مذكرات القرضاوي : زيارة الورتلاني وتوصيته بالأقصري

مذكرات القرضاوي : زيارة الورتلاني وتوصيته بالأقصري

وفي تلك الفترة زرت الداعية المجاهد الشيخ الفضيل الورتلاني، أحد رجالات الجزائر ومجاهدي علمائها المرموقين، وقد كنت لقيته من قبل في بيروت في رحلتي الشامية السابقة، وكانت هذه الزيارة بناء على طلبه… وفي تلك الفترة زرت الداعية المجاهد الشيخ الفضيل الورتلاني، أحد رجالات الجزائر ومجاهدي علمائها المرموقين، وقد كنت لقيته من قبل في بيروت في رحلتي الشامية السابقة، وكانت هذه الزيارة بناء على طلبه.

 وقد عاد من بيروت معززًا مكرمًا من رجال ثورة يوليو باعتباره أحد رموز الجهاد الوطني والعربي، وقد رجا أن يراني في القاهرة حين يعود إليها، وقد أرسل إليّ لأزوره حيث يقيم، فاصطحبت أخي محمد الدمرداش، وذهبت لزيارته، وحدثنا عن بعض تجاربه في حياته الحافلة، وهي مثيرة وخصبة، وسألته أن يحدثنا عن شيخه الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس (جمعية علماء الجزائر) التي قامت بدور معروف غير منكور في نهضة الجزائر، وأعادتها إلى هويتها العربية الإسلامية، بعد استماتة فرنسا في القضاء على هذه الهوية بالفرنسة التي تريد أن تلغي -أول ما تلغي- الإسلام والعروبة من الجزائر، وقام الشيخ ابن باديس، وإخوانه البشير الإبراهيمي، والعربي التبسي، وغيرهم بمقاومة الفرنسة، بحركته التعليمية التربوية التثقيفية في كل ربوع الجزائر، وأنشأ الشيخ ابن باديس نشيده الذي كان يحفظه الجزائريون ويرددونه:

شعب الـجزائر مسلـم وإلى العـروبة ينتسب *** من قال: حاد عن أصله أو قال: مات، فقد كذب

وأسَّس ابن باديس مجلة (الشهاب) التي كان يكتب فيها هو وإخوانه لتعميق فكرتهم، وتوصيلها إلى الشعب الجزائري.

وتحدث الشيخ الفضيل طويلاً عن شيخه بإعجاب وحب، وأنه كان يحوِّل دروسه كلها بقدرة فائقة إلى دروس تربوية ودعوية.

ومما ذكره لنا: أن ابن باديس كان يشرح لهم (الألفية) في النحو، ووقف عند البيت الأول فيها، وهو الذي يقول:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم

فبعد أن شرح الشيخ البيت من الناحية النحوية، عرج على الناحية التربوية فقال: انظروا إلى براعة الاستهلال في هذا البيت، فهو يقول: كلامنا لفظ مفيد، إنه يتكلم عن الجماعة المسلمة؛ ليعلن أنها لا تَهرفُ بما لا تعرف، ولا تلقي الكلام جزافًا، ولا تقول ما يضرها في دينها أو دنياها، إن كلامها (لفظ مفيد) ليس عبثًا ولا ضارًّا.

ثم اختار التمثيل بكلمة (استقم)، وهي التي أمر الله بها رسوله (صلى الله عليه وسلم) في كتابه: “فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت” (هود: 112)، وأوصى بها رسوله من سأله من أصحابه عن وصية جامعة، فقال: “قل: آمنت بالله ثم استقم” رواه مسلم.

وذكر لنا أشياء من هذه المواقف، تُعَدُّ غاية في الروعة.

وفي هذا اللقاء حاول الشيخ الورتلاني أن يملأني ثقة بنفسي، فقال: أرى فيك متشابهًا من الأستاذ حسن البنا، وهذا يلقي عليك تبعات، فقلت له: يا أستاذ وأين يوسف القرضاوي من الأستاذ حسن البنا؟ وأين الثرى من الثُّريا؟

فثار عليَّ وقال: لا تحقر نفسك، إن حسن البنا عنده قدرات ليست عندك، وأنت عندك قدرات ليست عنده، ومجموع مواهبك يؤهلك لتقوم بدور، فلا تنسحب منه، ولا تبخس نفسك حقها.

قلت: أسأل الله أن يجعلني أهلاً لثقتك وحسن ظنك.

قال: ستثبت لك الأيام حسن ظني؟

قلت: أرجو الله. وقد قرأت في حِكَم ابن عطاء الله السكندري: إن الناس يمدحونك لما يظنونه فيك، فكن أنت ذامًّا لنفسك لما تستيقنه منها، أجهل الناس من ترك يقين نفسه لظن ما عند الناس.

قال: وهذا يزيدني ثقة بك.

وكان أخي الدمرداش يستمع إلى حديثه عني، وهو منفرج الأسارير، فقد كان -رحمه الله- شديد الحب لي، والاعتزاز بي، إلى حد الإسراف أحيانًا.

وفي نهاية اللقاء قال لي: هنا أحد إخواني من شباب علماء الجزائر النابهين، وقد جاء ليكمل دراسته بالأزهر، وهو من قريتي، ولا آمن أن يعيش مع أحد من مصر إلا معك، فأنا أوصيك به خيرًا، ولعلها تكون فرصة له لينهل منك شخصيًّا ومن الإخوان وروحهم بصفة عامة، وكان هذا الأخ في الخارج فناداه فحضر، وقال: هذا هو (محمد الأقصري) أمانة في عنقك.

وكان محمد الأقصري شابًّا أديبًا قارئًا مثقفًا، وقد التحق بكلية أصول الدين، فكان من المناسب أن يسكن معنا في شقتنا بشبرا.

وقد انعقدت بيني وبين الأخ الأقصري مودة عميقة، وصداقة وثيقة، وظل حتى تخرج، وكان له دور في ثورة الجزائر، فقد كان له خطاب يومي أو ليلي إلى ثوار الجزائر كلفته به القيادة، يُذاع بصوته من إذاعة (صوت العرب) بالقاهرة كل ليلة، يعبئ الروح المعنوية، ويحرِّض على القتال، وظل هذا حتى انتصرت الجزائر.

وبعد أن تخرج الأقصري في (أصول الدين) من الأزهر، التحق بمعهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية، ليدرس فيها في قسم القانون والشريعة، الذي كان يرأسه علامة القانونيين العرب الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وقد قبله في القسم استثناء، مع أنه لا يقبل من الأزهر إلا خريجي الشريعة، وقد رفض قبولي رغم إلحاحي لأني خريج أصول الدين.

كان الأقصري كلما حضر خطبة أو محاضرة لي، يقول: كم أتمنى أن يأتي اليوم الذي أراك تخطب فيه وتحاضر في قلب الجزائر، إنه يوم أترقبه وعسى أن يكون قريبًا.

ولكن هذا اليوم لم يأتِ إلا في سنة 1982م، حينما حضرت أول (ملتقى للفكر الإسلامي) بالنسبة لي، وكان في مدينة تِلمسان، وشهدت في الجزائر من جماهير الصحوة، ما لم أشهده في بلد آخر، حتى كان يحضر أحيانًا نحو مائتي ألف شخص يستمعون إليَّ في خطبة الجمعة.

والعجيب أني حين ذهبت إلى الجزائر سألت عن الأقصري، فلم أجده، فقد كان سفيرًا للجزائر في إندونيسيا وفي غيرها.

ولم أره في الجزائر إلا بعد عدة سنوات، ورأيته عزبًا كما تركته من قديم، لم يتزوج، فلما سألته عن السبب، قال: أهملت الأمر حتى فاتني القطار! والآن من تقبل أن تتزوجني لا أريدها، ومن أريد أن أتزوجها لا تقبلني!

وقد تقطعت الصلة بيننا بعد أحداث الجزائر المأساوية، ولا أدري ما مصيره؟ فإن كان حيًّا فأدعو الله أن ييسر له أمره، وإن كان ميتًا فأسأله تعالى له المغفرة والرحمة، وأن يتقبله في عباده الصالحين.

ولنا عودة في الحديث عن الجزائر في حينها إن شاء الله.

 

آخر التغريدات: