قراءة لرسالة الإمام الإبراهيمي

قراءة لرسالة الإمام الإبراهيمي

عنوان الكتاب:“رسالة الضّب”، كتاب للإمام العلاّمة، محمّد البشير الإبراهيمي، رحمة الله عليه، قراءة وتقديم الأستاذ سامي غرمول، دار المعارف الجزائرية، الطبعة الأولى، 1433هـ – 2012، من 76 صفحة. والكتاب يُقرأ في جلسة واحدة، لأن حُسن البيان، وروعة الأداء، تشدّ القارئ، وتسير به عبر كامل الصفحات إلى أن يختمها، ويقول ما قاله العربي التبسي، فيما نقله صاحب التقديم، “إن الإبراهيمي فلتة من فلتات الزّمان، وإن العظمة أصل في طبعه”.

 الكتاب .. أفضل تحية وهدية:

كان الإبراهيمي عظيما، حينما ردّ التحية بأحسن منها، فقد قابل هدية زميله الأستاذ أحمد بن أبي زيد قُصَيْبَة، لابنه الصغير أحمد وهو ابن 08 سنوات يومها، ووزير الخارجية فيما بعد، برسالة كلها معاني خالدة، وعبر باقية، ولغة فصيحة، وبلاغة رفيعة، جاء فيها، ” وأبى إلا أن يشكر بكتابة هذا القدر إليكم عسى أن تستفيدوا منه فائدة، فيكون جزاء على تسبّبكم في الخير” 64.

وقد جاء في كتاب: “كشف الخفاء ومزيل الإلباس”، للمفسّر المحدث الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني، ت1162هـ، “ثلاثة تدل على عقل أربابها: الكتاب، والرسول، والهدية”، فكانت رسالة الإمام، أفضل هدية، وخير كتاب، ونِعْمَ الرسول.

أدب الكاتب، واحترام القارئ: 

تواضُع الإمام، اتّضح في استعماله لعبارة، ” وإذا كان حقّا ما يقولون..”54. وكذلك “ومادمنا لم نجرّب ولم ندرس دراسة استقراء، فلنقل ما قالته العرب إنّها خصوصية أو فضيلة” 55، وعبارات أخرى، تدل كلها على احترامه لعقل القارئ، عندما يعجز الكاتب عن التوضيح والمقارنة، أو ينسى المصدر، ويصعب عليه فهم ما قرأ، أو استحضار ما في الذاكرة، لذلك تراه يطلب العذر من القارئ، قائلا “ولكن عذري عندكم وعند من يطّلع على هذه الرسالة فيجد فيها قصورا أو وضعا لبعض الأسماء في غير موضعها”64.

بيان الإمام: 

الكتاب عبارة عن رسالة شخصية أملاها الإبراهيمي، معتمدا على ذاكرته، وما حفظته الأيام. وضمّت دفتي الكتاب،الفصاحة والبلاغة التي ميّزت صفحاته، إلى درجة أن القارئ يتساءل، إذا كان البيان وحسن الأداء، والفصاحة والبلاغة، ميّزت الرسالة الشفهية المرتجلة، فكيف حالها لو استعان الإمام بالكتب والمراجع.

ويكفي أن القارئ، لا يمكن فهم واستيعاب الرسالة المرتجلة التي قال عنها، “أنني أمليتها في ليلة” 64، دون الاعتماد على القواميس الشارحة، والبحث عن غريب الألفاظ، والسؤال عن المستشكل منها.

ومن حسن حظ القارئ، أن الأستاذ سامي غرمول، اعتمد بدوره على جملة من القواميس لشرح الصعب من الألفاظ، ومالم يُدرك في عصرنا إلا بالرجوع إلى المعاجم، وقد دوّنها في هامش كل صفحة، وجمعها في صفحات المراجع، 69 – 73.

للتذكير، فإن من خصائص علماء المغرب العربي، الشفاهة والارتجال، لما رُزقوا من قوّة الحفظ، وسلامة الذاكرة، وأسُس قوية متينة في التعلّم، وإبداع في التعلم، إلا أن هذا الارتجال كانت له سلبيات ومازالت، في ضياع تراث ثمين، فقدت الأمة بعض خصائصها بفقدانه، نأمل أن يُدوّن الشفهي، وينشر من جديد.

تدجين الحيوان.. وتدجين الإنسان

يثير الإمام حقيقة مفادها، أن العرب سبقوا الأوربيين في فهم السلوكات المختلفة، للحيوانات المتعددة، لأنهم عايشوها عن قرب وضمن طبيعتها الأصلية، بينما الأوربي قام بتدجين الحيوانات، فكان فهمه قاصرا على التدجين، غير مدرك للأصل، ولم يستوعب السلوك الكلي.

واضح من القراءة، أن الإمام يكره التدجين لذاته، لما لمسه من مساوىء تذكر، حتى قال، ” واعتبر ذلك بتدجيننا – ونحن بشر – كيف اغتال خصائصنا ومقوّماتنا، ومسخ معنوياتنا حتّى أصبحنا أحطّ من بعض أنواع الحيوان” 21.

لكن المتتبع للتكنولوجيا الهائلة التي وفرتها المجتمعات الغربية لدراسة أدقّ تفاصيل الحيوانات، وأكثرها شراسة، والأموال الطائلة التي صرفت، والمجهودات المبذولة، والتي أتت أكلها على أكثر من صعيد، منها دراسة السلوك البشري والوقوف على بعض خباياه، يدرك أن ملاحظة البشير الابراهيمي، بحاجة إلى ملاحظة تفنّد شطرا منها، دون أن تعاتبه، إذا وقف مليا على تغيّر الوسائل والزمان.

العرب والصحراء: 

يرى الإمام، أن الصحراء أثّرت في قاطنيها من العرب، “فأورثتهم ملكة الحواس ودقّة الحسّ ولطافة الشعور وصدق التّصوير”29.

وتبقى الملاحظة صادقة، ولو سكن العربي ناطحات السحاب، وركب الأمواج، وصعد إلى الفضاء.

خراب الضّب .. وخراب الأمم: 

يعقد الإمام، مقارنة لطيفة، حين يتساءل بأسى، عن الخراب الحقيقي، الذي يستوجب التوقف عنده، وأخذ العبرة منه، قائلا “وقد خربت مدائن الرومان والفراعنة فضلا عن جحور الضّباب” 41. فأخلاق الأمة، من دين ولغة وتاريخ وحضارة، هي التي تستدعي الصون والحماية، حتى لا يصيبها الخراب.

صلاح الأمم من صلاح الأمثال: يشير الإمام، إلى أن فساد سلوك الأمم ، مرده سوء استعمال الأمثال والحكم والأقوال، ما يعني ضرورة التركيز على المعنى الصحيح للأمثال والحكم، حتى لا تقع الأمم والأجيال في الخطأ.

موازين العرب: 

يرى أنموازين العرب “في الحياة تدور على قطب واحد وهو المَحمَدةُ والذِّكرُ” 51. فالذكر يستوجب حمد من منح ومنع، والحمد يتطلب ذكر الحي الذي لايموت، وكلاهما نعمة تؤدي إلى النعم، وتحفظها من الزوال.

علم أنساب العرب وأيام العرب وأمثال العرب: يتأسف الإمام على ضياع علم أنساب العرب وأيام العرب وأمثال العرب، ليؤكد أنه “محال أن يزدهر الأدب العربيّ ويؤثر آثاره المرغوبة في ناشئتنا إلا إذا استكمل الأدباء هذه الأجزاء المفقودة” 60.

عمر الرسالة وأصحابها: 

ولد الإبراهيمي بتاريخ، 1306 هـ – 1889م، ومات 1385 هـ – 1965. وقدمت لابنه الهدية بتاريخ 1359 هـ – 1940، مايعني أن عمر الإمام يومها كان 53 سنة هجري ويقابلها51 سنة ميلادي، وابنه أحمد طالب الإبراهيمي، كان عمره 08 سنوات، لأنه من مواليد 1932. وكان سن صاحب الهدية، الأستاذ أحمد بن أبي زيد قصيبة، أثناء تقديمه للهدية، 21 سنة.

وهذه التواريخ، تدل أن الإمام كتب هذه الرسالة، 05 سنوات قبل أحداث ماي 1945، و14 سنة قبل اندلاع ثورة 1 نوفمبر 1954، و 25 سنة قبل وفاته.

رسائل السجن: 

كُتبت الرسالة بالسجن، إبّان الاستدمار الفرنسي، وقارئها لاشكّ يتنعم، وهو يتصفّحها، بفضائل سجين، لم تحبسه الأسوار عن الإبداع، ولم يوقفه الاستدمار عن النصح والبيان.

وتشاء حكمة ربك، أن ابنه، أحمد طالب الإبراهيمي، بدوره سُجن فيما بعد، فكتب كتابا سماه، “رسائل من سجن”.

 

آخر التغريدات: