الحياة العائلية للشيخ عبد الحميد بن باديس

الحياة العائلية للشيخ عبد الحميد بن باديس

تزعم العلامة عبد الحميد بن باديس الحركة الإصلاحية في الجزائر وكابد من أجلها الصعاب وكافح حتى تظل مقومات الشخصية الوطنية مغروسة في الأفئدة وجلية في السلوك، وقد مثل نضاله وثلة من زملائه صورا حية للبلاء الحسن في ظل الصراع الحضاري بين بلدان الشمال والجنوب والذي شهده القرنان المنصرمان…

هذه المرة سوف نقف على سجل الحياة العائلية للإمام ابن باديس، من خلال جلسة جمعتنا منذ سنوات وأخيه “عيد الحق بن باديس” الذي يستهل شريط الذكريات بمكان يسمى سيدي قموش، وهو ملك العائلة، وذلك قبل إنشاء مدرسة التربية والتعليم، وقد عمل على تأسيس جمعية للعلماء على مستوى مدينة قسنطينة، لكنه عندما بدأ يتسرب إليها أشخاص خبثوا إلى الحكومة الفرنسية والذين كانت لهم أغراض مناقضة تمام للأهداف السامية التي كان ينشدها الإمام، لذلك فسخ هذه الجمعية…”.

ويمضي عبد الحق في سرد أنشطة أخيه عبد الحميد بقوله:”إنني درست على يد الشيخ مدة ثلاثة سنوات وقد كان يلقي دروسه الأولى في الجامع الأخضر، وذلك بعد ما منعه المفتي من التدريس بالجامع الكبير عندئذ أخرج له الأب رخصة للتدريس بالجامع الأخضر، وبعد تطور عدد الطلبة أصبح يدرس في سيدي قموش وسيدي بومعزة وسيدي الأخضر ويعاونه في ذلك بعض طلبته.

وفي هذا السياق يوضح عبد الحق بأن الشيخ عبد الحميد لم يدرس بتاتا باستخدام السبورة، حيث كان يفرش جلدا من جلود الغنم عن حلقة الدروس. علما أنه يبدأ درسه الأول بعد صلاة الفجر، وبعد تناوله فطوره بعين المكان يستمر في إلقاء الدروس لغاية الساعة الحادية عشرة صباحا، ثم يعود إلى المنزل للغذاء، وبعد ذلك يأخذ قسطا يسيرا من الراحة، ثم يعود لإلقاء الدروس لوقت صلاة العصر، وبعدها يعرج على مكتبه ليضطلع بأعمال الصحافة ومتابعة عملية النشر من أولها إلى آخرها وعقد الاجتماعات.. أما بعد صلاة العشاء فيشتغل في التفسير والفتاوي..

وهكذا يقضي كل أيامه على هذا النحو، حيث لا يبقى في البيت إلا نادرا كما أنه في غالب الوقت يتناول وجبات الأكل خارج المنزل.

أما يوم الخميس والجمعة فله في الغالب برنامج خاص،ينتقل يوم الأربعاء مساء في القطار الجزائر العاصمة للألتقاء بأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والقيام بالأنشطة المطلوبة للدعوة، وفي يوم السبت يستأنف سلسلة دروسه المعتادة.

وعن الضغوط التي كانت تتعرض لها عائلة الإمام ابن باديس، يقول عبد الحق:”إن جهاد الشيخ كان يقل الاستعمار الفرنسي كثيرًا، وقد حاولت إغراءه ببعض المناصب، كما حاولت تسميته بشيخ الإسلام، لكنه رفض هذا وذاك، وقد اضطر والدي الذي كان يشتغل في الزراعة وبيع المواشي إلى بيع مزرعة هامة في وادي زناتي حتى يستطيع تسديد الديون، لأن الحكومة الفرنسية ضغطت على البنوك لكي لا تتعامل مع والدي بسبب جهاد عبد الحميد.

وقد صمد الشيخ عبد الحميد أمام شتى أنواع الضغط والإغراء وأصر على مواصلة الدعوة الإصلاحية، والتضحية بوقته من أجل ذلك وكان يقول لنا في العائلة:”مادمت لم أوذ، ولم اضرب من أجل الدعوة فإنني لم أؤد واجبي…

لقد كان الشيخ عبد الحميد باديس كما يقول شقيقه قليل الكلام في المنزل وإذا كان هناك ضجيج أو هرج يتحول فور دخول الشيخ عبد الحميد إلى هدوء احتراما له، كما أنه كان لا يحدثهم عن المشاكل والمضايقات والصعوبات التي كان يتعرض لها من قبل الاستعمار أو أصحاب الطريقة.

وقد سألنا عبد الحق عن إحساسه بتخصيص يوم العلم لذكرى وفاة العلامة ابن باديس فعبر لنا عن شعوره بقوله:”هذا اعتراف بالجميل للشيخ الذي كرس حياته لإصلاح الأمة، خاصة أنه كان دائما يقول لنا لمن أعيش ! إنه عاش لخدمة الإسلام والعروبة والوطن.

 

آخر التغريدات: