الأضحية

الأضحية

نحن على أبواب عيد النحر المبارك الذي تسن فيه الأضحية فمن الأنسب أن نذكر قراء «البصائر» ببعض ما يتعلق بهذه السنة العظيمة في الإسلام من الحكم والأحكام؛ ونمهد لذلك بكلمة موجزة في القرابين والذبائح.

تقريب القرابين وذبح الذبائح لله عز وجل شعيرة من الشعائر القديمة وعبادة من العبادات الأولى التي عرفها الإنسان منذ عرف الدين، لهذالم تخل منها شريعة من الشرائع الإلهية في وقت من الأوقات، وقارئ القرآن يدرك قدم هذه العبادة من قوله عز وجل: {واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا الخ}، ويدر شيوعها وذيوعها في الأمم الماضية من قوله عز وجل:  “ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام”.

ونصيب الأمة الإسلامية من هذه الذبائح منحر في ثلاثة:

الهدي وهو ما يذبح تقربا إلى الله في منى،

والعقيقة وهي ما يذبح عن المولود في يوم سابعه

والأضحية وهي ما يذبح يوم عيد الأضحى

وتشمل آية الكوثر: {فصل لربك وانحر} هذه القرابين الثلاثة، لتعميم الأمر بالنحر فيها، وهذه القرابين مختصة بالأزواج الثمانية من الأنعام: الضأن ذكرها وأنثاها، والمعز ذكرها وأنثاها، والإبل ذكرها وأثناها، والبقر ذكرها وأنثاها، فلا تكون من الطير والوحش لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم إنما ضحوا وأهدوا وعقوا من الإبل والبقر والغنم.

أما الأضحية التي هي موضوعنا فهي سنة مؤكدة على من لا يجحف به ثمنها، وسبب مشروعيتها فداء ولد إبراهيم الخليل عليه السلام من الذبح الذي أنبأنا الله عنه في القرآن بقوله: “وبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم الخ.

وقد كان الجاهليون يذبحون العتيرة وهي شاة يذبحونها في رجب قربانا لأوثانهم وأصنامهم فلما جاء الإسلام أمر المسلمون استحبابا بذبحها لله عز وجل حتى سنت الأضحية فنسختها، وإنما سنت الأضحية لتذكير المسلمين بالبلاء المبين الذي ابتلي به أبوهم إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام.
ومن حكمة مشروعيتها أيضا التوسعة على العيال في يوم العيد بما يأكلونه منها وإدخال السرور على قلوب الفقراء بما يتصدق به عليهم منها وجلب مودات الأصدقاء بما يهدى إليهم منها، وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة مرغبة في الأضحية وحاضة عليها فمن ذلك ما في صحيحي ابن ماجه والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما علم آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسا» ومعنى إتيانها يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها أنه لا يفوت من أجرها قليل ولا كثير، ومعنى وقوع الدم من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض تحقيق قبولها وسرعة حصول أجرها، وفي صحيح ابن ماجه فيما رواه الحاكم وغيره قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم»، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: «بكل شعرة حسنة» قالوا: فالصوف؟ قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة». وفيما رواه البزار وابن حبان في كتاب الضحايا عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإن لك بـأول قطرة من دمها أن يغفر لك ما سلف من ذنبك». قالت: يا رسول الله ألنا خاصة أهل البيت أو لنا وللمسلمين. قال: «بل لنا وللمسلمين». ومن الأحاديث الواردة في الترهيب من ترك الأضحية مع القدرة عليها ما صححه الحاكم: «من وجد سعة لأن يضحي ولم يضح فلا يحضر مصلانا»، ومن أجل هذا التأكيد الوارد في الأضحية ترغيبا وترهيبا فضلت على الصدقةِ الكثيرة والعتق وكانت أوكد من السنن.

وأحكام الأضحية ومسائلها كثيرة مفصلة في كتب الحديث والفقه منها ما يؤخذ من نصوص الحديث ومنها ما يرجع إلى اجتهادات أئمة المذاهب ونكتفي بذكر ما لا غنى للمسلمين عن علمه من هذه الأحكام من ذلك بيان الأفضل من الأنعام في الأضحية: مشهور مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه أن الأفضل في الضحايا الضأن ثم المعز ثم البقر ثم الإبل، وذَكَرُ كل صنف أفضل من إناثِه، وإناثه أفضل من ذكور ما بعده في الترتيب، وأما أقل ما يجزئ من أسنانها وأعمارها فالجذع من الضأن وهو المشهور الداخل في السنة الثانية دخولا ما والثني مما سوى الضأن، وثني كل بحسبه فثني المعز الداخل في الثانية دخولا بينا، وثني البقر الداخل في الرابعة، وثني الإبل الداخل في السادسة، فإذا كانت الضحايا دون هذه الأسنان المعينة لم تجزئ، والوقت المشروع المعين للأضحية بعد صلاة الإمام وذبحِه، فإن ذبحت قبل صلاة الإمام وذبحه لم تجزئ ففيما اتفق عليه من الأحاديث ما روي عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: شهدت الأضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى صلاته بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت فقال: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله»، ويمتد وقت الذبح من ضحوة اليوم الأول إلى غروب الشمس من اليوم الثالث، ولكنها لا تذبح ليلا لورود النهي عن ذلك، والأفضل للمضحي أن يلي الذبح بنفسه فإن لم يمكنه لسبب من الأسباب فليوكل على الذبح مسلما ويستحب أن يكون مصليا، ويجب في الأضحية أن تكون سالمة من العيوب إلا ما خف منها، والصفة الكاملة المستحبة فيها أن تكون كبشا سمينا فحلا أقرن أملح (بياضه يغلب على سواده) ينظر بسواد (ما حول عينيه أسود) ولا يباع من الأضحية لحم ولا جلد ولا شعر ولا غير ذلك كما يمنع أن يعطى شيء منها أجرة للذبح والأفضل للمضحي في توزيعها أن يأكل منها ويتصدق بلا حد في الأكل ولا في الصدقة ولا بأس أن يهدي أو يدخر منها.

ولا يفوتنا في النهاية أن نذكر إخواننا المسلمين بتصحيح النية وقصد التسنن في الأضحية وصدق التقرب إلى الله بها فهي أخت الهدي شعيرة مشروعة لتكبير الله على ما هدى وشكره على ما أنعم لا لمباهاة الرجال ولا للهو الصبيان. ثم هي ذكرى عظيمة، وعظيمة جدا تنفخ في المسلمين من روح التضحية وتعطيهم مثالا صادقا للإسلام الحق المتجلي في عمل الخليل وابنه عليهما السلام.

ولو أن المسلمين ورثوا من أبيهم إبراهيم، ذلك الخلق العظيم، فضحوا بأعز ما يملكون في الوجود، في مرضاة الرب المعبود، لعاشوا عيشة الأحرار، وماتوا موتة الأبرار، والتحقوا بجوار المصطفين الأخيار، في جنات تجري من تحتها الأنهار ونعم عقبى الدار.


*مجلة البصائر : السنة الأولى، ع09، ص 10.


آخر التغريدات: