أربعمائة صفحة.

*هل تغيرت اهتمامات المستشرقين الأمريكيين بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة؟

بعد الحادي عشر من سبتمبر، بدأت مرحلة جديدة في دراسات الشرق الأوسط، فكان نقطة التحول نشر مارتن كريمر –مدير معهد موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة تل أبيب- كتابه الذي يلقي فيه اللوم على دراسات الشرق الأوسط أنها فشلت في تنبيه الحكومة الأمريكية إلى خطر الإسلام والمسلمين والحركات الإسلامية والتطرف الإسلامي. ثم بدأت حملة واسعة من قبل بعض الجهات اليهودية الصهيونية لمحاربة هذا المجال المعرفي، وتضييق الخناق على العلماء والباحثين.

وشكلت فرقاً للتجسس على الأساتذة ومضايقتهم. وإن كانت المسألة في غالبها أنه نشأ جيل من الباحثين الأمريكيين وبعضهم من اليهود ممن يرون ممارسات إسرائيل الوحشية في الأراضي الفلسطينية وأن العلاقة الحميمة بين أمريكا وإسرائيل قد أضرت بالمصالح الأمريكية، وجعلت سياسة أمريكا الخارجية تسير وفقاً لمصالح إسرائيل بدلاً من أن تسير وفقاً لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع كل الاختلاف بين الدراسات العربية والإسلامية بين أوروبا وأمريكا فإنه يظل هناك عدد من نقاط التشابه ومن أبرزها استمرار الاعتماد في كثير من القضايا على كتابات المستشرقين القدامي من أمثال جولد زيهر وشاخت وكولسون وغيرهم، كما أن التركيز في الجانبين أصبح على القضايا المعاصرة دون الدراسات المتعمقة للإسلام. ويتشابه الطرفان في دعم التيارات العلمانية المتغربة في العالم العربي.

ولعل أبرز المراكز التي تسعى إلى إشاعة ما يسمى حرب الأفكار لمحاربة التدين والإسلام والإسلاميين معهد راند الذي افتتح له قبل أعوام فرعاً في قطر وأصبح ينشر تقارير سنوية عن التيارات الفكرية والإسلامية في العالم العربي ويدعو الحكومة الأمريكية إلى دعم تيار دون آخر وهكذا.

*ما هو مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب في ظل هذه التحديات الجديدة؟

هذه قضية يحددها أمران وضع المسلمين في داخل بلادهم وكيف يمكن أن ينتقل المسلمون من عصور الفوضى والاستبداد إلى الحكم الصالح الرشيد الذي يفجر الطاقات ويشجع الإبداع ويشيع الأمن والأمان ليستطيع العلماء المسلمون أن يقدموا لأمتهم ما يقومون بتقديمه اليوم لأوروبا وأمريكا حيث إن أعدادهم في تلك البلاد بمئات الآلاف. فإذا سعينا أولاً لإصلاح أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عندها يمكن للغرب أن يتعامل معنا تعامله مع الند والنظير. حين لا نصبح عالة الغرب في غذائنا ودوائنا وآلاتنا وحياتنا كلها، يمن أن نطالب بأن يكون لنا مكان في العالم، أما ونحن عالة عليهم فمن المنطقي أنهم سيسعون إلى استمرار هيمنتهم وسيطرتهم علينا. انظر إلينا نعلم أبناءنا العلوم كافة باللغات الأوروبية حتى إذا تخرجوا ذهبوا للعمل في الغرب، فقسم من العالم العربي يدرس بالإنجليزية والقسم الآخر بالفرنسية، وأهملنا لغتنا العربية، ولم نلتفت إلى أن الدولة العبرية تعلم العلوم كلها بتلك اللغة التي ماتت واندثرت ولكنهم أعادوها إلى الحياة.

العلاقة بيننا وبين الغرب يجب أن تقوم على المعرفة المتبادلة، أن نعرفهم معرفة حقيقية، أن ندرسهم كما جعلونا موضع الدرس والفحص لهم، هل تنقصنا العقول والأفهام لندرسهم ونعرفهم. نحن بحاجة إلى أن نتعلم منهم الكثير، كما أننا بحاجة للمحافظة على هويتنا وذاتيتنا من الذوبان في هويتهم. نحن بحاجة إلى تعليم قوي، وإلى مناهج قوية، وإلى تحصين حقيقي حتى نستطيع أن نقاوم استمرار هيمنة الغرب وسيطرته علينا.

إننا بحاجة إلى أن ننشئ نظاماً سياسياً قائماً على تراثنا الضخم في القرآن والسنّة وفي تطبيق الدولة الإسلامية على مر العصور، بدلاً من أن نتسول الآخرين أنظمتهم السياسية، أو يطالبوننا بأن نأخذ بديمقراطيتهم التي يشكون منها منذ زمن، لا بأس أن نأخذ بالوسائل التي توصل أهل الحل والعقد إلى السلطة في اختيار الحكام وفي اختيار المسؤولين حتى لا يتحقق فينا أننا في آخر الزمن الذي تضيع الأمانة بأن (توسد الأمور إلى غير أهلها). لدينا تراث في السياسة الداخلية القائمة على العدل والمساواة الحقيقية، ولدينا تراث في السياسة الدولية بل إن علماءنا هم أول من كتب في العلاقات الدولية فأين هذا التراث في حاضر الأمة؟

 

آخر التغريدات: