بدايات الاحتفال بذكرى الإمام ابن باديس

بدايات الاحتفال بذكرى الإمام ابن باديس

تعودنا في العالم العربي على الاحتفاء بعلمائنا في ذكرى وفاتهم بينما يحرص غيرنا على الاحتفاء بعظمائهم في غالب الأحيان بمناسبة ميلادهم. ولهذا دأب المحبون للشيخ عبد الحميد ابن باديس والمهتمون بتراثه على تخليد ذكراه كلما حل يوم 16 أفريل وليس يوم 4 ديسمبر.

 و الاحتفال بذكرى ابن باديس في يوم 16 أفريل لم تكن وليدة الاستقلال وإنما هي تقليد سنوي بدأ في الأربعينات كما تبرهن على ذلك هذه المقالة. وإنما تم ترسيمها من طرف الرئيس هواري بومدين.في نهاية الستينات.

جمعية العلماء في موعد الحدث

كان الاحتفال الأول بالشيخ عبد الحميد ابن باديس عرفانا وتقديرا لمجهوداته في خدمة الدين والعلم والوطن في جوان 1938 في قسنطينة بمناسبة ختمه لتفسير القرآن الكريم الذي استغرق 25 سنة. فقد شارك في هذا الحفل العلمي عدد كبير من العلماء والطلبة وعامة الناس الذين قدموا إلى هذه المدينة من كل أرجاء الوطن. وقدمت في هذه المناسبة خطب وقصائد كثيرة أثنت على هذا العالم والمفسر الجزائري نشرتها مجلة الشهاب فيما بعد. 

وفي 16 أفريل 1940، أي بعد عامين من هذا الحدث العظيم، توفي الشيخ ابن باديس. وكان لوفاته أثر كبير على الحركة الإصلاحية في الجزائر التي فقدت أباها الروحي. وأصبح هذا التاريخ رمزا راسخا في ذاكرة الجزائر المعاصرة.

وهكذا دأبت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ الأربعينات على تسجيل وقفات بمناسبة حلول ذكرى وفاة الشيخ ابن باديس في كل عام. وتقام حولها نشاطات ثقافية عبر الوطن من محاضرات ودروس وأناشيد ومسرحيات. وتنشر البصائر المقالات والقصائد تعرف بشخصية ابن باديس ومجهوداته المتعددة في مجال الدعوة والتعليم والإرشاد والصحافة والإصلاح بشكل عام. وقد كتب عن إبن باديس غالبية رفقائه وتلامذته نثرا وشعرا. ولم تتأخر جريدة البصائر مرة واحدة بين أبريل 1948 وأبريل 1955 عن الكتابة عن الرئيس الأول لجمعية العلماء الجزائريين. وتكوّن مع الأعوام تراث غزير عن هذا العلم الجزائري. وقد وفقني الله إلى جمعه مضيفا إليه ما كتبه معاصروه الأجانب، وتبويبه وتحقيقه. وسيأخذ هذا العمل المعنون “الشيخ عبد الحميد بن باديس بين وفاء تلامذته وتقدير معاصريه” طريقه إلى النشر في الوقت المناسب بحول الله.

مسابقة شعرية عن ابن باديس

في سنة 1950 نظمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة ابن باديس مسابقة شعرية للطلبة والشباب موضوعها حديث مع الشيخ ابن باديس. فماذا يريد أن يقوله الشاب الجزائري لهذا العالم الراحل؟ فتنافس المتنافسون وفاز في الأخير 3 شباب وهم على التوالي: عمر شكيري، يوسف بكة وحسن حموتن. وتبرع هذا الأخير بجائزته التي قدرها ألفا فرنك، فأعطى نصفها لجريدة البصائر، وسلم النصف الآخر إلى معهد عبد الحميد بن باديس.

جاءت كل قصيدة من هذه القصائد الثلاثة في 15 بيتا. القصيدة الأولى لامية عنوانها: “أمام قبر عبد الحميد” وقد جاء فيها:

يا قائد الأجيال، فتحك سائر *** حيا وميتا فليقر البال

نم هادئا وانعم، فغرسك مثمر*** والشعب بعدك عامل فعال

لا تخش ضيعة ما تركت، فكلنا*** راع أمين ذائد صوال

للدين ما قدمت من سعي، وما  ***زرعت يداك تناله الأجيال

أما قصيدة ” على قبر إمام النهضة عبد الحميد بن باديس” ليوسف بكة فكانت أكثر عاطفية وأبلغ تأثيرا:

قيدوني وأرهقوني صعودا *** ودمي أهدروه فوق صعيدى،

حطموا زهرتي وداسوا عفافي *** وأروني يا لحد ذل العبيد،

جرعوني كأس المنون وما ذ نـ *** بي يا لحد غير كسر القيود

ليت شعري متى يزول عذابي؟  *** ومتى يستعاد ملك الحديد؟

ومتى يا ضريح ترسل للشعب *** ضياء من روح ذاك الشهيد؟

القصيدة الثالثة عنوانها: “وقفة على قبر عبد الحميد بن باديس” وهي لحسن حموتن من مدينة تيزي وزو.

حي الضريح وحي الشيخ ساكنه *** واخشع مليا وكن للموت مدكرا

واستعرض الذكريات الخالدات وقل *** بشراك قد أخرجت أغراسك الثمرا

وكفكف الدمع لا تحزن بل اغتبطن *** إني أرى الشيخ بالرضوان قد ظفرا

واعمل إذا كنت  أنصار فكرته *** واجهر بما أمر المولى كما جهرا

الجاليات الجزائرية في المهجر تحتفي بابن باديس

كانت الجالية الجزائرية في تونس هي من أبرز الجاليات التي حرصت على الاحتفاء بذكرى الشيخ عبد الحميد بن باديس كلما حل شهر أفريل. ” فخلال خمس عشر سنة من وفاة ابن باديس أحيا التونسيون تارة بمفردهم، وطورا بمشاركة المهاجرين الجزائريين إلى تونس سبع مناسبات لتكريمه بداية من سنة 1946 وحتى سنة 1955.” وكانت الصحافة التونسية والجزائرية تكتب تقارير عن وقائعها وتنشر عددا من الخطب التي ألقيت فيها. كما أعاد الباحث التونسي الدكتور محمد صالح الجابري في كتابه المفيد ” التواصل الثقافي بين الجزائر وتونس” نشر قصائد عديدة ألقاها الشعراء التونسيون في هذه الاحتفالات.

ولعل أول احتفال قام به المهاجرون الجزائريون والمثقفون التونسيون هو المهرجان الذي نظمته جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين في أفريل 1946، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وعادت الحياة العامة إلى طبيعتها. شارك فيه كوكبة من المثقفين الجزائريين كعبد الرحمان شيبان ونخبة من العلماء والشعراء التونسيين كالشيخ محمد الفاضل بن عاشور والشاعر مصطفى خريف.

قدم الطالب عبد الرحمان شيبان مداخلة تحدث فيها عن “الجانب الحيوي في شخص باديس” الذي لم يكن “فيلسوفا فيرى الحياة “شرا وخيرا” وليس هو بشاعر فيراها “دمعة وابتسامة” وما هو بمحب فيراها “فُرقة ولُقيا”. ليس ابن باديس بأحد هؤلاء، ولكنه وارث من ورثة الأنبياء الذين لا يرون الحياة إلا جهادا وانتصارا. هكذا كان ابن باديس يرى الحياة، وعلى مقتضى ذلك فعل. فقد جاهد جهاد الأنبياء، وانتصر انتصار الأنبياء!” ونشرت جريدة “النهضة” النص الكامل لهذا الخطاب.

كما تحدث الشيخ محمد الفاضل بن عاشور مدير مدرسة الخلدونية العريقة عن حياة ابن باديس وجهوده الإصلاحية في الجزائر وحرصه على الوحدة المغربية التي حاضر عنها في تونس خلال رحلته في سنة 1937. وقد نشرت مجلة العبقرية التي كان يصدرها الشيخ عبد الوهاب بن منصور في تلمسان محاضرة ابن عاشور في عددها الثالث من عام 1946. وألقى الشاعر مصطفى خريف قصيدة عنوانها “قلب المغرب” قال فيها:

عبد الحميد أبا البلاد وشيخها *** لا يستجد العرب غيرك من أب

ذكراك تبعث في النفوس عزائما *** فمنحت علتنا دواء مجرب

وفي عام 1948 احتفل الطلبة الجزائريون بتونس بالذكرى الثامنة لوفاة ابن باديس. وشاركت فيه نخبة من الطلبة والشعراء والعلماء الجزائريين والتونسيين. فألقى الشاعر مصطفى خريف قصيدة عنوانها “أرى فجرا يسري نحونا”. كما ألقى شاعر تونسي آخر وهو محمد زيد قصيدته النونية التي جاء فيها:

يا جيل حي ابن باديس الأبي ومن ***  زكا بتلماحه روح ووجدان

وارفع له الشكر ألحانا ترنمه *** في عالم الخلد حيث العز شكران

وبعيدا عن تونس، أقامت نوادي التهذيب التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بباريس في أفريل 1954 حفلا لإحياء الذكرى الرابعة عشر لوفاة الإمام عبد الحميد بن باديس، وألقى العلماء المشاركون بهذه المناسبة كلمات وخطب تذكر بتاريخ المحتفى به وأشادوا فيها برائد الحركة الإصلاحية في الجزائر، وكان من أبرز المتدخلين الأستاذ مالك بن نبي والشيخ سعيد البيباني مندوب الجمعية في فرنسا، والعالم اللبناني الدكتور صبحي الصالح والمفكر المصري الدكتور أحمد كمال أبو المجد.

ولم تتوقف هذه التقاليد الثقافية رغم كل الظروف، ففي عام 1955 ونار الحرب مشتعلة في الجزائر نظم الطلبة الجزائريون حفلا بهذه المناسبة في تونس شارك فيه شاعران تونسيان وهما: فاطمة بوذينة ومنور صمادح. وقد نشرت أعمال هذه الحفلة التكريمية في نشرية خاصة لجمعية الطلبة الجزائريين. وفي أفريل 1960 كتب الشاعر مفدي زكريا مقالا في مجلة الفكر عن ابن باديس إحياء لذكراه العشرين.

إن هذه السنة الحميدة التي رسخت في تراثنا المعاصر يجب التمسك بها، والحرص على استمرارها بغض النظر عن اختلافنا على الزمن المناسب لها، ولنحرص دائما على خدمة علمائنا ومفكرينا، و نهتم بتراثهم، ونستفيد من تجاربهم وهم بيننا أحياء أو هم راحلون عن هذه الدنيا إلى عالم الخالدين.

 

*أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر 

آخر التغريدات: