أسرار في حياة الشيخ  عبد الحميد بن باديس

أسرار في حياة الشيخ عبد الحميد بن باديس

مازالت حياته الشيخ عبد الحميد بن باديس لغزا لم يكشف عن الكثير من أسرارها، والباحثون يعجزون عن إيجاد تفسير لبعض الأحداث الغامضة، وفهم طبيعة رجل كان والده أحد أعيان المدينة وشحت فرنسا صدره بأوسمة الشرف فيما يحارب هو الاستعمار والبدع وغيرها من علامات الاستفهام التي حاولت بعض الأقلام الإجابة عنها، والتي تحتاج اليوم من أخيه، وآخر عنقود من العائلية الباديسية، الكشف عن أسراها، وعدم الاحتفاظ بها في صدره وفي أرشيفه، وهو يقف اليوم على عتبة 92 سنة، ومن حق الجيل الجديد أن يعرف الحقيقة ولا شيء غيرها ، فتكون تلك أحسن خدمة يقدمها لأخ ما زال يبكي فراقه لحد الآن، بدلا من السكوت الذي يعطي فرصة لمن يحاولون تشويه صرخة  من قال حاد عن أصله فقد كذب.

 العثور على دفتره الدراسي الذي يعود إلى أكثر من قرن

عثر أخ عبد الحميد بن باديس خلال انكبابه في الفترة الأخيرة على فرز الكتب التي تركها شقيقه والمقدرة بحوالي 1000كتاب ، على دفتره الدراسي الذي يعود إلى سنة 1910 ، أي أكثر من قرن، يضم 47 صفحة تقدم حقائق جديدة عنه تفند الكثير من المعلومات التي ارتبطت بمسيرته، من سفرياته وإجازاته العلمية، وعدد أساتذته الذي يتجاوز الرقم المتفق عليه من طرف المؤرخين والباحثين، وسنوات تأهيله وتخرجه من جامع الزيتونة بتونس، والأماكن التي أقام بها، وغيرها من الأدلة الجديدة الموثقة في هذا السند التاريخي الهام الذي سلمه إلى رئيس مؤسسة بن باديس الأستاذ والباحث الجامعي عبد العزيز فيلالي من أجل نشر ما جاء فيه من معلومات غير معروفة للباحثين والمؤرخين.

ومكتبة بن باديس الموجودة حاليا ببيت عائلته بحي القصبة قال عبد الحق بأنه قام بجمعها بنفسه بعد وفاة أخيه من مسجد سيدي قموش ومدرسة التربية والتعليم ، حيث وصل عدد ما تم فرزه إلى حد الآن 650 كتابا، بالإضافة إلى المجلات والوثائق ، بعضها يحمل ملاحظات كتبها بخط يده.

كان يستمع للمالوف أحيانا وكتب ملاحظات بالفرنسية

وأكد شقيقه بأن عبد الحميد كان يستمع إلى موسيقى المالوف أحيانا ، ويحضر أفراح العائلة التي كان يحييها الفنان اليهودي ريمون صهر أنريكو ماسياس وفنان عربي آخر، قال أنه عندما كان يحضر أعراسهم يتوقف ريمون عن الغناء، لأنه لا يستطيع مجاراته لقوة صوته وعذوبته. وأنه كان يدعو لتعليم المرأة ونيلها أعلى الشهادات، فقام بكتابة رسالة لحفيدة الأمير عبد القادر سنة 1939 لطلب مساعدتها من أجل تمكين تلميذاته من متابعة دراستهن بدمشق . ويحرص على تقديم درس للنساء بالجامع الأخضر مرة في الأسبوع، حيث كان آخر درس قدمه قبل وفاته للنساء.

لما طلق زوجته هو الذي غادر البيت وكان آخر درسه للنساء

 كما قدم شقيقه معلومات جديدة عن أخيه تخص علاقته بزوجته، نفى فيها أن تكون هربت من البيت بسبب انشغاله عنها ، وأكد بأن ابنة عمه يامنة التي تزوجها عبد الحميد  كانت تقيم معهم في البيت العائلي مع أخت وأخ آخر لها ، تكفل والده برعايتهم بعد وفاة عمه. ولما بلغت سن الـ15 من العمر زوجها لإبنه البكر . وكان من عادة عائلتهم الكبيرة أن يستقل الأبناء الكبار بحياتهم ويتركون مكانهم لغيرهم ، حيث انتقل أخوه للإقامة بمدرسة التربية والتعليم مع زوجته ، ولما أراد العودة من جديد إلى بيت العائلة بعد شغور عدد من الغرف ، رفضت الإستجابة لرغبته . فحاول إقناعها عدة مرات على أمل تغيير رأيها ، وأمام تمسكها بموقفها طلقها . لكنه لم يطردها من البيت، وفضل أن يغادره هو ليتركها تقيم به. و لما حاولنا أن نعرف كم استمر زواجهما، قال أنه لا يتذكر ذلك، كما أنه لا يعلم إن كانت أعادت الزواج أم لا، لأنها هاجرت مع أخيها وأختها إلى تونس، حيث أقاموا هناك إلى أن وافهم الأجل. 

والده كان يقيم ولائم للفرنسيين لإلهائهم عن إبنه

وحول عدم سجنه من طرف المستعمر على غرار رفاقه في جمعية العلماء المسلمين أوضح بأن والده الذي كان يعمل في الإدارة الفرنسية تعرض إلى مضايقات من طرف السلطات الفرنسية بسبب ابنه عبد الحميد ، أدت إلى تعرضهم إلى ضائقة مالية خانقة، دفعته إلى بيع مزرعته بواد زناتي وبيع ديار لهم تقع بالقرب من ثانوية حيحي المكي بمدينة قسنطينة. وأن عبد الحميد نفسه اعترف بفضل والده في توفير الحماية له عند إقامة احتفالية خاصة بختمه تفسير القرآن، رد فيها على من مدحوه بأن الفضل فيما حققه لوالده الذي « رباني وبراني كالسهم وكفاني «

ومن بين الطرق التي كان يستعملها لحمايته ذكر الأستاذ عبد العزيز فيلالي أنه خلال حفل ختم تفسير القرآن الذي أقيم بكلية الشعب الذي حضره جمهور غفير قدم من جميع أرجاء البلاد، أقام والده مأدبة عشاء لمدة يومين في مزرعته بالهرية دعا لها موظفو الإدارة الفرنسية لإبعاد عيونهم عن حفل ولده وعدم عرقلته.

وهو من استخرج له رخصة أيضا من الإدارة الفرنسية لكي يدرس بالجامع الأخضر لما طرده مفتي مسجد الجامع الكبير. 

وأن الشيخ البشير الإبراهيمي كما أضاف شقيقه عبد الحق « كان بارد لكتاف « لأنه كان يفترض أن تسجن فرنسا رئيس جمعية العلماء المسلمين وليس نائبه. 

ونفى أخوه أيضا  أن يكون إسماعيل عبده إبن عبد الحميد بالتبني ، كما أسر لن بعض المقربين من العائلة، وأكد بأنه من صلبه. وأوضح الأستاذ عبد العزيز فيلالي بأن جده تكفل برعايته بعد طلاق والدته، وانشغال والده بالتدريس والرحلات العلمية. مؤكدا بأن وفاته كانت نتيجة إصابته بطلقة نارية عن طريق الخطأ من بندقية حارس مزرعة العائلة ببلدية الهرية، وهو ما يؤكده تقرير الدرك، وأن أهل البيت أدرى بما حدث، وذلك ردا على من شككوا في مقتله. 

ملاحظات بالفرنسية كتبها بخط يده

هل كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يحسن الفرنسية ؟ يقول أخوه بأن هناك بطاقة بريدية أرسلها للعائلة من بور سعيد بمصر كتب عليها عنوان بيتهم العائلي بالفرنسية بخط « مخربش» مذيل بتوقيعه، كدلالة على أنه لم يكن يحسن لغة فولتير. فيما أكد عبد العزيز فيلالي بأن الشيخ كان يحسن الفرنسية متأثرا في ذلك بعائلته التي تتحدث الفرنسية، وجميع إخوته الذكور تخرجوا من المدرسة الكولونيالية، بالإضافة إلى تقديمه دليلا آخر يشير إلى تمكنه من هذه اللغة، وذلك من خلال مسودة للقانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين بالفرنسية قام بتعديل بند منها، من خلال ملاحظة كتبها بخط يده بالفرنسية وموقع عليها. 

لا فدوة ولا طعام في جنازته

وعند وفاته حمل نعشه تلاميذته فقط، بهدوء ونظام كما كان يوصيهم بالهدوء دائما . وخلت جنازته من البدع التي حاربها ، فلم تقم عليه « لا فدوة ولا طعام « كما أكد أخوه . و شاركت النساء في تشييع جنازته ، من تلميذاته ونساء قدمن من مختلف ربوع الوطن ، وذلك لأول مرة في تاريخ مدينة قسنطينة المحافظة.

نساء سرن خلف جنازته لأول مرة في تاريخ المدينة

خلف باب سميك مصنوع من الخشب تغطيه طبقة رقيقة من حديد باللون الأخضر ومزخرف بالنحاس الأصفر يعود إلى عهد الأتراك ، تقيم عائلة الشيخ عبد الحميد بن باديس في الممر الذي يحمل أسم جده المكي الواقع بحي القصبة العتيق غير بعيد عن قصر أحمد باي بمدينة قسنطينة. وعلى خلاف أبواب الجيران الحديدية التي استعانت بالجرس الكهربائي ما زال البيت الذي عاش فيه مؤسس جمعية العلماء المسلمين يحتفظ بحلقة حديدية لقرع بابه، واحدة من الحجم الكبير في دفته اليمنى خاصة بالكبار، والثانية من الحجم الصغير بمستوى طول الأطفال على دفته اليسرى، وقد اضطررنا إلى طرق الباب عدة مرات حتى اعتقدنا أنه لا أحد في المنزل، إلا أن أحد الجيران أشار إلينا بطرقه بقوة لأن البيت كبير وقد لا يسمعنا من بداخله، وبعد انتظار طويل أطل علينا أحد أحفاد العائلة، ولما علم بالمهمة التي حضرنا من أجلها اعتذر لأنه ليس مخول له الحديث عن العلامة، واكتفى الحفيد عبد السلام بالإشارة إلى وسط الدار ذات الأرضية الرخامية، تطل عليها عدة غرف ما زالت هي الأخرى تحتفظ بأبوابها القديمة المزخرفة، وقال فوق هذه الأرضية وضع نعش أخ جده، حيث كان المعزون الذين توافدوا بعشرات الآلاف من مختلف ربوع الوطن، قدر عددهم بحوالي 90 ألف شخص ، يلفون حول جثمانه ويغادرون المكان،  ليفسحوا لغيرهم بإلقاء النظرة الأخيرة عليه، مما اضطر والد عبد الحميد بن باديس إلى دفنه في نفس اليوم لتفادي الازدحام الذي أغلق جميع الطرق المؤدية إلى البيت .

ولتخليد ذكرى جده قال بأنه حرص على جمع صور نادرة له مع بعض القصاصات التي نشرت في جريدة « لا ديباش « وأعداد من مجلة الشهاب، قدمها لجمعية « أصدقاء متحف  سيرتا « لعرضها بمناسبة يوم العلم، وذلك على أمل أن تنتشر صور أخرى للشيخ عبد الحميد بن باديس في وضعيات وأماكن مختلفة داخل الوطن وخارجه، ولا تقتصر فقط على تقديمه في جميع المناسبات بنفس الصورة الوحيدة التي حفظتها الأجيال له في وضعية المفكر (السبابة على الجبهة والإبهام على الخد(

واعتذر لأن الشخص الوحيد الذي يمكنه أنيفيدنا في مهمتنا وهو عمه عبد الحق  الأخ الأصغر للشيخ عبد الحميد لم يكن موجودا في البيت ، وحدد لنا موعدا في اليوم الموالي لمقابلته. وبمتحف سيرتا أطلعنا رئيس جمعية أصدقاء متحف سيرتا إبراهيم لازاري على مجموعة حفيد عائلة بن باديس التي كان من المقرر عرضها عبر بعض المعارض التي افتتحت أبوابها منذ الأسبوع الأول من شهر أفريل بمدينة قسنطينة، لكنه تأجل عرضها، ولم يحدد موعدا آخر لها، تحمل في إحدى قصاصاتها النادرة تشكر والد العلامة لكل من عزى العائلة في فقدانه، من عائلات وشخصيات المدينة من عرب وفرنسيين، وأخرى تتحدث عن محاولة اغتياله. بالإضافة إلى صور التقطت بتاريخ 22 جوان 1939 لتلميذات جمعية التربية والتعليم الإسلامية تضم واحدة منها 30 تلميذة صغيرات في  السن، و25 تلميذة في صورة أخرى لتلميذات أكبر سنا من المجموعة الأولى، تشكل صور تذكارية لآخر السنة، بدت فيها بعض التلميذات بلباس تقليدي « قندورة القطيفة « من بينهن من تضع « الطاسة « فوق رأسها، وهي قطعة مصنوعة من القطيفة ومطرزة بأسلاك الذهب تشبه « العرّاقية « كانت تميز بنات العائلات الميسورة في تلك الفترة ، فيما ارتدت أغلب التلميذات ملابس عادية، وبعضهن يضعن منديل الرأس، لكنهن يشتركن جميعا في تسريحة الظفائر المجدولة وشعرهن الطويل الذي كان يقاس به جمال المرأة. كما التقطت عدسة المصور لقطة تذكارية لتلاميذ ذكور وإناث معا وإلى جانبهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي يظهر في صورة أخرى يطل من شرفة فندق يحمل نجمة داوود يلقي خطابه على الجماهير الواقفة في الشارع محاطة برجال الأمن الفرنسي الذين كانوا يتبعون خطواته أينما ذهب .

معالم أثرية عرضة للتخريب والإهمال وأخرى تم مسحها من المدينة

المطبعة ومكتبه ومذياعه و برنوسه و مخطوطاته وأغراضه الخاصة عشش فيها العنكبوت

بحي « ربعين شريف» الذي يحمل اليوم اسم العلامة بن باديس توجد العديد من المعالم الأثرية التي ارتبطت بسيرة حياته ، لكنها للأسف الشديد لا تحظى بأي اهتمام ، وبعضها يعاني من الإهمال ، بل إن أول مدرسة أنشأها وهي « مدرسة التربية والتعليم « تعرضت إلى محاولة طمس تاريخها من خلال تغيير اسمها إلى « رقية بنت العربي التبسي « على اسم المديرة التي تولت تسييرها لعدة سنوات بعد وفاتها، ونقل تسمية التربية والتعليم إلى متوسطة بحي القصبة. وهو الموضوع الذي أثارته جريدة النصر حينها، وتم تصحيح الوضع وإعادة اللافتة السابقة إلى مكانها .

والمطبعة التي أصدرت العديد من مؤلفات الشيخ ابن باديس وعلى رأسها جريدة الشهاب، والواقعة أسفل بناية «حمام بولمزايب « وسط هذا الحي الشعبي ، وتضم مكتبه وكرسيه ومذياعه القديم وبرنوسه وأخر مخطوطاته وغيرها من أغراضه الخاصة، تكتفي البلدية بفتح أبوابها في يوم العلم ثم تعيد غلقها، لكنها في السنوات الأخيرة أبعدته من أجندة برنامجها لهذه المناسبة، وقد عشش فيها العنكبوت على حد تعبير الأستاذ الجامعي ورئيس مؤسسة ابن باديس عبد العزيز فيلالي الذي كشف لنا بأنه قد تقدم باقتراح إلى والي الولاية من أجل نقل آلات الطباعة وأغراض الشيخ إلى متحف سيرتا للحفاظ على هذا الإرث التاريخي الهام من الضياع لأن البلدية لم تعد قادرة على حمايته . والإدارة القريبة من مدرسة التربية والتعليم التابعة لجمعية العلماء المسلمين  تحولت إلى مكتبة تنتشر حولها دكاكين بيع مستلزمات الخياطة والطرز بشكل ملفت، أدى إلى مسح عدة مكتبات من الحي ونشاطات أخرى لم تعد مربحة .

ومعهد ابن باديس الواقع بمدخل حي السويقة الشعبي تعرض إلى التخريب وتغيير الكثير من معالمه، بعد أن قامت البلدية بإيواء العائلات المنكوبة داخله لسنوات طويلة في ظل أزمة سكن خانقة، أدت إلى إلحاق أضرار بليغة به، واستجابة للنداءات التي دعت إلى حمايته  تم إسناد مهمة ترميمه إلى مقاولة بناء خاصة، قامت بهدم ما بقي واقفا من جدرانه، وتخريب الفسيسفاء التي كانت تزينه ، حيث تداول على إعادة بنائه عدة مقاولين . والبناية الجديدة التي استغرق إنجازها عدة سنوات تعاني اليوم من تشققات يمكن ملاحظة البعض منها عند سلم المدخل.

والبيت الأول الذي شهد ولادته، والواقع بزنقة عبد الله باي بحي «السيدة» بالسويقة وليس ببلدية الخروب كما حاول موظفون بها الترويج لذلك ، اختفت اللوحة التي تحمل إسم « ممر بن باديس « كما أكد لنا أخوه عبد الحق. 

وقد كان يفترض أن تتكفل مؤسسة ابن باديس  بالحفاظ على هذا الإرث، حسب الهدف الرئيسي من إنشائها، لكن الصراع على تولي رئاستها، خاصة بعد تزكية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لهذه الخطوة ، أسال لعاب من يبحثون عن تحويل تاريخ العلامة إلى سجل تجاري ، حيث تداول عليها أربعة مسيرين منذ تأسيسها سنة 2000، مما جعل تحقيق هذه المهمة مستحيلة .

سيدي حامد  لم يكن سلفيا متشددا و عفا عن من حاول إغتياله

بمؤسسة ابن باديس الواقعة بشارع العربي بن مهيدي المعروفة باسم « المدرسة» التقينا بعبد الحق بن باديس الأخ الأصغر للعلامة ، وأخر من بقي من إخوته الذين توفوا جميعهم ، والمولود سنة 1920 ، عن عمر يناهز حوالي 92 سنة كما دقق على ذلك وهو يبتسم عندما ذكرنا أمامه بأن يبلغ من العمر 92 سنة فقال « لا مازال، عندي 91 سنة وشوية» ، ولولا أنه ذكر لنا تاريخ ميلاده لاعتقدنا بأنه أصغر من ذلك بكثير، وهو الذي ما زال يتمتع بصحة ونشاط ، وقد حضر من بيته العائلي الواقع بحي القصبة إلى غاية مقر مؤسسة بن باديس مشيا على الأقدام . وهي إحدى أسرار عافيته ولياقته كما أخبرنا وهو يضحك، عندما حاولنا أن نعرف سر احتفاظه بهذه الحيوية والقامة المستقيمة في هذه السن المتقدمة، بالإضافة إلى احتفاظه بذاكرة قوية يسرد فيها أدق التفاصيل عن أحداث قديمة. قال أن من أسرارها أيضا التزامه بمواعيد أكله، وعدم الإفراط في ملء معدته ، وتفادي استعمال الزبدة ، والإكتفاء بقليل من القهوة في فطور الصباح، ما عدا ذلك فهو يأكل جميع أنواع الأطعمة .

وبصوت هادئ رزين راح يجيب عن أسئلتنا بصدر رحب ، فعرفنا بأنه تتلمذ على يد أخيه بالجامع الأخضر ، بعد اجتيازه المرحلة الإبتدائية بمدرسة التربية والتعليم التي كانت وقتها محددة بفترة أربع سنوات .لكن في السنة الرابعة متوسط توفي أخوه ، فأكمل تعليمه الشيخ مبارك الميلي إلى أن تحصل على شهادة الأهلية.
وأنه طيلة الثلاث سنوات التي درسها عند أخيه لم يكن يحظى بأي امتيازات و كان يلقى نفس المعاملة التي يتعامل بها مع بقية الطلبة . وحتى عندما أهداه 4 كتب لتشجيعه على المطالعة لم يسلمها له بنفسه، و قدمها له الشيخ أحمد بوشمال ، وهي « كليلة ودمنة» و « كمال أتاتورك» وجزئين من السيرة النبوية، على أساس أن هذا الأخير هم صاحب هذه الهدية ، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه كما قال بأنها كانت من عند أخيه .

وأن والده كان يحترم ابنه البكر عبد الحميد وكأنه هو الكبير، في علاقة احترام متبادلة. ويتذكر بأنه في إحدى المرات غضب والدهما فقال « إنما أموالكم وأولادكم فتنة لكم «  فرد عليه عبد الحميد « والله عنده أجر عظيم « فضحك والدهما وهدأت أعصابه.

كان يحظى بكل الاحترام من طرف عائلته

وأكد بأنه لم يكن متشددا مع أفراد عائلته ، حيث كان يتميز بالهدوء ، وفي أحد أيام شهر رمضان وأثناء جلوسه حول مائدة الإفطار مع أبناء عمه ووالده ، بعد أداء صلاة المغرب ، استدار نحو أخيهما عبدالملك الذي كان يجلس حول الطاولة مع بقية إخوته وسأله «لماذا لا تصلي ؟». فرد عليه « يا سيدي حامد» وهذا هو الإسم الذي كانوا ينادونه به أو الإكتفاء بكلمة « سيدي «، فيما كان والدهما يدعوه باسم « الشيخ» وقال له « يقولون العالم يدخل 40 شخصا معه الجنة « في إشارة إلى أخيه العلامة ، فأجابه الشيخ « هذي ما كان واحد يعلم بها « فضحك عبد الملك وقال له « صار أنت فالشك» فرد الشيخ « آه.. آه .. يا لطيف « وهو يبتسم . فلم يكن يفرض رأيه أو يتعصب في دعوته للدين ، بل كان كما أكد لنا متسامحا ورؤفا عفا حتى عن الشخص الذي حاول اغتياله ، وهو الشيخ بن عليوة شيخ طريقة مستغانم ، الذي أرسل أحد مريديه لاغتياله بمدينة قسنطينة ، حيث اندس وسط طلبته بالجامع الأخضر وترصد خطواته للتعرف على مكان بيته ، حيث تربص له أثناء خروجه لأداء صلاة الفجر ، وبعد أن ضربه بقطعة خشب صلبة على رأسه ، حاول جره إلى الدهليز الذي كان يختبئ داخله لقتله بالسكين من نوع « بوسعادي « الذي كان يحمله معه ، لكن عبد الحميد قاومه وصرخ لطلب النجدة ، فسارع الجيران إلى إلقاء القبض على هذا الشخص . ولما استفسروا منه إن كان أراد قتله نفى ذلك . وخلال زيارة المصالحة التي ذهب فيها بنفسه إلى مدينة مستغانم وإلقاء كلمة بالمناسبة لم يتعرض له بالتجريح ، فدعاه إلى زيارة زاويته وقام بخدمته بنفسه كرد على موقفه النبيل منه .

وأكد الأستاذ الجامعي عبد العزيز فيلالي بأن مؤسس جمعية العلماء المسامين  لم يكن أبدا سلفيا متشددا ، كما تناولت ذلك بعض الكتابات التي ربطت بين سفره إلى المملكة العربية السعودية وتأثره بالفكر الوهابي المتشدد، مبينا بأن عبد الحميد وهو في البقاع المقدسة تتلمذ على يد ثلاثة أساتذة لم يكن من بينهم أي أستاذ حجازي ، وهم معلمه السابق حمدان الونيسي الجزائري وآخر أستاذ تونسي والثالث من الهند.

وهي نقطة كما قال تستحق الوقوف عندها لفهم سبب عزوفه عن أخذ إجازات علمية من علماء السعودية ، رغم أنه كان يحرص في جميع سفرياته على الإستفادة من علماء الأقطار التي يزورها.

طبقه المفضل لحم خروف على البخار

وباستثناء حرصه على الإفطار على حبات الدقلة، لم يكن متطلبا في شهر رمضان أو في غيره من أيام السنة، يأكل مما تأكله العائلة، فقط أحيانا كما قال لنا أخوه يحضر لحم الخروف معه، لتحضير طبقه المفضل ، يتم طهيه بواسطة البخار ويرش فوقه الكمون . وهو طبق غير معروف في مدينة قسنطينة لم يستبعد أن يكون الشيخ قد تذوقه ببعض الأقطار التي زارها للدراسة .

كما أنه لم يكن يتناول فطور الصباح في البيت إطلاقا ، فيذهب مباشرة لأداء صلاة الفجر بالجامع الأخضر، وكان محدثنا من بين الذين يحضرون العروة الوسطى ، حيث يتم غلق باب المسجد لأن هذه الدروس كانت ممنوعة ، بعدها يقصد عبد الحق البيت ليحضر له الفطور في قفة . وعندما توفي رحمه الله ، استخلفه في تقديم الدروس الشيخ مبارك الميلي ، فبقيت عائلة بن باديس محتفظة بهذه العادة . هنا يسكت وقد غلبته دموعه ، ويبكي بحرقة ، ثم يواصل حديثه بصوت متهدج ، مشيرا إلى أنه كان يتوقف في سقيفة الدار يبكي فراقه وهو يحمل قفته لشيخه الجديد

وأحيانا كان عبد الحميد يتناول غذاءه خارج البيت ، وفي إحدى المرات لم يتناول وجبة الغذاء ، فقام أحد تلاميذه بشراء الشواء له فرفض أكله ، لأنه لم يرغب في أن يأكل الشواء وتلاميذه يتغذون بالخبز واللبن ، كما أضاف الأستاذ عبد العزيز فيلالي الذي حضر هذا اللقاء ، وقال بأن ابن باديس رد على تلميذه « أنا ابن محمد المصطفى ولو طلبت الأكل لأحضروا لي أحسنه ، لكني أتناول مما تأكلون « وذلك تواضعا منه.

سيناريوهات مؤجلة تبحث عن التمويل

باستثناء بعض الأفلام الوثائقية المصنفة بـ»النادرة» والتي تم عرضها سابقا في مدينة قسنطينة، واحد منها يظهر جنازة الشيخ عبد الحميد بن باديس، مدته دقيقة واحدة، وآخر مدته أربع دقائق يظهر فيه بالصوت والصورة أثناء افتتاحه لدار الحديث بتلمسان، وحضوره حفلا أندلسيا أقيم بهذه المناسبة، لم ترى المؤلفات التي تناولت سيرته النور، منها سيناريو للأديبة زهور ونيسي، استغرقت حوالي 6 سنوات في جمع مادته، معتمدة على شهادة أخيه عبد الحق وبعض الوثائق التاريخية، و آخر للأستاذ والباحث الجامعي عبد الكريم بوصفصاف قيل بأن تكلفة إنجازه تتجاوز 20 مليار سنتيم.

وهذه الأعمال جميعها يقول شقيق عبد الحميد بن باديس أنه لم يطلع عليها، ولم تأخذ الجهات التي تناولت سيرته موافقته لعرضها في أفلام أو مسلسلات، ولم يعلم بأن الأديبة زهور ونيسي التي أخذت أقواله بأن ذلك يدخل في كتابة سيناريو فيلم أو مسلسل، وإن كان يشجع هذه المشاريع التي من شأنها تخليد شخصيته للأجيال .

كما كشف عبد العزيز فيلالي بأنهم كمؤسسة بن باديس متى وجدوا سيناريو جيدا سيدافعون عليه من أجل حصوله على تمويل الدولة على غرار الشخصيات التاريخية التي تم تجسيدها في أعمال تلفزيونية وسينمائية، وأنه سيعمل باعتباره عضو بالمجلس العلمي للمركز الوطني للحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر على إعطاء الضوء الأخضر لمثل هذه المشاريع .

 

* عن يومية النصر

 

آخر التغريدات: