دور العلماء في الجهاد .. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنموذجا

دور العلماء في الجهاد .. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنموذجا

لا يشكّ عاقل من العقلاء ما للعلماء من دور كبير في إقامة الجهاد، و إحياء سنن النضال، و إيقاظ الهمم لنيل الحق المغصوب، و قدوتهم في ذلك إمام العلماء نبينا محمد صلى الله عليه و سلّم، فهو الذي كان يؤم الناس في الجهاد كما يؤمهم في الصلاة، فكل جهاد لا يزكّيه العلماء الربانيون الراسخون فهو جهاد فيه نظر، كجهاد الخوارج مثلا، أو كالذي يخرج حميّة أو لنيل الشرف.

فالعلماء الربانيون هم الذين يفرّقون بين الجهاد الحق و الجهاد الباطل، و هم الذين بيّضوا صفحاته على مرّ الزمن، و أقاموه ليكون ذروة سنام هذا الدين، و هم متّفقون في كل عصر و قطر على أن الجهاد –بكلّ شعبه- لا يبرح عن هذه الأمة حتى يرث الله الأرض و من عليها.

يقول العلامة البشير الإبراهيمي و هو يشرح وظائف علماء الدين:” وواجبه – أي العالم- أن ينغمس في الصفوف مجاهدا و لا يكون مع الخوالف القعدة، و أن يفعل ما يفعل الأطباء الناصحون من غشيان مواطن المرض لإنقاذ الناس منه، و أن يغشى مواطن الشرور لا ليركبها مع الراكبين، بل ليفرق اجتماعهم عليها”[1] .

وبعدها يرجع و يعاتب علماء الخلف تخلّفهم عن ميادين الجهاد، و يعيب عليهم خلودهم للدنيا وعزوفهم عن تعلم فنون القتال، حيث يقول:”و من الكيد الكُبّار الذي رمى به الأمراء المستبدون هؤلاء العلماء الضعفاء في العصور الأخيرة أنهم يعفونهم من الجندية التي هي حلية الرجال، و أن في قبول العلماء لهذا الإعفاء و سعيهم له لشهادة يسجلونها على أنفسهم بفقد الرجولة، و قد استطابوا بهذا الإعفاء و أصبحوا يعدّونه تشريفا لهم و تنويها بمكانتهم و معجزة خصّوا بها، ودليلا تقيمه الحكومات الإسلامية على احترامها العلماء… فهل يعلمون أن الخلفاء الراشدين و من بعدهم من الملوك الصالحين، ما كانوا ليعفوا عالما من بعوث الجهاد و الفتح ؟ و ما كان مسلم فضلا عن عالم ليطلب الإعفاء أو يتسبب له أو يرضى به لو عرض عليه، بل كانوا يتسابقون إلى ميادين الجهاد. والعالم الديني –دائما- في المقدمة لا في الساقة، و لقد كانوا يعدون الاعتذار في الخروج من سمات المنافقين” [2]

و اليوم حال الكثير منهم يتحجّجون بعسر الحال و شدة الخناق ليكون ذلك سببا لقعودهم عن إقامة هذا الدين و السعي لإصلاح الرعيّة، بيد أننّا نضرب لهم مثلا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت ظروفها أصعب مما يتصوره عقل و يحكيه قلم أو لسان، و رجالها كانوا رجالا بحق، فما وهنوا وما بدّلوا و جاهدوا في الله جهادا عظيما، و كان يقول رئيسها الإمام عبد الحميد بن باديس:”تستطيع الظروف أن تكييفنا و لكنها لا تستطيع –بإذن الله- إتلافنا”[3] . فقد أحيوا أمة عفا عن اسمها الزمن، وكانت رجعتها إلى الحياة أشبه برجعة الرجل المقبور من أمد، حتى و لو دفن حيا فقد طال عليه الزمن. فما عند الله لا يردّ، فهو سبحانه قد سنّ فيما قبل أن يجدّد أمر دينه بمبعث أنبيائه و رسله، وبعد رسولنا صلى الله عليه و سلم هو يجدّده بورثتهم ممّن حملوا الإرث بحق و بصدق.

تكوّنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على أيدي عصبة من طلاّب العلم، تركوا الديار و الأهل وخرجوا يتلمّسون العلم في المشرق، و هناك نالوا مرادهم، فحصّلوا منه ما يؤهلّهم لحمل مسؤولية عظيمة و خطيرة، بل نالوا فيه الدرجات العلى و فاقوا أقرانهم، ثمّ جرت الأقدار على أن يجتمعوا هناك على غير ميعاد، فاتفقوا و تشاوروا على ما يكون من أمرهم إن هم رجعوا إلى أهليهم، فانتهى بهم أن يؤسسوا جمعية تلمّ جميع أهل العلم وتكون منبرًا لأفكارهم الإصلاحية.. و تمرّ الأيام و السنون بعدها، وجاءت احتفالات فرنسا المستفزة في الجزائر لتحيل آمالهم إلى واقع ملموس، فساعتها اجتمعوا ليعلنوا ميلاد جمعيتهم المباركة، و رأت النور في 16 من ذي الحجة 1350 هـ.

يقول شاعر الجزائر و الثورة، مفدي زكريا:

جمعية العلماء المسلمين، ومَن **** للمسلمين سواكِ اليوم منشودُ

خاب الرجا في سواك اليوم فاضطلعي **** بالعبء، مُذ فَرَّ دجَال و رعدِيدُ

أمانة الشعب، شُدَّت بعاتقكم **** فما لغيركم تُلقى المقاليدُ

و أما عن رسالتها التي أتت حاملة إياها فيوضحها لنا الشيخ عبد الرحمان شيبان –رئيسها الحالي- إذ يقول:”إنّ رسالة جمعية العلماء التي تأسست لتحقيقها، هي ترشيد الشعب الجزائري إلى فهم ذاته، والتكيف بها إلى ما ينهض به من كبوته، وتحريره من الاحتلال الفرنسي الجاثم على صدره منذ قرن، وذلك ببث الوعي الإسلامي الوطني في صفوفه، بإحياء مقومات شخصيته بالتربية، والتعليم، والوعظ والإرشاد؛ فيعتصم بعقيدته الإسلامية مطهرة من الخرافة والإلحاد ، ويُحي لغته العربية في لسانه وقلمه، ويستنير بتاريخه الحافل بالأمجاد، ويتسلح بوحدته الوطنية ، ويطرد من نفسه الخوف من قوة العدو المحتل ، واليأس من رحمة الله ونصره، ويُشمر على ساعد الجد بتوفير كل ما يقدمه ويُرقيه في جميع المجالات الحياتية، ويرفع شأنه في العالمين..”[4]

ركائز الإصلاح عند جمعيَّة العلماء الجزائريين:

قد أدركت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنّ سبيل الخلاص من الاستعمار هو تخليص الشعب أولا، و بعدها يتخلّص هو بنفسه منه، فقد نجحت إلى حدّ بعيد في مقاومة التغريب و الفرنسة و قطع اليد المحتالة التي تسعى لاستئصال الهوية المسلمة العربية من الجزائري، وصنيعها كان مقدّمة وإرهاصا للعمل الثوري المسلّح الذي كانت تؤمن به، غير أنّها لم تكن ترى أنّ أوانه قد حان، يقول العلامة البشير الإبراهيمي:” : :”إن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين، آت من جهتين متعاونتين عليه، أو بعبارة أوضح من استعمارين مشتركين، يمتصّان دمه ويفسدان عليه دينه ودنياه : استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي.. واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثّرون في الشعب، والمتغلغلون في جميع أوساطه، والمتّجرون باسم الدين، والمتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية. وقد طال أمد هذا الاستعمار الأخير، وثقلت وطأته على الشعب، حتى أصبح يتألم ولا يبوح بالشكوى.. خوفًا من الله بزعمه. والاستعماران متعاضدان، يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، وغرضهما معًا تجهيل الأمة، لئلا تفيق بالعلم.. وتفقيرها، لئلا تستعين بالمال على الثورة.. وإذن فلقد كان من سداد الرأي أن تبدأ الجمعية بمحاربة هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون وهكذا فعلت” [5].

أحييت بـالعلم شعبـا سيق معظمـه **** للقبر في كفـني جهـل وإهمـال

وجئت بالنـور فـي يمنـاك تـرفعه **** تجلو الغياهب عن أبصار ضـلال

هل كنت(عيسى) الذي أحيا الرفـاة بما **** أحيا وبدل آجـالا بـآجــال؟

أم (البشير) الذي ألقـى القميص على **** يعقوب طبـا بنور للأسى جالي؟

أم (البشير) الذي ألقى العظـات على **** شعب الجزائـر مرموقـا بإجلال؟

لقد كانت سياسة فرنسا الاحتلالية في الجزائر تعتمد على محاور أهمها: التجهيل، والتنصير، والتفقير، و الفرنسة، و التجنيس. و لذلك فقد كان مشروع جمعية العلماء هو رد الفعل العكسي لهذه السياسة والمناهض لها. و يكفي دلالة في ذلك اقتران نشأتها سنة 1931 باحتفال فرنسا بمناسبة مرور قرن على احتلالها للجزائر و استتباب الأمن فيها لصالح السلطة العسكرية. و بقي دوائر تردّد أسئلة، وهل نجحت في مقاومة التغريب والفرنسة و الاستئصال الثقافي و الحضاري !وهل كان فعلها الثقافي مقدمة لصناعة الفعل الثوري !

أما أهمّ الثغور التي هي ركائز الإصلاح عند جمعية العلماء المسلمين:

1)   العقيدة:

العقيدة هي أمّ القضايا، و القطب الذي تدور عليه كل المسائل، فلا هوادة فيها و لا تقبل الأخذ و الرد.

وقد أخذت جمعية العلماء على نفسها أوّل ما أخذت إصلاح العقيدة، و ذلك بتخليتها و تحليتها، أي تصفيتها مما شابها من عقائد منحرفة، ثم تربية الجيل على العقيدة الصحيحة، و يوضّح هذا الأمر العلامة الإبراهيمي في معرض الردّ على من قلّل من شأن هذا الأمر بقوله:” وقد يظنُّ الظانُّون وتنطق ألسنتهم بهذا الظنّ، أنّ هذه المنكرات التي نحاربها ونشتدُّ في حربها هي قليلة الخطر، ضعيفة الأثر، وأنّنا غلونا في إنكارها، وأنفقنا من الأوقات والجهود في حربها، ما كان حقيقاً أن يصرف في ناحية أخرى أهمّ، كالإصلاح العلميّ؛ وفات هؤلاء أنَّ اللوازم القريبة لتلك المنكرات التي تشتدُّ الجمعيّة في محاربتها التزهيدُ في العلم وإفساد الفطر وفشل العزائم، وقتل الفضائل النفسيّة، وإزالة الثِّقة بالنَّفس من النَّفس، وتضعيفُ المدارك وتخدير المشاعر، وهي رذائل لا تجتمع واحدة منها مع ملَكة علميّة صحيحة، فكيف بها إذا اجتمعت. فكان من الحكمة أن تبتدئ الجمعيّة بتطهير النُّفوس من الرذائل، وأن تجعل مِن صرخاتها عليها نذيرًا للنَّاشئة أن تتلطَّخ نفوسهم بشيء من أوضارها”[6] .

ويقول الطيب العقبي –و كان من أشدّ الناس حرصا في أبواب المعتقد-:”هذا، وإنّ دعوتنا الإصلاحيّة قبل كلِّ شيء وبعده هي دعوة دينيّة محضة … وهي تتلخَّص في كلمتين: أن لا نعبد إلا الله وحده، وأن لا تكون عبادتُنا له إلا بما شرعه وجاء من عنده”[7] .

و جاء القانون الأساسي للجمعية حاملا لهذا الأصل الأصيل، فقد جاء فيه:” والعقيدة الحقَّة لها ميزان دقيق وهو الكتاب والسنَّة. فإذا عرضنا أكثر عقائد النَّاس على ذلك الميزان وجدناها طائشة، فأيُّ سبيل نسلكه لتقويمها؟ إن اقتصرنا على بيان العقيدة الصحيحة واجتهدنا في إقامة الأدلَّة، فإنّ التَّأثير يكون قليلاً، لأنَّ النُّفوسَ قد اصطبغت بعوائد وتقاليد مستحكمة، والفِطَرَ قد فسدت بما لابسها من خرافات وأوهام. فالواجب إذن أن نبدأ بمحاربة تلك البدع والخرافات بطُرق حكيمة تقرُب من أذواق النَّاس، فإذا ماتت البدع والخرافات، وصَفَت الفطرُ من ذلك الشَّوب سَهُل تلقين العقيدة الصَّحيحة وتلقَّتها الأمَّة بالقبول”[8] .

ونضال جمعية العلماء المسلمين في هذا الباب مشهود تدريسا و تأليفا و إرشادا و تحذيرا، فكانت الدروس تلقى و مواضيعها لا تبتعد عن العقيدة، و المقالات في الجرائد تكتب و لا تصبّ إلا في مجرى العقيدة، و حتى الخلافات لا تقوم إلا من أجل العقيدة، سواء في الداخل مع الطرقيين، أو في الخارج مع عبد الحي الكتاني و الطاهر بن عاشور مثلا.

فلقد صحّح ابن باديس عقائد الناس فحارب الطرقية التي نشرت الشرك وعبَّدت الناس للمشايخ ولفرنسا، وحارب عقيدة الإرجاء التي يقول أصحابها الإيمان قي القلب فضيعوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحارب عقيدة الجبر التي جعلت من فرنسا قدرا محتوما لابد من الرضا به، وجعلت الناس في ذلك الزمان يقولون :نأكل القوت وننتظر الموت، أحيا في قلوب الناس عقيدة الولاء والبراء التي تقي المسلم من الذوبان في محبة الكفار وتقليدهم والتي هي من أسباب العزة والتمكين.[9]

2)  اللغة العربية:

يقول الأديب الرفيع الرافعي –رفعه الله إلى عليّين- : “لا جرم كانت اللغة هي الهدف الأول للمستعمرين، فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته، إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه و آماله، و هو إذا انقطع من ننسب لغته انقطع من نسب ماضيه، و رجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده،  فليس كاللغة نسب للعاطفة و الفكر، حتى إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشا منهم ناشيء على لغة، و نشأ الثاني على أخرى، و الثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة على آباء”[10]

و من ثمّ أدرك الاستعمار الفرنسي في الجزائر أنه لا سبيل لإبعاد الجزائري عن قرآنه إلا بانتزاع اللسان العربي من جوفه حتى لا يكاد يقرأه، و إن قرأه يكاد لا يعقله. فقد كانت بصماته تتجلى في (استعمار لغوي) يتمثل في مسخ لسان الإنسان الجزائري؛ الذي يبكي قلبه حين يريد أن يترجم عن خلجات فؤاده بالعربية، فيتعثر به اللسان فلا يملك إلا أن يلعن الاستعمار…!!

هذه البصمات وتلك تتناثر هنا وهناك يلعنها الجزائري المسلم في أعماقه المسلمة العربية، ويترجم عنها بلسانه الذي يتأرجح بين العربية والفرنسية، ويحاول جهده التخلص منها كبقايا استعمارية، ويتجشم في سبيل ذلك ما لا يعلمه إلا الله.

قد أتى تركيز جمعية العلماء المسلمين قويا على اللغة العربية، فأحيت دراسة متونها كالآجرومية والألفية، و حثّت الطلبة أن لا يتخاطبوا و لا يتكاتبوا إلا بها، و شجعتهم على التأليف بها في الجرائد و الكتب و غيرها، و نظّمت المسابقات في قرض الشعر و غيره، و بذلك قدرت أن ترجعها إلى الألسن، و ذاع صيت أدبائها إلى الخارج، و أثنى عليهم أمراء البيان في المشرق.

3)  التاريخ:

و هو الجسر الذي يربط بين حاضر الأمة و ماضيها، و قد عملت فرنسا كل جهدها لترسّخ في الأذان فرنسية الجزائر، و اعتبرتها ولاية تابعة لها، و قد نالت شيئا من منها بعد أن غسلت أدمغة هذا الشعب بعد تجهيله، ثم كتبت عليهم ما شاءت.

كان عبد الحميد بن باديس صريحا وجريئا وحكيما أيضا، ومن ذلك أنه لما قال بعض النواب الجزائريين سنة 1936 وهو فرحات عباس!!!: « الجزائر هي فرنسا وإنه على الجزائريين أن يعتبروا أنفسهم فرنسيين » و قال :« إنه فتش عن القومية الجزائرية في بطون كتب التاريخ فلم يجد لها من أثر وفتش في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر ». تصدّى له ابن باديس رحمه الله تعالى قائلا :”إننا فتشنا في صحف التاريخ وفي الحالة الحاضرة ، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة، كما تكونت ووجدت أمم الدنيا كلها . ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ولها وحدتها الدينية واللغوية ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح شأن كل أمة في الدنيا ، ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت”

قد وعت جمعية العلماء أن عليها أن توقظ الذاكرة في الشعب الجزائري و ترسم له تاريخه الصحيح، وذلك بتذكيره بإسلامه و عروبته، يقول العلامة عبد الحميد بن باديس في ذلك:

شعب الجزائري مسلم **** وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله ***** أو قال مات فقد كذب

و قد ألّف العلامة المبارك الميلي كتابا في تاريخ الجزائر من مجلدين، دبّجه أمير البيان شكيب أرسلان، و اعتمدته جمعية العلماء المسلمين الجزائيين في تدريسها.

4)  الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى:

ذكرى على مر الزمان تَكَرّر **** لمجاهدين جهادهم لا ينكر

لقد اهتم العلماء بربط شعبهم بأمتهم الكبرى و لم يحصروا مجهودهم في تحرير الجزائر و حسب، بل ذكروهم أنه عضو من جسد، فكل ما آذاهم يؤذي إخوانهم و كل ما يؤذي إخوانهم يؤذيهم، و لذلك نجدهم قد تفاعلوا بشدّة مع قضايا الأمة الكبرى خاصة فلسطين، فقد كانت عندهم أمّ القضايا الإسلامية، فقد نالت حيّزا كبيرا من إنتاجهم، و أبى عبد الحميد بن باديس أن تسمى بفلسطين الشهيدة، و نعته أنه ذوق صحفي بارد، و أما الابراهيمي فذلك الذي عاش في القضية و عاشت فيه، و المجال لا يحتمل إلا نفرد ذلك في مقال مستقل.

واتّخذت لمقاصدها وسائل جمّة، ينبغي الوقوف عندها و دراستها دراسة صادقة حتى يستفاد منها في الحاضر ، فهي دعامة كل شرارة تريد تحرير أوطانها من أيادي المغتصبين، ومن أهمها:

1ـ التعليم:

الإحصائيات المتوفرة بعد قرن من الاحتلال تشير إلى ضآلة عدد الأطفال المتمدرسين خلال الفترة الاستعمارية الذي كان لا يتجاوز الخمسين ألفا، موزعين علي 625 مدرسة حكومية، في حين كان ما يقرب من نصف المليون طفل محرومين من نفس الفرصة نظرا لقلة المقاعد المدرسية. و لعل ما زاد الطين بلّة زيادة على تكريس سياسة التجهيل هذه هو إحجام بعض أولياء الأمور من إرسال أبنائهم إلى تلك المدارس التي كانت برامجها لا تخلو من نشر الإلحاد و تزييف الحقائق التاريخية إضافة إلى منع اللغة العربية فيها و الدين الإسلامي.

في المقابل فقد استطاعت الجمعية خلال عشرين سنة من وجودها في تأسيس عدد 150 مدرسة ومعهدا تتوزع على كامل الإقليم الجزائري. و قد بلغ عدد تلاميذها ما يزيد عن خمسين ألف ولد وبنت على مستوى القطر، يقوم على تنشئتهم ما يقرب من ألفي معلم، و هو ما كان ينافس جهاز الدولة. وبالرغم من قلة الإمكانات فقد نجحت الجمعية في مواصلة تعليم عدد من متخرجيها من خلال الثانوية الوحيدة بقسنطينة.

و دعمت جمعية العلماء رسالتها في التعليم إلى جانب المدارس إنشاء المساجد والنوادي الثقافية و إرسال البعثات إلى بلاد الإسلام المتقدمة و كذا تأسيس الكشافة الإسلامية.

2ـ الصحافة:

و لم يقتصر عمل الجمعية على التعليم فقد كان نشاط أفرادها القلائل يتوزع على الدروس العامة بالمساجد و إصدار عدد من المجلات و الجرائد مثل السنة و الصراط و البصائر و الشهاب و غيرها بالإضافة إلى العمل السياسي السري.

ففي سبيل تكوين أكبر أرضية يمكن أن تصل إليها الروح الجديدة لم يكتف الشيح بالخطب والمحاضرات؛ بل شجع الشيخ الصحافة العربية والإسلامية؛ التي كانت تجد كل عنت من السياسة الفرنسية وعملائها.. ومن هنا فقد قام الشيخ نفسه بإصدار مجلة (الشهاب) وجريدة (التقدم) كما ساعد في تحرير جريدة صديقه الشيخ البشير الإبراهيمي (البصائر) وفي مجلات السنة، والشريعة، والصراط وجريدة المرصاد.. وغير ذلك من المجلات والجرائد التي تسير مع طريق الشيخ، وطريق جمعية العلماء المسلمين.

3ـ التأليف:

و هو لم يكن من غاياتها و لا من مقاصدها ابتداءا، و يفسّر ذلك العلامة الابراهيمي بمقولة عظيمة في معناها أنه اشتغل بتأليف الرجال عن تأليف الكتب، و لذلك كان تراثهم المكتوب ضئيلا عدا المقالات التي كانت سلاحهم [11]، و لكنهم نوّعوا فيه، حيث نجدهم قد أعطوا للعقيدة و التفسير و باقي العلوم الدينية حيّزا كبيرا، و ألّفوا في التاريخ و اللغة و الشعر، و تركوا ذخرا علميا لا يستهان له، يحتاج إلى دارسة و تدقيق.

4- الاهتمام بالاقتصاد:

وذلك قصد تحقيق الاستقلالية و حتى لا يحتاج لفرنسا، و ذلك أنها –أي فرنسا- كانت تستغل الفقر لابتزاز الشعب، و معظم التجار كانوا من اليهود، فلذلك أسسوا جمعية التجار المسلمين.

درء بعض الشكوك والاتهامات:

حامت حول جمعية العلماء المسلمين شكوك من بعض المغرضين تحاول أن توهن في صحة دورها في الجهاد، و نذكر شيئا منها:

1)   النضال المسلّح لم يكن من أهدافها:

وهي شبهة ألقاها بعض الكتاب العلمانيين الحاقدين على جمعية العلماء المسلمين ، و أوهموا أنها لم تؤيد العمل المسلح إلا بعد سنتين من اندلاع الثورة، أي سنة 1956، و هذا ما تتلقه كتب التاريخ اليوم –و الله المستعان-.

بيد أن الله موجز وعد رسله و ورثتهم من بعده، فالثورة لم ولدت في سنة 1954، لكنها من قبل كانت في مخاض عسير، فمن رعاها في رحم الأمة الجزائرية بعد الله غير جمعية العلماء، و اسمع للعلامة عبد الحميد و هو يقول:

يا نشء أنت رجـاؤنا *** وبك الصباح قد اقترب

خذ للحياة سلاحـها **** خض الخطوب ولا تهب

وارفع منار العدل والإحسان **** واصدم من غصب

وأذق نفوس الظالمــين ***** السم يمزج بالرهب

واقلع جذور الخائنيـن ***** فمنهم كل العطب

واهزز نفوس الجامدين **** فربما حيي الخشب

يا قوم هذا نشأكـم   ****   وإلى المعالي قد وثب

كونوا له يكن لكـم ****   وإلى الإمام ابنا وأب

إلى قال:

من كان يبغي ودنـا ****   فعلى الكرامة الرحب

أو كان يبغـي ذلنا **** فله المهانة والحرب

هذا نظـام حياتنـا **** بالنور خط وباللهب

حتى يعـود لقومنـا **** من مجدهم ما قد ذهب

ويرى الجزائر رجعت **** حق الحياة المستلب

هذا لكم عهدي بـه   **** حتى أوسد في الترب

فإذا هلكت فصيحتي ****   تحيا الجزائر والعرب

وأصرح من هذا قوله :

اشهدي يا سما   **** واكتبن يا وجود

أننا للحمى    ****    سنكون الجنود

فنزيح البلا    ****    ونفك القيود

وننيل الرضى ****   من وفى بالعهود

ونذيق الردى **** كل عات كنود

فيرى جلينا    **** ذكريات الجدود

ويرى قومنا   **** خافقات البنود

ويرى نجمنا ****   للعلا في صعود

فنظم اسمنا **** صفحات الخلود

هكذا هكذا **** هكذا سنعود

و في بيان أصدره الإبراهيمي والفضيل الورتيلاني بالقاهرة عنوانه مبادئ الثورة في الجزائر نشر في الصحافة المصرية ، جاء فيه:” ثم قرأنا اليوم في الجرائد بعض تفصيل ما أجملته الإذاعات ، فخفقت القلوب لذكرى الجهاد الذي لو قُسِّمت فرائضه لكان للجزائر منه حظان بالفرض والتعصيب واهتزت النفوس طربا لهذه البداية التي سيكون لها ما بعدها، ثم طرقنا الأسى لأن تكون تلك الشجاعة التي هي مضرب المثل لا يظاهرها سلاح، وتلك الجموع التي هي روق الأمل لا يقودها سلاح ، إن اللحن الذي يشجي الجزائري هو قعقعة الحديد في معمعة الوغى، وإن الرائحة التي تعطر مشامه هي رائحة هذه المادة التي يسمنوها البارود”.

2)   الجهل بالسياسة و البعد عن مسائل العصر الواقعة:

يقول الدكتور عبد الرحمن النعيمي في معرض تقديم ورقة عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:” القصور الواضح في إدراك خطورة النشأة، حيث نشأة الجمعية كجمعية دينية لا علاقة لها بالسياسية مما أثر تأثير بالغا في الخطاب السياسي للجمعية”

أقول -تصويبا-: و هذا ليس بصحيح، إذ أن جمعية العلماء المسلمين كانت تسوس الشعب الجزائري، و هي نفدت إلى السياسة بطريقتها التي تعرفها، و كان لها وزن سياسي كبير لا تعرفه إلا فرنسا، لأنها كانت تعلم أنها القوة الضاربة في الشعب، كما يقول عبد الملك مرتاض” كانت حزبا كبيرا، من ضربٍ خاص، متواجدا في كل أصقاع الوطن الكبير: ظاهر أهدافه مجرد الإصلاح الديني، وحقيقته تجسيد طموح سياسي كان يسعى إلى تنضير وجه الشخصية العربية الإسلامية في الجزائر، وفرضها على الاستعمار الفرنسي، كما يجب أن تكون، وهو الذي كان يتخذ من مِقت العروبة والإسلام لذة يستمتع بها.”

و يفسّر ابن باديس خطّته السياسية بقوله: «وبعدُ، فإنَّنا اخترنا الخطَّة الدِّينيّة على غيرها عن علم وبصيرة وتمسُّكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النُّصح والإرشاد وبثِّ الخير، والثَّبات على وجهٍ واحدٍ، والسير في خط مستقيم… ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسيّ لَدخلناه جهراً، ولَضربنا فيه المثل بما عُرف عنَّا من ثباتنا وتضحيتنا، ولَقُدْنا الأمَّة كلَّها للمطالبة بحقوقها، ولكان أسهلَ شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها، وأن نبلُغ من نفوسها إلى أقصى غايات التَّأثير عليها؛ فإنّ ممَّا نعلمه ولا يخفى على غيرنا أنّ القائد الذي يقول للأمَّة: إنَّك مظلومة في حقوقك وإنَّني أريد إيصالك إليها؛ يجد منها ما لا يجده من يقول لها: إنَّك ضالَّة عن أصول دِينك وإنَّني أريد هدايتك، فذلك تلبِّيه كلُّها، وهذا يقاومه معظمُها أو شطرُها، وهذا كلُّه نعلمه؛ ولكنَّنا اخترنا ما اخترنا لِما ذكرنا وبيَّنَّا، وإنَّنا – فيما اخترناه – بإذن الله لماضون وعليه متوكلون».

و يقول رحمه الله:”يا هؤلاء.. إن الجمعية ليست عاجزة عن مقاومتكم، وإظهار خطتكم، وكشف باطلكم، ولكنها تعلم ما تحتاج إليه الأمة اليوم، من اجتماع الكلمة، وعدم الفرقة، وتوحيد الصفوف، فلهذا تركتكم راجية لكم أن تدركوا حقيقة الموقف فتعلموا بما يقتضيه”.

و اليوم يرجى من العلماء العمل على تغيير واقع الأمة الإسلاميّة من خلال تفعيل دور المنظمات والجمعيّات الإسلاميّة ودور علماء الدين وخطباء المساجد في إحياء القيم المثالية والمبادئ السامية والسلوك القويم والنوازع الخيرة في وجود الفرد المسلم والتحلي بروح الفضيلة ونبذ الرذيلة من أجل تحقيق مفهوم الحياة الكريمة الآمنة المطمئنة الوادعة المستقرّة في ظل الأمة الواحدة وترسيخ جذور وحدة العقيدة والمبدأ ووحدة الهم والمعاناة ووحدة المصير المشترك ووحدة النوع والجنس ووحدة المعايير الفطرية الفاضلة .وذلك لينعم ويهنأ الفرد المسلم في حياته ولتكون للمجتمع الإسلامي الريادة في تحقيق الأمن والاستقرار وإشاعة المحبة والتآخي في ربوع مجتمعاته جنباً إلى جنب مع بقيّة أبناء الأديان السماوية الأخرى .

“أيها العلماء:

هذا قليل من مساوينا، فلا تظنوا أنّي متجنّ أو متزيّد، كونوا منصفين للدين من أنفسكم، إني أحاكمكم إلى ضمائركم حين تستيقظ فيها معاني الإرث النبوي و الاستخلاف المحمدي. أليس من الحق أن هذه المساوئ و أمثالها معها مجتمعة فينا؟ ألسنا نأمر الناس بالجهاد ثم نكون مع الخوالف؟ و نأمرهم ببذل المال في سبيل البر ثم نقبض أيدينا؟ كأن الجهاد بالنفس و المال –وهو ثمن الجنة- لم يكتب علينا.”[12]

 

الهوامش : 

* كاتب وباحث جزائري إسلامي.

[1] ) الإبراهيمي. الآثار. 4/117.

[2] ) الإبراهيمي. الآثار. 4/118

[3] ) الشهاب 5/3 1347-1346 هـ.

[4] ) عبد الرحمان شيبان، من نص حوار أجراه معه عبد الحميد عبدوسو كمال أبو سنة نشر على صفحات منتدى الألوكة.

[5] ) د.محمودقاسم : الإمام عبد الحميد بن باديس (الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية)،دار المعارف بمصر، 1968م، ص 25.

[6] ) آثار الابراهيمي.1/144.

[7] ) جريدة السنة: 2/7.

[8] ) ثار الابراهيمي: 1/86

[9]) محمد الحاج عيسى. جمعية العلماء والثورة التحريرية الكبرى. خطبة جمعة ألقاها بنوفمبر 2008 نشرت على موقع منار الجزائر.

[10] ) الرافعي. وحي القلم. 3/29.

[11] ) و قد كتبت لذلك مقالا أسميته:”الانتصار لفن المقال” أبرزت فيه أهمية المقالة في الكفاح المكتوب.

[12] ) الابراهيمي. الآثار.4/119.

 

آخر التغريدات: