العلماء والسياسة.. ابن باديس رحمه الله أنموذجاً

العلماء والسياسة.. ابن باديس رحمه الله أنموذجاً

ظهر في العالم الإسلامي قوم من العلمانيين لا يرون أن الإسلام صالح لحكم حياة الأمة الإسلامية في جميع شؤون الحياة، فقد ظهر في مصر بعد انهيار الخلافة الإسلامية أو القضاء عليها كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم  الذي يزعم فيه أنه ليس في الإسلام نظام للحكم، فالإسلام في نظره مجرد شعائر تعبدية ودعوة إلى الأخلاق، أما الحكم فلا شأن للإسلام به. 

وما زالت هذه المقولة تتكرر على ألسنة وأقلام العلمانيين في أنحاء العالم الإسلامي حتى اليوم. وهم كثر ومن بينهم على سبيل المثال محمد سعيد العشماوي، وصادق جلال العظم وتركي الحمد وغيرهم كثير. وعلينا أن ندرك أن مسألة الحكم والإسلام مسألة مهمة فقد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحكم من آخر ما ينقض من عرى الإسلام .

ويرى الشيخ محمد المبارك في كتابه نظام الإسلام ـ العقيدة والعبادة، أن دراسة النظم تهتم بـ “تجميع عناصر الإسلام العقلية والعملية والنفسية، وجوانبه الإيمانية، والعبادية والأخلاقية والتشريعية في وحدة مركبة كاملة”. ويضيف أن كلمة نظام “تفيد أن لكل دين أو مذهب طريقة أو نظاماً ينظم به أجزاءه وأقسامه ومبادئه النظرية والعملية. ففي العالم أنظمة متباينة، فنظام للبوذية، ونظام للشيوعية، ونظام للديمقراطية ،ونظام للمسيحية وهكذا.”

تأتي السياسة في مقدمة الأمور التي اهتم بها العلماء المسلمون حتى جعلوا باب الإمامة من أبواب العقيدة. وما كانت هذه السطور ضرورية في الحديث عن الإسلام والسياسة، لولا أن الغزو الفكري الذي ابتليت به الأمة في القرون الأخيرة قد أدخل في فكر المسلمين الانفصال بين الدين والسياسة حتى أصبحت السياسة حكراً على طبقة من السياسيين المحترفين، وفهمت السياسة على أنها فن الخداع والمكر، وأن العلماء لا يصلحون للحديث في السياسة بله العمل فيها. وللتأكد من أن الإسلام لم يفرق بين السياسة والدين فليرجع إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليرى كيف أنه عليه الصلاة والسلام قد مارس جميع الأعمال السياسية، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون. وأما الفصل بين العلماء والعمل السياسي فقد كان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم أجمعين علماء بالإسلام -بل أعلم الناس به- وعرف التاريخ الإسلامي كثيراً من الحكام الذين كانوا على درجة عالية من العلم بالإسلام.

وعلى من يريد أن يعرف مكانة السياسة في الإسلام فلينظر إلى عدد المرات التي ظهرت فيها قصة فرعون وبخاصة في المجال السياسي وأكتفي هنا بذكر بعض الآيات:

         (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) {10/83}

         ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) {28/4}

         (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) {43/51}

         (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ {28/8}

         قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ {40/ 29}

         فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ {43/54}

         يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ {38/26}

         إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا {4/58}

يهدف هذا البحث(1) إلى عرض صور من كفاح العلاّمة المجاهد الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله  ضد الاحتلال الفرنسي. ومن خلال هذا العرض يحاول الباحث الإجابة عن بعض التساؤلات حول موقف العلماء من العمل السياسي ، وتوضيح مكانة العلماء في قيادة الأمة التي أشار إليها الأستاذ محمد قطب في مقولته التي جاء فيها:”لقد كان علماء الدين في تاريخ هذه الأمة هم قادتها وموجهيها ، وهم ملجأها كذلك إذا حزبهم أمر وملاذها عند الفزع.”(2)

وكما كان العلماء هم قادة الأمة ومرشديها في أمورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية ،كذلك كانوا دعاتها إلى الجهاد كلما حدث على الأمة عدوان يذكرونها بالله وباليوم الآخر،  وبالجنة وبالنار،  وكانوا يشاركون في الجهاد بأنفسهم أحياناً بل يقودون الجيوش بأنفسهم أحياناً (3)

ولما ابتعد العلماء عن الساحة أصبحت القيادة في يد مجموعة من الزعماء العلمانيين الذين صاغهم الاستعمار والغزو الفكري الذين أخذوا يطالبون بحقوق الجماهير، ويطالبون أن تكون الأمة مصدر السلطات، وأن يكون للحاكم حدود يلتزم بها ولا يتجاوزها.(4)

حين أصبحت القيادة في يد هؤلاء فإن من حقنا أن ندعو العلماء للعودة إلى القيادة بعد أن يستعدوا لها و يبغونها لوجه الله لا لمطمع دنيوي أو مصلحة شخصية.  وسيكون الحديث في هذا البحث عن الشيخ عبد الحميد بن باديس (5)، نذكر بعضاً من مواقفه العلمية والقولية مما يساعدنا على فهم موقف العلماء في الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي ومن العمل السياسي بعامة.

لئن ابتعد العلماء المسلمين من ذوي الاختصاص في العلوم الشرعية عن السياسة في القرن الأخير ، فإن لنا في ماضي هذه الأمة ما يؤكد لنا ممارستهم للسياسة بكل ما تعنيه هذه الكلمة. ألم يكن الإمام السنوسي رحمه الله يعمل مع تلاميذه – ولا أبالغ إن قلت النخبة من شعبه – يوماً في مزارع الزاوية وفي يوم ثان يتعلمون صناعة من الصناعات ، وفي يوم ثالث يتدربون على الفروسية والقتال (6). ألَم يؤسس الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله جمعية التربية والتعليم بقسنطينة ويلحق بها مصنعاً للنسيج ، ويثبت في نظامها الأساسي تعليم الصنائع وإرسال بعض أبنائها إلى المعامل الكبرى للتعلم والتدريب .(7)

وقد يبدو للبعض أن العلماء قد ابتعدوا عن السياسة والعمل فيها لأن السياسة قد أضحى لها مفهوم عجيب، لأننا أخذنا هذا المفهوم من اللغات الأوروبية التي تربط السياسة بالخداع والغش والكذب والمناورة. وننقل هنا ما استشهد به أحمد لطفي من كلام أحد المفكرين الغربيين:” إن أدب السياسة الدولية هو أدب القرصان، أدب الخداع…فأين أدب السياسة والسياسيين ،وإلى أي شيء مرده ، إلى محكمة الضمير وقد جرى العرف على أن السياسة لا ضمير لها.(8) ولنلتفت الآن إلى تعريف لفظ السياسة في اللغة العربية فهي تدل على الرعاية والاهتمام والمداراة .وقد جاء في لسان العرب أن كلمة سياسة معناها القيام على الشيء بما يصلحه(9). وقد عرفها المقريزي في خططه أنها “القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال.” (10)وقال أبو البقاء :” السياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل.”(11). وأما زعمهم أن السياسة هي فن الغش والكذب فليس في حياة المسلم أي مكان لذلك حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالصدق وحث عليه و حذّر من الكذب في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم ( وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا)(12).

وقد أصبحت السياسة في عصرنا علماً مستقلاً له مناهجه وبحوثها المختلفة ، وتطورت المفاهيم وتعقدت حتى إن تعرف السياسة أصبح هو الآخر يعكس هذا التطور والتعقيد ،وفي ذلك يقول أحد الباحثين إنّ السياسة أو مفهوم السياسي بأنه :” مجموعة العلاقات التي تتناول الحكم والسلطة.”(13) ويعرض هذا الباحث لأقوال العلماء الغربيين من أرسطو وماكس فيبر وغيرهما ويضيف قائلاً:” إن السياسة إنما تتعلق أساساً بالأفكار و المبادئ اللتين تكونان الجسم ( العقدي) الذي يصنع القرارات في داخل الجماعة، وبما يتضمنه من مؤسسات سياسية رسمية وغير رسمية والتي يناط بها ممارسة المسؤوليات العامة”(14).

ولئن لم يتطور لدى المسلمين علم بالمعنى المفهوم لدى الغرب اسمه ” علم السياسة” فإن الفقه الإسلامي وهو العلم الذي يشمل السياسة وغيرها يضم في فروعه ما يسمى ( السياسة الشرعية) أو ما يطلق عليه” الأحكام السلطانية” وهذه تتعلق بالدولة وأجهزتها ومؤسساتها ، ومسؤولية كل جهز وكل مؤسسة ،ولا نود أن نطيل في هذه القضية ، فنقول إن من التعاريف الدقيقة لما هو سياسي أو سياسة ما كتبه أحد الباحثين المسلمين:” إنما السياسة هي الإدارة العامة لشؤون الناس ، إما تفضي إلى عدل أو إلى ظلم ، والقرار السياسي – في محصلته النهائية -هو الذي يحدد طبيعة السكن الذي نسكنه، وطبيعة الطريق الذي نعبره، وطبيعة الجريدة التي نقرؤها ، وطبيعة المذياع الذي نسمعه، وطبيعة التلفاز الذي نشاهده، وكمية الدراهم التي نحملها في المحفظة.”(15)  

فإذا كان هذا هو تعريف السياسة في اللغة وفي الاصطلاح وكيف أن الإسلام دين يدعو إلى الصدق والأمانة والتقوى فما موقف العلماء من العمل في السياسة ؟ هل كانوا يفهمون السياسة وهل عملوا في الميدان السياسي.وهل كان يحق لهم أن يعملوا في السياسة؟ هذه أسئلة كبيرة وخطيرة و لا أزعم أنني وجدت الإجابة عنها جميعاً ولكني سأقف عند بعض المواقف والأقوال في حياة العلماء لعلنا نجد شيئاً من الإجابة عنها أو بعضها.وفيما يأتي نبذة من مواقف وأقوال بعض علماء الجزائر لتوضيح مواقفهم من الاحتلال الفرنسي ومن العلم السياسي.

أولاً : عبد الحميد بن باديس .

كتب الشيخ عبد الحميد بن باديس في السياسة كثيراً، وقد عدّها جزءاً مهما من نشاطه الإسلامي، وفيما يأتي بعض هذه الأقوال:

مشاركة العلماء في السياسة عند ابن باديس:

لا شك أن نشاط ابن باديس السياسي أثار استنكار الحكومة الفرنسية وإدارتها الاستعمارية في الجزائر، بالإضافة إلى بعض الجزائريين الذين تأثروا بالفكر الفرنسي ،فكتب ابن باديس يرد على هذا الاعتراض قائلاً: ” ثم ما هذا العيب الذي يعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة، فهل خلت المجالس النيابية الكبرى والصغرى من رجال الديانات الأخرى؟ وهل كانت الأكاديمية الفرنسية خالية من آثار الوزير القسيس رشليو؟ أيجوز الشيء ويحسن إذا كان هناك ويحرم ويقبح إذا كان من هنا؟ كلا لا عيب ولا ملامة ، وإنما لكل امرئ ما اختار ويمدح ويذم على حسب سلوكه في اختياره.”(16)

ويقول ابن باديس حول واجب العلماء في المجتمع:” وهكذا فالإسلام لا يحجر على العلماء التدخل في أي شأن من شؤون العامة -كما يزعم البعض في هذه البلاد- بل هم أولى من غيرهم بذلك، وهم رعاة الأمة المسؤولون ، وليس لغيرهم أن يستهجن فعلهم أو يلومهم إذا هم قاموا بما يجب عليهم نحو أمتهم ، وليست مهمة العالِم في الإسلام قاصرة على التدريس والإرشاد فقط-وبعد فهل كان العلماء في كل أمة وفي كل عصر إلا قادة الفكر والسياسة والدين؟”(17)

وهنا نود أن نشير إلى التشابه الكبير بين ما قاله ابن باديس وما كتبه الأستاذ محمد قطب ، وإن كان هناك اختلاف فهو أن الأستاذ محمد قطب يحاول أن يبحث عن جذور المشكلة التي أدت إلى إقصاء العلماء عن ميدان القيادة الفكرية والسياسية، وابن باديس يحارب من أجل أن يؤكد هذه المكانة، وقد تسلمها رحمه الله بكل  جدارة، فكان زعيماً وقائداً وعالِماً.

 ويواصل ابن باديس تأكيد مكانة العلماء السياسية ، فلم تكن السياسة في نظره حراماً على العلماء وحقاً واجباً على غيرهم. فحين دعي للمشاركة في حفل علمي في تونس سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة (سنة سبع وثلاثين وتسعمائة وألف للميلاد) وطُلب إليه أن يتحدث عن أحوال الجزائر العلمية والثقافية، أبى أن يتحدث عن العلم والثقافة وحدهما ، وتحدث في السياسة ليترك لنا الدرس الذي لم يتعلم في حينه. ولكن الأمة تتعلمه تدريجياً . فما ذا قال ابن باديس؟  ” كلامنا اليوم عن العلم والسياسة معاً، وقد يرى بعضهم أن هذا الباب صعب الدخول لأنهم تعودوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن مسالك السياسة مع أنه لابد لنا من الجمع بين السياسة والعلم ، ولا ينهض العلم إلاّ إذا نهضت السياسة بجد.”(18)

ولعلنا ندرك العلاقة بين العلم والسياسة لو عدنا إلى التاريخ الإسلامي المجيد يوم جعل الرسول صلى الله عليه وسلم فدية أسرى بدر تعلمي أطفال المسلمين القراءة والكتابة.(19) ويوم قال النبي صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم)(20). ويزدهر العلم في ظل الدولة الإسلامية حينما كان الخلفاء يشجعون العلم ، ويمكننا أن ندرك ذلك بطلب هارون الرشيد رحمه الله من أبي يوسف أن يكتب له كتاباً في الخراج.(21)   أما في عصرنا الحاضر فإن الدول المتقدمة تهتم بالعلم والعلماء حتى رأينا كيف تقدم الجامعات الأوروبية والأمريكية الدراسات والبحوث لرؤساء تلك الدول لتكون مرشداً لهم في سياستهم، وكم عالم سياسي،وكم سياسي عالم.(22)

أليس حديث ابن باديس هذا سبق عصره ، وإن لم يكن سبقاً بالمعنى الإسلامي ، فقد عرف تاريخنا قادة علماء . ولو تركنا عهد الراشدين رضوان الله تعالى عليهم واتجهنا إلى الدولة الأموية لوجدنا عبد الملك بن مروان الذي يعد من الفقهاء، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز،وحتى في أواخر عهد الدولة العثمانية فخليفتها العظيم السلطان عبد الحميد الثاني وقبله محمد الفاتح ما كانا إلاّ عالمين قائدين.  ولكن لمّا أصبح العلم مطية للسياسة فقد العلم هيبته وسطوته.

ابن باديس واستقلال الجزائر:

عندما ظهرت الحركة الإسلامية بقيادة عبد الحميد بن باديس في الجزائر ، كان قد مضى على الاحتلال حوالي قرن من الزمان ، وكانت فرنسا قد ظنت أن الجزائر أصبحت فرنسية إلى الأبد،  فما كان لأحد أن يجرؤ على الحديث عن الاستقلال في الجزائر ،وقد زعم بعض زعماء الأحزاب السياسية أنهم أول من تناول هذه القضية ، ولكن لأن التاريخ أحياناً لا يسمع أو لا يسجل إلاّ الأصوات العالية، فإننا إذا أعدنا الأمور إلى نصابها لوجدنا أن ابن باديس أقدم في الحديث عن الاستقلال ،وأكثر أصالة ففي حديث له عن بريطانيا ومستعمراتها يقول: ” قلّب صفحات التاريخ العالمي وانظر في ذلك السجل الأمين هل تجد أمة غُلبت على أمرها ، ونكبت بالاحتلال ورزئت في الاستقلال ثم نالت حريتها على منحة من الغاصب وتنازلاً من المستبد ومنّة من المستعبد .

” كلاّ، فما عهدنا الحرية تعطى ، إننا عهدنا الحرية تؤخذ ،وما عهدنا الاستقلال يوهب ويمنح ، إننا علمنا الاستقلال ينال بالجهاد والاستماتة والتضحية ، وما رأينا التاريخ يسجل بين دفتي حوادثه خيبة للمجاهد ، وإنما رأيناه يسجل خيبة للمستجدي.”(23)   

ففي هذه الكلمات القليلة يعلنها ابن باديس بصراحة ووضوح إلى أن على الشعب الجزائري أن يعلم للاستقلال ليناله بقوة واقتدار ، وليس بالشعارات والهتاف والمطالبات التي لا تجدي نفعاً ولا تحرر ضعفاً.

هذه بعض أقوال ابن باديس في مجال السياسة ، أما أعماله فكثيرة ، ولكننا نختار جملة من مواقفه ما يؤيد قولنا بان العلماء عرفوا السياسة وعملوا بها وهم أبطالها ، وأبناء بجدتها ،فإليك بعض مواقف ابن باديس في ذلك.

العودة إلى الجزائر ورفض الهجرة:

توجه ابن باديس إلى الحج سنة ثلاث عشرة وتسعمائة وألف ، وفي المدينة المنورة زار العالم الجليل الشيخ حمدان الونيسي فنصحه شيخه أن يترك الجزائر ويهاجر إلى طيبة الطيبة. ووقعت النصيحة من نفس ابن باديس موقعاً حسناً ، ولكنه لم يبت في الأمر ، وفي لقاء له مع الشيخ حسن الهندي وفيما هما يتحدثان في هذا الأمر قال الشيخ حسين الهندي :” فلتعد إلى بلادك ، فهي ساحة جهادك وجهاد شعبك.(24) والشيخ الهندي يقصد أن فرنسا جهّلت الشعب الجزائري وقيّدته وجوّعته وفرقته، وقد رأى في ابن باديس ملامح النجابة والإخلاص والصدق.

اللقاء بين ابن باديس والإبراهيمي :

قرر ابن باديس العودة إلى الجزائر للكفاح ، ولكن بأي منهج وعلى أي خطة؟ هذا ما كان قد دار الحديث حوله بين ابن باديس والبشير الإبراهيمي، فقد التقيا في المدينة المنورة ،وكانا تربين فانعقدت بينهما الصداقة ، ومكثا ثلاثة أشهر يلتقيان كل ليلة يدرسان أوضاع الجزائر ويفكران فيما يمكن عمله إذا عادا إليها. لقد قررا أن يحاربا الجهل بالعلم ، والجوع بالدعوة إلى العمل ، والقيود بتحرير النفوس أولاً من الخرافات والشعوذة ، مناديان بالعبودية لله الواحد القهار فلا يبقى عبودية لأحد سواء  لفرنسا أو لغيرها، ويوحدا الشعب الجزائري تحت راية الإسلام ، فيبطلا مخططات فرنسا في تفريق الأمة إلى أشلاء ممزقة.(25)

 ألم يكن هذا قراراً سياسيا؟ فمثل هذه القرارات تستحق التحية والإجلال والإكبار.

ابن باديس بعد العودة إلى الجزائر:

عاد ابن باديس إلى أرض الجزائر بعد جولة قصيرة في البلاد العربية ومنها مصر ن فكان لقاء بالشيخ بخيت المطيعي ، فكانت هذه الزيارة إسهاماً في توسيع مداركه وزيادة معارفه حول الأمة الإسلامية. عاد ليبدً الجهاد فاختار كتاب (الشفاء ) للقاضي عياض (26) وما أروع هذا الاختيار ،لقد علم ابن باديس أن بالجزائر أمراضاً ولا شفاء لها إلاّ في سيرة المصطفى  صلى الله عليه وسلم ، وقضى زمناً يدرّس حتى لاحت له الفرصة لاتخاذ قرار سياسي آخر إذ حين صدرت جريدة (النجاح) شارك فيها بالكتابة حول الجزائر وما تعانيه من الاحتلال فيطالب ويطالب،(27) ولكنه بعد فترة ، رأى أن يستقل بصحافة أكثر قوة وشجاعة وإخلاص فأسس هو ونخبة من المصلحين جريدة (المنتقد).

أسس ابن باديس ( المنتقد) ليخالف أصحاب الطرق الصوفية الذين يقولون ( اعتقد ولا تنتقد)، ولكن هذا ليس كل ما في الأمر أنه يريد أن يوجه نقده بصراحة وبدون مداورة ، ولا مجاملة لينتقد كما قال:” فينتقد الحكام والمديرين والنواب والقضاة والعلماء والمقاديم ، وكل من يتولى شأناً عاماً من اكبر كبير إلى أصغر صغير ، من الفرنسويين والوطنيين ،ويناهض المفسدين والمستبدين من الناس أجمعين ، فينصر الضعيف والمظلوم بنشر شكواه والتنديد بظالمه كائناً من كان …..”(28) وكانت ” المنتقد ” كما قال ابن باديس ،فلم يصدر منها سوى ثمانية عشر عدداً حتى أصدرت الحكومة الفرنسية قراراً بإغلاقها.

أما النشاط السياسي الأكبر الذي قام به ابن باديس منذ بدأ دعوته إلى الله فهو الدعوة إلى العودة إلى الإسلام الصحيح خال من الشوائب والخرافات في الاعتقاد والتشريع وكذلك الدعوة إلى الاهتمام باللغة العربية. جاءت فرنسا إلى الجزائر لتحارب الإسلام والعربية ، وتحارب الجزائريين الذين يعتزون بانتمائهم للإسلام واللسان العربي، فنجح ابن باديس أيما نجاح في بث الشعور بالانتماء للإسلام ولغته ، ولو ذهبنا نحصي أعماله ومشروعاته لما وسعنا المقام ولكننا نذكر طرفاً من ذلك.

ففي مجال إعادة الشعب الجزائري إلى الإيمان الصحيح كانت دروس ابن باديس ومحاضراته وخطبه من أهم وسائله في ذلك ،ولم يقتصر على بلد واحد ، بل انتقل ابن باديس بدعوته إلى جميع أنحاء الجزائر ، وتعدى ذلك ليبعث الدعاة إلى فرنسا ليقوموا بالدعوة بين أبناء الجزائر الذين هاجروا إلى فرنسا طلباً للرزق أو العلم أو هرباً من القوانين الصارمة التي كانت تطبقها فرنسا في الجزائر.

ومن الأعمال الأخرى إنشاء الجمعيات المختلفة ومنها ” جمعية تجار قسنطينة”، و” جمعيات الكشاّفة” ، و “الجمعيات الرياضية ” ، و”جمعية رعاية الأيتام ” ،و ” الجمعيات الخيرية “، و ” جمعية التربية والتعليم.”

و لابد لنا أن نذكر دعوة ابن باديس إلى المؤتمر الإسلامي الجزائري العام سنة 1355هـ(1935م)، وإن كانت رئاسة المؤتمر لم تعقد لابن باديس فإنه كان الرئيس الفعلي لهذا المؤتمر ، وكان أحد أعضاء اللجنة التي أوفدها المؤتمر لعرض مطالب الشعب الجزائري على الحكومة الفرنسية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن رئاسة اللجنة التنفيذية قد عرضت على ابن باديس في الدورة الثانية للمؤتمر بعد سنة من انعقاده أول مرة فرأى أن يستشير في ذلك جمعية العلماء ، وتلاميذ الجامع الأخضر فرأى هؤلاء أن العمل السياسي سوف يعطل أعماله التعليمية وبخاصة أنه كان يلقي حوالي خمسة عشر درساً يوميا.(29)

سياسة فرنسا تدفع إلى المغامرة والتضحية:

كثرت وعود الحكومات الفرنسية للجزائريين بالنظر في إصلاح أحوالهم وإعطائهم الحقوق التي حرموا منها طويلاً ، ولكنها وعود كبرق خلب. وقد أدرك ابن باديس رحمه الله تعالى هذا الأمر وهدد فرنسا بأن الجزائريين لن يقبلوا هذه المماطلة طويلاً ، بل إن المماطلة ستقود إلى المغامرة والتضحية ، والمغامرة عند ابن باديس هي طلب الحرية ، وأن يعود المسلمون إلى العزة والكرامة التي يحفل بهما تاريخ هذه الأمة المجيد.

أما عن المماطلة وخلف الوعود فإن ابن باديس يورد بعض الأبيات التي تصور سياسة فرنسا أدق تصوير وهي :

ولعل من نظم السياســ                 ــــة أن نغش وأن  نغــر

ولعل منها أن يـــــــدس                 لنا وأن يجذب للحفــر

ولعل منها أن يبـــــــ                     ــس لنا لنحلب كالبقر

ولعل منها أن نمـــــــــــــا                طل كي يساورنا الضجر.

ويرد ابن باديس قائلاً : ” كذب رأي السياسة وساء فألها ، كلا والله  لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر الذي يقعدنا عن العمل ، وإنما تدفعنا إلى المغامرة والتضحية …وفي آخر المقال يدعو ابن باديس قومه إلى العزة والكرامة قائلاً: ” استوح الإسلام ثم استوح تاريخك ثم استوح قلبك ، اعتمد على الله ثم على نفسك وسلام الله عليك.”(30)

 

الهوامش :

* مستشار بمركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية السعودية

[1]– قدم هذا الموضوع في الندوة الدولية التي دعا إليها المجلس الشعبي البلدي بمدينة قسنطينة في الجزائر بعنوان( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها في الحياة السياسية والثقافية في الجزائر) في الفترة من 10إلى12 رمضان 1409 الموافق 16-18 أبريل 1989م.

2 – محمد قطب ،واقعنا المعاصر ( جدة): ص 326-27

3 – المرجع نفسه .

4 -قطب ، المرجع السابق ص 329

5 – عبد الحميد بن باديس هو عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن مكي بن باديس ،ولد بقسنطينة في 11 ربيع الثاني 1307 الموافق 4 ديسمبر 1889، من عائلة عريقة في الحسب والنسب ،تلقى تعليمه الأولي في قسنطينة على أيدي الشيخ محمد الماداسي حيث حفظ القرآن الكريم .وتلقى اللغة العربية والفقه على الشيخ حمدان الونيس .ثم توجه إلى الزيتونة وهو في الثالثة عشرة من عمره حتى نال شهادة التطويع .عاد إلى الجزائر وبدأ التدريس في الجامع الكبير ثم الجامع الأخضر ومسجد سيدي قموش .شارك في الكتابة بجريدة النجاح ثم لمّا وجدها لا تتحمل نشر فكره أنشأ جريدة المنتقد عام1925 .انتخب رئيساً لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عند تأسيسها سنة 1349هـ(1931م) وظل رئيساً لها حتى وفته في 9 ربيع الأول 1359هـ الموافق 16 أبريل 1940

6 -لوثروب ستودارد. حاضر العالم الإسلامي .ترجمة عجاج نويهض .م 2 ،ص 163-164.

7 -عمار الطالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، م1 ص 114.

8 -أحمد لطفي السيد .قصة حياتي ،ص 200 نقلاً عن ألدوس هسكلي، وللتوسع في هذه النقطة انظر ميكيافيللي .الأمير والمطارحات السياسية وغيرها.

9 -ابن منظور الإفريقي .لسان العرب .م6 ص108 مادة  سوس.

10-المقريزي .الخطط. ج2 ص220-221.

11 – أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوى .الكليات :معجم في المصطلحات والفروق اللغوية. نقلاً عن سعدي أبو حبيب .دراسة في منهاج الإسلام السياسي .(بيروت:1406-1985)ص 440.

12 -البخاري كتاب الأدب.

13 -إبراهيم درويش.علم السياسة .ص 23.

14 – المرجع نفسه.

15 -عبد الله فهد النفيسي.عندما يحكم الإسلام.ص،4.

16- عبد الحميد بن باديس .الصراط السوي.عدد 15 في 18رمضان 1352هـ (25 دبسمبر  1933م.

17 -ابن باديس .البصائر ،العدد 43في 28 شعبان 1355هـ (13 نوفمبر 1936م.

18 -ابن باديس .البصائر. العدد 71 في 9 ربيع الآخر 1356هـ (18يونيه 1937م) نقلاً عن الزهرة في 21و22 ربيع الأول 1356هـ

19 -ابن قيم الجوزية .زاد المعاد في هدي خير العباد.ج3 ص 112.

20-صحيح البخاري   

21-أبو يوسف ، يعقوب بن إبراهيم .الخراج.ص3 ،وفيه يقول أبو يوسف:” إن أمير المؤمنين أيده الله سألني أن أضع له كتاباً جامعاً يعمل به في جباية الخراج..وإنما أراد بذلك رفع الظلم عن رعيته والصلاح لأمرهم.”

22 -انظر بحثا للباحث بعنوان :الغرب في مواجهة الإسلام: معالم ووثائق جديدة،(المدينة المنورة 1410)وكتابه الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي :دراسة تطبيقية على كتابات برنارد لويس.( الرياض 1416).

23 -ابن باديس .الشهاب ، ج5،م6. غرة محرم 1349، يونيه 1930.

24 -ابن باديس ،الشهاب.ج8م 13 ،شعبان 1356،أكتوبر 1937،ص 354.

25-البشير الإبراهيمي. “أنا” في مجلة مجمع اللغة العربية ،القاهرة العدد 21 سنة 1966،ص1350154، عندما ألقي هذا الموضوع في ندوة في الجزائر تعجب أحد الحضور وهو زهير بن السعيد الزاهري كيف أنسب التخطيط لمن كان في سن الإبراهيمي وابن باديس وكانا في الثالثة والعشرين ، والحقيقة أنه لا عجب في ذلك فالتاريخ الإسلامي عرف قادة وزعماء في هذه السن منهم أسامة بن زيد، ومحمد بن القاسم ، ومحمد الفاتح وغيرهم كثير.

26 – عمار الطالبي ، مرجع سابق ، 1/80.

27 -محمد ناصر ،الصحف العربية في الجزائر من 1847-1939، ص43.

28 -ابن باديس ،المنتقد ،العدد الأول في 11ذي الحجة1343، 2 يوليه 1925.

29- انظر كتاب الباحث بعنوان : عبد الحميد بن باديس العالم الرباني والزعيم السياسي. (دمشق:1410) الفصل الخامس ابن باديس والعمل السياسي.

30 -الطالبي، آثار ابن باديس ،3/ ص 364-365 عن الشهاب ج6 م13 ص 272-273 غرة جمادى الآخرة 1356هـ أوت  1937م.

 

آخر التغريدات: