الشيخ ابن باديس والمؤتمر الإسلامي سنة 1936 م

الشيخ ابن باديس والمؤتمر الإسلامي سنة 1936 م

أول من فكر في عقده ودعا إليه في الجرائد الوطنية هو الشيخ عبد الحميد بن باديس صاحب مجلة الشهاب ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وقد كان ابن باديس من المؤمنين بأن المرجع في شؤون الأمة هو الأمة نفسها والواسطة لذلك هو المؤتمرات.

وكان الغرض من الدعوة إليه، وانعقاده هو محاولة جمع صفوف قادة الأمة على اختلاف مشاربهم السياسية من أجل الاتفاق على الحد الأدنى من المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يمكن لمختلف الاتجاهات السياسية في البلاد الاتفاق عليها.

وقد انعقد في نادي الترقي في اليوم السابع من شهر يوليو _جويلية_ سنة 1936 م وشاركت فيه حركة اتحاد المنتخبين المسلمين الجزائريين، والأعضاء الجزائريون في ‘’الحزب الاشتراكي الفرنسي’’، والأعضاء الجزائريون في ‘’الحزب الشيوعي’’ و ‘’جمعية العلماء’’، ولم يتخلف عن حضوره سوى ‘’حركة نجم شمال إفريقيا ‘’. لأنه لم ينعقد على أساس المطالبة باستقلال الجزائر التام .

وقد أسفر عن جملة من المطالب تتلخص في: 

– المطالبة بإلغاء القوانين الاستثنائية الأهلية ‘’ ncode de l i diginat ‘’، المسلطة على الجزائريين منذ عام 1874 م، ثم إجبارية التعليم الابتدائي بالنسبة للجزائريين أسوة بأبناء الأوربيين، وحرية التعليم باللغة العربية، وفصل الدين الإسلامي عن سلطة إدارة الاحتلال، والمحافظة على الشخصية الإسلامية للجزائريين إلى غير ذلك من المطالب الأخرى التي تندرج جميعها في نطاق الإصلاحات ضمن الوضعية الاستعمارية للبلاد. وقد عين المؤتمر وفدا ذهب إلى باريس لعرض مطالبه على المسؤولين في حكومة فرنسا ولكنه لم يحصل منهم على طائل . دوافع انعقاد المؤتمر كانت السلطة الحاكمة بقيادة الجبهة الشعبية في فرنسا التي استلمت الحكم في هذه الأثناء تلوح ببعض الإصلاحات التي عارضها المستوطنون الفرنسيون الذين يرفضون مجرد التفكير في منح الشعب الجزائري ابسط الحقوق.

-أما النخبة الجزائرية فكانوا يطالبون بالمساواة في بعض الحقوق _التمثيل والانتخاب _ منخدعين بما يلوح في الأفق من مظاهر كاذبة تختفي من ورائها أفكار التغريب …

-أعضاء حزب النجم تحفظوا على سياسة الجبهة الشعبية وابدوا مخاوفهم من نتائجها على مستقبل الوطن. -أما أعضاء جمعية العلماء الجزائريين فقد رأوا أن يقفوا موقفا وسطا من هذا الموضوع فلم يجاروا السلطة في مزاعمها ولم يرفضوا التعامل معها في الوقت ذاته. ورأوا أن في كلا الموقفين خطرا على المصلحة الوطنية. وهذا ما يفسر القرار الحكيم الذي اتخذه ابن باديس بدعوته إلى انعقاد المؤتمر -انعقاد المؤتمر بالجزائر سنة 17 /جوان/ 1936 م _ لجمع كلمة الأمة وتوحيد صفوفها حول المسالة الوطنية، والتصدي لما يخطط له المحتلون ويقوم به بعض الجزائريين تنفيذا لمخططات السلطة من ترويج لسياسة التغريب ونشر أفكار الاندماج…

وقد التقى على طاولة هذا المؤتمر: أعضاء النخبة، والعلماء، والشيوعيون، وقاطعه حزب النجم. وقد حرص العلماء أن تكون قاعدة العمل والنقاش في جلساته مركزة على مبدأ لزوم المحافظة على الشخصية. وقد اعترف بعض النواب في البرلمان الفرنسي بان هذا الشرط من اقتراح العلماء بل ذهب بعضهم إلى أن جعل ذلك من تعصب ابن باديس . مما يوضح أن مشاركة الحركة الباديسية في هذا المؤتمر إنما كان غير مرغوب فيها من طرف المحتلين . وذلك لإدراكهم أن ذلك إنما كان من اجل حماية الذاتية، والتصدي لما يحاك ضدها من مكائد. ويتضح هذا في قول ابن باديس’’…

ولما انعقد المؤتمر في 17 جوان 1936 م كان عمل العلماء فيه المحافظة على تلك الشخصية حتى أعلن المؤتمر بالإجماع لزوم المحافظة عليها فلما عرض مشروع ‘’بروجيه فيوليت’’، على وزارة الجبهة الشعبية الأولى التي كان وزيرا فيها، فور بروجيت -نزولا- عند كلمة الأمة فصرح فيه بلزوم المحافظة على الشخصية الإسلامية. فلما قامت سوق الكلام على هذا’’ البروجي ‘’ في هذه المدة الأخيرة.

صرح بعض النواب الفرنسيين من الجزائر أن المحافظة على الشخصية الإسلامية إنما هي وضع العلماء، وتطرفت صحيفة استعمارية كبيرة فجعلته من تعصب ابن باديس …’’ واستطاع ابن باديس في هذا المؤتمر من التصدي لدعاة الاندماج والتخلي عن مقومات الهوية الوطنية وهم أبناء الجزائر ممن تتلمذوا وتخرجوا من المدرسة الفرنسية. فانخدعوا بالسياسة الفرنسية معتقدين بتحقيق مطالبهم _الانتخاب والتمثيل _ وذلك بالتخلي عن الهوية الشخصية وهو يقول في هذا الشأن «وبعد فنحن الأمة الجزائرية لنا جميع المقومات والمميزات لجنسيتنا القومية، وقد دلت تجارب الزمان والأحوال. على أننا من أشد الناس محافظة على هذه الجنسية القومية وإننا ما زدنا على الزمان إلا قوة فيها وتشبثا بأهدابها. وانه من المستحيل إضعافنا فيها فضلا عن إدماجنا أو محونا…’’ كانت هذه القناعة من ابرز العوامل التي دفعت بالشيخ ابن باديس إلى المشاركة في هذا المؤتمر تحسيسا للأمة لما يحاك ضد شخصيتها من مكائد، وحرصا على جمع كلمتها وتوحيدا لقواها الفاعلة في الساحة السياسية بهدف مواجهة مؤامرة الاندماج والمحافظة على الذاتية.

وقد برهن ابن باديس بمساهمته هذه في هذا المؤتمر وحسن توجيهه لأشغاله عما يتميز به من حنكة سياسية ، وبعد نظر ووعي عميق بملابسات الواقع ومجريات الأحداث من حوله … مطالب جمعية العلماء في المؤتمر: هي في الحقيقة مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها . فقد كانت جمعية العلماء المسلمين تشترك مع بقية النخب الجزائرية في مطلب المساواة في الانتخاب والتمثيل، ورفع جميع الأوضاع الخاصة والأحكام الجائرة وبين مطالب خاصة بجمعية العلماء المسلمين

1- اعتبار العربية لغة رسمية

2- فصل الدين عن الدولة _تسليم المساجد للمسلمين _

3- تأسيس كلية دينية لتعليم الدين الإسلامي ولسانه العربي.

4- استقلال القضاء .

وقد دخل ابن باديس هذا المؤتمر لا رغبة في السياسة الشكلية وإنما ذودا عن هذه المطالب ولأجل ذلك دعا الأمة إلى الالتفاف حول هذه المطالب والتمسك بها. ورفض كل بديل عنها و بذلك يكون ابن باديس قد افسد على دعاة الإدماج خطتهم. *لاشك بان المتأمل لواقع الجزائر من جميع الجوانب في هذه الفترة ومطلب ابن باديس بالمساواة بين الشعب الجزائري وغيره –الاحتلال – ويحلل هذا الأمر بموضوعية وعقلانية وواقعية يدرك مدى حنكة الإمام ووعيه السياسي ورأيه السديد. لأنه كان يدرك موقعه وحقيقة التحديات والملابسات والإمكانيات و موازين القوى. نتائج المؤتمر لقد أسفرت مداولات المؤتمر على جملة من النتائج أهمها :

1- بلورة الفكرة الوطنية وتطور العمل السياسي .

2- اتحاد جميع العناصر المشتركة في المؤتمر على مبدأ المحافظة على الشخصية.

وباختصار هو المطالبة بإعطاء الجزائر جميع الحقوق على محافظتها على جميع مقوماتها.

وقد انبثق عن أشغال المؤتمر وفد يرأسه محمد الصالح بن جلول وشارك فيه من العلماء ، ابن باديس، و العقبي و الإبراهيمي . وقد حمل هذا الوفد هذه المطالب إلى باريس ، وتحاور مع السلطة الفرنسية هناك. وأبدى رأيه في المسالة الوطنية مكث هناك ثمانية أيام . *ومما يروى أن «دلادي الراديكالي » وزير الحربية الفرنسية قد علق على ابن باديس، وهو يتحدث عن المطالب الوطنية: يمكنكم أن تحصلوا على مطالبكم حينما تكون لكم مثل هذه –وهو يشير إلى المدافع المنصوبة في بهو القصر – فأجابه ابن باديس على الفور: اجل عندنا ما هو أعظم من هذه المدافع! عندنا قوة الله! ولكن ابن باديس، بعد عودته من فرنسا لم يكن يعلق آمالا على تلك الوعود التي أطلقتها فرنسا . خلافا لرئيس الوفد الذي كان متفائلا إلى ابعد الحدود .

وقد كتب الشيخ نداء إلى رئيس المؤتمر الإسلامي والى اللجنة التنفيذية « لقد علمتم أن الحكومة الفرنسية لم تجب أي مطلب من مطالب المؤتمر رغم وعد رئيس الوزراء يوم زاره الوفد بتنجيز بعضها المستعجل على رجاء أن تكون مطالب المؤتمر من أول ما ينظر فيه. غير أنه قد حدث اليوم ما دل على أن مطالب المؤتمر غير ملتفت إليها، ولا منظور فيها… فزيادة على ما في هذا التسويف والمماطلة فانه دليل قطعي على أن مطالب المؤتمر لاعبرة لها… وعليه فإنني «كمسلم جزائري » اطلب من سيادة الرئيس أن يأمر اللجنة التنفيذية للمؤتمر بان تجتمع في الخامس عشر من أوت الجاري . هذا وأنا الآن قد أديت أول واجب من واجباتي في الوقت الحاضر بهذا النداء والله المستعان على تمام الواجبات الأخرى .» فمن خلال هذا النداء … نجد أن ابن باديس قد شدد اللهجة تجاه الاحتلال.

وقد دعا إلى عقد مؤتمر ثان للنظر في هذه المستجدات. واتخاذ موقف موحد والتغيير من أساليب الجهاد وذلك بالانتقال من المطالبة والانتظار إلى إعلان الثورة على الغاصبين، وهذا ما نلحظه في بيانه بعنوان _هل آن أوان اليأس من فرنسا؟ …« كذب رأي السياسة وساء فالها، كلا والله لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر الذي يقعدنا عن العمل، وإنما تدفعنا إلى اليأس الذي يدفعنا إلى المغامرة والتضحية. أيها الشعب الجزائري! أيها الشعب المسلم! أيها الشعب الأبي! حذار من الذين يمنونك، ويخدعونك. حذار من الذين ينومونك ويخدرونك. حذار من الذين يأتونك بوحي من غير نفسك وضميرك، ومن غير تاريخك وقوميتك ومن غير دينك وملتك.


آخر التغريدات: