مفهوم الاستقلال ورؤى المستقبل في أول خطبة للبشير الإبراهيمي.. فهم جديد للحراك التاريخي

مفهوم الاستقلال ورؤى المستقبل في أول خطبة للبشير الإبراهيمي.. فهم جديد للحراك التاريخي

كثيرا ما يتردد الدارس حين يقف أمام نص من النصوص الفذة، في الكيفية التي يقبل بها عليه، أيكون مجرد قارئ يترك للنص حرية القيادة والتوجيه، فيستكين لحفيف كلماته، ويركن لهدهدة عباراته وجمله، وينساق وراء أخيلته ومعانيه. أم يمسك برسن جماحه، فيوقفه في كل خطوة، ويتريث به في كل ربوة، يطل من ورائها على فسيح من الدلالات، ويستشرف العميق من المعاني، فتراه طورا يغور وينجد، وطورا يسترسل ويهرول.

 والنص في كل ذلك ضرب من السير وصفت العرب به خبب الدابة حين يحمِّلها صاحبها ما لا تطيق من الركض والجري؟. أم يقبل على النص وقد تدجج بالمناهج، ووضع على كتفيه بزة المختص في التشريح والتحليل، واجتهد في عزل ذاته عن الموضوع حتى لا تلوِّث ذاتيته موضوعية ما يعالج من فكر ورؤى؟ أم تراه يخلط بين هذا وذاك مستسلما تارة إلى أحاديث النفس يتلصص من ورائها على نداءات اللغة، وهسهسة الحروف،ومتشددا يراجع المنهج والأداة، ويستخلص الناتج من السبب والعلة.؟.. 

إن “فتنة المنهج” الذي يفرض على الدارس تجاهُل تماهيه العاطفي مع الموضوع، وتباعُده العملي عن نداءاته المبثوثة فيه، جعل المقاربة تنحو إلى “علمية” سمجة باردة، تفوِّت على الدارس مواطن القوة والجمال، وتغيِّب عن ناظره آيات التناسق والاكتمال. وليس معنى ذلك أن المنهج يرفض ذلك التعاطي العاطفي مع النصوص، وإنما المغالاة فيه هي التي حرمت المنهج من التواصل الحميمي بالنصوص. وإننا حين نقرأ للشيخ البشير الإبراهيمي قوله:« من أراد أن يخدم هذه الأمة فليقرأها كما يقرأ الكتاب، وليدرسها كما يدرس الحقائق العلمية. فإذا استقام له ذلك، استقام له العمل وأمن الخطأ فيه، وضمن النجاح والتمام له. فإن تصدى لأي عمل يمس الأمة من غير درس لاتجاهها ولا معرفة بدرجة استعدادها كان حظه الفشل»(1) نتلمس ذلك التفريق المبكر بين القراءة والدراسة.. وكأن الأولى تنصرف إلى المخالطة الحميمة للموضوع والجوس خلاله بعيدا في أغواره التماسا لدقيق معانيه وظلاله، أما الدراسة فغير ذلك، لأنها تنصرف إلى التخطيط استنادا إلى اتجاه الأمة، ودرجة استعدادها لتحقيق المطامح والرؤى المستقبلية. وكأن القراءة هي التعرف على حقيقة الأمة في مشمولها الحضاري تاريخا وفكرا وهوية وانتماء، والدراسة هي التهيئة التي تمضي بها إلى موعودها في الزمن الآتي تحقيقا وإنجازا.

بيد أن الآفت في شهادة “البشير الإبراهيمي” هو ربط القراءة والدراسة ب”العمل” وإدراج هذا “العامل” في المعادلة الجديدة، ينفي عن كل نشاط قرائي أو دراسي أن يكون لذاته وحسب، وكأنه ترف لتجزية الوقت، وشغل للتسلي. بل إن تحقق القراءة والدراسة أولا وأخيرا لا يكون إلا في العمل. مادام مقومه الفعلي نجاح أو فشل. هذه الحقيقة الحضارية التي يطل علينا بها “البشير الإبراهيمي” تجعلنا نراجع مفاهيمنا حول المنهج والنص، وحول القراءة والدرس. لأنها تجعل من الحراك التاريخي -أحداثا وحوادث- ضربا من الكتابة التي يتعذر تسطيرها بالقلم في كلمات معدودات. ومهمة المؤرخ والمفكر تتجاوز ما خطته الأيدي إلى ما سطرته الأيام من مصائر الشعوب والأقوام. ذلك هو الكتاب الذي سيظل مفتوحا للقراءة والدرس أمام كل جيل ليتخذ منه منطلقا للعمل. وكأن التاريخ والمنجز الحضاري للأمة ليس تسجيلا لماض انتهى وانقطع، ونُفضت الأيدي من غبار سنينه، وإنما التاريخ فعل يُحضَّر له، وإنجاز تُعد له عدته عن طريق العمل، وتحقيق يُقاس بالنجاح والفشل. وكل جيل إنما يرى تاريخه أمامه لا وراءه.

تلك نظرة جعلت “أبا القاسم سعد الله” يقول عن “البشير الإبراهيمي”:« وقد تناوله الباحثون في مقالاتهم وفي رسائلهم الجامعية على أنه أديب ولغوي, وأنه فقيه ومصلح, كما درس آخرون مواقفه من القضايا العربية والإسلامية كقضية فلسطين وباكستان وليبيا ومصر واليمن.. ولكننا لا نعرف أن هناك من درسه كعالم بالتاريخ وأحوال الأمم الغابرة والمعاصرة, وأن له رأيا في كتابة التاريخ لم يأت ربما على قلم أو لسان جيله من الأدباء والمصلحين» (2) الذين لم يجدوا في التاريخ سوى الفعل التسجيلي للأحداث التي طواها الزمن، فيما يشبه الوحي بأن تأثيرها قد انتهى واضمحل. غير أن النظرة التي نجدها عند “البشير الإبراهيمي” تجعلنا نرى في التاريخ ذلك المعنى الذي أشار إليه “جوزيف هورس” قائلا:« لكلمة التاريخ في الفرنسية معنيان يساء التمييز بينهما عادة. فمن جهة يتناول معناها مجمل الحوادث الملحوظة التي تجلت فيها الحياة البشرية، وتتجلى فيها اليوم، وستتجلى فيها غدا، ومن جهة أخرى يعنى معرفتنا إياها..» (3) وكأن التفريق بين الحوادث من حيث هي حوادث جارية في الماضي والحاضر والمستقيل، لا تشكل تاريخا بالمعنى العلمي للكلمة إلا حين نعرفهافمعرفتنا إياها هي التي تكسبها معنى التاريخ. لأننا سنكون شاهدين عليها من خلال المعرفة التي تتعدى حدود الحادث إلى تجلية قوانين الحدوث فيه، من تجاوب بين العلة والسبب، وقياس الشاهد على الغائب، واستنباط الأحكام وغيرها.. والمنهج الذي يمضي فيه المؤرخ:« مهمته أن يرسم لوحة بمعرفتنا عن تسلسل الأشياء البشرية في مجرى الزمن،وإذا كان لا بد في سياق عمله أن يتخطى التفاصيل، وأن يحاول الأخذ بنظرة مجملة النتائج الحاصلة، فإن هذا لا يكون إلا برصانة فائقة.» (4) وكأن التفاصيل التي تزدحم بها الموسوعات قد تقِّل فائدتها إذا ما قورنت بالفقه الذي يرتبط بسير الحوادث وعللها. فإذا عدنا إلى “البشير الإبراهيمي” لنقرأ مجددا فهمه للتاريخ من أنه قراءة للأمة ودراسة لقدراتها واستطاعتها، رأينا فيه فهم أهل الاختصاص الذين يرون أن “قيمة التاريخ” تتجلى فيما يقدم من معرفة لا فيما يسجل من خبر.

1- هندسة الخطبة:

حين نلتزم الرؤية التي قررها “البشير الإبراهيمي” في القراءة والدرس، يغرينا هذا الوعي الجديد بالتاريخ أن نتوسل المنهج نفسه في قراءة نص الخطبة، لا لنقول عنها قول المؤرخ الذي يسجل الأحداث، وإنما قول الدارس الذي يريد استنباط الأحكام التي أسست النص، وأخرجته على هذه الهيئة دون غيرها من الهيئات. وهي مهمة ترتكز أولا على ما يمكن تسميته ب”فلسفة المواقف”، وهي: « طريقة توجيه إدراكنا نحو العالم وأحداثه، ذلك أنّ الكيفيات التي ندرك بها الأحداث والأشياء هي التي تحدّد فهمنا لها، وتبني تصوراتنا، وتعطيها أبعادها المختلفة. بيد أنّ هذه الكيفيات لا تنطلق ابتداء نحو العالم، وإنمّا تسيّرها، وتوجّهها الأغراض الوقتية، والمطالب الحياتية . فهي – بذلك- تحدّد كيفية إدراك العالم.» (5) وحين نستعيد الموقف الذي اكتنف “نص الخطبة” نجد أنفسنا أمام حشود اكتظ بها فناء المسجد، وضاقت بها ساحته، وغصت بها الشوارع المحيطة به. وقد اختلط فيها الرجال والنساء والأطفال، وحضرها المجاهدون والسياسيون، ومختلف طبقات الشعب المثقفة. إنها تمثل الجزائر بقضها وقضيضها، جاءت لتستمع إلى “بيان المسجد” في أول جمعة من أيام الاستقلال. والخطيب الذي سيعلو درجات المنبر يدرك أن عليه تلبية مطامح كل سامع، وتزكية رغبات كل منتظر.. عليه أن يجعل من كلامه فضاء يجد كل واحد منهم فسحته فيه.

إذا كان “الموقف”يملي على الخطيب مراعاة اللحظة التي يتوجه فيها إلى جمهوره، واعيا بتركيبته البشرية، مدركا مستوياته المعرفية، فإنه -استجابة لهذا الوضع الخاص- يملي عليه الطريقة التي يجب أن يسيِّر بمقتضاها الكلام حتى يضمن جملة من الأهداف تتراوح بين التأثير والتغيير.. وكأن الخطيب حينما يستجيب للموقف، يهندس كلامه على نحو يتأكد من خلاله التبليغ الكامل للرسالة، دون أن تجد اعتراضا كبيرا عند بعضهم. لذلك وجدنا “البشير الإبراهيمي” يقدم كلمته على النحو التالي:

1- اليقينيات الأولى.

2- إستراتيجية بناء المستقبل

1-2- السؤال

2-2- التعوذ

2-3- الإحياء

2-4- الهوية.

3- إستراتيجية النداءات

3-1- يا أتباع محمد -صلى الله عليه و سلم-. 

3-2- يا معشر الجزائريين

3-3- أيها المؤمنون

3-4- يا معشر المؤمنين

3-5- يا أيها المسلمون

3-6- يا إخواني.

ولا يمكننا تبين دقة التصميم، ونجاعته، إلا إذا أدركنا أن الموقف يستلزم ذلك التدرج من اليقين المطلق الثابت الذي يستمد أصوله من سنن الله -عز و جل- إلى الخطوات العملية التي تؤسس بناء الحاضر والمستقبل. وكأنه بذلك يريد للمتلقي أن يركن إلى قواعد ثابتة أولا، يطمئن إلي صحتها، ثم يتدرج به إلى الجانب العملي الذي سيكون في تحقيقه مصداق تلك القواعد. فإذا به يقبل فحوى الخطاب قبولا تاما، فيتأثر به ويتغير. إنها خطوات ثلاث

من اليقين الثابت في السنن

إلى طلب العون من الله -عز و جل– . 

إلى النداء الذي تتعدد صيغه وتتلون بين تعميم وتخصيص.

2- اليقينيات الأولى:

كثيرا ما نلمح لدى خطباء المساجد تباينا صارخا بين فاتحة الخطبة ومضمونها، وكأن بعضهم يتخير لخطبه فاتحة مثقلة بالأسجاع، تعود صياغتها إلى عهد بعيد، وتدور معانيها في فلك لا صلة له البتة بموضوع المتن. وتجد الخطيب يستكين لهدير اللغة، ويعجب لضجيجها، ويحسب أنه يحسن صنعا، وقد انساق وراء إلف العادة في ترصيع الفاتحة بالمترادفات والمتضادات من الألفاظ، ولم يفكر قط في أن الفاتحة إنما هي المقدمة التي تنم عما سيتلوها من مضامين، وما سيلحقها من أفكار.

بل يكون حمد الله -عز و جل- قائما على حسن تصريفه في مادة مضمونه، وعلى دقة تدبيره في شكل موضوعه. ومن ثم يكون الحمد موصولا بالفكرة، ترتكز عليه في تفصيل عناصرها، وبسط ارتباطاتها. لا أن تصب الفاتحة في واد،ويغترف الموضوع من واد آخر. و”البشير الإبراهيمي” حينما تملى الموقف جيدا، وجد أن الافتتاح بالحمد والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه و سلم- لا يكون فاعلا في موضوعه إلا إذا اغترف من سنن الله -عز و جل- في تدبير شؤون خلقه، ومن ثم كان قوله:« الحمد لله ثم الحمد لله، تعالت أسماؤه وتمت كلماته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، جعل النصر يتنـزل من عنده على من يشاء من عباده حيث يبتليهم فيعلم المصلح من المفسد ويعلم صدق يقينهم وإخلاص نياتهم وصفاء سرائرهم وطهارة ضمائرهم. ». وهو حين يتعمد ترديد الحمد، لا يفعل ذلك على سبيل التأكيد اللفظي وحسب، وإنما الحمد الأول حمد الخطبة، والحمد الثاني حمد تمام كلمات الله -عز و جل- تلك الكلمات التي تجري بها سنن الله -عز و جل- في خلقه جريانا مطردا يؤسس “صدق اليقين” عند المؤمنين من عباده. قال القرطبي:« قال ابن عباس: مواعيد ربك، فلا مغير لها. والكلمات ترجع إلى العبارات أو إلى المتعلقات من الوعد والوعيد وغيرهما… (صدقا وعدلا) أي فيما وعد وحكم، لا راد لقضائه ولا خلف في وعده.» (6) ووعد الله -عز و جل- مسطور في قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُوِرِ مَن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء 105) وهو اليقين الأول الذي يستخلصه المسلم من وعد الله -عز و جل- فلا يرى في الحراك التاريخي، والتغير البشري إلا تدبيرا إلهيا يتجاوز كل تخمين وتخطيط. لأن القرآن الكريم:« يصرح بوضوح أن قوانين الله لا يمكن تغييرها،فهي ليست من صنع ظروف المناخ في الدولة التي تعيش فيها الأمة. ولا هي ناتجة عن البيئة الاقتصادية ووسائل الإنتاج. وهي لا تختلف من زمن إلى زمن، ولا من مكان إلى مكان. وكل أمة توجه حياته وفقا لهذه القوانين تحصل من الفائدة على ما تحصل عليه أية أمة أخرى سلكت هذه السبيل نفسها. فقد أعلن القرآن جازما {فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا}» (7) ومعنى ذلك أن النظريات التي حاولت أن توقف التغيرات الطارئة في الاجتماع البشري على أحوال اقتصادية أو بيئية أو غيرها من الأسباب البشرية والطبيعية، غير صحيحة حينما تهمل سنة الله -عز و جل- في كل ذلك. لأن هذه الأسباب وإن كانت فاعلة، إلا أنها هي عين الأسباب الفاعلة في سنن الله -عز و جل- يجريها في أوقاتها المقدرة لها.

وحين نراجع قول “البشير الإبراهيمي” في فاتحة الخطبة، نلمح فهما جديدا للحراك التاريخي، يعطي للفعل البشري القدرة على دفع التحول والتغيير،واستدامة الحال، شريطة أن يتمثل فيهم:« صدق يقينهم، وإخلاص نياتهم، وصفاء سرائرهم، وطهارة ضمائرهم .» فإذا تحول ذلك فيهم، تحولت أحوالهم ودالت دولتهم،وانكسرت شوكتهم. بل قد يكون النصر حليف الكافر والمؤمن على حد سواء، ليدخل ذلك كله في إطار الابتلاء، ما دامت الأمم تُبتلى مثلما يُبتلى البشر. فالنصر مشيئة الله -عز و جل- يُمكِّنه من يشاء من عباده. ولا يجب أن نُقصر لفظ “عباده” على المؤمنين وحدهم بل:« وردت عبارة “عبادا لنا “في القرآن مرة واحدة فقط(8) ، ولو أمعنا النظر في تركيبتها لوجدنا أنه سبحانه نكّر هؤلاء العباد، ولم ينسبهم إلى نفسه حتى بضمير متصل كأن يقول عبادنا، وإنما أُضيفت إلى المجرور” لنا” لنفهم أنّ تنكيرهم كان غاية بحد ذاته، والإضافة للجار والمجرور، جاءت هنا لتفيد ملكية الله لهم فقط، وليس لها علاقة ببيان ماهية المعتقد. وذلك ليعلم بنو إسرائيل أن هذا البعث من عند الله، وبتمكين منه سبحانه، فكل ما يجري على الأرض بخيره وشره، لا يكون إلا بمشيئة الله جل وعلا، وتقدير منه. » (9) وقد ابتلي بنو إسرائيل ب”بختنصر البابلي” فسباهم وفيهم الأنبياء، وأذاقهم مرارة الخسف والتشريد والسبي، عقابا لهم لعلوهم وإفسادهم في الأرض. وتلك سنة من سنن الله -عز و جل- أطاحت بقوم نوح،وعاد، وثمود، وفرعون.. فقد اشتركوا كلهم في صفة العلو والإفساد في الأرض.

قد تجري سنة الله -عز و جل- بسبب من أسبابه المباشرة، إغراقا، وحرقا، وريحا، وصيحة… وقد تجري على يد البشر أنفسهم، فيكون السيف عاملا في تغيير الحال، وإدالة الدولة، كالذي حدث مع بني إسرائيل في الغزو البابلي، وما ينتظرهم في العودة الآتية. أو ما حدث للاستعمار الفرنسي على يد الثورة المباركة. لذلك وجدنا “البشير الإبراهيمي” يُثنِّي بعد الحديث عن يقينية النصر بحديث عن القوة قائلا:« سبحانه تعالى جعل السيف فرقانا بين الحق والباطل، وأنتج من المتضادات أضدادها، فأخرج القوة من الضعف، وولد الحرية من العبودية، وجعل الموت طريقا إلى الحياة» وهي قاعدة أخرى في اليقينيات التي يجب على المفكر إيقانها ليدرك أن التداول بين القوة والضعف، والخير والشر، والحياة والموت، والحرب والسلم، عامل حضاري يحرك الحياة ويدفع بها إلى الأمام، مصداقا لقوله تعالى: { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج 40) فالسنة المودعة في هذه الآية تشير بوضوح وتبين بجلاء: «أن الله لا يعطي أية أمة السيطرة والغلبة الدائمتين. فكل جماعة من الناس تتسلط مدة من الزمن، وبعدما تمر هذه المدة تزول من الوجود، وتقوم فوق رفاتها أمة أخرى. وإن الله ليس له حقد شخصي على أية طبقة من الناس،وإنما هو سوء عملهم الذي يجلب عليهم الدمار فتولد على أنقاضهم طبقة أخرى. والسؤال الذي يبرز بصورة طبيعية هو: ما السبب الأساسي لهذا التغيير؟ والقرآن يجيب بأن التغير قد سببه شيء في الداخل لا في الخارج: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (الرعد 11) » (10) فإذا أحسن القوم أحسنوا لأنفسهم واستداموا بقاءهم، واستتب لهم أمر الدنيا، فإذا دب فيهم الخلف، وبطروا المعيشة، وأنكروا فضال الله، وتجاوزا حدوده، وبغوا في الأرض واستعلوا، دب فيهم التغير والتحول، وسرى فيهم الزوال كما يسري السم في الجسد الملدوغ.

هذه الحال التي تبطن في ثناياها أسباب الزوال، ترفع آيات غضب الله -عز و جل- وتجعلها على رأس كل سلوك إنذارا صارخا يؤرق المفكر والمصلح. ويكتب في صفحات التاريخ أن الأيام دول، وأن :« سحانه تعالى جده، تجلى على بعض عباده بالغضب والسخط فأحال مساجد التوحيد بين أيديهم إلى كنائس للتثليث، وتجلى برحمته ورضاه على آخرين فأحال فيهم كنائس التثليث إلى مساجد للتوحيد، وما ظلم الأولين ولا حابى الآخرين، ولكنها سنته في الكون وآياته في الآفاق يتبعها قوم فيفلحون، ويعرض عنها قوم فيخسرون. »

إنه المثال الذي اختاره “البشير الإبراهيمي” لأن شاهده قائم بين يدي الحاضرين، يبصرون كيف تحولت كنيسة التثليث إلى مسجد للتوحيد، وكيف عاد المسجد لمجده الأول الذي أسس عليه. هنا غضب وهنا رحمة.. ولا ظلم ولا محاباة.. إنما سنة الله في خلقه، تتكرر كلما تأذنت أسبابها، وحان أوانها. وأنه:« جعل نصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة منوطا بالإيمان والصبرعلى الرغم من غلبة الظلم وكثرة أنصاره. وهو يقين آخر ينضاف إلى اليقينيات الأولى التي تجعل النصر مشيئة ربانية، ليس لها صلة بالكثرة والعدة والاقتدار، وإنما هذه كلها من الأسباب التي تجريها السنة لإحداث التغيير .. فقد يهزم الجمع القوي الغفير، وتنصر الفئة القليلة الضعيفة. مادام شرطا النصر إيمان وصبر. بل إن النصر الحق ليس نصر معركة وجولة، فقد تكون الحرب سجالا، وإنما النصر نصر التأسيس والبناء والاستدامة.

3- إستراتيجية بناء المستقبل:

يستهل “البشير الإبراهيمي” رؤيته المستقبلية بوقفة على الحاضر، من خلال مطلبين: مطلب استنزال الرحمات على الشهداء، ومطلب استمداد اللطف والإعانة من الله لمحو بقايا الموت وآثار الفناء. قائلا: « ونستنزل من رحمات الله الصيبة، وصلواته الزاكية الطيبة لشهدائنا الأبرار ما يكون كفاء لبطولتهم في الدفاع عن شرف الحياة وحرمة الدين وعزة الإسلام وكرامة الإنسان وحقوق الوطنواستمد من الله اللطف والإعانة لبقايا الموت وآثار الفناء ممن ابتلوا في هذه الثورة المباركة بالتعذيب في أبدانهم والتخريب لديارهم والتحييف لأموالهم. » إن المسافة بين الرحمة واللطف دقيقة وشاسعة في ذات الآن، فإن كانت الأولى تنصرف إلى الذين قضوا شهداء، فإن الثانية تشايع الذين لا يزالون يحملون في أنفسهم وأبدانهم آثار الحرب والاستعمار. وهما كافيتان في هذا المقام لمسح آثار الحزن من وجه الفرحة التي تغمر الحاضرين.

ربما كان غير “البشير الإبراهيمي” أفاض وأطال في هذا المقام فيجعل الخطبة تفصيلا لما اقترف المستعمر من جرائم، وما حملت الأجساد من شهادات التعذيب، وانقلب جو الخطبة إلى مقام جنائزي مترعا بالأحزان، يتحسس فيه كل جريح جراحاته، ويتلمس كل مفتون آهاته. ولكن “البشير الإبراهيمي” يتخطى سريعا هذا المزلق ليجعل الماضي وراءه، ويشرئب بوجهه إلى مستقبل تبدت تباشيره في الأفق القريب. فيدفع بين يديه بمنهج بنائي غاية في الدقة والتبصر قائلا:« وأسأله تعالى للقائمين بشؤون هذه الأمة ألفة تجمع الشمل، ووحدة تبعث القوة ورحمة تضمد الجراح، وتعاونا يثمر المنفعة، وإخلاصا يهون العسير، وتوفيقا ينير السبيل، وتسديدا يقوم الرأي ويثبت الأقدام وحكمة مستمدة من تعاليم الإسلام وروحانية الشرق وأمجاد العرب، وعزيمة تقطع دابر الاستعمار من النفوس، بعد أن قطعت دابره من الأرض. ونعوذ بالله ونبرأ إليه من كل داع يدعو إلى الفرقة والخلاف، وكل ساع يسعى إلى التفريق والتمزيق وكل ناعق ينعق بالفتنة والفساد. ونحيي بالعمار والثمار والغيث المدرار هذه القطعة الغالية من أرض الإسلام التي نسميها الجزائر، والتي فيها نبتنا، وعلى حبها ثبتنا، ومن نباتها غذينا وفي سبيلها أوذينا. »

إنها ثلاث حركات يجزي بها الخطيب بين يديه، ليجعل منها منصة الرؤية المطلة على المستقبل، تتدرج في كنف معونة الله -عز و جل– سؤالا، وتعوذا، وإحياء. وقد يسهل علينا مراقبتها من خلال هذا المخطط:

3-1- أسأل اللهللقائمين بشؤون هذه الأمة 

ألفة: تجمع الشمل

وحدة: تبعث القوة

رحمة: تضمد الجراح 

تعاون: يثمر المنفعة

إخلاص: يهون العسير

توفيق: ينير السبيل

تسديد: يقوم الرأي ويثبت الأقدام

حكمة: مستمدة من تعاليم الإسلام، وروحانية الشرق، وأمجاد العرب

عزيمة: تقطع دابر الاستعمار من النفوس بعد أن قطعت دابره من الأرض.

إنها مطالب تخص الفئة الحاكمة التي ستكون في حاجة ماسة إلى ألفة، ووحدة، ورحمة، وتعاون، وإخلاص، وتوفيق، وتسديد، وحكمة، وعزيمة. وهي كلها مرتبطة بفعل المضارعة المنفتح على الاستقبال، لأنها في خطوتها الأولى لا تحتاج إلى عون مادي بقدر ما هي في حاجة إلى عون معنوي أساسه الأخلاق والقيم والإخلاص والصبر. إنها دعوة إلى تجاوز كافة الخلافات التي أفرزتها مضايقات الثورة والحرب، واختلاف الرؤى والأفكار.. وكأن الخطيب يعتبر كل ذلك من جراحات الماضي التي يجب على الحاضر استدبارها وطلب اللطف فيها، والمضي قدما إلى شأن جديد يؤمم شطره إلى غد يحتاج إلى تعاون، وعزيمة، وحكمة..

3-2- نعوذ باللهمن كل 

داع: يدعو إلى الفرقة والخلاف

ساع: يسعى إلى التفريق والتمزيق

ناعق: ينعق بالفتنة والفساد.

فإذا تدبرنا مادة التعوذ رأينا كيف يشتغل عقل المصلح، حين ينتقل من الخاص إلى العام، دون أن يسحب الخاص منه سحبا كليا. فالمخاطب في هذه الخطوة ليس العامة من الناس وحدهم وإنما القائمون بشؤون الأمة لأن فيم الداعي والساعي والناعق. غير أن الذي ينقل هذه الخطوة إلى العام هو اشتراك الناس فيها، حينما يكون الداعي كل متحدث بأقاويل الفرقة والخلاف، ويكون الساعي كل عامل بأسبابها مجر لأحابيلها في أواسط الشعب حاكمين ومحكومين. أما الناعق فهو الذي يتحدث بما لا يعلم إما عن جهل أو سوء نية.

3-3- نحي:  هذه القطعة الغالية من أرض الإسلام. – بالعمار: البناء والتشييد – والثمار: الزراعة والغراس – والغيث: الإنماء والتنشئة.

أما الخطوة الثالثة، وعلى بساطة عرضها، تتضمن منهجا متكاملا للعمل المستقبلي الذي يجب أن يتحرك على أصعدة ثلاثةبناء وتشييدا، وزراعة، وتنشئة وتربية. لأن الاستقلال لن يكون كاملا إلا إذا حقق شرط العمارة في الأرض وإحيائها، وهي سنة من سنن الله -عز و جل- التي تحتل مكان اليقين في فكر المؤمن. والإعمار جعل:« الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأنّ ذلك يعدّ تعميراً للأرض حتى سمي الحرث عِمارة لأنّ المقصود منه عَمر الأرض .» (11) أما الإفساد فنقيضه، قال “أبو حيان” :« والفساد يكون بأنواع من: الجور، والقتل، والنهب، والسبي، ويكون : بالكفر… لأن الإفساد شامل يدخل تحته إهلاك الحرث والنسل، ولكنه خصهما بالذكر لأنهما أعظم ما يحتاج إليه في عمارة الدنيا، فكان إفسادهما غاية الإفساد.» (12). وكل الأمم التي وصفها الله -عز و جل- في كتابه بالإفساد في الأرض، إنما كان إفسادها في الحرث والنسل. وبهما يكون الإفساد شاملا لكل مقومات الحياة، و أسباب الحضارة.

3-4- الهوية والانتماء:  الجزائر

فيها نبتنا 

وعلى وجهها ثبتنا 

ومن نباتها غذينا 

وفي سبيلها أوذينا

قد ينسي الانسياق وراء بيان “البشير الإبراهيمي” مضامين الكلمات التي تتوالى سريعا في هذه العبارة، فلا يلتفت إليها إلا جماليا، ويحسبها من قبيل المترادف الذي تزين به العبارات، وتطول به الفقرات. بيد أنها في كل كلمة وصوت، تختزن منهجا، وتفصح عن معرفة بالواقع تمتد في جميع الاتجاهات. إن حديثه عن الجزائر: هذه القطعة الغالية من أرض الإسلام، يتدرج من

النبات: الجذور/الأصل

الثبات: الغزو/الحملات

التغذية: الأصالة/الانتماء

الأذى: التحرشات/ الاستعمار.

فكل جزائري يشعر أنه يمتد عميقا في أصل هذه الأرض، وأنه حلقة في سلسلة من الأجيال التي ثبتت في وجه أعاصير الغزو وحملات الصليب، وأنه بلسانه وثقافته، قد رضع من لبان أصالة وانتماء يجعلانه وتدا راسيا في تربة الجزائر، وأن عليه أن يتحمل الأذى: أذى الذود عنها وأذى إعمارها، صابرا كما تحمله الأسلاف من قبله.

4- إستراتيجية النداء:

إن المتفحص لنص الخطبة، متوقفا عند النداءات التي بثها “البشير الإبراهيمي” في كلمته، يجد أمرا عجيبا يتعلق بهندسة الكلام، ومعرفة طبقات الجمهور، وتوزعه في المسجد وخارجه. وكأن عين الخطيب تجول في أرجاء المكان، وتطل وراء الحيطان، وتذهب بعيدا في أطراف الأرض يتبعها صوته إيذانا ببعث جديد. تلك هي عبقرية الخطيب الذي يدرك أن أمامه جمهور غير متجانس البنية، متفاوت المستوى، مختلف الثقافة، إلا أنه يحمل بين جوانحه هما واحدا، ويتطلع إلى غد واحد. ومن ثم كانت النداءات التي أطلقها “البشير الإبراهيمي” تخاطب كل واحد منهم بحسب الانتماء الذي يدرك والجوار الذي يستشعر. ورتبها وفق مقتضيات الأفكار التي يعالج فكانت على النحو التالي

1- يا أتباع محمد -صلى الله عليه و سلم-. 

2- يا معشر الجزائريين

3- أيها المؤمنون

4- يا معشر المؤمنين

5- يا أيها المسلمون

8- يا إخواني.

4-1- يا أتباع محمد -صلى الله عليه و سلم-:

يكتسب هذا النداء قوته من الحيز الذي تتموقع فيه الخطبة، والفضاء الذي ينتشر فيه النداء. ذلك أن المكان الذي عاد إلى حقيقة عهده بعد استلاب طويل، يملأ النفوس بحقيقة العودة وروعة لحظتها، وشديد ارتباطها بمحمد -صلى الله عليه و سلم- . فمنذ أيام قليلة مضت كانت نواقيس التثليث تدق في منارته، واليوم يرفع آذان يوحد الله -عز و جل- ويردد الصلاة على محمد -صلى الله عليه و سلم-. ومن ثم كان التذكير بهذا الانتماء أشد وقعا في النفوس، وأبلغ تأثيرا في الأفئدة. وكل الحضور يستشعر التبعية لمحمد -صلى الله عليه و سلم- ويستلذ أن يكون من أتباعه -صلى الله عليه و سلم-.

يأتي هذا النداء الخاص مباشرة بعد التذكير بسنن الله في خلقه، وذكر أسباب غضبه وسخطه، وأن المساجد قد تحول إلى كنائس إذا ضيع أهلها الأمانة، وأن الكنائس قد تحول إلى مساجد إذا جد أبناؤها في طلبها وأخلصوا نياتهم في استعادتها. وربما كان غير “البشير الإبراهيمي” في هذا الموقف سيستطرد في الحديث عن التبعية وأمثلتها في الماضي، ولكن “البشير الإبراهيمي” يلتفت إلى “اليوم” الشاخص بين يديه، الذي يزدحم نهاره بهذه الجموع الغفيرة، ويكتظ مكانه بصبيانه ورجاله ونسائه وشيوخه. فيعطي الخطيب لكل عنصر من عناصر المشهد حظه على النحو التالي

الاحتفاء باليوم: الجمعة 

الاحتفاء بالمكان: كتشاوة

الاحتفاء بالجمهور: المواكب الحاشدة.

إنها عناصر ثلاث تتداخل فيما بينها لتشكل مشهدا يجسد حقيقة الاستقلال ويعري حقيقة الاستعمار التي قال عنها في موضع آخر أنه:« كان استعمارًا دينيًّا مسيحيًّا عاريًّا، وَقَفَ للإسلام بالمرصاد من أول يوم ، وانتَهكَ حُرُماته من أول يومٍ فابَتزَّ أموالَهُ الموقوفةَ بالقَهْر وتصرَّفَ في مَعابِدهِ بالتحويل والهدم، وتحكم في الباقي منها بالاحتكار والاستبداد، وتدخَّل في شعائره بالتضييق والتشديد، كلُّ ذلك بروح مسيحيةٍ رومانية تُشِعُّ بالحِقد، وتَفُورُ بالانتقام، ولم يكتف بذلك حتى احتضَنَ اليهوديةَ، وحَمَى أهلَها، وأَشْرَكَهُم في السيادة ليؤلِّبها مع المسيحية على حرب الإسلام، ويُجنِّدَها في الكتائب المُغيرة عليه. » (13) وحقيقة الاستقلال تتجلى في قداسة اليوم، وقداسة المكان، وقداسة الشعيرة. ومن ثم تكون حرية التعبد أكبر العلامات الدالة على تمام الاستقلال.

إن الخطيب ليدرك أن اللحظة حرجة جدا، وأن هذه النعمة لا يمكن تقدير جلالتها، وأن النفوس قد تذهب في تفسيرها مذاهب تهوِّن من شأنها، أو تجعلها عرضا تنزل به في دركات الاهتمام، لذلك يسارع فيقول:« وأما والله لو أن الاستعمار الغاشم أعاده إليكم عفوا من غير تعب، وفيئة منه إلى الحق من دون نصب، لما كان لهذا اليوم ما تشهدونه من الروعة والجلال. » وكأنه بذلك يقطع الطريق أمام بعض المتقولين الذين يرغبون في تفسير الحادث بما يرفع عن فرنسا جريمة الاستعمار. إنها لحظة على الجزائري أن يشرب فرحتها، وأن يعب من فيض إيحاءاتها، فيغسل بها آثار التخدير، ويزيل بها درن الذل والهوان، ويعود عزيزا مكرما لغد ينتظره. قال “البشير الإبراهيمي” :« ويا ويح الجاهلين، أيريدون من كلمة الإصلاح أن نقول للمسلم قل: لا إله إلا الله مذعناً طائعاً، وصلِّ لربك أواهاً خاشعاً، وصم له مبتهلاً ضارعا،ً وحج بيت الله أواباً راجعاً، ثم كن ما شئت نـهبة للناهب وغنيمة للغاصب ومطية ذلولاً للراكب. إن كان هذا ما يريدون فلا ولا قرة عين” ، ثم يعقب معللاً: “وإنما نقول للمسلم إذا فصلنا: كن رجلاً عزيزاً، قوياً، عالماً، هادياً، محسناً، كسوباً، معطياً من نفسك، آخذاً لها، عارفاً للحياة سباقاً في ميدانـها، صادقاً صابراً هيناً إذا أريد منك الخير، صلباً إذا أردت على الشر، ونقول له إذا أجملنا: كن مسلماً كما يريد منك القرآن وكفى.» (14)

4-2- يا معشر الجزائريين:

لا يفوت “البشير الإبراهيمي” اللحظة الشاخصة ليتخذ منها مرتكزا لعرض أفكاره التي تتجه دوما صوب المستقبل، وكأنه لا يريد للماضي من حضور إلا بالقدر الذي يستنفر به الهمم، ويجدد به الطاقة، ويدفع به الجموع نحو غاية تتراءى له من بعيد. إنه يخاطب الجمع الحاشد ب “يا معشر الجزائريين” ليكون لهذا النعت وقعه الجديد في النفوس، من خلال ارتباطه بالأرض والهوية. ثم يعود لذاكرة المكان يثيرها على نحو يحرك الجرح القديم/الجديد حين يقول:« إذا عدت الأيام ذوات السمات، والغرر والشيات في تاريخ الجزائر، فسيكون هذا اليوم أوضحها سمة، وأطولها غرة وأثبتها تمجيدا، فأعجبوا لتصاريف الأقدار، فلقد كنا نمر على هذه الساحة مطرقين، ونشهد هذا المشهد المحزن منطوين على مضض يصهر الجوانح ويسيل العبرات، كأن الأرض تلعننا بما فرطنا في جنب ديننا، وبما أضعنا بما كسبت أيدينا من ميراث أسلافنا، فلا نملك إلا الحوقلة والاسترجاع.» وكل من مر بتلك الساحة، وذلك المسجد، أيا كانت الساحة وأيا كان المسجد، لابد وأن يكون قد شعر بالحزن والغبن، وأحس بالانكسار والعار.. إن الخطيب يرفع للعين مشهدا تكرر في أيام الماضي يوما فيوم، ليجعل للحظة: لحظة قيام الجمعة معنى الشموخ، والفرحة، والعزة.. إنه يقيم حقيقة النداء على ثلاث: حقيقة اليوم الأغر بين أيام التاريخ، وحقيقة المسجد، حصة الإسلام من المغانم، ووديعة التاريخ المستعادة غلابا، وحقيقة التوحيد العائد للمكان والقلوب والمشاعر.

وحين يعود “البشير الإبراهيمي” للنداء ذاته مرة ثانية، يعود مذكرا بحقيقة الاستعمار فيقول:« يا معشر الجزائريين: إن الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا -صلى الله عليه و سلم-: (إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما دون ذلك)، فهو قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتم إليه، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها. » لأنه يعلم أن انسلاخ الاستعمار من هذه الأمة بين ليلة وضحاها محال، تأباه الطبيعة البشرية التي ترضخ إلى العادة في أحوالها. غير أن الخطيب يستنفر العداوة الأزلية بين الإنسان والشيطان. تلك العداوة التي لا يرجى برؤها أبد الدهر.. إنها الفكرة التي ما فتئ “البشير الإبراهيمي” يرددها فيما يقول ويكتب. فالاستعمار عنده: « شيطان، وإن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، وإن الاستعمار شر، ومحال أن يأتي الشر بالخير، ومحال أن يجنى من الشوك العنب.» (15) وأنه أتى:« إلى هذا الوطن كما تجيء الأمراض الوافدة، تحمل الموت وأسباب الموت. والاستعمار سلّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصحيح. » (16) فإذا كانت الفرحة التي تعمر القلوب قادرة على أن تمسح من الوجوه عبوس الليالي والأيام، فإن الخطيب يريد أن تمحى حقيقة الاستعمار من الأذهان والعقول. لأنه وإن خرج من الأرض باق

لم يخرج من مصالح الأرض

لم يخرج من الألسنة

لم يخرج من قلوب البعض.

إنها الثغرات التي يؤتى منها الاستقلال في المستقبل القريب والبعيد، فإذا لم توصد أبوابها كانت أبواب شر تفتح على الجزائريين كل حين، فلا يستقيم لهم استقلال، ولا تتحقق لهم وحدة، ولا يثبت لهم بنيان. لذلك تخصص النداء مرة أخرى بهذه العبارة “يا معشر الجزائريين“.

أما الثالثة، فيجعل معاني النداء منصرفة إلى ما بعد الثورة، فيقول:« إن الثورة قد تركت في جسم أمتكم ندوبا لا تندمل إلا بعد عشرات السنين. وتركت عشرات الآلاف من اليتامى والأيامى والمشوهين، الذين فقدوا العائل والكافل وآلة العمل. فاشملوهم بالرعاية حتى ينسى اليتيم مرارة اليتم، وتنسى الأيم حرارة الثكل، وينسى المشوه أنه عالة عليكم، وامسحوا على أحزانهم بيد العطف والحنان، فإنهم أبناؤكم، وإخوانكم، وعشيرتكم. » إن المجال ليس مجال الإشادة بإنجازات الثورة، بل الوقت وقت الحاضر المطل على الغد القريب والبعيد. والثورة لم تمر من غير آثار وندوب وجراح، وأن هذه الآثار ستستمر غدا، وأن علاجها في الرعاية، وإزالة الأحزان،وتأكيد معاني الأخوة والتكافل.

4-3- أيها المؤمنون:

 أما إذا كان غلالة يلبسها الطمع الاستعماري الذي ساق الصليب أمامه للسلب والنهب والاستعباد، فلا عجب أن يكون الاستعمار عند الشيخ صنو الشيطان وقرينه. لقد وصفه من قبل قائلا:« الاستعمارُ كلُّهُ رِجْسٌ من عَمَل الشيطان، يَلْتَقِي القائمون به على سَجَايَا خبيثة، ذو غرائزَ شَرِهةٍ، ونظراتٍ عميقة إلى وسائل الافتراس، وإخضاعِ الفرائسِ، وأَهَمُّ تلك الوسائل َقتلُ الـمعنويات، وتَخديرُ الإحساسات الروحية.» (17) وفي موطن آخر كتب:« جاءَ الاستعمار الَّدنِسُ الجزائرَ يَحْمِلُ : السيفَ والصليبَ، ذلك للتمكُّن. وهذا للتمكين، فَملَكَ الأرضَ واسْتَعْبَدَ الرقابَ، وفَرضَ الجِزية، وسخَّر العقولَ والأبدانَ، ولو وقَفَ عند حدُود الدُّنيويات لقلْنَا: تلك هي طبيعةُ الاستعمار الجائع، تدفعه الشهواتُ إلى اللذات، فيجْرِي إلى مَداها وَيقف، وتدفعه الأنانيةُ إلى الحيوانيةِ فيلتقمُ ولا ينتقمُ، ولكنه كان استعمارًا دينيًّا مسيحيًّا عاريًّا» (18) والصراع أبدا صراع ديني صليبي لا يملك من العيسوية إلا الاسم. وأينما حل ونزل كان صنيعه صنيعا واحدا، وكانت أفاعيله واحدة، لا يختلف فيها شعب مقهور عن شعب.uلم يكن “البشير الإبراهيمي” من الذين يلجؤون إلى تنويع النداء، لأن ذلك يغير من النبرة الخطابية، ويعدد آفاق المنادى. ولكنه يختار الصيغة التي تناسب المعاني التي سيبثها من وراء الأفق الذي يفتحه النداء. وحين يستعمل نعت المؤمنين، يخيًّل إلينا أن دائرة الذين سيشملهم النداء تتجاوز الجزائريين إلى كل مؤمن يصله النداء. اليوم وغدا، لأن مضمون النداء يتسع لذلك كله. فهو يقول:« أيها المؤمنون: قد يبغي الوحش على الوحش فلا يكون غريبا، لأن البغي مما ركب في غرائزه. وقد يبغي الإنسان على الإنسان فلا يكون ذلك عجيبا، لأن في الإنسان عرقا نزاعا إلى الحيوانية، وشيطانا نزاغا بالظلم، وطبعا من الجبلة الأولى ميالا إلى الشر. ولكن العجيب الغريب معا، والمؤلم المحزن معا، أن يبغي دين عيسى روح الله وكلمته على دين محمد الذي بشر به عيسى روح الله وكلمته. » ذلك إذا كان الدين المسيحي دين عيسى

وحين يعود “البشير الإبراهيمي” مرة ثانية إلى صيغة النداء وقد زاد فيها “يا معشر المؤمنين” نلحظ انعطافا نحو الجزائريين، ولكن دون أن يفقد الخطاب طابعه العام حين يقول:« يا معشر المؤمنين: إنكم لم تسترجعوا من هذا المسجد سقوفه وأبوابه وحيطانه، ولا فرحتم باسترجاعه فرحة الصبيان ساعة ثم تنقضي، ولكنكم استرجعتم معانيه التي كان يدل عليها المسجد في الإسلام، ووظائفه التي كان يؤديها من إقامة شعائر الصلوات، والجمع، والتلاوة، ودروس العلم والنافعة على اختلاف أنواعها، من دينية ودنيوية فإن المسجد كان يؤدي وظيفة المعهد والمدرسة والجامعة. » وهو التذكير بحقيقة المسجد حتى لا تنتهي الفرحة عند حدود الشكل، وتتخطى معانيه. ورسالة المسجد هي وحدها الكفيلة بصد آثار الاستعمار المتبقية في الأرض واللسان والقلب. إنه فسحة للتطهر من أدران الماضي وأرجاسه. إنه النداء الذي يفتح التفكير على نظام تكويني تربوي جديد يكون بديلا لما أقامه المستعمر في البلاد لتكييف العقول وتسخير الطاقات وإعداد أجيال تابعة مستغربة. فالمسجد بمعانيه التي هي له سيكون بديلا للمدرسة والمعهد والجامعة في شكلها ومقرراتها الغربية، ويكون استمرارا لنظام أقامته الحضارة الإسلامية قرونا من قبل. ذلك النظام الذي لا يقيد الطالب في مقاعد الدراسة سنينا عديدة ليخرج بعدها عاجزا عن تحرير رسالة

4-4- يا أيها المسلمون:

إنه النداء الذي يتجاوز حدود المكان/المسجد ليحلق بعيدا في آفاق الأمة الإسلامية شرقا وغربا، ليؤكد رسالة المسجد ووظيفته. فيتناوله قائلا:« أيها المسلمون: إن الله ذم قوما فقال:{ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}، ومدح قوما فقال: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله و اليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين}. » وفي قوله تعريض بمن سيحاول اعتراض رسالة المسجد، فيجعله محل ذم الله -عز و جل-. وكأن كل تعطيل لوظيفة المسجد إنما هو اعتراض على مشيئة الله في خلقه، وتخريب لها، مادام إعمارها في إمضاء رسالتها، وإجراء وظيفتها تربية وتدريسا وإقامة شعيرة. فإذا قصرت مهمة المسجد على أداء الشعائر وحدها، فإنها لن تستطيع مواجهة آثار الاستعمار في الألسنة والقلوب ومصالح البلاد. إن النداء وهو يركز على الذم والمدح، يحمل في ثناياه تحذيرا للقائمين على شأن البلاد في يومها الجديد، فلا يقبلون على الحد من مهمة المساجد في إعادة تربية الشعب وتكوينه وتجنيده للبناء والإحياء. إنه نداء خفي مدسوس في ثنايا التأكيد على الانتماء الإسلامي لكل واحد منهم. وهو السبب الذي جعله ينسبهم في النداء الأخير إلى نفسه قائلا: يا إخواني.

4-5- يا إخواني:

لقد لاحظنا أن “البشير الإبراهيمي” يتحرك ثلاثا في كل خطوة من خطواته، وكأن الرؤية التي يدفعها بين يديه تقوم على الشيء ونقيضه وما يصلحه أخيرا. فهو حين ينسب القائمين على شؤون البلاد في هذه الفترة الحرجة من الاستقلال الفتي، يناديهم ب”يا إخواني” ليخرج بهم من التعريض السابق إلى ما يراد بهم في مستقبل الأيام. إنه يقول:« يا إخواني: إنكم خارجون من ثورة التهمت الأخضر واليابس، وإنكم اشتريتم حريتكم بالثمن الغالي، وقدمتم في سبيلها من الضحايا مالم يقدمه شعب من شعوب الأرض قديما ولا حديثا، وحزتم من إعجاب العالم بكم ما لم يحزه شعب ثائر، فاحذروا أن يركبكم الغرور ويستزلكم الشيطان، فتشوهوا بسوء تدبيركم محاسن هذه الثورة أو تقضوا على هذه السمعة العاطرة.

إن حكومتكم الفتية منكم، تلقت تركة مثقلة بالتكاليف والتبعات في وقت ضيق لم يجاوز أسابيع، فأعينوها بقوّة، وانصحوها في ما يجب النصح فيه بالتي هي أحسن، ولا تقطعوا أوقاتكم في السفاسف والصغائر، وانصرفوا بجميع قواكم إلى الإصلاح والتجديد، والبناء والتشييد، ولا تجعلوا للشيطان بينكم وبينها منفذا يدخل منه، ولا لحظوظ النفس بينكم مدخلا. » وهو الحديث الذي يتوزع على ثلاث خطوات:

الثورة في ميزان الانجاز العالمي

المنجز
ضعف البنية القاعدية

الحيازة على إعجاب الشعوب

المحذور
أن يركبكم الغرور

أن يستزلكم الشيطان.

الحكومة الفتية ورثت تركة مثقلة بالتكاليف والتبعات. فأعينوها

بقوة

انصحوها بالتي هي أحسن

تجاوز السفاسف من الأمور

الانصراف إلى الإصلاح والتجديد.

ثم يختم بالدعاء لهم وتأكيد حقيقة الاستخلاف في الأرض. قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا}. 

 

(*) كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة سيدي بلعباس.

(1) – محمد البشير الإبراهيمي (حقائق) جريدة البصائر 2 – 1948

(2) – أبو القاسم سعد الله. الثقافة التاريخية عند الشيخ الإبراهيمي .موقع البشير الإبراهيمي. مقالات ودراسات

(3) –جوزيف هورس. قيمة التاريخ. (تر) نسيم نصر. ص:10. منشورات عويدات ط 3. لبنان 1986

(4) –م.س.ص: 11

(5) –حبيب مونسي . فلسفة القراءة وإشكاليات المعنى ص: 174. دار الغرب. وهران. الجزائر. 2000

(6) –القرطبي – تفسير القرطبي ج 7 / ص 71. مصدر الكتاب : موقع يعسوب

(7) – عبد الحميد صديقي. تفسير التاريخ . تر. كاظم الجوادي. ص:144. 145 دار القلم. ط1. 1980. الكويت

(8)- ] وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً *فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً [ الإسراء 4. 5

(9) – خالد عبد الواحد. نهاية إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. من ومتى وكيف؟ دراسة تحليلية في القران والسنة والتوراة والإنجيل. ص:36. www.go.ae/kalwid/index.htm. 

(10) – عبد الحميد صديقي. تفسير التاريخ . تر. كاظم الجوادي. ص:151 دار القلم. ط1. 1980. الكويت

(11) –الطاهر بن عاشور. التحرير والتنوير.ج7 ص:163. مصدر الكتاب : موقع التفاسيرhttp://www.altafsir.com 

(12) – أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان. تفسير البحر المحيط ج2 ص293.مصدر الكتاب : موقع التفاسير http://www.altafsir.com 

(13) – آثار محمد البشير الإبراهيمي ج 3 ص 80. د ار الغرب الإسلامي 1997 

(14) – محمد البشير الإبراهيمي – الإصلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاقتصادي – البصائر 1936، ص: 2

(15) – محمد البشير الإبراهيمي. جريدة البصائر . عدد 4، ص: 1، 1947

(16) – جريدة البصائر، . عدد 115، ص: 1، 1950

(17) – جريدة البصائر سنة 1949 العدد83

(18) – آثار محمد البشير الإبراهيمي ج 3 ص 80. د ار الغرب الإسلامي 1997

 

آخر التغريدات: