السياق التاريخي 1954-1965

السياق التاريخي 1954-1965

إن إيمان الإمام محمد البشير الإبراهيمي بالجهاد وسيلة لتحرير الوطن من الاستعمار هو من إيمانه بربه الذي أنزل في كتابه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}، وأنزل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}، ومن اقتناعه بأن الفرنسيين لا يخضعون إلّا للقوّة، حيث كتب سنة 1950 يخاطب الشعب الجزائري ويغرس في قلبه هذه الحقيقة: “إن القوم- الفرنسيين- لا يدينون إلّا بالقوّة، فاطلُبها بأسبابها، وَأْتها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخُذْهُما بقوّة تَعِشْ حميدًا وتمُتْ شهيدًا” (1)..

 ويضاف إلى ما سبق معرفة الإمام بنفسية الشعب الجزائري الذي فُطر على حُبّ الجهاد، دفاعًا عن دينه، وعرضه، وأَرضِه التي سُمّيت في فترة من تاريخه: “أرض الجهاد”، وسُمّي أحدُ أبواب عاصمته “باب الجهاد” (2). فمسألة تحرير الجزائر عن طريق الجهاد مسألة مفروغ منها بالنسبة للإمام الإبراهيمي، وإن تقول المتقولون، وأَرْجَف المرجفون.

بيد أن الإمام كان مقتنعًا أن إعلان الجهاد من غير إعداد للشعب هو إلقاءٌ به إلى التهلكة، وتضحية بأبنائه من غير جدوى، وكان يؤمن أن أهم إعداد لذلك الجهاد هو تحرير عقول الجزائريين ونفسياتهم، لأنه “محال أن يتحرر بَدَنٌ يحمل عقلًا عبدًا” (3). ولا شك أن تحرير العقول أصعب وأشق من تحرير الحقول، ذلك أن تحرير الحقول يستطيع أن يقوم به كل شخص، أما تحرير العقول فلا يقدر عليه إلّا راسخ في العلم عميق في الفهم، صادق في العزم، مخلص في القصد.

من أجل ذلك قضى الإمام الإبراهيمي أزهر مراحل عمره في تحرير عقول الجزائريين وتغيير ما بأنفسهم، وقد عمل في سبيل هذا الهدف في عدّة جبهات:

1) جبهة الطرقية المنحرفة وعلماء الدين الرسميين، الذين ضلّ سعيهم، واتخذوا الفرنسيين أولياء لهم، ورضُوا بالدنية في دينهم، وأوحوا إلى الشعب الجزائري أن الاستعمار قضاء وقدر لا مرَدَّ له، وأن رفضه ومقاومته محادة لله. وكذبوا، وصدق الله القائل عن نفسه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}. وهل يوجد من هو أفحش من الاستعمار الفرنسي الذي اغتصب البلاد، واستعبد العباد، وأهان الدين، وانتهك الأعراض، ونشر الجهل، وحرَّم العلم، وأمر بالمنكر ونَهَى عن المعروف؟

2) جبهة المستَلَبِين، الذين نالوا نصيبًا من الثقافة الفرنسية، فانسلخوا من دينهم، واحتقروا لغتهم، وسخروا من تاريخهم، وكان أكبر همهم أن ترضى عنهم فرنسا، فدعوا إلى إدماج الجزائر فيها طوعًا أو كرهًا. وقد كان الإمام الإبراهيمي يعتبرهم ضحايا يجب إنقاذهم، ومرضى يجب إسعافهم. وقد أرجع الإمام سبب ضلالهم إلى الطرقيين الذين أشاعوا الخرافات، ونسبوها إلى الإسلام، وإلى المستشرقين الذين شوهوا صورة الإسلام، وعرضوه في أبشع الصور تنفيرًا منه. وقد استطاع الإمام أن ينقذ كثيرًا من هؤلاء المستلبين، وأن يعيدهم في ملتهم، بعد أن عرَّفهم بحقيقة الإسلام، وبأمجاد المسلمين التاريخية، ومنجزاتهم العلمية، وقد استفادت الثورة- فيما بعد- مِنْ خدمات طيبة قدَّمها هؤلاء.

3) جبهة “الطرقية السياسية”(4)، وهم الذين أبدلوا الجزائريين “الزعيم” بشيخ الطريقة، وحصروا القضية الوطنية في شخص، وهذا ما سماه بيان أول نوفمبر 1954 “التوجيه المنحرف” للحركة الوطنية، وما ندَّد به مؤتمر الصومام في وثيقته سنة 1956. وقد أشار الشاعر مفدي زكريا إلى هذه الفكرة بقوله:

وتأبى الزعامات كبح الطموح… فتصنع للخُلف شكلًا جديدًا.

وتغزو السياسة فكر الزعيم … فيصبح فكر الزعيم بليدًا

كأن الزعامة إعصار جان … ولم أر للجان عقلًا رشيدًا (5)

4) الجبهة الفرنسية، فقد عمل على نزع هيبة الفرنسيين ورهبتهم من صدور الجزائريين، وكان يردّد في مقالاته وخطبه أن قوّة الفرنسيين من ضعف الجزائريين، الناشئ عن التفرّق، والجهل، والكسل، ويوحي إليهم بعدم الاستسلام “فلا أظلم من الظالم إلّا من يخضع لظلمه ويحترم قوانينه الظالمة”، و”لا تستيئسوا، إن لم يكن لكم بعض ما لديهم من القوّة المادية، فعندكم من القوّة المعنوية ما لو أحسنتم تصريفه واستغلاله لغلب ضعفكم قوّتهم” (6). وكان يُشيع لفظ الحرية حتى تألفه الأُذُن، ويهفو إليها القلب، وتسعى إلى نيلها اليد، وفي هذا الإطار يدخل وصفُ مؤسسات الجمعية والمنتسبين إليها بالحرية، فمدارسها حرّة، وتعليمها حر، ومعلموها أحرار، ومساجدها حرّة، وصحافتها حرّة .. وقد أشار المسؤولون الفرنسيون إلى بعض أعمال الإمام الإبراهيمي في هذا الشأن، حيث جاء في تقرير والي وهران إلى الوالي العام الفرنسي “إن الإبراهيمي ليس فقط محركًا للضمير العام، ولكنه أصبح المحرك لكل الأنشطة السياسية المحلية الأهلية ذات الطموح المضاد لفرنسا” (7). ومن وسائله في ذلك ما حدّثني به الأستاذ أحمد بن ذياب- في أفريل 1986 – من أن الإمام الإبراهيمي كان ينظم الأزجال باللهجة العامية يندّد فيها بفرنسا، ويدعو إلى عدم رهبتها، والاستعداد لطردها من الجزائر، ويسرب تلك الأزجال إلى المدَّاحين لإنشادها في الأسواق، والمناسبات الاجتماعية والأعياد الدينية.

حقق الإمام- وجمعية العلماء- نجاحًا كبيرًا في تحرير عقول الجزائريين، فنبذ أغلبهم الطرقية، ولم يعودوا “فقراء” (8) إلى شيوخها، وتبرأوا من الاندماجيين الذين أصرُّوا على موقفهم، وتخلصوا من ظاهرة تقديس الزعيم وعبادة الشخص، وأخرَجُوا الاستعمار من صدورهم فخرج- بعد حين- من أرضهم. ولاحظ الإمام في جولاته عبر التراب الوطني، وفي اتصالاته بمختلف فئات الشعب أن الوعي قد انتشر، وأن تحرير العقول والنفوس قد تمّ أو يكاد يكتمل، فأيقن أن ساعة فرنسا في الجزائر قد اقْتَرَبَتْ، وأنها آتية لا رِيْبَ فيها، وأدرك أن هذه “الظواهر الهادئة، ما هي إلّا أواخر فورة وأوائل ثورة” (9) و”ليُوشكنَّ أن يغير الله ما بنا بعد أن غيرنا ما بأنفسنا” (10).

عند ذلك انتقل الإمام إلى مرحلة جديدة وهي بداية “تدويل القضية الجزائرية”، فسافر إلى باريس مبشرًا ونذيرًا: التقى الإمام وفود الدول العربية والإسلامية إلى مؤتمر الأمم المتحدة، فحياها “باسم الجزائر العربية المسلمة المجاهدة”، وبشر تلك الوفود بقوله: “إن الجزائر ستقوم قريبًا بما يدهشكم من تضحيات وبطولات في سبيل نيل استقلالها، وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية” (11)، وأنذر فرنسا بأن مرحلة الكلام قد انتهت و”أن بعد اللسان لَخَطيبًا صامتًا هو السنان، وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال … وإن فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإن فينا لبقايا مدخرة سيُجَلِّيها الله إلى حين” (12).

ثم سافر الإمام إلى المشرق، ليهيئ شعوبه وحكوماته ودوله لمساعدة الجزائر، وقد نجح الإمام نجاحًا كبيرًا في هذه المهمة، دل على هذا النجاح سرعة تجاوب الدول العربية شعوبًا وحكومات مع الشعب الجزائري، واحتضان جهاده، وإمداده بمختلف أنواع المساعدات المالية والعسكرية والدبلوماسية، حيث تكفلت المملكة العربية السعودية بعرض قضية الجزائر في هيئة الأمم المتحدة (13)، وذلك في شهر ديسمبر سنة 1954.

وأخذت الصيحة- في أول نوفمبر 1954 – الذين ظلموا، حين أعلن الشعب الجزائري جهاده، فعَقَدت الدهشة ألسِنَة بعض السياسيين الجزائريين، وانطلقت ألْسِنَة “التقدميين” تندد “بالإرهاب”، وتشجب “العنف”، ولكن شخصية واحدة كانت يقظة مع خيوط فجر ذلك اليوم، وعرفت أن الفجر صادق، وأن المؤذن حقيقي، فاستجابت للنداء. إنها شخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي.

إن أول مؤيد للجهاد الجزائري هو الإمام محمد البشير الإبراهيمي، فقد أصدر مكتب جمعية العلماء بالقاهرة يوم 2 نوفمبر 1954 بيانًا (14)، حَمَل فيه على فرنسا، وحمَّلَها عاقبة ما ارتكبته في الجزائر، وأكَّد لها أننا “سنكون سبب موتها”، ثم ذكَّر حكومات المشرق العربي بواجبها في “إمداد وتشجيع” هذه الحركات المتأججة في المغرب العربي.

ثم أكّد ذلك البيان ببيان آخر يوم 3 نوفمبر 1954، حَيَّى فيه الثائرين الأبطال الذين سفَّهوا زعْمَ فرنسا أن الجزائر راضية بها مطمئنة إليها، والذين شدوا عضد إخوانهم في تونس والمغرب، والذين وصَلُوا حلقات الجهاد الذي هو طبيعة ذاتية في الجزائري، ثم ذكَّرهم بجرائم فرنسا في حق دينهم ودنياهم، وأنه ليس أمامنا إلّا “بقاء كريم أو فناء شريف” (15).

ثُمَّ عزَّز الإمام ذانيك البيانين بثالث وجَّهه إلى الشعب الجزائري المجاهد، حياه فيه، وذكَّره بغدر فرنسا، وأياديه البيضاء عليها، ونكرانها لجميله، “فلم تُبْقِ لكم دينًا ولا دنيا”. وحذَّر فيه الجزائريين من النكوص والتراجع، وأكَّد لهم أن فرنسا “تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة، وهي أنها عدو لكم، وأنكم عدٌّ لها، ووالله لو سألتموها ألف سنة لما تغيرت نظريتها العدائية لكم، وهي بذلك مصممة على محوكم ومحو دينكم وعروبتكم وجميع مقوماتكم”. ثم يدعوهم جميعًا “إلى الكفاح المسلح … فهو الذي يسقط علينا الواجب، ويدفع عنا وعن ديننا العار” (16).

لقد كانت هذه البيانات الصادرة كلها في العَشْر الأوائل من نوفمبر 1934، عن أهم شخصية دينية وسياسية جزائرية- من غير أن يطلب منه طالب، أو يضغط عليه ضاغط- كانت تلك البيانات ضربة قاضية على كل مناورة يمكن أن تلجأ إليها فرنسا في حال سكوته.

كما قدَّمت تلك البيانات دعمًا قويًا للمجاهدين، ونفخت في الثورة روحًا وهي في أوهن مراحلها، حيث أخرجت الشعب الجزائري من التردد والحيرة اللذين كان يمكن أن يُصَابَ بهما، لجهله بمصدر الثورة، وتوجُّهِها، فبيانات الإمام الإبراهيمي شهادة للشعب الجزائري على شرعية المولود- الثورة- وصحته …
وكما أدّت هذه البيانات دورًا هامًا في تقبل الشعب بسرعة للثورة، كانت بمثابة جواز مرور للمسؤولين عنها- الثورة- إلى قادة جل الدول العربية والإسلامية، الذين لم يكونوا يعرفون مسؤولًا واحدًا من مسؤولي الثورة، وزاد من تقبل قادة تلك الدول للثورة ومسؤوليها طلب الإمام الإبراهيمي من شيخ الجامع الأزهر يوم 12 نوفمبر 1954 أن يدعوَ المسلمين إلى الجهاد ضد فرنسا (17)، الأمر الذي جعل الضابط الفرنسي سِرْفْييِ، المتخصص في علم الاجتماع، يكتب في جريدة لُومُوند ( Le Monde) ” إن جمعية العلماء هي المسؤولة عن هذه الحوادث” (18). ولا شك أن هذا الضابط يعلم أن الجمعية ليست هي التي أطلقت الرصاصات، ولكنها هي التي حررت عقول من أطلقوا تلك الرصاصات وأنفسهم، “فثورة الفاتح من نوفمبر كانت ترجمة عملية لفكرة العلماء العربية الإسلامية” (19)، حيث “لم تنجح حركة سلفية في بلد عربي أو إسلامي وتأخذ طريقها إلى الحياة العملية لتكون أساس النضال كما نجحت في الجزائر” (20).

لقد أزعجت هذه البيانات الذين في صدورهم مرض، وفي قلولهم غل لجمعية العلماء ولرئيسها الإمام محمد البشير الإبراهيمي، لأنهم كانوا يتمنون أن لا تؤيد الجمعية جهادَ شعبٍ علمته معنى الجهاد، ووجوبه، أو أن يتأخر تأييدها، فيصبح لا قيمة له، كإيمان فرعون الذي لم يعلنه إلّا بعد أن أدركه الغرق، فرُدَّ عليه.
لذلك، فإن بعض من كتبوا عن ثورة الشعب الجزائري أهملوا الإشارة إلى هذه البيانات وموقف الإمام محمد البشير الإبراهيمي من جهاد شعبه، ومنهم من أشار إلى تلك البيانات وإلى ذلك الموقف على استحياء، ومنهم من فرّق بين موقف الإمام الإبراهيمي وبياناته وبين موقف الجمعية، فقالوا إن هذه البيانات تعبير عن موقف شخصي للإمام الإبراهيمي الذي كان بالقاهرة، وبالتالي فهي لا تعبر عن موقف الجمعية.
ولنسأل هؤلاء الجناة على الحقيقية التاريخية: إذا كان الإمام يتكلم باسمه الشخصي، ولس باسم جمعية العلماء، فلماذا يوقع تلك البيانات بصفته رئيس جمعية العلماء؟ ولماذا يصر على ذكر مصدر تلك البيانات، وهو مكتب جمعية العلماء بالقاهرة؟

ولنسألهم مرة أخرى: لو لم تكن تلك البيانات باسم جمعية العلماء، فلماذا سكت عنها هؤلاء العلماء؟ ولماذا لم يستنكروها؟ أو يتبرأوا منها؟ أو يشجبوا موقف الإمام؟

إن الحقيقة التي يؤمن بها هؤلاء المزوِّرُون للتاريخ، وتستيقنها أنفسهم، ولا تنطلق بها ألسنتهم ولا تسطرها أقْلامُهُم، هي أنه كَبُر عليهم أن تُغَبِّر الجمعية ورئيسها في وجوههم، وتحوز الجمعية ورئيسها بالسَّبْق تفضيلًا، فتحتضن جهاد الشعب الجزائري، وتتركهم في ضلال مبين، رغم ادعائهم التحليل العميق والتنبؤ الدقيق.

لقد كان في إمكان الإمام الإبراهيمي أن يلتزم الصمت وينتظر تطور الأوضاع كما فعل بعض السياسيين المحترفين، أو أن يندد “بالإرهاب” ويستنكر “العنف ” كما فعل الشيوعيون، أدعياء الثورية، أو أن يصدر البيانات باسمه الشخصي ليجنِّبَ الجمعية التي يرأسها ويقودها السُّوءَ، ولكنه أدرك بحسه العميق وتحليله الدقيق أن هذا الذي وقع في أول نوفمبر بالجزائر هو “ثورة” وليس “فورة”، وأن هذه الثورة تتميز “بحسن التدبير والنظام والإحكام، وأن الثورة شعبية غير متأثرة بالتأثرات الحزبية، وأن طابعها عسكري، حازم، عارف بمواقع التأثير” (21).

من أجل ذلك، فهذه الثورة في أمسِّ الحاجة إلى مساندة هيئة ذات مصداقية لدى الشعب الجزائري، وتزكية شخصية موثوق بها لديه، ليحتضن الثورة ويُمِدَّها بأمواله وبنيه.

ولم يكن في الجزائر آنذاك هيئة موثوق بها وبرئيسها وأعضائها إلّا جمعية العلماء، فالشيوعيون لا تأثير لهم على الشعب الجزائري، لا قبل الثورة ولا في أثنائها ولا بعدها، فإدارتهم “إدارة مكتبية- بِرُوقراطية- لا صلة لها بالشعب، ولم تكن قادرة على تحليل الحالة الثورية تحليلًا صحيحًا .. (و) كان خضوع الحزب الشيوعي الجزائري للحزب الشيوعي الفرنسي خضوع بني وِي- وِي” (22)، وكانوا أسارى نظريتهم الخيالية القائلة “بأنه من المحال تحرير الوطن الجزائري قبل انتصار طبقة العمال في فرنسا” (23)، والقائلة بنفي “صفة الثورة على طبقة الفلاحين عامة والفلاحين الجزائريين منهم خاصة” (24)، وأعضاء حزب أحباب البيان كانوا محدودي التأثير على الشعب الجزائري بسبب منطلقاتهم الفكرية التغريبية، وإيمانهم بإمكانية الوصول إلى نوع من الكيان السياسي المشترك بين الجزائريين والفرنسيين تحت السيادة الفرنسية.

وأما أعضاء حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، فقد كان بأسهم بينهم شديدًا، فقد انقسموا على أنفسهم، وصار يلعن بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا من أجل الزعامة والنفوذ الشخصي.
إن بيانات الإمام الإبراهيمي المتتالية المؤيدة للثورة، الداعية إلى تأييدها كانت مَدَدًا إلهيًا لها في أول عهدها، وفي مرحلة ضعفها، لأنها جعلت الشعب الجزائري يطمئن إليها ويثق بها، ويقبل عليها من غير تردد، ومن غير ضغط أو إكراه، “فدَفْع الجماهير إلى الثورة ضد المستعمر يكون دائمًا باسم الدين، لأن العربي في الجزائر- الذي لا يملك شيئًا يقتات به- ليس لديه إمكانية أخرى للتعبير عما يريده وما يرفضه في المجال السياسي سوى السير وراء ما يعتقد أنه طبقًا لعقيدته الإسلامية، ومن هنا كانت استجابته لتوجيه العلماء. (و) يلعب هؤلاء العلماء دورًا كبيرًا في إشعال الروح الدينية لدى الشعب، وفي دفعه من الناحية الدينية إلى الثورة ضد المستعمرين” (23).

ولم يمض إلّا ثلاثة أشهر منذ إعلان الجهاد حتى تداعى أبناء الجزائر المقيمون في القاهرة، وفي مقدمتهم الإمام الإبراهيمي، وحرَّروا ميثاقًا، وأسسوا تنظيمًا سُمِّيَ “جبهة تحرير الجزائر”، “لخدمة الجزائر، والكفاح في سبيل تحريرها واستقلالها، مساندين بذلك جيش التحرير“.

إن أثر الإمام الإبراهيمي في ذلك الميثاق ليظهر جليًا، وإن حقيقة الجزائر لتبرز فيه بروزًا قويًا، حيث وُصِفتْ بـ “العربية المسلمة”، ونصَّ البند الرابع على أن “الجزائر عربية الجنس، مسلمة العقيدة، فهي بالإسلام والعروبة كانت، وعلى الإسلام والعروبة تعيش” (26)، وإن المرء ليتساءل عن تغييب هذا الميثاق عن أدبيات الثورة الجزائرية ووثائقها ونصوصها.

وراح الإمام الإبراهيمي- وقد أنقضت السنون ظهره، وأوهنت السبعون عظمه- يتنقل بين البلدان العربية ليحث مسؤوليها على تقديم المساعدات للجهاد الجزائري، ويدعوهم إلى الضغط على فرنسا، ويطالبهم بمقاطعتها اقتصاديًا، ومن هذا القبيل ما شهد به أحد المسؤولين العرب آنذاك، حيث قال: “كان- الإبراهيمي- يلتقي بصاحب العرش وولي العهد، كما كان يلتقي برئيس الوزراء ووزير الخارجية، حاثا إياهم على نصرة الجزائر سياسيًا وعسكريًا وماديًا” (27)، و”لا شك في أن للشيخ البشير تأثيره الأكبر على الوفد العراقي- في الأمم المتحدة- في اندفاعه دفاعًا عن الجزائر” (28)، كما “كانت له جهود موجهة إلى رجال الفكر القومي والصحافة وعلماء الدين .. يذكي فيهم الحماس والغيرة دفاعًا عن الجزائر” (29)، “ففي كل الأحوال كان الشيخ البشير- رحمه الله- محفزًا للحكومة العراقية ومتتبعًا ما يجري في العراق من أجل الجزائر المجاهدة” (30). وقد سجَّل الشعراء بعض نشاط الإمام الإبراهيمي الذي لم تقعده الأمراض والسن عن السعي الحثيث لحشد التأييد الشعبي والرسمي لقضية وطنه، ومن ذلك ما جاء في “ملحمة العروبة” للشاعر العراقي مصطفى نعمان البدري:

فإذا “البشير” يجوب آفاق البلاد بقلب كابر *** ويحاضر العربان في تاريخ أمجاد غوابر

ويحشِّد الرأي العميم لنصرة البلد المصابر *** فيمد فيهم نخوة الشجعان تثأر للعوائر (31).

وكان الإمام الإبراهيمي- عندما لا تسمح له ظروفه الصحية أو التزاماته بالتنقل- يزوِّدُ مبعوثي الثورة إلى بعض البلدان العربية برسائل إلى علمائها من ذوي التأثير المعنوي والكلمة المسموعة، ليسهِّلوا لدى سلطات بلدانهم مهمة أولئك المبعوثين (32)..

وقد بلغ اندفاع الإمام الإبراهيمي في الدعوة إلى مساندة وطنه، والعمل على دعم جهاده إلى درجة قد يعتبرها بعض الناس تجاوزًا للحدود، وعدم مراعاة اللِّيَاقاتِ، حيث بعث برقية إلى الملك سعود يقترح عليه تكليف الأستاذين أحمد الشقيري وعبد الرحمن عزام، أو أحدهما “بالاستعداد لمتابعة قضايا الجزائر والدفاع عنها” (33).

وقد قدَّم الإمام الإبراهيمي للثورة الجزائرية خدمات كبيرة في الميدان الإعلامي بأحاديثه التي ألقاها في الإذاعات العربية، وخاصة في إذاعة “صوت العرب” سنة 1955، حيث لم يكن للثورة آنذاك جهاز إعلامي منظم، فكان لتلك الأحاديث دورها الكبير في تحسيس الشعوب العربية بالقضية الجزائرية، والمسارعة إلى دعمها، كما كان لها تأثير بالغ على الجزائريين للالتفات حول الثورة، وتأييدهم لها، ومساعدة أُسَر المجاهدين والشهداء.

وقد استغل الإمام الإبراهيمي حدثًا سياسيًا هامًا، هو انعقاد المؤتمر الإفريقي- الآسيوي بباندونغ في شهر مايو 1955، فوجه رسالة صوتية إلى الدول الإسلامية المشاركة فيه، وعددها أربع عشرة دولة، وهي رسالة تتماشى مع ما أشرنا إليه في السياق التاريخي للجزء الرابع من هذه الآثار، وهو سعيه إلى إحياء فكرة الجامعة الإسلامية، وإخراجها من مرحلة الآمال إلى مرحلة الأعمال.

لقد ذكَّر الإمام تلك الدول بما يجب أن يُذَكِّر به عالِمٌ مسلم حر، وعرَّف بما يجب أن يعرفه المسؤولون المسلمون، ودَلَّهم على ما تمتلكه الأمة الإسلامية من أنواع القُوَى، ونبَّهَهُم إلى حسن استغلال تلك القُوَى لتحقيق أهداف أمتهم البعيدة والقريبة، ومنها تحرير فلسطين- قلب العالم الإسلامي- والمغرب العربي- الجناح الغربي للأمة الإسلامية (34).

إن الإمام الإبراهيمي عندما يخاطب المسؤولين ويستنصرهم، ويستعديهم على الاستعمار لا يفعل ذلك انطلاقًا من اعتبارات سياسية أو مصلحية فقط، ولكنه يستند إلى مبادئ الإسلام وأصول الدين التي تفرض عداوة الظالم، وتوجب مقاومته بجميع أنواع القوى، وتحرِّم موالاة ذلك الظالم، لأن تلك الموالاة في حقيقتها “خروج عن الإسلام”، ولا يشفع لأولئك الموالين أعذار يعتذرون بها، أو معاذير يلقونها فـ “الموازين الإسلامية دقيقة تزن كل شيء من ذلك- المداراة، وطلب المصلحة- بقدره، وبقدر الضرورة الداعية إليه، وأظهر ما تكون تلك الضرورات في الأفراد لا في الجماعات ولا في الحكومات” (35).

وهناك ميدان آخر ملأه الإمام الإبراهيمي باسم الجزائر، وكان فيه فارس المنابر، إنه ميدان المؤتمرات الأدبية، والمنتديات الفكرية، واللقاءات العلمية، ولولا الإمام الإبراهيمي لما علا للجزائر في ذلك الميدان صوت ولما ذُكِر لها اسم، مثل المؤتمر الثالث للأدباء العرب، ومؤتمر التعريب بالرباط، وندوة الأصفياء، وقد كان الإمام في تلك المؤتمرات والندوات واللقاءات أحرص على استقلال الأمة العربية أدبيًا وفكريًا ولغويًا من حرصه على الجوانب السياسية والاقتصادية التي لا تبرز- بما فيه الكفاية- خصائص الأمم ومميزات الشعوب؛ وإنما الذي يبرز تلك الخصائص ويجليها هو آدابها وأفكارها ولغاتها، “فيجب أن يظل أدبنا عربيًا في أصوله وقواعده، لا شرقيًا ولا غربيًا، يجب أن يظل أدبنا عربيًا يستمد شخصيته وأهدافه من حاجاتنا الواقعية لا المفتعلة ولا المزيفة” (36)، ولذلك ينذر ويحذر من الآثار السيئة والعواقب الوخيمة التي تصيبنا من مخلفات الاستعمار الفكرية واللغوية في بلداننا المغاربية “التجارب تدل على أنها ستبقى فينا بقية غير صالحة تحمل أَلْسِنَة تَحِنُّ إلى اللغة الفرنسية، وتختار مخرج الغين الباريسية (37) على مخرج الراء العدنانية، وأفئدة “هواء” تحن إلى فنون فرنسا وفتونها، وعقول جوفاء تحن إلى التفكير على النمط الفرنسي، ونفوس صغيرة تحن إلى حكمها الذي يرفع الأذناب على الرؤوس، وهمم دنية تحنُّ إلى حمايتها … وهيهات أن يتحرّر شعب ولسانه مستعبَدٌ للغة أجنبية، أو يتحرر شعب متنكر للسانه، فاستقلال العرب لا يتم تمامه إلّا بتعريب ألسنتهم، وأفكارهم، وهممهم، وذممهم” (38).

ومن حرصه على هذا الاستقلال اللغوي، وغيرته على اللغة العربية لم يتردد في أن يصدع بالنقد اللاذع لأكبر مؤسسة لغوية في العالم العربي، وهي مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حيث قال في كلمته التي ألقاها باسم الأعضاء الجُدد في ذلك المجمع: ” .. وأشد ما كنا ننكر من أعماله- المجمع- استعانته بالمستشرقين في شأن هو من خصائص الأمة العربية، ولكننا كنا لا نستطيع الجهر بما ننكره على المجمع، ولا نشيع قالة السوء عنه، لأننا نعلم أنه ناشِئٌ، وأن النشأة مظنة للنقص، وننتظر به مرور الزمان واستحكام التجارب، ومواتاة الفرص حتى يصلح من شأنه بنفسه، والزمان يقيم الأمت، ويقوِّمُ السمت، إلّا شيئًا واحدًا ما كنا نقبل فيه عذرًا ولا نتسامح فيه فتيلًا، وهو مسألة الاستعانة بالمستشرقين، ولقد كنا نستسيغ الاستعانة بالأجنبي في بناء سد، أو مد سكة، أو تخطيط مدينة مما سبقنا إليه الأجانب وبرعوا فيه، أما الاستعانة بهم في شأن يخصنا كاللغة فلا!! ومتى رأينا مستشرقًا بلغ في العربية وفهم أسرارها ودقائقها ومجازاتها وكناياتها ومضارب أمثالها ما يبلغه العربي في ذلك كله؟ على أن بعض أولئك المستشرقين الذين كانوا أعضاء بهذا المجمع كانوا مستشارين في وزارات الخارجية من بلدانهم، وهذا قادح آخر يضاف إلى قادح قصورهم في اللغة العربية” (39).

وجاء نصر الله، وحطَّم الهلالُ الصليبَ (40)، وأرغم الشعبُ الجزائريُّ المجاهدُ فرنسا على تسفيه نفسها، ونَسْخِ أكذوبتها القائلة إن الجزائر فرنسية، وأجبرها بالقوّة على الاعتراف بـ “أن هذه الأمة الجزائرية المسلمة ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معيَّن، هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة” (41).

وعاد الإمام إلى الجزائر التي أحبَّها حبًا جمًّا، وأعطاها سواده وبياضه، وخدَمَها دون مَنٍّ، ولا انتظار جزاء ولا شكور، ولم ينغص عليه فرحته باستعادة الجزائر استقلالها، وبعودته إليها إلّا ما وجد فيها من شنآن بين المسؤولين بسبب السلطة التي كان أكثرهم يعتبرونها تشريفًا لا تكليفًا، ويرونها امتيازات لا أمانات يجب أن تؤَدَّى.

ولم تسمح له سنه والأمراض التي أنهكت جسمه أن يقوم بنشاط كبير في هذه الفترة. ومن أهمّ أنشطته ذات المغزى التاريخي إمامته المسلمين في أول صلاة جمعة في جامع كتشاوة الذي أعاده الله سيرته الأولى، بعد أن حوَّلته فرنسا إلى كاتدرائية. ومن أهم ما جاء في خطبته تحذيره الجزائريين من مخلفات فرنسا- المادية واللغوية والبشرية- في الجزائر، وخطورة هذه المخلفات على مستقبلها، فالاستعمار “قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضْطرِرْتُم إليه ” (42). وإن الذي تعانيه الجزائر اليوم هو بسبب ما جَناهُ عليها هؤلاء الذين لم تخرج فرنسا من ألسنتهم، وأفكارهم وقلوبهم.

ورأى الإمام ببصره الانحرافَ الذي وقع فيه من قُدِّرَ له أن يكون على رأس القيادة في الجزائر في هذه الفترة، وأدرك ببصيرته عواقب ذلك الانحراف وخطره على مستقبل الجزائر، فصدع بكلمة الحق بحكمة، وهدوء، ونصح ذلك المسؤولَ أن يرجع إلى الجادَّة، ويفيء إلى الصواب (43). ولكنه- بدلًا من ذلك- ضاق صدره، وأخذته العزة فمدَّ يده إلى الإمام، الذي يمثل نصف قرن من الجهاد، وكنزًا من العلم والمعرفة، وذخيرة من التجارب ورَمْزًا للشعب الجزائري، فآذاه، فكانت عاقبة ذلك المسؤول خسرًا. وقد اعترف أخيرًا أنه يتحمل نصيبًا كبيرًا من مسؤولية الأزمة التي تتخبط فيها الجزائر اليوم.

وجاء أجَلُ الإمام الإبراهيمي، يوم 20 مايو 1965، فَرَجَعَتْ نفْسُه المطمئنة إلى ربِّها راضية مرضية، بعد أن أكرم الله صاحبها بالجهاد في سبيل دينه، ولغة كتابه، ودارٍ من ديار الإسلام، وحاز- كما تمنّى- في ثَراها قبرًا وإن لم يملك منه شبرًا.

وقد تلقّى العلماء والمفكرون في العالم العربي والإسلامي خبر موت الإمام بحزن عميق، ولوعة كبيرة، لمعرفتهم بمقدار الخسارة التي أصابت الأمة، وعظمة الثغرة التي كان يسدّها، فعثروا عن ذلك بكلمات صادقة، وعبارات مؤثرة، ومنها هذه القصيدة للشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري، التي تطفح بالصدق، وتلخص بعض جهاد الإمام، وتُكْبِرُ عِلْمَه:

جَلَّ المصاب، وَمُجْتُ في أحزانه … وعجزت عن كظم الأسى وبيانه
فوَجَمْتُ والقلب الرؤوم جَوٍ على … فَقْدِ “البشير” يغذ في خفقانه
والدمع رغم رُجُولتي وتجلدي … بح الزفير وبُلَّ من تهتانه
قالوا: أتبكي؟ كيف لا أبكي أبًا … وأخًا وأستاذًا فريد زمانه
أبكي المودة والوفاء سجية … والنُّبْل، كان يشعّ من أردانه
أبكي الفضيلة والمروءة والنَّدَى … والمكرمات تسير في ركبانه
أبكي الثقافة والحصافة والحِجا … والذوق وازَى العلم في ميزانه
أبكي أبيا عبقريا ماجِدًا … أبكي إمامًا جل في أقْرانِه
أبكي بصيرته وحِكْمَةَ فَصْلِهِ … أبكي سَدادَ الرأي في إبَّانِه
أبكي امتدادًا لابن باديس الذي … للدين جَدَّدَ ما مضى من شانه
أبكي، أَجَلْ أبكي وليس بضائري … دَمْعُ الأبي الحر فيض حَنانِه

قد كان- رغم السن- منذ لقيته … خِلِّي الأثير، وكنت مِنْ خِلّانِه
حُدِّثْتُ في باريس أيام الصبا … عن فضله، وقرأْتُ دُرَّ بيانه
فقدرت فيه مَحامدًا ومَحاتِدًا … وتَطلَّعَت نفسي إلى أَكْوانِه
ولقيته فازْدَدْتُ في إكباره … وأحَبَّ وجداني سَنا وِجْدانه
كان “الفضيل” (44) ورهْطُه طلابه … عِرْفانُهُم كالفيض من عِرْفانِه
كان “التبسي” (43) و”المبارك” (46) صحبه، … لكنه المرموق في إخوانه
حتى إذا خرج الجهاد بعزمه … عن داره للرحب من أوطانه
ألفيته بطلًا يشد على العدا … وأبًا رحيم القلب في أعوانه
في عالَم الإسلام يخفق دائبًا … من “مصره” يسعى إلى “بغدانه
من “قدسه” لـ “حجازه ” لـ “شآمه” … ويلم، لا ليجم في “لبنانه
لكنه يجري وراء طماحه … وكفاحه حتى لـ “باكستانه

ما كان يومًا رهن أرض أو سما … بل كان للإسلام في أركانه
يعلي لأمته تواعد مجدها … أفقًا وعمقًا في امتداد زمانه

طُوبى لمن عمر الحياة بوَعْيه … وبسعيه والموت في حسبانه
طُوبَى لِمُدَّخِر ليوم حسابه … ما قَدْ ينال به ندى رحمانه
طُوبَى لمن زكى معارج نفسه … بِتُقَى الإله وعاش من عبدانه
ومضى إلى دار البقاء يحفه … من ربِّه المنان فيض حنانه
طُوبَى “بشير” الخير لُقِّيتَ الْمُنى … بجوار رَبِّك في رِحاب جِنانِه
في مقعد الصدق المرجى ناعِمًا … بكنوز ما يحبوه من رضوانه (47).

اشتملت الأجزاء الأول والثاني والرابع والخامس على بعض المقالات قد يراها الناس دون مستوى مقالات الجزء الثالث، ولكننا حرصنا على إثباتها لما لها من قيمة تاريخية، حيث تعتبر شهادات حية، ومواقف هامة ومعبّرة عن حوادث وقضايا.

رحم الله الإمام الإبراهيمي وإخوانه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يبدلوا تبديلًا، وأنزلهم منازل المُكْرَمينَ من عباده في مقعد الصدق، مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ونسأله تعالى أن يُعينَنا للحفاظ على ما ورثناه عن الإمام الإبراهيمي من مبادئ وقيم ومثل، التي يجمعها شعارُ جمعية العلماء الخالد:

الإسلام ديننا؛

العربية لغتنا؛

الجزائر وطننا“.

محمد الهادي الحسني

 

الهوامش :

كتب في البليدة (الجزائر)، 6 نوفمبر 1996

1-انظر مقال: “ويحهم .. أهي حملة حربية؟ ” في الجزء الثالث من هذه الآثار.

2- أبو القاسم سعد الله: الحركة الوطنية الجزائرية، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب 1992، الجزء 1، القسم 1، [ص:64]. وبعد الاحتلال سمته السلطات الفرنسية، “باب فرنسا”، وقد سُمِّيَ أخيرًا باسم المجاهِدَيْن عروج وخير الدين بَرْبَرُوس.

3- انظر مقال: “جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها- 1” في الجزء الثالث من هذه الآثار.

4- نفس المرجع.

5- مفدي زكرياء: إلياذة الجزائر. نشر وزارة الشؤون الدينية، الجزائر 1986، [ص:63]، وانظر مقال: “كيف تشكلت الهيئة العليا لإعانة فلسطين” في الجزء الثاني من هذه الآثار.

6- انظر مقال “دعوة صارخة إلى اتحاد الأحزاب والهيئات” في الجزء الثالث من هذه الآثار.

7- أبو القاسم سعد الله: الشيخ الإبراهيمي في تلمسان، مجلة الثقافة، عدد 101، الجزائر (1988) [ص:87).
8- يسمِّي شيوخ الطرقيين فى الجزائر أتباعهم “فقراء”، وأنساهم الشيطان قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ}.

9- انظر مقال: “حقائق” في الجزء الثالث من هذه الآثار، والمقصود بالفورة حوادث 8 مايو 1945.
10- انظر مقال: “فتح جامع الحنايا ومدرستها” في الجزء الثاني من هذه الآثار.

11- محمد فاضل الجمالي: الشيخ البشير الإبراهيمي كما عرفته، مجلة الثقافة، عدد 87، الجزائر مايو – يونيو 1985،[ص:123].

12- انظر “خطاب أمام الوفود العربية والإسلامية في الأمم المتحدة” في الجزء الثاني من هذه الآثار.

13- مولود قاسم نايت بلقاسم: ردود الفعل الأولية داخلًا وخارجًا على غرة نوفمبر، قسنطينة، دار البعث، 1984، [ص:203].
14- انظر مقال: “مبادئ الثورة في الجزائر: بيان مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة” في هذا الجزء من الآثار.

15- انظر مقال: “إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر والمغرب” في هذا الجزء من الآثار.

16- انظر مقال: “نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد” في هذا الجزء من الآثار.

17) Jacques Carret: l’Association des Oulamas d’Algérie. (S.E.) (S.D.), p. 27

والمعلوم أن جاك كاري من ضباط الاستخبارات الفرنسية.

18- مولود قاصم نايت بلقاصم: مرجع سابق، [ص:67].

19- د. نبيل أحمد بلاسي: الاتجاه العربي والإسلامي ودوره في تحرير الجزائر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1995، [ص:128].

20- محمد المبارك: جمعية العلماء ومكانها في تاريخ الجزائر الحديث، مجلة حضارة الإسلام، العدد 2، السنة 6، دمشق، آب 1965.

21- انظر مقال: “أوسع المعلومات عن بداية الثورة في الجزائر” في هذا الجزء مِن الآثار.

22- انظر “بيان الصومام” في ملفات وثائقية رقم 24، وزارة الإعلام والثقافة، الجزائر 1976، وكلمة “وِي- وِي” بالفرنسية معناها “نعم، نعم”، ويطلقها الجزائريون على الموالين لفرنسا، احتقارًا لهم.

23- نفس المرجع، وتحرير الوطن في مفهوم الشيوعيين الجزائريين ليس معناه الانفصال عن فرنسا، وإنما معناه القبول بسيادة فرنسا “البروليتارية” على الجزائر.

24- نفس المرجع.

25- باول شميتز: الإسلام قوّة الغد العالمية، تعريب محمد شامة، القاهرة، مكتبة وهبة، 1974، [ص:145]

26- انظر مقال: “ميثاق جبهة تحرير الجزائر” في هذا الجزء من الآثار.

27- محمد فاضل الجمالي: الشيخ البشير الإبراهيمي كما عرفته، مجلة الثقافة عدد 87، الجزائر مايو- يونيو 1985، [ص:124 – 126].

28- المرجع نفسه.

29- المرجع نفسه.

30- المرجع نفسه.

31- عثمان سعدي: الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985، ج2، [ص:403].

32- انظر رسالتيه إلى الشيخ محمد بن إبراهيمي آل الشيخ وإلى الشيخ عمر بن حسن في هذا الجزء من الآثار.

33- انظر الرسالة في هذا الجزء من الآثار، وقد عيّن الملك سعود الأستاذ أحمد الشقيري مندوبًا للسعودية في الأمم المتحدة، وألقى خطبًا رائعة في الدفاع عن القضية الجزائرية، وقد جُمِعت تلك الخطب ونشرتها دار العودة ببيروت تحت عنوان: “قصة الثورة الجزائرية“.

34- تجدر المقارنة هنا بين فكرة الإمام الإبراهيمي الداعية إلى تكتل إسلامي إفريقي- آسيوي، على أساس ديني بالدرجة الأولى، وبين فكرة الأستاذ مالك بن نبي الداعية إلى تكتّل إفريقي- آسيوي، يعتمد على المصالح السياسية والاقتصادية، وقد تراجع الأستاذ مالك بن نبي- فيما بعد- عن فكرته، لما فيها من مثالية، وتبنى فكرة الإمام الإبراهيمي الأكثر واقعية- وإن لم يصرح بذلك- حيث كتب رسالته “فكرة كُومَنْوِلث إسلامي”. انظر رسالة الإمام الإبراهيمي في هذا الجزء من الآثار وعنوانها “دور الدول الإسلامية في المؤتمر الآسيوي- الإفريقي“.

35- انظر مقال: “موالاة المستعمر خروج عن الإسلام” في هذا الجزء من الآثار.

36- انظر مقال: “حرية الأديب وحمايتها” في هذا الجزء من الآثار.

37- ينطق الباريسيون الراء غينًا.

38- انظر مقال: “إلى مؤتمر التعريب بالرباط” في هذا الجزء من الآثار.

39- انظر مقال “كلمة في مجمع اللغة العربية” في هذا الجزء من الآثار.

40- كان جورج بِيدُو- رئيس حكومة فرنسا ووزير خارجيتها- يُكَرِّرُ في تصريحاته: “إن الصليب سَيُحَطِّمُ الهلآل ” ( La Croix ecrasera le Croissant). انظر: Henri Alleg: La guerre d’Algèrie. Paris, Temps actuels, 1981, T1, p.454 ولكن الله خيّب ظنّه، ونصر الجزائر.

41- الإمام عبد الحميد بن باديس، كلمة صريحة، مجلة الشهاب، ج 1، م 12، قسنطينة، أبريل 1936.

42- انظر “الخطبة” في هذا الجزء من الآثار.

43- انظر “بيان 16 أفريل 1964” في هذا الجزء من الآثار.

44- هو الأستاذ الفضيل الورتلاني، توفي سنة 1959 بتركيا.

45- هو الشيخ العربي التبسي، نائب الإمام الإبراهيمي في رئاسة الجمعية، ومدير معهد الإمام ابن باديس، استُشهد سنة 1957.

46- هو الشيخ مبارك الميلى، أمين مال جمعية العلماء (فترة من الزمن) ومدير «البصائر» في سلسلتها الأولى بعد الشيخ العقبي، ثم نائب الإمام الإبراهيمي في رئاسة الجمعية قبل الشيخ التبسّي، توفي سنة 1943.


آخر التغريدات: