العالم العلامة البشير الإبراهيمي

العالم العلامة البشير الإبراهيمي

محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر الإبراهيمي أحد الرواد والزعماء الذين أشعلوا جذوة المقاومة في نفوس أبناء أمتهم، وساهموا في رفع راية الجهاد ضد الاستعمار في أوطانهم، وفي إيقاظ الوعي بين أبناء أمتهم حتى تحقق لها النصر، وتحررت من أغلال الاستعمار البغيض؛ حيث كان “البشير الإبراهيمي” حلقة من حلقات الجهاد الطويل في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، وأحد الذين شكلوا وعي ووجدان الأمة العربية والإسلامية على امتداد أقطارها؛ فكان أحد رواد الحركة الإصلاحية في “الجزائر”، وأحد مؤسسي “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وكان زميلاً للشيخ “عبد الحميد بن باديس” في قيادة الحركة الإصلاحية، ونائبه في رئاسة جمعية العلماء، ورفيق نضاله لتحرير عقل المسلم من الخرافات والبدع .

 مولده ونشأته:

ولد يوم الخميس 13/ 10/ 1306هـ في بلدة (سطيف)، ونشأ فيها، وينتسب إلى قبيلة (ريغه)، الشهيرة بأولاد إبرهيم بن حيى بن مساهل. أخذ العلم عن الشيخ عبد العزيز الوزير، والشيخ محمود الشنقيطي، والشيخ حمدان الونيلي، والشيخ الطيب بن مبارك الزواوي وغيرهم.

 رحل إلى المشرق سنة 1911م، حيث أقام في المدينة المنورة إلى سنة 1917م، ثم في دمشق إلى سنة 1921م. وعاد بعدها إلى الجزائر. وقد نشطت حركة زميله وصديقه الشيخ عبد الحميد بن باديس، فأصبح له نحو ألف تلميذ، وأنشأ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م، وتولى ابن باديس رئاستها والإبراهيمي النيابة عنه.

نفيه واعتقاله:

وقد أُبعد الإبراهيمي إلى صحراء وهران سنة 1940م، وبعد وصوله إلى معتقل الصحراء بأسبوع توفي الشيخ ابن باديس، فقرر رجال الجمعية انتخاب الإبراهيمي لرئاستها، واستمر في معتقل (آفلو) الصحراوي من سنة 1940م إلى سنة 1943م.

وبعد إطلاق سراحه أنشأ في عام واحد ثلاثًا وسبعين مدرسة وكتَّابًا؛ وكان هدفه نشر اللغة العربية، وجعل ذلك عن طريق تحفيظ القرآن الكريم، إبعادًا لتدخل سلطات الاحتلال الفرنسي؛ وقد تسابق الجزائريون في بناء المدارس، فزادت على أربعمائة مدرسة.

وفي سنة 1945م زُجّ به في السجن العسكري، ولقي تعذيبًا شديدًا من الفرنسيين، ثم أُفرج عنه، فقام بجولات في أنحاء الجزائر لتجديد النشاط في إنشاء المدارس والأندية والكتاتيب، ثم استقرّ به المقام سنة 1952م بالقاهرة. وحين اندلعت الثورة الجزائرية سنة 1954م قام برحلات إلى الهند وغيرها لإمداد الثورة بالمال والسلاح.

جهوده وجهاده:

وفي فترة إقامته بالقاهرة كان يقيم المحاضرات في المركز العام للإخوان المسلمين، ويحدّثهم عن الجزائر وأوضاعها، والاستعمار الفرنسي وتسلّطه على الشعب الجزائري.

 وحين حصلت الجفوة بين جماعة الإخوان المسلمين ورجال الثورة المصرية سنة 1954م حاول أن يبذل جهده للإصلاح والتوفيق، ولكن الأمر قد تفاقم وعزّ العلاج. وقد عاد إلى الجزائر بعد انتصار الثورة.

وكان العلاّمة الإبراهيمي عالمًا في الفقه والتشريع واللغة والأدب، وخطيبًا مفوهًا وشاعرًا كبيرًا، يهزّ المنابر بجزالة ألفاظه، ويثير المشاعر بقوة أشعاره، إذا خطب فهو الأسد الهصور في زئيره، والبركان الثائر في هديره، يأخذ بمجامع القلوب، ويشد إليه الأسماع، ويجلجل بكلمة الحق، وينبري للدفاع عن الإسلام بقوة الحجة ونصاعة البرهان.

الإبراهيمي والقضية الفلسطينية:

قبل الاحتلال الإسرائيلي أخذ البشير يحذِّر مما ينتظر القضية الفلسطينية من مآل، ولما وقع الاحتلال أصبح من أكبر الداعين لنصرة المقاومة الفلسطينية، المستنكرين للعدوان الصهيوني، المجادلين عن حق المسلمين في فلسطين، وأنهم أولى الناس بها، ففلسطين في معتقد البشير الإبراهيمي حقيقة وجودية حياتية مطلقة سداتها العروبة، ولحمتها الإسلام، ولا يمكن إلا أن تبقى عربية إسلامية خالصة أبد الآبدين.

ورغم مأساة وطنه «الجزائر» ومحنة قومه، إلا أنه لم ينس مأساة فلسطين، فكتب عنها مثبتًا بالحجة القوية – دينيًا وتاريخيًا – حق العرب والمسلمين في تلك الأرض المباركة، ومبينًا أسباب مأساة فلسطين، وهي:

ـ قوى الاستكبار العالمي من الدول الغربية، التي مكنت اليهود من الاستيلاء على فلسطين، ظنًا منها أنها بذلك قد تخلصت من اليهود، الذين كانوا قد تغلغلوا في مفاصل الدول الأوروبية.

ـ هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذان يعتبران وسيلتين في أيدي الدول الغربية.

ـ الأنظمة العربية التي كان بعضها يأتمر بأوامر القوى الاستعمارية.

ولم يكتف الإمام الإبراهيمي في تعامله مع القضية الفلسطينية بالتنديد بمن يستحق التنديد، وبالإشادة بمن يستأهل الإشادة، ولكنه قرن ذلك بالفعل، حيث دعا الأمة الجزائرية إلى صوم أسبوع في الشهر، والتبرع بنفقاته لصالح فلسطين، وحمل على فرنسا لموافقتها على قرار تقسيم فلسطين، ودعا إلى تأسيس هيئة لمساعدة فلسطين سميت بالهيئة العليا لإعانة فلسطين، ووضع مكتبته تحت تصرف هذه اللجنة لتبيعها، وتقدم ثمنها للفلسطينيين، ولكن اللجنة رأت أن تبقى المكتبة لصاحبها بعدما انهارت الجيوش العربية، وعندما جاء شخص يطلب منه مالاً ليتسعين به على الذهاب إلى فلسطين ليجاهد، اقترض الإمام الإبراهيمي مبلغًا من المال وأعطاه إياه.

معرفتي به:

سعدنا به أوائل الخمسينيات حين كنا ندرس بجامعة الأزهر يحاضرنا بدروسه القيمة ومواعظة النافعة، ويرشدنا لما يجب علينا القيام به كشباب مسلم يضطلع بمسئولية حمل الدعوة، ويحمّلنا الأمانة باعتبارنا رجال الغد وأمل المستقبل، ويوضّح لنا الأخطار التي تحيط بأمتنا والاستعمار البغيض الذي أناخ بكلكله على أوطاننا، فاستغل خيراتها ونهب ثرواتها، واستذلّ شعوبها، وغزاها بأسلحة الدمار العسكرية والغزو الفكري، والتحلل الخلقي والتفسخ الاجتماعي، وكان – رحمه الله – يُلهب حماسنا، ويستجيش مشاعرنا، ويُعبئ طاقاتنا، ويشدنا إلى العمل البنّاء والدعوة الحكيمة والموعظة الحسنة، ويطلب منا الصبر والمصابرة على وعثاء الطريق، وأن نتحلى بصفات الرجولة الحقّة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من موضع مثل قوله تعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رجال ..) (النور: 36 – 37).

وقوله تعالى: {وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى..} (يس: 20).

وقوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا..} (الأحزاب: 23).

توجيهاته وإرشاداته:

يقول: إن للرجولة ضريبة وعليها مسئولية لأن الرجال هم القمم الشامخة والعلامات البارزة والأئمة الدعاة الذين يقودون الأمة إلى مواطن النصر.

ومن أجمل ما قال شعرًا في هذا المجال قصيدة أحفظ منها، قوله:

لا نرتضي إمامنا في الصفّ    ما لم يكن أمامنا في الصفّ

أي: إننا لا نرتضي أن يؤمنا في الصلاة إلا الذي يقودنا في الجهاد.

يرى البشير الإبراهيمي أن أسلوب التربية هو أساس عملية التغيير سواء في النفس أو في المجتمع، وهو الأسلوب الملائم لمواجهة الاستعمار قديمه وحديثه، لأن الاستعمار يهدم والتربية تبني، والاستعمار يجتث وهي تزرع. وكان يرى أن التغيير ينبع من الداخل، بإعادة بناء كيان الإنسان النفسي والعقلي والوجداني على أسس صحيحة من العقيدة الحقّة والإيمان العميق والفكر المتبصّر، مصداقًا لقوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11)، ويعتقد أن فلسفة التربية ذات نفس طويل لكنه أكيد المفعول.

والتعليم عند الشيخ الإبراهيمي ليس مجرد حشو لأدمغة التلاميذ بمعلومات كثيرة ينسونها بالسرعة التي تعلموها بها، ولكنه فقه وعمل.

إن شباب الأمة هو الدم الجديد في حياتها، فمن الواجب أن يصان هذا الدم، عن أخلاط الفساد، ومن الواجب أن يتمثّل فيه الطهر والفضيلة والخير.

وهذه الطلائع لا تحقّق رجاء الأمة إلا إذا انقطعت للعلم، وتخصّصت في فروعه، ثم زحفت إلى ميادين العمل مستكملة الأدوات، تامَّة التسلح، تتولى القيادة بإرشاد العلم، وتحسن الإدارة بنظام العلم، فتثأر لأمتها من الجهل بالمعرفة، ومن الفقر بالغنى، ومن الضعف بالقوة، ومن العبودية بالتحرر، وتكتسح من ميادين الحق بقايا الدجالين، ومن ميدان السياسة والنيابة بقايا السماسرة والمتجرين، ومن أفق الرياسة بقايا المشعوذين والأمّيين.

آثاره ومؤلفاته:

كان – رحمه الله -من أعضاء المجامع العلمية العربية بدمشق والقاهرة وبغداد، وله شعر إسلامي يعتبر ملحمة في تاريخ الإسلام، حيث يبلغ حوالي ستة وثلاثين ألف بيت، كان ينشره في مجلة (البصائر) التي كان رئيس تحريرها؛ وهو من خطباء الارتجال المفوّهين. وقد طُبعت مقالاته في كتاب (عيون البصائر)، كما أن له كتبًا أخرى منها: (شعب الإيمان) و(الثلاثة) و(حكمة مشروعية الزكاة في  الإسلام) و(الاطراد والشذوذ في العربية) و(التسمية بالمصدر) و(أسرار الضمائر العربية) و(الصفات التي جاءت على وزن فَعَل) و(كاهن أوراس) و(نظام العربية في موازين كلماتها) و(رسالة في ترجيح أن الأصل في الكلمات العربية ثلاثة أحرف لا اثنان) و(نشر الطي من أعمال عبد الحي) و(ملحمة شعرية) و(رسالة في مخارج الحروف وصفاتها بين العربية الفصيحة والعامية) و(الأخلاق والفضائل) وغيرها كثير جدًا.

قال الشيخ ابن باديس عنه: عجبت لشعب أنجب مثل الشيخ الإبراهيمي، أن يضلَّ في دين، أو يخزى في دنيا، أو يذلَّ لاستعمار.

نماذج من شعره:

ومن أشعاره قوله في قصيدة (سكتُّ وقلتُ):

سكتُّ فقالوا: هدنة من مسالم           وقلتُ، فقالوا ثورة من محاربِ

وبين اختلاف النطق والسكت للنهى      مجال ظنون واشتباه مساربِ

وما أنا إلا البحر يلقاك ساكنًا            ويلقاك جيّاشًا مهول الغواربِ

وما في سكون البحر منجاة راسب    ولا في ارتجاج البحر عصمة ساربِ

وقوله في قصيدة (الإسلام وفضائله):

شعارك الرحمة والسلام            للعالمين واسمك الإسلام

الحق من سماتك الجليّةْ             العدل من صفاتك العليّةْ

والعقل منذ كنت من شهودِكْ        والفكر بعد العقل من جنودِكْ

ذلك هو الشيخ المجاهد والعالم الجهبذ والداعية الحكيم العلاّمة البشير الإبراهيمي الذي شَرُفَتْ به ساحات النضال وميادين الجهاد يصول ويجول، يذود عن حمى الإسلام، ويدافع عن حياضه، ويربي جماهير الأمة على منهج الإسلام الحق وصراط الله المستقيم، ويعطي الشباب المسلم من خبراته وتجاربه الشيء الكثير.

ولن ننسى له، ونحن في فورة الشباب وحماس الفتوة، كيف كان بالترحاب يلقانا مع رفقائه في الجهاد والنضال من شخصيات العالم الإسلامي الذين اتخذوا من القاهرة مقرًا، أمثال: المجاهد التونسي الكبير محيي الدين القليبي، والشاعر اليمني محمد محمود الزبيري، والزعيم المغربي علاّل الفاسي، والمجاهد الكبير الفضيل الورتلاني وغيرهم من القادة والزعماء.

وكان طلاب البعوث الإسلامية بالأزهر يتحركون بالإسلام في أوساط طلاب الجامعات المصرية الأربع، ويؤكدون في علاقاتهم على معاني الأخوة الإسلامية الحقّة قولاً وعملاً، مقدمين رابطة الإسلام على ما عداها من روابط الجنس أو اللغة أو الوطن أو القومية أو القبيلة، مقتفين أثر الرسول [ الذي جمع بلالاً وعمارًا، وسلمان وصهيبًا وأبا بكر وعمر، فكانوا الجيل الفريد الذي اجتمع تحت راية الإسلام، تحقيقًا لقول الله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: 103).

وبهذه الأخوة الإيمانية وهذا الحب العميق فتحوا الدنيا كلها بإسلامهم، وأقاموا أعظم الحضارات بجهادهم، وحققوا التكافل بأخوتهم فأشرقت الدنيا بنور الإسلام، وسعدت بتعاليمه، وسادت بأخلاقه وفضائله.

وسرنا نحن شباب الإسلام في الخمسينيات على هذا الطريق، وانطلقنا بتوجيه أساتذتنا ومشايخنا نردد قول الشاعر المسلم:

أبي الإسلام لا أب لي سواه           إذا افتخروا بقيس أو تميم

     وانبرى الطغاة وعملاؤهم يكيدون للإسلام وأهله، ويمكرون الليل والنهار لوأد هذه البراعم التي تفتّحت قلوبهم للإسلام، ويضعون كل العراقيل في طريق الدعاة إلى الله، ويحاولون بكل وسيلة إيقاف المدّ الإسلامي الذي انطلق بقوة من الجامعات والمدارس يتصدّى للاستعمار ورموزه، فكان ما كان من السجون التي فُتِحتْ، والمشانق التي نُصبتْ، والبيوت التي هُدمتْ، والأموال التي نُهبتْ، والأعراض التي هُتكتْ، مما يعرفه القاصي والداني.

وفاته:

ومع كل ذلك ظلّ الإسلام وسيبقى، وظلّ الدعاة إلى الله يتحركون بالإسلام، ويعملون في سبيل مرضاة الله، وكان من الأمثال الصادقة للجهاد أستاذنا العلامة محمد البشير الإبراهيمي الذي انتقل إلى رحمة الله في الجزائر، وهو رهن الإقامة الجبرية في منزله، وذلك يوم 20/ 5/ 1965م، حيث إن الشيخ الإبراهيمي أصدر بيانًا باسم جمعية العلماء الجزائريين بعد الاستقلال يحذر فيه من المبادئ المستوردة، رأى فيه الرئيس الجزائري تعريضًا به وبنظام حكمه، مما دعاه لفرض الإقامة الجبرية على الشيخ الإبراهيمي إلى أن توفي – رحمه الله رحمة واسعة، ووفق تلامذته لإتمام مسيرته لخدمة الإسلام والمسلمين.

يقول عنه الشاعر وليد الأعظمي في حزيران (جوان) سنة 1952:

باسم الأخوة أستهل كلامي          وبه أفيض على الورى أنغامى

أبشيرنا بالعز جئت فمرحبًا            بك يا بشير النصر والإقدام

لازلت يا نعم الإمام منارة             من نورها ينجاب كل ظلام

لك في الأمور (بصائر) نفّاذة           تسوّد منها أوجه اللّوام

أما البيان فقد ملكت زمامه             ولبست تاج العزّ والإكرام

لله درّك من إمام ناصح                  حُر أبى عالم مقدام

الله أكبر في الجزائر ثورة             قامت على الآمال والآلام

بين يدي الكتاب:

اتخذت قضية فلسطين حيزًا كبيرًا من مقالات الشيخ الإبراهيمي بجريدة البصائر، لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،  والتي يتشرف مركز الإعلام العربي بإعادة نشرها في هذا الكتاب، وقد تناولت تلك المقالات كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ حيث كتب الإبراهيمي يبين موقع فلسطين في قلوب الجزائريين: “يا فلسطين! إن في قلب كل مسلم جزائري من قضيتك جروحًا دامية، وفي جفن كل مسلم جزائري في حقك كلمة مترددة هي: فلسطين قطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصغير، وفي عنق كل مسلم جزائري لك – يا فلسطين – حق واجب الأداء».

وكتب مبينًا، من الأحق بفلسطين: العرب أم اليهود؟ “ما بال هذه الطائفة تدعي ما ليس لها بحق، وتطوي عشرات القرون لتصل – بسفاهتها – وعد موسى بوعد (بلفور)، وإن بينهما لمدًا وجزرًا من الأحداث، وجذبًا، ودفعًا من الفاتحين. ما بالها تدَّعي إرثًا لم يدفع عنه أسلافها غارة بابل، ولا غزو الرومان، ولا عادية الصليبيين، وإنما يستحق التراث من دافع عنه، وحامى دونه”.

ثم يقول: “إن العرب على الخصوص، والمسلمين على العموم، حرروا فلسطين مرتين في التاريخ، ودفعوا عنها الغارات المجتاحة مرات، وانتظم ملكهم إياها ثلاثة عشر قرنًا”.

ويقول: “إن فلسطين أرض عربية؛ لأنها قطعة من جزيرة العرب، وموطن عريق لسلائل من العرب، استقر فيها العرب أكثر مما استقر فيها اليهود، وتمكن فيها الإسلام أكثر مما تمكنت اليهودية، وغلب عليها القرآن أكثر مما غلبت التوراة، وسادت فيها العربية أكثر مما سادت العبرية”.

ويقول عن واجب العرب نحو فلسطين: “إن الواجب على العرب لفلسطين يتألف من جزأين: المال والرجال، وإن حظوظهم من هذا الواجب متفاوتة بتفاوتهم في القرب والبعد، ودرجات الإمكان وحدود الاستطاعة، ووجود المقتضيات وانتقاء الموانع، وإن الذي يستطيعه الشرق العربي هو الواجب كاملاً بجزأيه لقرب الصريخ، وتيسر الإمداد… واجب الدول العربية التصميم الذي لا يعرف الهوادة، والاعتزام الذي لا يلتقي بالهوينا، والحسم الذي يقضي على التردد… وواجب زعماء العرب أن يتفقوا في الرأي ولا يختلفوا… وأن يوجهوا بنفوذهم جميع قوى العرب الروحية والمادية إلى جهة واحدة هي فلسطين… وواجب كُتّاب العرب وشعرائهم وخطبائهم أن يلمسوا مواقع الإحساس ومكامن الشعور من نفوس العرب، وأن يؤججوا نار النخوة والحمية والحفاظ فيها، وواجب شعوب الشرق العربي أن تندفع كالسيل، وتصبِّح صهيون وأنصاره بالويل، وأن تبذل لفلسطين ما تملك من أموال وأقوات».

وعندما باء العرب بالفشل في المعركة مع الصهاينة نتيجة التخاذل والفرقة والخيانة، استمر الإبراهيمي في أداء واجبه نحو قضية فلسطين بالوخز والتأنيب لمن تسببوا في ذلك، وبالمواجهة الصريحة؛ فيستقبل العيد متسائلاً: “أي عيد لمن ضيع فلسطين؟”ومتألمًا لما لحق بالجزائر وفلسطين، يقول:

للناس عيد ولي هَمّان في العيد       فلا يغرنك تصويبي وتصعيدي

همّ التي لبثت في القيد راسفة        قرنًا وعشرين في عسف وتعبيد

وهمّ أخت لها بالأمس قد فنيت        حماتها بين تقتيل وتشريد

ثم يخاطب العرب فيقول : «ألستم أنتم الذين أضعتم فلسطين بجهلكم مرة، وخذلكم وتخاذلكم ثانية، وباغتراركم وتغافلكم ثالثة، وبقبولكم للهدنة رابعة، وباختلاف ساستكم وقادتكم خامسة، وبعدم الاستعداد سادسة، وبخيانة بعضكم سابعة، وما عدوّكم أعلم به منكم ثامنة، وفي أثناء ذلك كله كتب الحفيظان عليكم من الموبقات ما يملأ السجلات.

كانت نتيجة النتائج لذلك كله أن أضعتم فلسطين، وأضعتم معها شرفكم، ودفنتم في أرضها مجد العرب وعز الإسلام وميراث الإسلام، فحق – حينئذ قوله: “ويل للعرب من شرٍ قد حلَّ، ولا أقول قد اقترب”.

وبعد؛

فيسعدني ويسعد مركز الإعلام العربي أن نقدم للقارئ الكريم هذا الإرث القيِّم من مقالات الإمام الإبراهيمي التي تبرز القضية الفلسطينية وتضعها في بؤرة الضوء، سائلين المولى (عز وجل) أن ينفع بها ويجعلها في ميزان حسناتنا.


آخر التغريدات: