حياة الشيخ أحمد قصيبة.. "يمضي الرجال ويبقي النهج والأثر..."

حياة الشيخ أحمد قصيبة.. “يمضي الرجال ويبقي النهج والأثر…”

هذه العبارة أردناها أن تكون عنوانا لعلم من أعلام منطقتنا ، ونجم أفل ليبقى ذكره عاليا .إنه الشيخ أحمد قصيبة كان مولده إيذانا بانتهاء حرب كونية أولى أكلت البشر والعمران كما تأكل النار الهشيم.

ولد لأبي زيد صبي عام1919 كبقية الصبيان إلا أنه فأل خير إذ ولد مع انقشاع الغمام، فنبت الفتى منبتا حسنا إلا أن الابتلاء الذي بليا به هو حب الوطن والدين منذ نعومة أظافره شأنه شأن الأبناء المخلصين، إلا أن لا حيلة له أمام بطش الاستعمار وهو الفتى الغض الذي لا حول له ولا قوة، فلم يجد سلاحا خيرا من سلاح العلم والتمسك بأصالة هذا الشعب، ولكم كان يغيض الاستعمار وهو يتمنى أن يولد جيلا صدق الأكذوبة وصار يدعي النبوة لفرنسا، وصار يصدق أن الجزائر قطعة فرنسية، إلا أن أحمد قصيبة وأقرانه رضعوا حليب الجزائر قبل أن يولدوا واستنشقوا هواءها فور ولادتهم، فنشأوا على (الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا):

أحمد قصيبة الكشاف :

لأن الكشافة رمز من رموز النضال والتربية والأخلاق، آثرنا أن نفرد لها عنصرا ذلك لأن الكثير لا يعرفون أن الشيخ ليس طالب علم فقط،  بل كان رمزا من الرموز الكشافة بالمنطقة. فقد ذكر لنا رحمه الله أن قصته مع الكشافة لها تاريخ طويل فقد بدأت عام 1937 م أسس رفقة بعض الإخوان من أمثال: عبد المالك بوعامر، وميموني هدروق وعيسى بوعامر، وعلال مخنث وآخرون (فوج الرجاء) وذلك بنادي الأدب بالأغواط، وصار عندئذ الشيخ قصيبة المرشد المحلي للفوج .

هذه الكشافة التي قضى بها أعز أيامه، ومن الذكرايات التي بقيت عالقة بذهنه مؤتمر الكشافة العام الذي عقد بإحدى غابات الحراش عام 1939م وكما يقال: “مصائب قوم عند قوم فوائد” إذ صخر لهم الله يومئذ (المير) الفرنسي اليساري إذ سهل لهم الإجراءات الإدارية لعقد المؤتمر.

هذا المؤتمر الذي يقول عنه الشيخ – رحمة الله عليه – كان مؤتمرا مشهودا يقام فيه الآذان والصلوات وعلم الكشافة بنجمته الخماسية، كما حضره وفد من تونس الشقيقة، كما حضره عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ الطيب العقبي الأب الروحي ومعلم مؤسس الكشافة الإسلامية : محمد بوراس – رحمة الله عليهم -.

وعن ذكرياته بالكشافة يتذكر ذلك الشغف مع إخوانه وهم ينتظرون وصول جريدة (الكشاف) التي كانت تصدر بقسنطينة .

أحمد قصيبة طالب العلم :

هي قضية طويلة تبدأ منذ مجىء الشيخ محمد سعيد الزاهري إلى الأغواط ثم تلاه مبارك الميلي الذي تتلمذ على يديه،  ثم انتقل إلى جامع الزيتونة ضمن بعثة (الجمعية الخيرية الإسلامية) التي كان يشرف عليها الشيخ مبارك الميلي،  فتتلمذ هناك على يد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكان هناك رفقة أعلام من المنطقة أبرزهم: أبو بكر الحاج عيسى ومحمد دهينة. وقد تخرج الشيخ قصيبة في الزيتونة ورجع إلى الوطن في أواخر الثلاثينات فاشتغل بالتعليم .

أحمد قصيبة وجمعية العلماء:

إن علاقته بجمعية العلماء بدأت في سن مبكرة حين كان في الكشافة الإسلامية فقد اتصل ببعض من أعضائها كالميلي والعقبي.

وزاد الاتصال بها مع من التقى بهم من أبناء بعثات الجمعية العلمية إلى تونس. وتوطد الاتصال أكثر حين كان نائب الجمعية الشيخ: محمد البشير الإبراهيمي معتقلا بالإقامة الجبرية بآفلو إذ بقى على اتصال دائم به، وسافر إليه مرارا ونقل عنه مآثر من أجل ما أنتجه على الإبراهيمي مثل (رسالة الضب) فلما أفرج عنه سنة 1943 التحق به.

ثم لما تأسس مركز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقصبة 1946م اختاره كاتبا عاما، كما اختار الإبراهيمي قيما للمركز بحي الضيف المدعو(علي فضي) فكان كلاهما الرجل المناسب حقا لا باطلا .غادر الإبراهيمي الجزائر عاد الشيخ قصيبة إلى الأغواط ليشتغل بالتعليم والتجارة . وأثناء اندلاع الثورة التحريرية المباركة يقول الشيخ أحمد حماني :

كان على اتصال بنا في مركز الجمعية وعلى اتصال وثيق برجال الجيش يبلغ عن كل التحركات المشبوهة لقوات الجنرال بلونيس وحدث أن زار مركز الجمعية عام 1956 و بلغ أنباء بلونيس إلى القيادة الثورية التي تولاها: عبان رمضان وابن مهيدي وسي صالح بن خدة.

وبعد الاستقلال تولى الشيخ إدارة الشؤون الدينية في ولاية الأغواط التي كانت تشمل ولاية غرداية اليوم وتشرق إلى ورقلة. كما تولى إدارة المعهد إسلامي بالأغواط بين سنوات 1964و 1979. وعام 1980 أحيل على التقاعد وبعدها أدركته الشيخوخة وتوالى عليه المرض ورغم ذلك لم يبخل بمحضراته وإن كانت قليلة.

من مواقفه النيرة :

إن حياة الشيخ كلها جهاد وبذل وعطاء، ولكن من أبرز مواقفه والذي لم يتحدث عنه إلى أن كشف ذلك الشيخ أحمد حماني في مقال كتبه بجريدة الشعب يوم 07جويليه 1994 أي بعد وفاة الشيخ يقول عنه :”ومن أهم ما قام به من أعمال أن اتصل بالإمام العظيم الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله وتعاون معه على إرجاع صلاة الجمعة في مساجد الإباضية… وأصدر الإمام بيوض فتوى في وجوب الجمعة (لأن هذه الصلاة كانت لا تقام لعدم وجود الدولة الإسلامية إبان العهد الاستعماري(.

هذه بعض المحطات النيرة من حياة عالم قد مزج بين الكشافة والعلم والصحافة والجهاد باليراع ضمن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

فرحم الله الفقيد الذي غادرنا إلى جنة النعيم إنشاء الله يوم24 محرم 1415 هـ الموافق لـ04 جويلية 1994

  

* مقالات في التاريخ الثقافي لمدينة الأغواط – أعمال الملتقى الأول 14-16 أفريل 1998.

 

آخر التغريدات: