منطلقات الإصلاح في فكر المبارك الميلي

منطلقات الإصلاح في فكر المبارك الميلي

الشيخ المبارك الميلي أحد أقطاب الحركة الإصلاحية في الجزائر، بل هو ركن من أركانها كما وصفه رفيق دربه الشيخ الإبراهيمي -رحمه الله تعالى- فعند الوقوف على منطلقات الإصلاح في فكر الشيخ المبارك الميلي من خلال كتبه ومقالاته، نجد أن الإطار المرجعي الذي اعتمدته جمعية العلماء هو نفسه الذي سار عليه الشيخ الميلي..

 وفي مقدمة كتابه (رسالة الشرك ومظاهره) نجد تقرير جمعية العلماء لهذه الرسالة بقلم العربي التبسي رحمه الله تعالى:” هي رسالة تعدّ في أوليات الرسائل أو الكتب المؤلفة في نضر السنن وإماتة البدع تقر الأعين والسنيين وينشرح لها صدور المؤمنين – وتكون نكبة على أولئك الغاشين للإسلام والمسلمين من جهلة المسلمين ومن أحمرة المستعمرين، الذين يجدون من هذه البدع أكبر عون لهم على استعباد الأمم، فيتخذون هذه البدع التي ينسبها البدعيون إلى الدين الإسلامي مخدرا يخدرون بها عقول الجماهير، وإذا تخدرت العقول، وأصبحت تروج عليها الأوهام، وجدت الأجواء التي يرجوها غلاة المستعمرين للأمم..”(1).

 فالمنطلق الأول لأي إصلاح أو تغيير نهوض إنما يعتمد على تحرير العقول يقول الشيخ الإبراهيمي:

 “لأن تحرير العقول هو الأساس لتحرير الأبدان وأصل له، ومحال أن يحرر بدن يحمل عقلا عبدا، وهذا النوع من التحرير لا يقوم به ولا يقوى عليه إلا العلماء الربانيون المصلحون، وأماكن التحرير العقلي توحيدا لله”(2).

 فالشيخ الميلي حينما كتب مقالاته والتي جمعها فيما بعد في كتابه (رسالة الشرك ومظاهره) يرمي لتحقيق هذا المقصد، وهو أنه أول ما يبدأ به هو إصلاح العقيدة، لأنها أساس كل إصلاح، وقد قال الإمام مالك قولته المشهورة التي أصبحت شعار جمعية العلماء:[ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها].

 وفي مقال للشيخ الميلي في العشرينيات من القرن الماضي كتب مقالا في مجلة المنتقد العدد العاشر، يقول:” من حاول إصلاح أمة إسلامية بغير دينها، فقد عرّض وحدتها للنحال، وجسمها للتلاشي، وصار هادما لعرشها بنية تشييده” (3).

وليس إصلاح العقيدة هو المنطلق لأي إصلاح فحسب، بل هو المفتاح لكل نهوض أو رقي أو تحرر، وما لحق الأمة من التخلف والاستكانة والضعف والهوان والانحطاط في نظر الشيخ الميلي، ” إنما هو بسبب ما نزل بالعقول من الجهالة، وران على القلوب من الضلالة، فلا علم بما يصحح العقيدة، ولا شعور بما يبعث على الفضيلة” (4).

فحديث الشيخ الميلي عن الشرك ومظاهره، لقناعته أن المنطلق الأول لأي نهوض أو إصلاح أو تغيير إنما يكون بتفقيه العقول من الأوهام والخرافة، يقول:”إن كنت باحثا عن أسباب الرقي فلن تجد كالتوحيد أطهر للقلوب، وأرشد للعقول، وأقوم للأخلاق، ولن تجد لهذه الأسس أحفظ للحياة، وأضمن للسيادة، وأقوى على حمل منار المدنية الطاهرة..”(5).

 أثر غياب أو تغييب العلماء في الأمة

 يقول الشيخ مبينا دور العلماء في يقظة الأمة ونهوضها وأخذها بأسباب الرقي:” إن الأمة متى فقدت العالم البصير، والدليل الناصح، والمرشد المهتدي، تراكمت على عقولها سحائب الجهالات، وران على بصائرها قبائح العادات، وسهل عليها الإيمان بالخيالات، فانقادت لعالم طماع، وجاهل خداع، ومرشد دجال، ودليل محتال، ازدادت بهم حيرتها، واختلت سيرتها، والتبست عليها الطرائق، وانعكست لديها الحقائق، فتتهم العقل، وتقبل المحال، وتشرد عن الصواب، وتأنس بالسراب…”(6).

 فالشيخ الميلي -رحمه الله تعالى- اتخذ من مقالاته ومن كتابه “رسالة الشرك ومظاهره” أول وسيلة لهدم أوكار الوثنية المنتشرة في ربوع الجزائر، وهدم الأسس التي يقوم عليها الفكر الخرافي، والدجل، تمهيدا لتحرير الشعب عقيديا وفكريا من الأوهام.

 والكتاب الثاني الذي وضعه الشيخ الميلي هو (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) أراد به إثبات هوية الشعب الجزائري وعراقته وامتداده في التاريخ، وما أصابه من وهن وتخلف واستعباد ليست ضربة لازب، وإنما بسبب تخلينا عن العوامل التي تجعل الشعوب تحافظ على سيادتها وكرامتها، وقع منها ما وقع.

 وحسبي في هذا المقال أن أنقل كلمة الشيخ ابن باديس وهو يشيد بكتاب (تاريخ الجزائر للميلي):”إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف بمن أحيا أمة كاملة؟

أحيا ماضيها وحاضرها، وحياتها عند أبنائها، حياة مستقبلها، فليس والله كفاء عملك أن تشكرك الأفراد، ولكن كفاءه أن تشكرك الأجيال”(7(.

 فإحياء تاريخ الأمة وأمجادها، وماضيها المجيد، هو إحياء لها، وبعث لها مما هي فيه، وتحفيز للهمم من أجل النهوض، فالجزائر ليست فرنسا، ولن تكون فرنسا، ولو أرادت فهي بعيدة كل البعد عنها دينا، ولغة، وتاريخا، وحضارة، فإذكاء هذه الروح تبعث على التحرر من هذا المحتل الغاصب والجاثم على قلب الأمة ومقدراتها.

فالمبارك الميلي الذي كان مباركا على الجزائر إذ جلى تاريخ الجزائر المغمور، وأنار جوانبه المظلمة، ووصل عراه المنفصلة، فجزاه الله خيرا ما جزا به العلماء العاملين المصلحين عن أمتهم.

 

الهوامش:

 (1)انظر مقدمة كتاب رسالة الشرك ومظاهره ص 59.

 (2)المنتقد العدد العاشر ص 168.

 (3)عيون البصائر 3- ص 56.

 (4)رسالة الشرك ومظاهره ص 165.

 (5)رسالة الشرك ومظاهره ص 90.

 (6)رسالة الشرك ومظاهره ص 161.

 (7)تاريخ الجزائر للميلي 1- ص 9-10.10

 

آخر التغريدات: