الشيخ عبد الحميد ابن باديس والمؤامرة الدولية على فلسطين

الشيخ عبد الحميد ابن باديس والمؤامرة الدولية على فلسطين

انتبه الشيخ عبد الحميد ابن باديس مبكرا، لأبعاد وحقيقة المؤامرة الدولية التي كانت تحاك في مخابر الدوائر الاستعمارية الغربية، بزعامة بريطانيا وبالتحالف مع الحركة الصهيونية العالمية، ضد الشعب الفلسطيني الأعزل والمسالم، من أجل طرده من أرضه،و تعويضه بشذاذ الآفاق من الصهاينة و اليهود، الذين ضاقت بهم أوروبا ذرعا،فأرادت التخلص منهم بمساعدتهم على إنشاء ما يسمى في أدبياتهم الدينية  و السياسية الوطن القومي، في أرض الميعاد فلسطين.

ومنه فقد استنكر ابن باديس تلك المؤامرة، وحذر من عواقبها الوخيمة على العالمين العربي والإسلامي،داعيا قادتهما و زعمائهما و شعوبهما،إلى إدراك خطورة ما كان يحدث،و الإسراع إلى نجدة فلسطين، و الدفاع عن القدس الشريف الذي لا يختلف عن الأماكن المقدسة في مكة والمدينة في القداسية و الرمزية.

هذا و لم ينسى مخاطبة ضمائر اليهود، الذين عاشوا زمنا طويلا في كنف الاحترام و السلم والأمان، وسط إخوانهم العرب و المسلمين،إلى رد الجميل و التصدي للصهيونية ومخططاتها الاستعمارية ليس في القدس فحسب، و إنما في كل المنطقة العربية و الإسلامية.

المقصود بالمؤامرة الدولية على فلسطين،ذلك التوافق السري و ثم العلني  الذي تم بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى من ناحية، و القادة الصهاينة في تلك الدول من ناحية ثانية، من أجل إيجاد حل لما سمي بالمشكلة اليهودية، الناجمة عن عدم اندماج اليهود في مجتمعات البلدان التي كانوا يعيشون في كنفها، و يتحدثون لغتها.ليس بسبب رفض تلك المجتمعات لهم،و إنما لرفضهم هم المطلق لفكرة الاندماج، و سعيهم الدءوب لإثارة المشاكل و القلاقل و الفتن بين صفوفها، رغم المعاملة الحسنة التي كانوا يعاملون بها، و المكانة المتميزة التي كانوا يحظون بها.فلما يئست من تغيير سلوكياتهم و ذهنياتهم و أساليبهم في المؤامرة،أرادت التخلص منهم بأي ثمن، و لو كان على حساب شعب لا ذنب له في القضية.

و في واقع الأمر،اليهود هم من دفعوا  بعلاقاتهم مع تلك الأمم و الشعوب، لكي تصبح مشكلة لا حل لها سوى الوطن القومي البديل في نظرهم،و قد تحققت لهم غايتهم،لما تطورت : ((المشكلة أكثر فأكثر حتى تحولت إلى صراع أخذ في بادئ الأمر شكل الصراع الوطني الداخلي،ثم ظهر بعد ذلك على حقيقته بشكل صراع طبقي عنيف.فاليهود كانوا في معظم البلدان يسيطرون على رأس المال،و كانت عنصريتهم هذه تظهرهم بمظهر الأجانب.فكان رأسمالهم حتما كرأسمال الأجنبي،و احتكاراتهم تبرز كالاستغلالات الأجنبية، ولذلك أصبحت مقاومتهم هدفا من أهداف الحركات القومية في كثير من بلدان العالم.و تطورت هذه المقاومة مع تماديهم في تعصبهم العنصري،و استغلالهم البشع،و تنكرهم لقوميات البلاد التي يعيشون فيها كمواطنين،حتى وصلت إلى درجة الاضطهاد في النهاية))(1).

بدأت المؤامرة، لما تمكن أستاذ الصهيونية الأول ثيودور هرتزل، المولود سنة 1860م في بودابست بالمجر، و الحائز على شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة فيينا،و صاحب نظرية الصهيونية السياسية، التي تعني انتهاج الطرق الدبلوماسية للحصول على الوطن القومي، عن طريق القيام بالاتصالات السياسية و الدبلوماسية بزعماء الدول العظمى لإقناعها بالفكرة.تمكن من جمع المئات من القادة اليهود المعتنقين للفكر الصهيوني، في مؤتمر عالمي انعقد بمدينة بازل السويسرية سنة 1897م،و فيه وضعت أهداف الحركة الصهيونية، التي عرفت ببرنامج بازل،الذي نص على إقامة وطن لليهود بأرض فلسطين،تلته سلسلة من الإجراءات، مهدت الطريق أمام تدفق الهجرات اليهودية إلى فلسطين(2).

هلك هرتزل سنة 1903م، دون أن يحقق حلمه و حلم الصهاينة في قيام دولة عبرية على بقعة محترمة هي فلسطين، تكون بحسب تعبيره حلا لجميع مشكلات اليهود المضطهدين في العالم، كما ورد في كتابه ” يهود العالم ” الذي نشره سنة 1895م في فيينا(3).

لكن الأحلام لم تتوقف عند تلك المحطة؛حيث وجد الصهاينة في بريطانيا القوة الاستعمارية العظمى الأولى آنذاك،أفضل حليف يساعدهم في مسعاهم،فكانت بمثابة المنقذ للصهيونية المتعثرة بعد هلاك زعيمها هرتزل.و بالفعل فقد تبنت بريطانيا المشروع الصهيوني، و حصل الاتفاق بين الطرفين على تأسيس الدولة،و أخذت منذ سنة 1907 تنسق العمل معهم لتحقيق هدفهما المشترك.و منذ ذلك التاريخ كثفت الصهيونية من جهودها، و سخرت كل ما كانت تتمتع به من نفوذ مالي و سياسي، لصالح الاستعمار البريطاني،و كان لها الدور الفعال في خلق ظروف الحرب العلمية الأولى، و في إقحام الولايات المتحدة الأمريكية فيها إلى جانب حليفتها بريطانيا(4).

تلك الحرب كانت المنعرج الحاسم، بالنسبة لأحلام الحركة الصهيونية،حيث تمكنت خلالها لأول مرة من انتزاع تصريحين رسميين لدولتين عظميين هما فرنسا و بريطانيا،يتبنيان مشروع الدولة العبرية في أرض الميعاد فلسطين.

يتمثل الأول في تصريح جول كامبون الكاتب العام لوزارة الخارجية الفرنسية، صدر في شهر جوان 1917م،الذي جاء في شكل رسالة موجهة إلى الزعيم الصهيوني نحوم سكولو في لندن،و تضمن ما يلي : ((إنك تقدر أنه إذا سمحت الظروف و تحقق استقلال الأماكن المقدسة،فإنه سيكون من الإنصاف إذا ساهمنا من خلال حمية دول الحلفاء،في إحياء الجنسية اليهودية على أرضها حيث الشعب الإسرائيلي كان قد طرد منذ قرون عديدة خلت.إن الحكومة الفرنسية التي شاركت في الحرب الحاضرة للدفاع عن الشعوب المعتدى عليها ظلما و التي تواصل المعركة لتحقيق انتصار الحق على القوة،لا تستطيع سوى أن تشهد بتعاطفها مع قضيتكم التي يرتبط انتصارها بانتصار الحلفاء))(5).

إن هذا التصريح غير المعروف، الذي نقله إلينا الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله،يعكس بوضوح أن الحكومة الفرنسية كانت السباقة في إصدار تصريح رسمي يظهر تعاطفها مع الآمال الصهيونية، كما جاء في النص السابق.على خلاف ما هو متداول، من أن الحكومة البريطانية تعتبر أول حكومة في أوروبا و العالم، قد قامت بذلك.

و هو في حقيقة الأمر، نسخة مطابقة لمضمون تصريح وزير خارجية بريطانيا المستر بلفور الصادر في 02 نوفمبر 1917م و جاء فيه: ((إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي،و سوف تبذل أقصى جهودها لتسهيل بلوغ هذه الغاية…)).و قد تحول إلى وثيقة تبنتها الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية،التي جهر أحد مسئوليها السامين بضرورة ترحيل السكان العرب إلى الصحراء ليفسحوا المجال أمام الهجرات اليهودية إلى فلسطين(6).

استمرت فصول المؤامرة الصهيونية الغربية، بعد نهاية الحرب الكونية الأولى،بدءا بمؤتمر الصلح 1919م الذي أقر الانتداب على الأقطار والشعوب، التي كانت تحكمها تركيا  ومنها فلسطين،ثم مؤتمر سان ريمو بإطاليا أفريل 1920م  الذي وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني وفصلها عن المنطقة العربية ،لكي يمهد الطريق أمام الصهاينة لاستلام الهدية جاهزة،فكان استعمارا بكل المقاييس : ((لم تعرف فلسطين في تاريخها الطويل حاكما أغدر و لا أشد لؤما من الحاكم الانجليزي، و لم تشهد على أكثر ما غزيت و احتلت محتلا أسوأ و لا أبشع من الاحتلال البريطاني.فمنذ القديم و هي تتعرض للغزو و الاحتلال،و تخضع لحكم الكثيرين من الحكام و الغزاة سنوات و قرونا،دون أن تتمكن غزوة واحدة أو يستطيع حاكم ما إفناء شعبها العربي أو طرده و تشريده،مهما أعطي من سطوة و قوة،و مهما تهيأ لهما من إمكانات و وسائل)).لكن الاستعمار البريطاني، الذي كثيرا ما أوهم العرب  بكونه صديقهم الحليف ،و قد كلفته عصبة الأمم : ((للأخذ بيد عرب فلسطين نحو الرقي و الحكم الذاتي…استطاع خلال ثلاثين عاما فقط أن يمحو عروبة فلسطين ويصبغها بالصبغة اليهودية. و تمكن بمؤامراته و أساليبه من أن يشرد شعبها بكامله،و أن يحل محله جمعا غريبا متناقضا من الناس،استورده من كل أنحاء العالم باسم اليهودية المضطهدة))(7).

و قد مضت تلك الدول، في تنفيذ ما وعدت به، إلى أن تحقق مشروع الدولة الصهيونية على الأرض الفلسطينية العربية المسلمة في شهر ماي 1948م،و لازالت إلى غاية تعمل بتفان على حماية و الدفاع عن هذا الكيان الدخيل على المنطقة العربية الإسلامية،دون أدنى اعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني،الذي تعرض لمؤامرة دولية،غير مسبوقة في التاريخ.

في واقع الأمر، لم نعثر سوى على مقالة واحدة للشيخ عبد الحميد ابن باديس، تحدث فيها عن المؤامرة الصهيونية الدولية على فلسطين،نشرها تحت عنوان ” فلسطين الشهيدة ” في جريدة الشهاب لشهر أوت 1938م.استهلها بالتأكيد على قدسية القدس الشريف التي تماثل قدسية مكة المكرمة و المدينة المنورة،ففيها المسجد الأقصى الذي قال فيه الله سبحانه و تعالى في سورة الإسراء: ((الذي باركنا حوله))،و هو تأكيد قطعي على تلك القدسية.و قد تكفل الإسلام منذ بداية عهده، بحماية تلك المقدسات بما فيها تلك التي تخص الديانات – الكتابية الأخرى: اليهودية و المسيحية – حيث حال دون حدوث اعتدائها على بعضها البعض(8).

و ابن باديس يقر هنا بحقيقة تاريخية لا جدال فيها،و هي أن سكان بلاد الشام عموما و فلسطين خصوصا،لم يجدوا في الفتح العربي ذلك التسلط الأجنبي الذي وجدوه مع الشعوب و الأمم، التي غزت المنطقة قبل الفتح لأسباب عدة منها:شبكة العلاقات القومية و القبلية و الدينية و الاقتصادية …التي كانت تربطها منذ زمن طويل بالجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام.

بالإضافة إلى المعاملة الحسنة، التي عاملهم بها الفاتحون العرب المسلمون: ((الأمر الذي جعلهم يرحبون بهؤلاء الفاتحين.و الفاتحون بدورهم منحوا السكان المحليين حرية العبادة،كما خففوا عنهم عبء الضرائب،و أعطوهم الأمان على أرواحهم و ممتلكاتهم و معابدهم،ما ماداموا يدفعون الجزية و يعلون الولاء لدولة الإسلام،أي أن الفاتحين جعلوا هؤلاء السكان على ذمتهم.و من هنا – و على عكس العصور السابقة –فقد ساد الوئام بين الطرفين،و دخل الكثيرون في الإسلام.لقد كان الفتح إلى حد كبير بمثابة تحرير ونعتاق للسكان المحليين،قوميا و اجتماعيا.و لا غرو إن أصبحت بلاد الشام سريعا جزءا عضويا من الوطن العربي و دار الإسلام شكلا و مضمونا))(9).

و في تقدير ابن باديس،أن اليهود قد تمتعوا في كنف الإسلام بكل المزايا و هم الأقلية؛الحياة الكريمة و الحرية الدينية و الاحترام التام للعهود المبرمة معهم،إذ سارت الأحوال هكذا إلى غاية الفترة المعاصرة،أين ظهر على مسرح الأحداث ما سمي بالصهيونية ” الشرهة ” التي تزوجها الاستعمار الانجليزي،و النتيجة كانت وبالا على فلسطين الآمنة و رحابها المقدسة،حيث تدفقت عليها أعداد كبيرة من اليهود الذين أعماهم الطمع و تنكروا لجميل العرب و المسلمين إزاءهم عبر العصور : ((فأحالوها جحيما لا يطاق و جرحوا قلب الإسلام جرحا لا يندمل))(10).

و بطبيعة الحال، لم يتهم ابن باديس كل اليهود،بالتورط في – المأساة الفلسطينية – بل فئة كبيرة منهم،إنصافا لفئة أخرى استنكرت ذلك المسلك العدواني الظالم،و لا تتوانى في الاعتراف : ((بجميل الإسلام و السعادة التي نعم بها اليهود و يهود القدس في ظله الوارف الأمين)).و في هذا الصدد، استعرض ابن باديس عريضة احتجاج تقدم بها رئيس الطائفة السامرية إلى حاكم نابلس،تضمنت احتجاجا و استنكارا شديدة اللهجة باسم طائفته، على الأعمال العدوانية التي استهدفت العرب الأبرياء في القدس و حيفا و يافا، ومطالبة بوقفها و عدم تكرارها،و اعترافا صريحا بالظروف المثالية التي يعيشون فيها منذ آلاف السنين وسط مواطنيهم العرب،و نفيا قاطعا لتعرضهم لأي اعتداء أو اضطهاد من أحد(11).

بالنسبة للشيخ، تعد هذه العريضة شهادة صادقة،و دليلا كافيا وقاطعا،على أن العلاقة التي ظلت تربط أهل فلسطين بنظرائهم من الطائفة اليهودية ،كانت علاقة انسجام و تعايش و تعاون و تآزر عبر آلاف السنين،و أن الذي أفسدها اثنان لا ثالث لهما الصهيونية و الاستعمار،اللذان يمثلان بحسبه وجهين لعملة واحدة،فكانا بمثابة البلاء الذي حل على فلسطين بعربها و يهودها على حد سواء : ((فليست الخصومة بين كل عرب فلسطين و يهودها،و لا بين كل مسلم و يهودي على وجه الأرض،بل الخصومة بين الصهيونية والاستعمار الانجليزي من جهة و الإسلام و العرب من جهة،و الضحية فلسطين و  الشهداء حماة القدس الشريف))(12).

وعليه يمكن القول أن ابن باديس، يعتبر ما جرى لفلسطين امتدادا و حلقة أخرى  من حلقات المشروع الاستعماري الغربي، الذي رمى إلى تفكيك الأمتين العربية و الإسلامية، باحتلال أغلب  بلدانها ،و بزرع الصهيونية في قلبها النابض فلسطين،فكانت العملية أشبه بصفقات اللصوص، الذين لا يفكرون إلا في ما ينهبونه.

لقد كان ابن باديس يعي جيدا،و هو الذي ينتمي إلى الأمة الجزائرية، التي كانت تحت رحمة الاستعمار الفرنسي، الثري سجله في الظلم والبطش و الاستغلال،أن زرع الكيان  الصهيوني، الغرض منه ضمان بقاء العرب و المسلمين في كل البقاع،مشتتين غير قادرين على الوقوف في وجه المخططات الاستعمارية.

و لا يهم في ذلك، إن ملئت فلسطين – بحثالة البشر- من الصهاينة،القادمين من كل حدب وصوب،المدعومين بالقوة العسكرية الإنجليزية و المال الصهيوني.و لا يهم أيضا، إن سفكت بسبب ذلك الدماء البريئة، و لطخت  الرحاب المقدسة(13)، فالغاية تبرر الوسيلة عند زعماء التحالف الاستعماري الصهيوني.

وفي هذه النقطة يبدو أن الانجليز، قد اقتدوا بزملائهم الفرنسيين في المنظومة الاستعمارية،الذين سبقوهم في ذلك وبالضبط في الجزائر،التي فتحوا أبوابها لكبار اللصوص والمجرمين و المنحرفين، ومنحت لهم كل التسهيلات لكي يصبحوا أصحاب مزارع و ضيع و مستثمرات فلاحية كبرى، في السهول و الهضاب الجزائرية الخصبة،التي انتزعت من أصحابها الشرعيين بشتى الطرق و الوسائل و منها المصادرة بالقوة و عن طريق قوانين الملكية الزراعية.حولت الجزائري من سيد في أرضه إلى عامل بالأجرة التي تسد بالكاد قوت يومه، أو إلى خماس في أحسن الأحوال(14).

مع اختلاف بسيط، بين المستوطن الإسرائيلي في فلسطين و المستوطن الأوروبي في الجزائر، و هو أن الأول يبرر استيلاءه على الأرض باستعادته لحقه الطبيعي، الذي سلب منه منذ قرون عدة،بينما يختفي الثاني وراء الاستثمار و عصرنة القطاع الزراعي ،الذي كان بدائيا و متخلفا قبل مجيء دولته المحتلة.

لقد كان فعلا ما سماه ابن باديس زواجا انجليزيا صهيونيا، تبادلا للمصالح و المنافع بين الفريقين،لكنه في العمق أكثر من ذلك بكثير، و هو ما نستشعره ضمنيا في كلام الشيخ، و أن الإصرار الانجليزي على تثبيت الكيان الصهيوني في المنطقة،الغرض الأبعد منه جعله قاعدة يرتكز عليها الاستعمار الغربي في المنطقة و العالم برمته في كل الأوقات،لتحقيق جملة من الأهداف الإستراتيجية: ((تتعدى أسباب وجودها قضية يهود العالم،و تتجاوز حدود فلسطين المغتصبة،و تتصل اتصالا مباشرا بمستقبل الأمة العربية و حريتها و تطورها، وأمانيها في الوحدة و الرقي و الاستقرار و السلام))(15).

فالحقيقة التي لا غبار عليها، أن:((الدوائر الاستعمارية الغربية كانت تربط دائما بين وجودها و نموها في الشرق،و بين سيطرتها على قناة السويس و شواطئ البحر المتوسط الجنوبية و الشرقية.إذ كانت تعتبرها شريان المواصلات الحي بينها و بين مراكزها الواقعة و المأمولة في العالم القديم.و كانت ترى أنه لا يمن لهذه السيطرة أن تتوطد و تستمر إلا في ظل التحكم بأقاليم هذه الشواطئ و بسكانها.و كذلك بالحيلولة بينهم و بين التجمع و الاستقلال و الاستقرار و التطور.فكان وجود إسرائيل في هذه المنطقة العربية…جزءا هاما من هذه الإستراتيجية الاستعمارية))(16).

وبحسب ابن باديس، إن نطاق المؤامرة لم يعد محصورا في الحكومة البريطانية، التي لم تزدها أصوات الاحتجاج و الاستنكار في العالمين الإسلامي و العربي، إلا صمما في الآذان و تحجرا في القلب،بل شمل كل – المجتمع الدولي و الإنساني – :((نقول العالم الإسلامي و العالم العربي،لأننا لم نرى و لم نسمع من غيرهما احتجاجا جديا و استنكارا صارخا حتى اللذين يقيمون الدنيا و يقعدونها بصراخهم و يبذلون ما يبذلون من مساعداتهم في أوطان أخرى لم نرهم إزاء فلسطين الشهيدة إلا سكوتا أو شبه سكوت و شتان بين من يريد المقاومة و من يريد رفع الملام))(17).

ولا شك أن ما أورده الشيخ، هو واقع لم يقتصر على عصره فحسب،بل كان عمره بعمر ما سمي بالقضية الفلسطينية، التي اختلقتها القوى الاستعمارية الكبرى؛حيث استمر ذلك التواطؤ لغاية الآن،و أخذ أبعادا قطعت الشك باليقين، و هي أن ما يسمى ظلما بالمجتمع الدولي ممثلا في المنظمات الدولية،همه الوحيد أولا و أخيرا، هو حماية إسرائيل من الفناء بكل الوسائل التي تلبس بلباس قانوني و شرعي.و قد بلغ الهوس في ذلك، حد اعتبار أن أمن إسرائيل التي لم يشهد ابن باديس قيامها، يقتضي بالضرورة إضعاف كل الدول العربية و الإسلامية بدون استثناء، و تجريدها من كل وسائل السيادة و القوة.و قد قطعت القضية أشواطا كبيرة،إذا لم نقل أنها قد انتهت.

و إذا كان ابن باديس، ربما لم يكن له الوقت المتسع،لكي يحاول تفسير هذا الذي سماه صمتا دوليا إزاء الأصوات الفلسطينية و العربية و الإسلامية، التي ظلت تستصرخ و تستنكر و تستنجد دون مستجيب.فإن السر الآن أصبح لا ينطلي على أحد؛و هو أن تلك الدول تعيش و لا زالت تحت رحمة اللوبي المالي السياسي اليهودي الصهيوني، الذي استحكم على كل دواليب الحياة فيها، حتى صار التنافس على كسب ود الدولة العبرية جزءا لا يتجزأ من الحملات الانتخابية في تلك الدول،و بطبيعة الحال الكفة تتأرجح لصالح من اقتنعت الدوائر اليهودية و الصهيونية بخدمته الجيدة لها.و لعل أفضل دليل على ذلك، قيام المرشحين للانتخابات الأمريكية دون استثناء بزيارة الكيان العبري،و التظاهر بالخشوع أمام حائط المبكى، في مشاهد تصور حالة الضعف و الذل و الاستكانة و الهوان، التي وصل إليها القرار في الأمم الغربية على حد سواء.و البقية تأتي لما تنتهي العملية، إذ يكتشف العالم بعدها خادما مطيعا، يجتهد في أن يكون الأفضل ممن سبقه و هكذا.

ينتقل بعد ذلك ابن  باديس، إلى التأكيد على أنه من شيم المسلمين النابعة من طبيعتهم الإسلامية، معاداة الظلم و رحمة المظلوم و لو كان عدوا لهم؛فيورد في ذلك حادثة جرت له في دكان أحد التجار المسلمين،هذا الأخير قرأ عليه أخبارا تتعلق بعمليات اضطهاد جديدة ارتكبت في حق اليهود بألمانيا ،فلما انتهى التاجر من القراءة توجه إلى الشيخ قائلا : ((هذا يا شيخ حرام عندنا في الإسلام أحنا نخليو الناس كلهم يعيشوا بأموالهم)).و على ضوئه يخلص ابن باديس إلى القول: ((هذا عامي من أوساط الناس متمسك بدينه و متألم من حالة القدس الشريف و يعرف أن بلاءها من مهاجرة يهود ألمانيا و غيرهم و مع ذلك يستنكر ما يلحق بهم من الظلم))(18).

هذا ولقد أظهر الشيخ عبد الحميد إلماما، بمسألة اضطهاد اليهود في الدول الأوروبية،حيث ذكر أنهم عرفوا في ألمانيا التشرد، و القوانين التي أقرت ببيع أملاكهم بالعاصمة برلين في مزاد علني، و بمنعهم من الامتلاك في المستقبل، و من ممارسة الطب على الإطلاق.في حين منعتهم الحكومة اليونانية من ولوج أراضيها و لو بغرض السياحة،كما تعرضوا أيضا للاضطهاد في كل من ايطاليا و فرنسا.بصورة أعادتهم أو كادت، إلى أوضاعهم التي كانوا عليها أثناء العصور الوسطى : ((لا يطمئنون على أزواجهم و أموالهم و ثقافتهم إلا في بلاد الإسلام))(19).

و وفقا لذلك، فإن الشيخ عبد الحميد ابن باديس،لا ينفي أعمال الاضطهاد التي تعرض لها اليهود في عصره ،و قد أظهر استنكاره لها من خلال الحادثة التي استعرضناها سالفا.لكنه في المقابل، لا يعتبرها مبررا للقيام  بالممارسات نفسها في حق الشعب الفلسطيني البريء منها،حيث وظف القادة الصهاينة المسألة من أجل إثارة مشاعر كل اليهود في العالم، بما فيهم الذي كانوا يعشون في رخاء و أمن و طمأنينة في البلاد العربية و الإسلامية،و في الضغط على الحكومات الغربية، من أجل الإسراع في عملية إقامة الوطن البديل في الأرض الفلسطينية.

وعليه فمن غير المفهوم لديه، أن يتعرض اليهود إلى ما تعرضوا له في أوروبا و: (( مع ذلك يستمرون على ظلم الإسلام في قدس الإسلام و لا ناهي لهم و لا ناصح ممن يسمعون لنهيه و نصحه.و ما يدريهم أن هذا البلاء الذي ابتدئ بصبه عليهم هو جزاء ظلمهم لفلسطين ظلم الفعل و ظلم الرضا و ظلم السكوت عن الاستنكار.و أن الله لينتقم من الظالم بالظالم،ثم ينتقم من الجميع))(20).

و إذا كانت الحال هكذا،فالحل في نظر الشيخ عبد الحميد،هو انخراط جميع المسلمين في الدفاع عن القدس لكونه واجبا مقدسا،و قد بدأت – حسبه – بالظهور بعض مؤشراته هنا و هنالك على مستوى الحكومات،و منها ما كان يقوم به وزراء مصر و العراق في لندن باسم الملوك العرب.واعتزام اللجنة البرلمانية المصرية للدفاع عن فلسطين، عقد مؤتمر برلماني عام بتاريخ 17 أكتوبر 1938م،للتباحث في قضية الشعب الفلسطيني،بمشاركة الزعماء العرب و المسلمين الذين لا توجد في بلدانهم برلمانات: ((سيكون هذا المؤتمر الأول من نوعه في الشرق العربي وستعرف به الصهيونية و الاستعمار البريطاني أنها أمام العالم الإسلامي و العربي لا أمام فلسطين وحدها فعلى المسلمين كلهم أن يؤيدوا هذا المؤتمر برفع أصواتهم إليه،و على اليهود الذين ينكرون ظلم الصهيونية و شرها أن يغتنموا هذه الفرصة الفريدة لإعلان استنكارهم))(21).

و في الصدد ذاته، لم يتخلف الشيخ عبد الحميد ابن باديس،في إعلان تأييده للمؤتمر باسم الشعب الجزائري و جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،حيث أرسل برقية إلى المؤتمر جاء فيها: ((جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – باسم المسلمين الجزائريين –تحيي في شخصكم مؤتمركم العظيم،و تضم صوتها إلى صوتكم،و توافق على ما يستقر عليه رأيكم و تؤيدكم بكل ما تستطيع في سبيل قضية فلسطين التي هي قضية الحق و الإنسانية و السلم العام))(22).

ولعله من المفيد الإشارة، إلى أن هذه البرقية هي ليست الأولى بشأن القضية الفلسطينية،فقد سبقتها برقيات أخرى،و منها تلك التي وجهها الشيخ في شهر نوفمبر سنة 1933م إلى وزارة الخارجية الفرنسية، الجهة الممثلة لرعاياها المسلمين في مثل هذه الأمور، احتجاجا و استنكارا و تألما على الحوادث الدامية التي وقعت في تلك الأثناء في حق الشعب الفلسطيني الذي سفكت دماءه.أعقبتها برقية تألم موجهة إلى مفتي القدس جاء فيها: ((آلمتنا كما آلمت كل مسلم الحوادث الدامية الواقعة بفلسطين و أننا رفعنا احتجاجنا ضد ذلك بواسطة  وزارة الخارجية الفرنسوية))(23).

و بالرغم من قلة المادة ،التي تتعلق بموقف الشيخ عبد الحميد ابن باديس من المخططات الدولية، التي كانت تحاك ضد فلسطين،إلا أن ما اعتمدنا عليه رغم قلته،يؤكد لنا:

1- التعاطف التلقائي للجزائريين مع قضية الشعب الفلسطيني، لأسباب قومية و دينية و إنسانية،رغم الوضع الاستعماري الخاص، الذي كانوا يعيشون في ظله.

2- تمكن الشيخ عبد الحميد ابن باديس،من فهم أبعاد المؤامرة الدولية على فلسطين من جوانبها المختلفة فهما عميقا،جعله يراها إستراتيجية استعمارية فائقة الدقة في التخطيط لإبقاء الاستعمار في المنطقة إلى الأبد.

3 – الموضوعية الكبيرة التي أظهرها،في تفريقه بين الصهيونية ونهجها الاستعماري وبين اليهود خاصة العرب منهم، الذين يستنكرون ذلك و يفضلون العيش بسلام مع العرب والمسلمين، على الانخراط في تلك المخططات التي لا تخدمهم البتة، لكونها تنسف روابط الود و التآلف التي نشأت بينهم عبر عشرات القرون.

4- قناعته الراسخة، أن السبيل الوحيد للتصدي لتلك المخططات،هو التضامن العربي والإسلامي،وعدم انتظار المعجزة من المجتمع الدولي،الذي تسيطر عليه المصالح و الأنانية واللامبالاة.

5 – اعتقاده التام، أن نجاح المؤامرة في تحقيق أهدافها،يعني بكل بساطة، نسف كل مشاريع التحرر و الوحدة و النهضة،و إطالة عمر الاستغلال و العبودية و التخلف في العالمين العربي و الإسلامي. 

 

الهوامش:

* قسم التاريخ و الآثار جامعة سطيف 2

 (1)– شفيق الرشيدات:فلسطين تاريخا و عبرة و مصيرا،ط 1،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت: 1991م، ص 38.

(2)– أنظر في هذا الصدد عادل مناع:تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700م – 1918م،ط 2، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيوت 2003م

(3)– شفيق الرشيدات،المرجع السابق،ص 42.

(4)– المرجع نفسه،ص 50. 

(5)– أبو القاسم سعدا لله:بحوث في التاريخ العربي الإسلامي،ط 1،دار الغرب الإسلامي، بيروت: 2003م، ص 461. 

(6)– أنظر شفيق الرشيدات،المرجع السابق،ص ص 52 – 53.

(7)– المرجع نفسه،ص 79.

(8)– عمار طالبي: آثار ابن باديس، الجزء الأول، المجلد الثاني، ط 4، در الغرب الإسلامي، بيروت:2008م، ص 413.

(9)– حول الفتح الإسلامي لبلاد الشام أنظر الياس شوفاني: الموجز في تاريخ فلسطين السياسي منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949م،ط 3، مؤسسة الدراسات الفلسطينية،بيروت: 2003م، ص 155 وما بعدها.

(10)– عمار طالبي،المرجع السابق،ص 413.

(11)– المرجع نفسه،ص ص 413 – 414.

(12)– المرجع نفسه،ص 414.

(13)– المرجع نفسه،ص 414.

(14)– لمعرفة المزيد عن السياسة الفرنسية، إزاء العقار الزراعي في الجزائر، أنظر هواري قبايلي:واقع العقار الزراعي الجزائري في العهد الاستعماري 1930م – 1962م،المجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية،مخبر الجزائر تاريخ و مجتمع في الحديث و المعاصر،جامعة الجيلالي اليابس سيدي بلعباس،الجزائر،العدد 02م/جوان 2010م،ص 83 و ما بعدها. و أنظر أيضا سعاد تيرس: قراءة في أهم التشريعات العقارية الاستعمارية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر في الجزائر،المرجع نفسه،ص 139 و ما بعدها.

(15) – أنظر شفيق الرشيدات،ص 295 و ما بعدها.

(16) – أنظر المرجع نفسه ،ص 303 و ما بعدها.

(17) – عمار طالبي،المرجع السابق، ص : 414 – 415.

(18) – المرجع نفسه،ص 415.

(19) – المرجع نفسه،ص 415.

(20) – المرجع نفسه،ص 415.

(21) – المرجع نفسه،ص 416.

(22) – المرجع نفسه،ص 459.

(23) – المرجع نفسه،ص 433.

 

آخر التغريدات: