عالمية رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين

عالمية رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين

يقول الشّيخ الإمام محمّد البشير الإبراهيمي: “لجمعية العلماء في كلّ نقطة من السّياسة الجزائرية رأي أصيل تجهر به وتدافع عنه، وتذيعه في النّاس وتخالف رأي غيرها بدليل، وتوافقه بدليل لأنّها لا تقبل التّقليد في الدّين وكيف لا تقبله في الدّنيا؟ وصفوة رأي الجمعية في السّياسة الجزائرية تحرير الجزائر على أساس العروبة الكاملة والإسلام الصّحيح والعلم الحيّ، وعلى ذلك فهذه الجهود الجبّارة التي تبذلها جمعية العلماء في سبيل العربية والإسلام والتّعليم كلّها استعداد للاستقلال، وتقريب لأجله، ولكن كثيرا من قومنا لا يفقهون، أو لا يريدون أن يفهموا.”

 حين يكثر الظّلم في مجتمع وتتفشّى فيه أنواع الجور من ربا وبيروقراطية وغش ومحسوبية، فصاحب الحقّ لا ينال حقّه بل يبقى كالمعلّقة حتّى يدفع الرّشوة أو (القهوة)، فتعمّ هذه الظّواهر باسم القانون، فيستنجد المواطن بالنّقابات أو الجمعيات أو الأحزاب الفاعلة لعلّها تقدّم شيئا.

ويوم احتلّ العدوّ الفرنسي الجزائر وتمكّن من إذلال الشّعب الجزائري قام هذا الأخير بمقاومات عديدة بمعية قائد أو زعيم ليثأر بنفسه باسم الجهاد، فكان يُقاتل ويُقتل حتّى يطرد المستدمر اللّعين.

وقام الاحتلال الفرنسي اللّقيط بخطّة جنونية تمثّلت في مضاعفة جرائمها بتهجير الزّعماء وقتلهم وتشريدهم… فوجد الشّعب الجزائري نفسه قد فقد هؤلاء وإلى الأبد

وعليه قام الاحتلال الفرنسي بالحفل التّاريخي في الخامس جويلية 1930، وهي الذّكرى المئوية لاحتلال الجزائر، غير آبه بمشاعر الجزائريّين.

لكنّ الله عزّ وجلّ قيّض لهذه الأمّة رجالا علماء من الطّراز الرّفيع والمعدن النّفيس، من أبناء القطر الجزائري. تسلّحوا بسلاح العلم الذي يفحم الظّالم الجاهل، ويواجه المحتل بالعلم النّافع، متّوكّلين على الله الحيّ الذي لا يموت.

إنّها جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين التي ظهرت في الخامس مايو 1931 على أيدي شيوخ في سنّ الشّباب ذوي عقدين والثّلاثة عقود، عاقدين العزم على تحرير الجزائر ولو بعد حين، مستعينين بقوله تعالى: “إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.”

وبدأ عمل شيوخ جمعية العلماء الجاد متوكّلين على الله رافعين المصحف الذي غيّر قوما من رعاة إبل إلى رعاة أمم، والسّيرة النّبوية التي قوّمت قريشا وأقوام الفرس والرّوم.

فطافوا على ولايات البلاد يزرعون فكرة الإصلاح بكلّ ثقة، فوجدوا المواطن مستعدّا كلّ الاستعداد ورهن الإشارة لتحقيق الشّعار الثّلاثي: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا، وعاشوا مع الشّعب الجزائري في خندق واحد. قائلين للشّعب الجزائري على لسان الشّيخ عبد الحميد بن باديس: “قولوا لفرنسا إذا قُدّر لها أن تحتفل بالذّكرى المئوية، فلن تُعاود.”

وكان للعلماء مواقف مع الإدارة الفرنسية وأمنها في صراع دائم، فكان الاحتلال مرّة بلباس رجل الكنيسة الموقّر في زعمهم، ومرّة أخرى بلباس العسكري المحترم أو بلباس الرّجل العادي المتحضّر، كما جاء في قصص كليلة ودمنة عن الحيوان المفترس الذي لبس جِزّة (إيهاب) الكبش وهو الذّئب الماكر الخدّاع.

إنّ لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين الفضل الكبير بعد الله عزّ وجلّ على الشّعب الجزائري في محاربة الجهل، والتّشجيع على طلب العلم وحبّ الوطن والتّعلّق به بشهادة الأحرار في العالم. وقد تنكّر لها البعض من بني جلدتنا نكرانا لا غرابة في ذلك لأنّهم تنكّروا لمبادئهم وهويّتهم مباشرة بعد الاستقلال..

وكما عملت جمعية العلماء في داخل الوطن الجزائري على رصّ الصّفوف وتنوير العقول لتحريرها، فما كان لها أن تعمل في حيّز ضيّق منغلقة على نفسها في عمل محلّي كما يحلو لمن جهلوا جمعية العلماء المسلمين تاريخيا أن يصفوها، وتجاهلوا حتّى نشاطاتها العظيمة التي أنصفها علماء ومفكّرو العالم الإسلامي، فتقالّها الآخرون بزعمهم وانصرفوا عنها، بل كانت للجمعية جولات وصولات، وصدى واسع لتدويل القضية الجزائرية في العالم بما أوتوا من عُدّة الرّجال وقوّة الإعلام متوكّلين على الله سبحانه وتعالى.
منها إرسال الشّيخ محمّد خير الدّين مبعوثا خاصا داخل المملكة المغربية الشّقيقة يمثّل جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين في تبنّيها للثّورة التّحريرية المباركة، ونشر فلسفة عمل الجمعية مع نظرائها بالمغرب عبر جريدتها الأسبوعية “البصائر” التي كان يقرؤها ملك المغرب محمّد الخامس رحمة الله عليه أسبوعيا، وكذا علماء المغرب الشّقيق.

كما أخبرني والدي عن الشّيخ السّعيد الزّمّوشي رحمة الله عليهما يوم هاجر إلى المملكة المغربية استقبله علماء المغرب وكان يُلقي دروس الوعظ والإرشاد بأحد مساجد وجدة، فأحبّه المواطنون؛ ولمّا مرض عاد الطّبيب وكتب له وصفة دواء بها إحدى وأربعين حقنة من نوع “بينيسيلين” قام والدي بحقنها له، ولمّا اشتدّ عليه المرض اقترح الإخوة المغاربة على الشّيخ الزّمّوشي التّكفّل بنقله إلى إحدى المستشفيات بفرنسا للعلاج فرفض الشّيخ معلّلا رفضه بأنّ فرنسا تحارب إخوانه بالجزائر وهو يذهب ليعالج بها؟

ولا ننسى أن نذكر زيارة وفد جمعية العلماء المسلمين بقيادة الشّيخ العربي التّبسّي مهنّئين الملك محمّد الخامس رحمه الله بعد عودته من المنفى؛ ثمّ زار الوفد مدينة فاس فاستُقبل بحفاوة كبيرة من قِبل العلماء القرويّين، وإجلالا لعلم الشّيخ العربي التّبسّي وجهاده قدّمه العلماء ليؤمّهم في صلاة المغرب.
يقول الشّيخ إبراهيم الكتّاني في مقال بعنوان “واجب الأمّة نحو تاريخها وأبطالها”: “..وفي ربيع سنة 1936 كنتُ ضيفا على الشّيخ البشير رحمه الله بمنزله في تلمسان، وكنّا نقضي الأوقات الطّويلة في الأحاديث المختلفة، وكان يطرب كثيرا لأخبار ثورة التّحرير الرّيفية التي قادها البطل عبد الكريم الخطّابي رحمه الله، وعندما ذكرتُ له مرّة ما قام به في هذه الثّورة الجنود الرّيفيّون الذين سبق لهم العمل في الجيش الاسباني قال لي رحمه الله: (وكذلك نحن في الجزائر نعلّق أملا كبيرا على شبابنا الذين يؤدّون الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي عندما يحين الوقت لحمل السّلاح في وجه المستعمر المغتصب).
ومن طنجة بالمغرب الشّقيق يبعث الأستاذ أبو بكر حسن اللّمتوني قصيدة موسومة: تحيّة لجمعية العلماء المسلمين اقتطفتُ منها:

ألا في انتظار الفتح تلك البشائر ** وفي السّرّ ما تنبيك عنه (البصائر)

فها هي ذي (جمعية العلماء) كم ** تقلّب عنها للعدوّ المصائر

تبنّيتِ آلام الجزائر كلّها ** وليس لآلام الجزائر آخر

فما ضارعت عزم (البشير) عزائم ** ولا نافست نطق (البشير) مناصر

فلو لم يكن برّا لَقُلت: أفاتن؟ ** ولو لم يكن حرّا لقلت: أساحر؟

تناهى إليه كلّ فضل فلن يرى ** لساحته من رائع الشّعر حاصر

ما أنا إلاّ شاكر بعض فضله ** إذا كان في هذي البسيطة شاكر

عليه سلام الله ما سار ذكره ** وما خلدت ذكرى الرّجال المآثر

أمّا في تونس الزّيتونة فكان علماؤها وعلماء الجزائر لا تفصل بينهم الحدود، حتّى أنّ جمعية العلماء كانت تبعث طلاّبها بجامعة الزّيتونة ليكملوا تعليمهم.

وفي مصر أمّ الدّنيا كما يقال عنها، كان لأعضاء جمعية العلماء صولات وجولات فيها، فكان الشّيخ الأستاذ فضيل الورتلاني يُلقي دروسا خاصّة مساهمة منه مع جماعة الإخوان المسلمين في نشر الوعي السّياسي الإسلامي، ولتأثيره فيهم أحبّوه وكانت له حظوة كبيرة عندهم.

أمّا الإمام البشير الإبراهيمي فقد التفّ حوله العلماء والدّعاة فأفادوا منه الشّيء الكثير. وقد بُويع بالإمامة في مجمّع اللّغة العربية. يقول الشّهيد الأستاذ سيّد قطب في مقال موسوم “كفاح مرير” من حلوان بالقاهرة نُشر بالبصائر العدد 214 السّنة الخامسة: “..ولقد عرفَت جمعية علماء الجزائر كيف توثق هذا الحبل، وكيف ترفع ذلك المشعل، فعرفَت كيف تجمع الشّاردين وكيف تؤمّن أمامهم الطّريق وكيف تخلق ذلك البعث الذي لن تموت الجزائر بعده ولن تهين ولن تستسلم، والعالم كلّه قد صحا من سباته العميق.”
وأضاف قائلا الشّهيد: “وإنّني لأكتفي اليوم بهذه الكلمات القلائل تحيّة لجمعية علماء الجزائر وشيخها الجليل الذي يحاورنا اليوم، فيبعث فينا من روحه القوي شعاعا حارا، ويشعرنا بأنّ في العالم الإسلامي رجالا… رجالا من طراز فريد ولن يموت هذا العالم وهو يبعث من أعماقه بمثل هؤلاء الرّجال.” مذكّرات الشّيخ خير الدّين ج1، ص:401.

أسجّل هذه المواقف بين علماء الجزائر وعلماء العالم العربي ليعلم إخواننا التّواصل المستمر بينهم، وعدم التّفكير في غياب الرّباط الوطيد الذي كان بينهم، ظانّين أنّهم كانوا في واد والآخرون في واد ثان، أو كانوا في عالم آخر إن لم نقل أنّهم كانوا في عصر غير عصرهم منفردين.

وعن بلاد اليمن، فإنّ فضيلة الشّيخ الفضيل الورتلاني اتّهم بضلوعه في تخطيط الانقلاب باليمن، وقامت جماعة من الكرام بمساعدته للخروج من بلاد اليمن عبر البحر، وبقي مدّة شهر أو يزيد على ظهر السّفينة لا تستقبله أيّ دولة عربية مخافة منه على نظامها، حتّى لقّب بالسّندباد البحري. ثمّ بعد ذلك صار من المطاردين للموالين للاحتلال الفرنسي.

أمّا في المدينة المنوّرة فكان الشّيخ البشير الإبراهيمي يُلقي دروسا في المسجد النّبوي الشّريف وعمره لا يتعدّى أربعة وعشرين عاما.

وفي سوريا درس ودرّس بالمدرسة الأشرفية، وله علاقات طيّبة مع علمائها وشيوخها، كما لا ننسى دولتي الهند وباكستان كانت لجمعية العلماء بصمات فيهما، ومودّة مع الشّيخ أبي الأعلى المودودي وغيره من العلماء

لقد أرسل الشّيخان البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني إلى حضرتي صاحبي الفخامة السّيّد غلام محمّد حاكم باكستان العام، ودولة السّيّد محمّد علي رئيس الوزارة الباكستانية -كراتشي- برقيّة في قضيّة عالِم من أكبر علماء الإسلام ومن أعظم دعاته وهو الشّيخ أبو الأعلى المودودي الذي حُكم عليه بالإعدام ثمّ بأربع عشرة سنة سجنا والتي جاء في محتواها أنّ هذا الحُكم أحزن مئات الملايين من المسلمين في العالم، وأفرح أعداء الإسلام كلّهم.. طالع كتاب: آثار محمّد البشير الإبراهيمي الجزء الرّابع الصّفحة 697.

ومثل هذا النّوع من البرقيات رسالة احتجاج إلى رئيس جمهورية مصر العربية في ذلك الوقت لتخفيف الحُكم عليه بالإعدام الصّادر في حقّ الكاتب والدّاعية الإسلامي الشّهيد سيّد قطب، إلاّ لأنّه قال ربّنا الله.
وفي قلب فرنسا كان للجمعية شيوخا يمثّلونها منهم الثّائر الفضيل الورتلاني والسّعيد الصّالحي ومحمّد الصّالح بن عتيق وآخرون… بعثتهم جمعية العلماء من أجل إصلاح أحوال الجزائريّين واحتضانهم الذين هاجروا إليها ظلما وإمّا من أجل العمل ليعولوا عائلاتهم التي بقيت تحت نير الاستدمار اللّعين.

ويوم سافر بعض علماء الجمعية على رأسهم الشّيخ عبد الحميد بن باديس، سنة ألف وتسعمائة وستّ وثلاثين رفقة وفد من زعماء الأحزاب، قال الجنرال بيجو للشّيخ: إنّ لنا مدافع ذات مصورات طويلة، فردّ عليه الشّيخ ولم يتركها له لتمر مرّ الكرام: وإنّ لنا مدافع أطول! فتعجّب الجنرال من ردّه السّريع، فأخبره الشّيخ بأنّ هذه المدافع إنّما هي صيحة الثّائر: الله أكبر. إلاّ أنّ الإرهابي بيجو وأمثاله لا يدركون مداها.
أضيفوا إلى معلوماتكم أيّها المتنكّرون لأعمال جمعية العلماء يوم أعلن الدّكتور بُنْوَة اعتناقه الدّين الإسلامي بمسجد باريس في عشرين فيفري 1953 بشهادة صديقين وهما الشّيخ صبحي الصّالح من لبنان، والشّيخ محمّد بركاني من الجزائر وسمّى نفسه علي سليمان.

يقول الدّكتور علي سليمان (بنوة) في مقال موسوم “كيف اعتنق الدّكتور بنوة الإسلام؟” بمذكّرات الشّيخ خير الدّين الجزء الأوّل الصّفحة 399: “..أكتفي بما ذكرتُ الآن عن سبب إسلامي ويسرّني وقد أصبح في وسعي شرح أسباب إسلامي على صفحات هذه الجريدة أن أصرّح من جديد بإيماني على الملأ من إخواني المسلمين مُشهدا إيّاهم على قولي: (أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله) كما أُبلِّغ هذه الشّهادة لجريدة “البصائر” بواسطة مندوب جمعية العلماء بباريس الشّيخ السّعيد البيباني.” حرّر بباريس يوم 24 فيفري 1954 تعريبا عن جريدة الشّاب المسلم.

وفي المرجع نفسه يقول الأستاذ التّجاني الفوتي في مقال بعنوان “نهضة إفريقيا الغربية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين”، بصفحة 398: “والحقّ أنّ إفريقيا الغربية مدينة في نهضتها الإسلامية الحاضرة (لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين) التي حملت إليها بواسطة جريدتها (البصائر) هِداية الإسلام الصّحيح، فأيقظت الأذهان الكليلة ونبّهت القلوب الرّاقدة، وبعثت في الشّباب روح التّضحية والاستماتة في سبيل الدّفاع عن بيضة الإسلام.”

وقال أيضا: “إنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين قوّة كبيرة في الإسلام لا يُستهان بها، ومن العجيب أن يُدرك أعداء الإسلام هذه الحقيقة ويحسبوا لها ألف حساب، ثمّ يغفل عنها أبناء الإسلام الذين تعمل لهم جمعية العلماء وتذود عن عقائدهم ودينهم دسائس الاستعمار ومكر الماكرين.”

وتبقى قضية فلسطين قضية كلّ مسلم حرّ، على الرّغم من أنّ الجزائريّين كانوا يعانون من ظلم الاستدمار وعنف الاحتلال وسياسة التّشويه للهُوية الجزائرية ومسخها، فلم ولن يتخلّوا على فلسطين وجعلت جمعية العلماء المسلمين فلسطينَ جزءا من قضيّتها الأساسية.

قال الشّيخ البشير الإبراهيمي في مقال نُشر في العدد الخامس من جريدة البصائر سنة 1948 بعنوان “تصوير الفاجعة”: “يا فلسطين! إنّ في قلب كلّ مسلم جزائريّ من قضيّتك جروحا دامية، وفي جفن كلّ مسلم جزائريّ من محنتك عبرات هامية، وعلى لسان كلّ مسلم جزائريّ في حقّك كلمة متردّدة هي: فلسطين قِطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصّغير؛ وفي عنق كلّ مسلم جزائري لك –يا فلسطين- حقّ واجب الأداء، وذمام متأكّد الرّعاية، فإن فرّط في جنبك أو أضاع بعض حقّك فما الذّنب ذنبه وإنّما هو ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه والمرء وداره والمسلم وقِبلته”.

ويقول أيضا في نفس المقال: “أيظنّ الظّانّون أنّ الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة تنسى فلسطين، أو تضعها في غير منزلتها التي وضعها الإسلام من نفسها، لا والله ويأبى لها ذلك شرف الإسلام ومجد العروبة ووشائج القربى..”

ويقول أيضا في نفس المقال متحدّيا الصّهاينة في ذلك الزّمن وهي في أوجّ قوّتها وجبروتها وطغيانها بعد التّآمر على فلسطين واحتلالها: “أيّها العرب! إنّ قضية فلسطين محنة امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم وإنّما هي للعرب كلّهم، وليست حقوق العرب فيها تنال بأنّها حقّ في نفسها، وليست تنال بالهوينا والضّعف، وليست تنال بالشّعريات والخطابيّات، وإنّما تنال بالتّصميم والحزم والاتحاد والقوّة. إنّ الصّهيونية وأنصارها مصمّمون، فقابلوا التّصميم بتصميم أقوى منه وقابلوا الاتّحاد باتّحاد أمتن منه.

وكونوا حائطا لا صدع فيه ** وصفّا لا يرقّع بالكُسالى”

وقال الشّيخ البشير في مقال موسوم “العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء”، الجزء الثّاني من آثار محمّد البشير الإبراهيمي الصّفحة 501:

“..وويح الجميع!.. إنّ غرس صهيون في فلسطين لا ينبت، وإذا نبت فإنّه لا يثبت، فانتظروا إنّا معكم من المنتظرين.”
ويختم المقال: “أيّها العرب، أيّها المسلمون! إنّ فلسطين وديعة محمّد عندنا وأمانة عمر في ذمّتنا وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منّا ونحن عصبة إنّا إذًا لخاسرون.”

ومن أراد أن يتمعّن في هذا الموضوع بقلب يتعصّر دما وأعين تذرف دمعا عليه بقراءة “عيد الأضحى وفلسطين” وعناوين أخرى بالجزء الثّاني من آثار محمّد البشير الإبراهيمي بالصّفحات الأخيرة منه.
لم تكن جمعية العلماء بالتي تخطب في كلّ النّوادي بلا عمل، وتبكي على فلسطين في المؤتمرات، بل ترأّس الشّيخ البشير الإبراهيمي لجنة إغاثة القدس، ومازالت تؤتي أُكلها إلى يومنا هذا بنَفس طويل وثوب جديد.

كما جاء في كتاب جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين ودورها في تطوّر الحركة الوطنية الجزائرية 1931-1945 للدّكتور عبد الكريم بوالصّفصاف، الصّفحة 316 بعنوان “سمعة الجمعية وعلاقتها بالشّرق العربي”:
أمّا في العالم فقد كانت جمعية العلماء من أقوى الجمعيات شهرة في العمل على الخير والصّالح العام ومن أكثرها إنتاجا وأوسعها سمعة، وقد شهد لها بذلك بعض علماء الشّرق العربي الذين ذكروا أنّ جمعية العلماء كانت تعمل في دائرة الإسلام ولفائدته واعتزاز الشّرق العربي بهذه الجمعية يعتبر الشّهادة الصّادقة بأنّ هذه المنظّمة الإسلامية موفّقة في سيرها نحو غايتها.”

يقول الدّكتور أحمد طالب الإبراهيمي في مذكّراته، الجزء الأوّل الصّفحة 57 حين يتحدّث عن اتّصالات والده الشّيخ البشير الإبراهيمي مع مراسليه في العالم: “كان والدي يملي عليّ حينئذ مراسلاته، وكان يملي في المتوسّط رسالتين أو ثلاثا في اليوم؛ يبعث بها إلى مراسليه الموزّعين عبر العالم في أمريكا اللاّتينية وآسيا وأروبا والمشرق خاصّة. وأصبحت بعض الأسماء مألوفة عندي مثل الشّاعر شفيق معلوف في ساوباولو، والمستشرق عبد الكريم جرمانوس في بودابست، وراعي العلماء والأدباء محمّد نصيف في جدّة، والكاتب طه حسين في القاهرة وغيرهم…” إلى أن يقول: “…وأتحسّر كثيرا على ضياع الرّسائل التي وجّهها والدي إلى طه حسين ، عندما تولّى وزارة المعارف، والمتعلّقة بمشروع إنشاء معهد ثقافي مصري في باريس، كان والدي يشجّعه بكلّ ما لديه من قوّة.”

وأثناء عودتي إلى بعض المراجع لأبيّن عالمية رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين لم أتمكّن من جمع صداها لكثرتها ليس عجزا منّي وإنّما هو بحث متواضع حتّى يجد مكانا في صفحات جرائدنا ومجلاّتنا، ورغم محاولتي للاختصار، غلبتني المعلومات المتهاطلة فالموضوع أكبر منّي لأنّ الرّسالة عظيمة ورجالاتها عظام بشهادة القاصي والدّاني. وعليه ألزمت على نفسي أن أضع بين يدي القارئ بعض المراجع التي استعنت بها على هذا المقال، وبعض الصّور الفوتوغرافية.

وأخيرا قام علماء العراق بتأسيس جمعية إسلامية دعوية سمّوها على بركة الله بجمعية العلماء المسلمين العراقيّين، تيمّنا وتبرّكا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، وجعلت لنفسها جريدة البصائر لسان حالها تيمّنا بالأولى صاحبة الفضل والسّبق “جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين.”

 

* مكلّف بالإعلام والثّقافة – المكتب الولائي تلمسان – جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين

المراجع:

• الجزء الثّاني والرّابع من آثار محمّد البشير الإبراهيمي. التّراث المؤسّسة الوطنية للكتاب.

• مذكّرات الشّيخ محمّد خير الدّين. الجزء الأوّل. المؤسّسة الوطنية للكتاب.

• جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين ودورها في تطوّر الحركة الوطنية الجزائرية 1931-1945 للدّكتور عبد الكريم بوالصّفصاف. عالم المعرفة الجزائر.

• مذكّرات جزائري أحلام ومحن 1932-1965. للدّكتور أحمد طالب الإبراهيمي. الجزء الأوّل. دار القصبة للنّشر

 

آخر التغريدات: