الذّكرى 75 لتأسيس دار الحديث بتلمسان

الذّكرى 75 لتأسيس دار الحديث بتلمسان

أوّل ما جاء فضيلة الشّيخ عبد الحميد بن باديس عام 1923م مدينة تلمسان من أجل التّعرّف على أهلها. ثمّ جاءها يوم 28 أبريل 1927م ليوطّد علاقته بشيوخها، وفي عام 1931م قدم إليها بدعوة من الجمعيّة السّنوسيّة، كما زارها الشّيخ عام 1932م ليقدّم درسا في قاعة الحفلات التّابعة للبلدية حينما مُنع من إلقائه في المسجد الكبير من الإدارة الفرنسيّةصحّح لهم المفاهيم العقائديّة والأخلاقية عندما تناول شرح الآية الكريمة: “فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْد ِاللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً.”

وحثّ النّاس على الإيمان والمحبّة والصّبر والمواصلة في طريق الإصلاح. فأحبّه أهالي تلمسان وتعلّقوا به أكثر ممّا مضى.

ولمّا عزم على الرّحيل إلى العاصمة، طُلب إليه البقاء، فاعتذر لهم لانشغالاته الكثيرة عبر الوطن وقال لهم سأبعث لكم من هو أعلم منّي! فاستغرب التّلمسانيون، أيكون أحد أعلم منك ياشيخ؟ قال: نعم، إنّه الشّيخ العلاّمة محمّد البشير الإبراهيمي.

وفي أواخر سنة 1932م حلّ بتلمسان الشّيخ الإمام محمّد البشير الإبراهيمي، فاستقبله المصلحون التّلمسانيّون بحفاوة بالغة تليق بمقامه. وفي سنة 1933م عاد الشّيخ مع أهله ليقطن بحي أغادير، ثمّ انتقل بعد ذلك إلى مسكن آخر قرب مسجد سيدي إبراهيم المصمودي بوسط المدينة، وفي مدّة قياسية تعرّف الإمام على أهالي تلمسان، وعرف أنسابهم

يقول الشّيخ محمّد الصّالح رمضان في كتاب مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان1907 -1931-1956 وملحق، الطّبعة الثّانية للأستاذ مختار بن عامر والحاج خالد مرزوق، الصّفحة 86: “…والإبراهيمي في تلمسان يحاضر ويدرّس العامّة والخاصّة في المساجد الرّسمية حتّى مُنع منها فتحوّل إلى النّوادي والمساجد الحرّة وبعض الزّوايا، وقد أتمّ بها شرح صحيح مسلم ومُسند التّرمذي وغير ذلك من أمّات الكتب قبل أن يؤسّس مدرسة دار الحديث 1937م.
ومنذ مجيء الشّيخ البشير الإبراهيمي تلمسان قام بدروس ما يفوق السّنة بالزّاوية الهبرية، حيث التحقت مجموعةٌ من الشّباب من الزّاوية نفسها، من بينهم الشّيخ بومدين دالي يوسف رحمه الله تعالى الملقّب بالسّي بومدين التّاجر لأنّ مهنته تاجر، الذي استمع للشّيخ البشير الإبراهيمي وهو يقوم بالدّرس للعامّة فانشرح له صدره وانضمّ إلى المصلحين. كان له صوت متميّز بالحنان والجمال.

وكذلك الحاج بوسلطان قلايجي رحمه الله تعالى قال لي يوما: إنّه لمّا سمع بالشّيخ الإبراهيمي سيلقي درسا بالمسجد الكبير دنى من الكرسي، ولمّ جلس الشّيخ قال له الحاج بوسلطان: أنت هو الشّيخ الإبراهيمي؟ أجابه الشّيخ: نعم، أنا هو. فردّ عليه الحاج بوسلطان: مرحبا بك.

ومنذ ذلك الوقت التزم جماعة المصلحين، وكان زملاؤه من الزّاوية الهبرية يدعونه ليزورهم. ومرّة ذهبوا إلى داره ونادوه، فأطلّت والدته من النّافذة وقالت لهم: ارجعوا فإنّ بوسلطان صار إبراهيميا… فكان الحاج بوسلطان رحمة الله عليه كلّما روى هذه الحادثة ضحك لها.

شرع الشّيخ في نشاطه العلمي والإصلاحي، متّخذا من متجر الحاج محمّد الصّغير بوحجر رحمه الله تعالى الكائن بدريبة زرار (زقاق الرّمان) مقرا له، كما نشّط في النّادي الإسلامي ونادي الشّبيبة ونادي السّعادة.
وقد اختار الشّيخ نخبة من الشّباب، واهتمّ بهم اهتماما خاصّا ليصبحوا بعد ذلك معلّمي المستقبل بدار الحديث.
اشترى أهل تلمسان بتوجيه من الشّيخ البشير الإبراهيمي قطعة أرض مساحتها 140م2 من يهودي يُدعى –بنيشو- باع الأرض لأنّها كانت تنحدر تربتها كلّ سنة ببضعة سنتيمترات، ظنّا منه أنّه بعد سنوات سيقع كلّ ما بُني عليها. فلمّا علم اليهود بالبيع لاموا البائع، واقترحوا على الشّيخ البشير أن يتوقّف عن الصّفقة، ويعطونه قطعة أرض أكبر منها بعيدة عن وسط المدينة وبعيدة عن ثانوية: DeSlane التي يدرس فيها أبناء الاستدمار (متوسّطة ابن خلدون حاليا.)

تفطّن الشّيخ لحيلتهم، ورفض مقترحهم وشرع في البناء. ومن عبقرية الشّيخ البشير الإبراهيمي سجّل هذه الدّار العامرة بالمكتب العقّاري باسم أزيد من مائة صبي من أبناء المصلحين، حتّى لا تلحقها الإدارة الفرنسية بالأحباس التي كانت مستولية عليها.

كان الشّيخ الإبراهيمي مشرفا عاما على البناء بمعيّة المهندس البارع عبد الرّحمن بوشامة، والبنّاء الحاج طّويل بمساعدة الحاج خلدون. وعلى الرّغم من ضعف الوسائل وقلّة ذات اليد، تمّ البناء في ثمانية عشر شهرا؛ كما ألحّ الشّيخ البشير أن تكون المدرسة أعلى من الثّانوية الفرنسية المقابلة لها (Collège De Slane) ولو شبرا. و-De slane- هذا كان من أخبث المستشرقين الحاقدين على الشّعب.

وجاءت دار الحديث مؤسّسة متكاملة في طراز معماري إسلامي عربي وأندلسي رائع. من مرافق دار الحديث، يوجد بالطّابق الأرضي قاعة واسعة للصّلاة، محرابها مستقبل القِبلة، وبالطّابق الأوّل قاعة للمحاضرات بها منصّة خشبيّة تُستغل كذلك للمسرح التّربوي الهادف، قَدّمت في الخمسينيّات مسرحيّة عنترة بن شداد، ثمّ مسرحيّة الخنساء أمّ الشّهداء الأربعة، فهي دعوة صريحة للجهاد من أجل حياة سعيدة أو شهادة في سبيل الله، وقدّمت أيضا مسرحية حنّا بعل.

وبالطّابق الثّاني خمسة أقسام، يدرس فيها البنون والبنات، وكان من معلّميها الأستاذ محمّد ملوكة وسيد أحمد الشّاوي بودغن والمختار الصّبّان ومحمّد بابا أحمد وعبد الله بن منصور والأستاذ محمّد الصّالح رمضان مديرا لها رحمهم الله تعالى أجمعين.

سمّاها الشّيخ الإبراهيمي بدار الحديث تيمُّنا بدار الحديث الأشرفيّة بسوريا الشّقيقة، والتي كان من أعلامها الإمام النّووي صاحب رياض الصّالحين المتوفّى سنة 676 هجرية، والإمام تقي الدّين السُّبكي المتوفّى سنة 756 هجرية، وللإشارة فإنّ الإمام الإبراهيمي درَّس بالمدرسة السّلطانية أيّام وجوده بسوريا، بعد مغادرته المدينة المنوّرة.
وقد يُفهم من تسميّة هذه المؤسّسة بدار الحديث أنّها تركّز على تعليم الحديث النّبوي الشّريف وأصوله فقط، وللتّوضيح فالحديث يعني كذلك القرآن العظيم، لقوله تعالى:”الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِي.”

وللعلم تُوجد بالمملكة المغربيّة الشّقيقة دار الحديث الحسنيّة، وهي أحدث عهدا من دار الحديث التّلمسانية، تقوم بدور هام في نشر تعاليم الإسلام الصّحيح.

كما توجد مؤسّسة أخرى بإيران تسمّى دار الحديث، وفي تونس وبلاد عربية أخرى. (حسب اتّصالي بمواقع الإنترنت.)
وكان يوم الاثنين 21 رجب 1356 هجريّة، الموافق لـ: 27 سبتنبر 1937 ميلادية يوما مشهودا حيث حلّ بتلمسان عدد كبير من العلماء يتقدمهم الإمام ابن باديس لافتتاح دار الحديث. وحضر من المغرب الشّيخ إبراهيم الكتّاني وعدد من المصلحين.

حيث أخبرني الأستاذ عمر فخار بمعهد الحياة القرارة بولاية غرداية، أنّ فضيلة الشّيخ النّاصر المرموري رحمه الله تعالى وهو أحد أعلام الجزائر أخبره أنّ يوم افتتاح مدرسة دار الحديث حضر الشّيخ بيوض والشّيخ عدّون والشّيخ أبو اليقظان والشّيخ بن يوسف سليمان بلحاج داود والشّيخ عيسى تاعموت والأستاذ مفدي زكريا والشّيخ عيسى أبو العلا بن عبد الله الذي قال قصيدة بهذه المناسبة مطلعها:

تلمسان أنتم لنا رحم   *** وأنتم بنو عمّنا الأقربين.

ملحوظة: وهذا البيت هو كلّ ما تبقّى في ذاكرة الشّيخ النّاصر المرموري رحمه الله تعالى –اهـكما تجدر الإشارة أنّ عددا كبيرا من العلماء مُنعوا دخول الجزائر لأنّ فرنسا شدّدت الخناق أكثر على الحدود الجزائريّة حتّى لا يدخل علماء تونس والمغرب… لحضور حفل افتتاح مدرسة دار الحديث.

وعلى الرّغم من ذلك يقول الشّيخ الدّكتور أبو القاسم سعد الله إنّ عدد الحاضرين لافتتاح مدرسة دار الحديث ثلاثة آلاف شخص، من بينهم ستّمائة إلى سبعمائة من الجزائر وقسنطينة ونواحي تلمسان، كما حضر ثلاثة من تونس وحوالي خمسة عشر من المغرب وثلاثة من الصّحفيّين العرب، وصحفي من جريدة الأمّة، ومدير جريدة العدالة، والثّالث من الجزائر.

استُقبل ابن باديس ومرافقوه في محطة القطار وانطلق الوفد مشيا على الأقدام باتجاه دار الحديث وسط حشود من المواطنين، وقد شارك في التّنظيم الكشّافة الإسلامية إلى جانب مناضلين من حزب الشّعب، مردّدين سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.

الشّيء الذي أدهش الجاليتين الفرنسية واليهودية، وجعل الإدارة الاستعمارية تتوجس خيفة من هذه الحركة الإصلاحية وتبعث تقارير سوداء إلى مسؤول عمالة وهران.

وعند مدخل دار الحديث تقدّم الإمام الإبراهيمي مناولا المفتاح للإمام ابن باديس قائلا له:

أخي الأستاذ الرّئيس، لو علمت في القطر الجزائري بل في العالم الإسلامي رجلا له يد على العلم مثل يدكم، وفضل على النّاشئة مثل فضلكم لآثرته دونكم بفتح هذه المدرسة،ولكنّي لم أجد، فبِاسم تلمسان، وبِاسم الجمعيّة الدّينيّة بالخصوص أُناولكم المفتاح لتفتتحوها، فهل لهذه المدرسة أن تتشرّف بذلك؟“.

وتناول الرّئيس الإمام المفتاح وقال:

بسم الله الرّحمن الرّحيم ثمّ على اسم العروبة والعلم والفضيلة أفتح مدرسة دار الحديث، “رَبَّناَ أَنْزِلْناَ مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ، رَبَّناَ أَدْخِلْناَ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْناَ مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لَناَ مِن لَدُنْكَ سُلْطاَناً نَصِيراً. قُلْ جاَءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباَطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كاَن َزَهُوقاً.”

ودخل الحاضرون القاعة فاكتظّت. وبقيت الحشود خارجها ينادون الشّيخ ابن باديس ليلقي عليهم كلمة، فأطلّ عليهم من الشّرفة ومعه جمع من العلماء، وخاطبهم بقوله: “يا أبناء تلمسان، يا أبناء الجزائر، إنّ العروبة من عهد تبّع إلى اليوم تحيّيكم، وإنّ الإسلام من يوم محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى اليوم يُحيّيكم، وإنّ أجيال الجزائر من هذا اليوم إلى يوم القيامة تشكركم وتثني عليكم، وتذكر صنيعكم بالجميل، يا أبناء تلمسان كانت عندكم أمانة من تاريخنا المجيد فأدّيتموها فنعم الأمناء أنتم فجزاكم الله جزاء الأمناء والسّلام عليكم ورحمة الله.”

ودام الحفل مدّة ثلاثة أيّام متتاليّة، وشمل إلقاء الدّروس والمحاضرات والخطب والشّعر في المساجد والنّوادي، وهنا سجّل التّاريخ قصيدة شاعر الشّباب محمّد العيد آل خليفة التي تحتوي على ثمانية وأربعين بيتا بعنوان: تحيّة دار الحديث، مطلعها:

أحيّ بالرّضى حرما يزار *** ودارا تستظلّ بها الدّيار.

تحرّكت عيون الاستدمار لتخطّ تقريرا أسْودَ بعد دهشتها من عدد الحاضرين للحفل، وكان ليوم الافتتاح صدى واسع في الصّحف الفرنسيّة، فأسرعت إدارة الاحتلال لإغلاق أقسام دار الحديث بعد ثلاثة أشهر من افتتاحها (21 دجنبر1937) بحجّة التّدريس بدون رخصة. وعلى الرّغم من ذلك بقي التّدريس متواصلا بمرافق دار الحديث كقاعة المسرح وقاعة الصّلاة. إلى أن أَغلقتها الإدارة الفرنسيّة نهائيا في 25 ماي 1956 م فحوّلتها إلى ثكنة عسكريّة. فجيء باللّفيف الإفريقي بأمر من الوالي العام بوهران، وحجزت ممتلكاتها وأُلقي القبض على كثير من رجالها وشيوخها. واستعملها أصحاب شِعار (أخوّة، مساواة، حرّيّة) إلى مكتبٍ للاستنطاق والتّعذيب والإهانة، وما ذلك عليهم بغريب، تحت اسم المصلحة الإداريّة الخاصّة. (SAS)-Service Administratif Spécialisé-  

وبقيت على تلك الحالة المزرية التّي سجّلها التّاريخ عليهم بعرق المعذَّبين وأنين المعوّقين ودماء الشّهداء إلى يوم الاستقلال الخامس جوليت 1962م. وهي اليوم على أحسن حال، بفضل الله عزّ وجلّ ثمّ بفضل المؤمنين والمؤمنات، قال الله تعالى: “مِنَ الْمُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرْ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً.”

 

آخر التغريدات: